فهرس الكتاب
-سجن دمنهور
قبل أن نغادر سجن شديد الحراسة تنامت إلينا بعض الأخبار أن هناك سجن جديد في دمنهور بدأ في استقبال القادمين إليه فعرفنا أن هناك مأساة جديدة ستبدأ برغم أن جراحنا لم تلملم بعد من شديد الحراسة أو السجون الأخرى وأن سياسة التوسع في بناء السجون مازالت مستمرة، فإلى متى ينتهي هذا المسلسل؟ حتى أوشك ألا يلتفت أحد يمنة أو يسرة إلا ويرى سجن أمامه فلقد ضجت الأرض من كثرة السجون التي بنيت عليها حتى يكاد أن يكون في كل بقعة سجنا رمزا للقهر والاستعباد.
عندما لاح أفق السجن من بعيد راودتنا الآمال والأماني ونحن في السيارة أن تكون الأوضاع آخذة في التحسن خاصة بعد هذه السنوات العجاف التي قضيناها ولكن تحطمت آمالنا عند أول خطوة خطت بنا أقدامنا داخل أسوار السجن وكأننا أصبحنا مطاردين في كل مكان نذهب إليه وكأن الجميع قد تمالأ علينا فما أن نترك مكان ونذهب إلى آخر إلا ونجد نفس المعاملة وأسوأ وكأن هناك أشباح تطاردنا من سجن لآخر.
نزلنا من السيارة ونحن معصوبي الأعين نهيم على وجوهنا ويأتينا الضرب من حيث لا ندري ثم صعدنا عدة درجات إلى حيث يوجد المكاتب فكنا ندخل من مكتب لآخر لأخذ البيانات منا، كل من ينتهي من الإجراءات ينتظر الباقي فكان علينا أن ننتظر عشرين فردا ينهون إجراءاتهم في هذا المكان وكانت كابلات الكهرباء والعصي والركلات والصفعات تنهمر علينا كالمطر، وكان يتخلل الفترات التي يتوقف الضرب فيها قليلا صورة أخرى من صور التعذيب فكان علينا كلما سمعنا الأمر أن ننبطح على الأرض ثم نقف بسرعة ثم ننبطح مرة أخرى وهكذا حتى يبلغ الإجهاد منا والإرهاق مبلغا شديدا ثم يعاود الضرب مرة أخرى وهكذا إلى أن انتهت الإجراءات وقد ظللنا عدة ساعات في هذا الموقف تمر اللحظة فيه كالدهر ثم ذهبنا إلى العنابر لتوزيعنا ونحن في حالة إعياء شديد وقد علمنا أننا أفضل حالا ممن سبقنا من المجموعات الأخرى، فعندما جاءت إحدى السيارات تحمل في جوفها سبعة أفراد من إحدى محافظات القاهرة الكبرى وكانوا لأول مرة يدخلون السجن ما عدا واحد منهم فقط وهو الذي يعلم ما كان يدور داخل السجن من ممارسات لا آدمية فأراد أن يمهد لهم ما سوف يلاقونه من صور التعذيب البشعة حتى لا يفاجئوا ولكن في نفس الوقت لا يثير القلق لديهم فأخبرهم أن الأمر بسيط لا يتعدى ضربة أو اثنين ثم ندخل إلى الزنزانة وهو في قرارة نفسه يعلم أن الأمر مختلف تماما، وما أن توقفت بهم السيارة في ساحة السجن حتى جاءت هذه الوحوش تسعى إلى