الصفحة 2 من 14

جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيق مصالح الناس هذه المصالح التى تقوم على جلب المنافع ودرء المفاسد لمقومات الحياة الخمس وهى الدين، والنفس، والعقل، والمال والعرض أو النسل، وفي مستوياتها الثلاث الضروريات، والحاجيات، والكماليات، ومن أجل ذلك اشتملت الشريعة الإسلامية على الأحكام المنظمة للتصرفات المالية كسبًا وانفاقًا حيث تناولت الطرق والأساليب والإجراءات التى تؤدى إلى المحافظة على الأموال وصيانتها وتحقيق أفضل نفع منها إلى جانب بيان الأمور المنهى عنها في هذه التصرفات باعتبارها مفاسد تؤدى إلى ضياع الأموال، وعلى المسلم أن يطع اللَّه ورسوله في كل ما يتعلق بتصرفاته المالية وأن لا يتعدى الحدود التى رسمها اللَّه استجابة لقوله تعالى {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [1] .

ومن مما لاشك أن طاعة اللَّه عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم في التصرفات المالية تحقق أفضل نفع منها، وأن تعدى حدود اللَّه في هذه التصرفات يؤدى إلى مفاسد عديدة على مستوى اقتصاديات الفرد والمجتمع أو الاقتصاد الجزئى والكلى، ولأن الإنسان مجبول على حب المال باعتبار ذلك طبيعة بشرية {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [2] لذلك فإنه من دلائل ضعف الإيمان وعدم مراقبة اللَّه عز وجل يحاول الإنسان أن يسلك في بعض تصرفاته المالية ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، ومن حكمة اللَّه عز وجل ورحمته بالإنسان أن فتح أمامه باب التوبة لينتهى عن التصرفات غير المشروعة ويعود إلى الطريق المستقيم ..

وفي هذه الأيام زادت هذه الظاهرة وهى الكسب والصرف غير المشروعين سواء من حيث عدم المشروعية الدينية أو المشروعية القانونية. وظهر ما يعرف في المجال الاقتصادي بالاقتصاد الخفى أو الاقتصاديات السوداء أو اقتصاديات الظل والتى تنطوى في جزء كبير منها على كسب الأموال من مصادر غير مشروعة تضر بالاقتصاد القومى وبحقوق الأخرين، ونظرًا لخوف هذه الفئة التى تكسب أموالًا غير مشروعة من المساءلة القانونية وخشيتهم من الناس ارتبط بظاهرة الاقتصاد غير المشروع عملية غسيل الأموال والتى يعنى بها إجمالًا العمل على محاولة اخفاء والتعتيم على المصادر غير المشروعة للأموال بأساليب عديدة ومتنوعة لتضليل الجهات الأمنية والرقابية وإدخال هذه الأموال في دورة عمليات مشروعة ويظل يستفيد بها، ولأنه يجب على المسلم المحافظة على دينه وماله أن يطع اللَّه ورسوله في جميع تصرفاته المالية ويلتزم بحدود اللَّه ورسوله في هذه التصرفات ولايتعداها، لذلك فإنه إذا جاز لنا استعارة المصطلح المعاصر «غسيل الأموال» فإن المطلوب من المسلم أن"يتوب عن المال الحرام"وهو المصطلح المناسب إسلاميًا لغسيل الأموال .. وهذا هو موضوع حلقتنا النقاشية الثانية عشرة التى يعقدها المركز دوريًا يطرح هذه القضية على السادة العلماء لتوضيح جميع

(1) سورة النساء: الآية 13، 14.

(2) سورة الفجر: الآية 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت