إن عتمة الليل يعقبها إشراق الفجر وفى صفحة الأفق سينتشر الإسلام ويعلوا، وستأتى أيامه عذبة صافية جميلة، تجرى جريان الغدير المترقرق، تشع في الكون الرى والأنوار والرحمة، ويومها تندمون، وتندبون فعالكم القبيحة، وعندها تدركون أنكم ما كنتم إلا نافخى الكير.
نتن في الرائحة وحرق في الثياب وأذى للعباد، ولا سواء بين نافخ كير وحامل مسك، ولم تستفيدوا من عبق سيرة حاملى المسك في عصرنا الحديث فلو لم يكن إلا عطائه وجهاده لكفى القرن عزة وفخارًا، وتلك مدرسة لم يأتكم نبأها بعد، فلقد صمت أذانكم وعميت أبصاركم، فلم تدركوا إلا العتمة الكالحة والظلمة الحالكة، ولم تشموا سوى رائحة الطواغيت.
فأين أنتم من رياحين سيد قطب ومن دوحته الغناء؟
رحم الله سيد، فلم يكن متطلعا إلى شهرة، ولا متسلقًا إلى سلطة ولا متهالكا عليها، لم يكن رحمه الله تعالى جرئ في القول جبان عند العمل، بل لقد كان بحق شجاعا، قويًا في الله، قوى اليقين، عظيم الإيمان، واضح المسالك، بين الغايات والأهداف، موفق الوسائل، واسع الإطلاع، دقيق الملاحظة، بليغ المقالة، جميل العبارة، ولم يكن ضعيفًا يسيره من هو أخبث منه، بل كان قويا في عقيدته، صلبا في إرادته، ذكيًا في وسيلته، لم يكن فيه إلتواء أو مخاتلة، كان واضحا كالشمس في رابعة النهار، لم يخش في الله لومة لائم، لم يداهن، لم يناور، لم يقامر، قال كلمة الحق، رغم معرفته أن ثمنها حياته، لقد استقام على الطريق، فلم يقل ما لم يفعل، ولم يبتسم لمن لا يوده في الدين، لم يصادق من لم يأمن، ولم يخضع لمن لا يحترم، ولم يتملق معاديا للدين، ومع ذلك لم يصبه الغرور، ولم يبتل بداء العجب.
وفوق ذلك كان سيد -رحمه الله - واقعيًا وعمليًا، فلم يبنى قصوره على الأوهام، لأنه يعلم أن الأوهام تهدمها الحقائق، فأبى أن