فهرس الكتاب
ذهبنا إلى سجن استقبال طرة في شهر رمضان في بداية سنة 1994 مع مجموعة من الإخوة لإعادة اعتقالنا مرة أخرى وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا السجن في الداخل وهي نفس الصورة التي اعتدنا على رؤيتها قبل ذلك فهو مكون من أربع طوابق وهناك حوش في وسط العنبر للتمشية فيه.
كانت الأوضاع هادئة وطبيعية في ذلك الوقت واستقر بنا الأمر في أحد الزنازين لمدة يومين أو ثلاثة ثم بدأت التغريبات من سجن لآخر، فأخذوا مجموعة كبيرة من السجن وفيها معظم من جاءوا معي من أبناء محافظتي وذهبوا بهم إلى سجن أبي زعبل الصناعي وبعدها بيوم أخذوا مجموعة أخرى إلى سجن العقرب كانت حوإلي 83 فرد فكنت منهم، وعندما ذهبنا إلى هناك كانت الترحيلات تخرج منه إلى سجون أخرى.
عندما ذهبنا إلى سجن العقرب هذه المرة كانت الأوضاع مختلفة فلم تكن تلك التي عهدناها من قبل في الأيام السابقة، فلقد تغيرت الأحوال تماما فتم تسكين كل واحد منا في زنزانة صغيرة بمفرده لا نخرج للتهوية أبدا حتى إن الشمس كنا لا نراها ولا تدخل الزنزانة على الإطلاق ولقد كانت شبه مظلمة دائما فعندما تكون الشمس ساطعة في كبد السماء في النهار يكون الضوء في الزنزانة أشبه بوضع الغروب أما في الليل فهو ظلام دامس، حتى أننا في بعض الأحيان نكاد لا نرى أيدينا من شدة الظلام لأن نافذة الزنزانة تشرف على طرقة خلفية ونافذة الباب على طرقة أخرى فهي محاطة بجدران من كل جانب، أما الطعام فكان قليلا للغاية فلكل واحد مقدار فنجان صغير من الأرز في الغذاء مع عدد من الملاعق طبيخ إن وجد أما الإفطار أحيانا قطعة صغيرة في حجم الليمونة من الجبن وأحيانا أيضا ملعقة مربى رديئة مع عدد من حبات الفول حتى إننا كنا نستطيع أن نعد حبات الفول من قلته، فمن طريف المواقف أن أحد الإخوة اشتكى للحارس الذي يقوم بتوزيع التعيين من كمية التوزيع القليلة لأنه أخذ تسعة حبات فول فقط فسمعه آخر فقال له مازحا وكأنه يحسده أنت أفضل حالا لأنني أخذت سبعة فقط، ثم ضحك فضحك الأخ الأول وسكت وحمد الله على الحبتين الزيادة وخشي إن تكلم مرة أخرى أن يأخذوا منه الزيادة أو يقتسم معه أحد حباته.
كانت الزيارة بالطبع غير مسموح بها منذ عدة شهور فظلت كما هي.
استقرت الأوضاع في السجن على هذه الحالة بعد مغادرة أعداد من السجن وقدوم أخرى ثم بدأت إدارة السجن بإجراء تفتيش كل زنزانة وأخذ أي شيء زيادة عن بطانية أو اثنتين وبعض الأطباق البلاستيك لاستلام التعيين فيها كما أنهم منعوا دخول أي شيء مع القادمين إلى السجن من الأماكن الأخرى وبدأت سياسة التضييق علينا.