تعنت إدارة السجن في التعامل معهم وأنهم لا يريدون شيئا سوى الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية فوعدوهم بتلبية مطالبهم وأكدوا لهم ذلك فأخرجوا لهم الضابط ومن معه ولكن بدلا من تنفيذ وعودهم بدأوا في ضرب القنابل مرة أخرى بغزارة ثم دخلت هذه القوات الضخمة إلى العنبر وقاموا بضرب كل من يقع تحت أيديهم من الإخوة فسالت الدماء على الأرض ثم أدخلوهم وهم بهذه الحالة إلى الزنازين وكتبوا ضدهم محضر تمرد وشغب وحكم عليهم بعد ذلك في هذه القضية.
ظلت الزيارة ممنوعة خلال الأشهر الأولى بحجة أنها غير مسموح بها إلا بعد نزول الجلسة الثانية إلى النيابة والتي قد تستغرق ستة شهور على الأقل فكانت قليلة في بادئ الأمر نتيجة هذه الشروط وكانت تتم عبر سلكين نحن في جانب والأهل في الجانب الآخر، وكان في البداية لا يستطيع أحد أن يتكلم مع أهله حيث كان يقف بجوار كل واحد منا ضابط أو أمين شرطة وأحيانا اثنين وكان الوقت قصير بما لا يكفى للحديث معهم.
ولكن برغم قلة الأعداد المسموح لها بالزيارة إلا أنهم كانوا يقومون بتوزيع الطعام على العنبر كله فكانت كل زنزانة تأخذ قدر بسيط من الطعام إلا أنه كان له طعم خاص في هذه الظروف، وأحيانا كانت تضيع أحلام بعض الزنازين عندما تأتي قطة من القطط المنتشرة في السجن وتأخذ قطعة اللحم اليتيمة والتي ربما تكون لم تدخل هذا المكان منذ شهور ثم تهرب بها وتأكلها، وقد بدأت تدخل لنا بعض الملابس البيضاء وكنا في حاجة إليها لعدم وجود ملابس معنا سوى هذه البدلة منذ فترة طويلة.
كان النزول لجلسات النيابة فرصة للالتقاء مع بعضنا ومع آخرين من سجون أخرى فكنا نعرف أخبار بعضنا البعض أو أحوال السجون الأخرى وخاصة أنها في تلك الفترة كانت أحوالهم أفضل نسبيا من أحوالنا مما يفسر التعامل معنا كنوع من التضييق والاضطهاد المتعمد، كما كنا نحاول أن نعرف أي أخبار خارجية لأننا كنا منقطعين عن الحياة تماما، وكذلك كانت أيضا فرصة لكي نسلم على أهلنا والذين كانوا ينتظروننا أمام مبنى النيابة.
وعندما نزلت أول مرة وكنت لا أعرف ما هو سبب وقوف هؤلاء الناس أمام مبنى النيابة حتى سألت أحد الإخوة بجواري ممن له خبرة في الموضوع فأخبرني إنهم يأتون في مواعيد الجلسات لكي يروا أبنائهم وذويهم أو أقارب لهم ويسلموا عليهم، فكان هؤلاء الأهالي يدخلون لنا الطعام من شرفة صغيرة في حجز النيابة برغم أنهم لا يعرفوننا ولا نعرفهم وكانوا يعرضون أنفسهم أيضا للمضايقات من قبل الحرس الذين يقفون على الحجز من الخارج، وكانوا يعطوننا طعام أبنائهم إشفاقا علينا وقد علمت أن بعض الأمهات