الصفحة 3 من 17

وقد جاء في جامع العلوم الملقب بدستور العلماء للأحمد نكري: (الحق في اللغة: الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ... وفي إصلاح أرباب المعاني هو: الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك الحكم، ويقابله الباطل) (12) .

ومن التعاريف الأخرى التي كانت محل نقد:

أ ـ تعريف ابن نجيم في البحر الرائق بقوله: (والحق ما يستحقه الرجل) ، وتعريف الزيلعي في تبين الحقائق بقوله: (والحق ما استحق الإنسان) . فهذان

التعريفان يكتنفهما الغموض لعموم لفظ (ما) ، ولما يلزم فيهما من دور (13) .

ب ـ وعرفه الشيخ عبد الحليم اللكنوي في حاشيته (قمر الأقمار على نور الأنوار شرح المنار) قائلًا: (الحق الموجود والمراد هنا حكم يثبت) . وقد انتقد هذا التعريف بأنه غير قويم؛ لأن الحكم في اصطلاح الأوصوليين هو خطاب الشارع ... وواضح أن الحق ليس الخطاب، إنما هو أثر الخطاب، وإن أريد بالحكم هنا اصطلاح الفقهاء ـ أي: أثر الخطاب ـ فالتعريف غير مانع، لأن الأثر لا يقصر على ما جعله الشارع ثابتًا ولازمًا، بل يشمل أيضًا ما جعله الشارع مباحًا، كما يشمل أيضًا الأحكام الوضعية، وبذا يكون هذا التعريف تعريفًا بالأعم، فكل حقٍ حكم، وليس كل حكمٍ حقًا، فعلى ذلك يكون التعبير بلفظ (الحكم) مبهمًا لا يبين حقيقة الحق وعناصره التي يجب أن يكشف عنها التعريف (14) .

جـ ـ وعرف القرافي في الفروق حق الله: بأنه أمره ونهيه، أي: الخطاب نفسه، وحق العبد: بأنه مصالحة (15) ... ثم علق على ذلك بقوله: (ما تقدم من أن حق الله تعالى أمره ونهيه مشكل بما في الحديث الصحيح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال(حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) (16) . فيقضي أن حق الله تعالى على العباد نفس الفعل، لا الأمر به، وهو خلاف ما نقلته قبل هذا.

والظاهر أن الحديث مؤول، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلقه الذي هو الفعل.

وبالجملة: فظاهره معارض لما حرره العلماء من حق الله تعالى، ولا يفهم من قولنا: الصلاة حق الله تعالى إلاّ أمره بها، إذ لو فرضنا أنه غير مأمور بها لم يصدق

أنها حق الله تعالى، فنجزم بأن الحق هو نفس الأمر، لا الفعل، وما وقع من ذلك مؤول (17) .

وقد منع ابن الشاط في حاشيته على الفروق (18) أن يطلق حق الله على أمره ونهيه، وبين: أن حق الله متعلق أمره ونهيه، وهو عبادته. فحق الله: فعل الإنسان ليس غير. واستدل على هذا بدليلين:

الأول: ظاهر النصوص كقوله تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلاّ ليعبدون (( 19) ، وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (حق الله على عباده: أن يعبدوه، لا يشركوا به شيئًا) والعبادة فعل لا حكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت