فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 240

وقد نَسَب هذا القولَ لابن عباس، وتبعه الزجاج في ذلك على تأويلٍ فيه إذ قال:"وقد قيل أيضًا استوى أي صعد أمره إلى السماء" [1] .

ونلاحظ هنا أن أكثر العلماء هرب من هذا القول تنزيها لله سبحانه وتعالى مما يحتمل أن يكون تشبيها، وقد ردّ هذا الاحتمال الأمامُ ابن جرير ونصر قوله بكلامٍ متين إذ يقول:"وَالْعَجَبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ هَرَبًا عِنْدَ نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُلْزِمَهُ بِزَعْمِهِ إِذَا تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَاهُ الْمُفْهِمِ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا عَلَا وَارْتَفَعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَحْتَهَا، إِلَى أَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَجْهُولِ مِنْ تَأْوِيلِهِ الْمُسْتَنْكَرِ، ثُمَّ لَمْ يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ مِنْهُ. فَيُقَالُ لَهُ: زَعَمْتَ أَنْ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: {اسْتَوَى} [البقرة: 29] أَقْبَلَ، أَفَكَانَ مُدْبِرًا عَنِ السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقْبَالِ فِعْلٍ وَلَكِنَّهُ إِقْبَالُ تَدْبِيرٍ، قِيلَ لَهُ: فَكَذَلِكَ فَقُلْ: عَلَا عَلَيْهَا عُلُوَّ مُلْكٍ وَسُلْطَانٍ لَا عُلُوَّ انْتِقَالٍ وَزَوَالٍ. ثُمَّ لَنْ يَقُولُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ" [2] .

وقوله هذا في غاية النفاسة، واختياره في الآية له وجهه وقوته، والآية تحتمل القولين، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: إن الاستواء إلى السماء هو

(1) معاني القرآن وإعرابه (1: 107) وهذا التأويل للأقوال عند نسبتها لأصحابها أمر ملاحظ في صنيع عدد من أهل المعاني وبعض المفسرين، فهنا أُوِّل قول ابن عباس كما اُوِّل قول الربيع بن أنس السابق إذ قال أبو حيان:"عَلَا وَارْتَفَعَ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالتَّقْدِيرُ: عَلَا أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ، واختاره ابن جرير"فهنا لم يسلم حتى اختيار الطبري من التأويل! ولعله أخذه من ابن عطية إذ قال:"معناه علا دون تكييف ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه"وكان ينبغي أن تنسب الأقوال كما وردت، ولا تتدخل فيها الفهوم فيقع الخلط بين الاصطلاح والمفاهيم، وهو أمر في غاية الأهمية في معرفة اصطلاحات العلماء، وهي قضية تستحق بحثًا وتتبعًا.

(2) جامع البيان (1: 475)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت