فهرس الكتاب
فريستها، وهم لا يدرون مصيرهم الذي ينتظرهم فبدأ الضرب يهوي عليهم بطريقة عشوائية بلا رحمة وبلا سبب، وعند هذه اللحظة حضر الضابطان محمد مصطفى وأحمد حجاب - وكانا من الذين عرفوا بقسوتهم وشدته وما أكثر من التقينا بأمثالهم في هذه المحنة الطويلة - فأوقف الضرب وكأنه معترض على هذه الكيفية من التعذيب فأراد أن يستفرد بكل ضحية على حدة ويترك هذه الكلاب المسعورة تنهش فيها كيف تشاء وهي مسلوبة الإرادة، فما أن ينادي على اسم أحدهم حتى يمسك به اثنين من العساكر أحدهما بيمينه والآخر بيساره ويصعدوا به درجات السلم في اتجاه المكاتب وكان في انتظارهم مجموعة أخرى في انتظار الضحية يمسك كل منهم أشياء مختلفة فأحدهم خرزانة والآخر كابل كهرباء سميك وثالث عصى وغيره فما أن يدخل في هذه الحلقة الجهنمية وهو لا يرى شيئا أمامه سوى هذا الظلام فكان يدور في هذه الدائرة هذا يضربه بقدمه فيدفعه إلى الآخر فيضربه وهو لا يعرف إلى أين يسير فيحاول أن يحتمي من الكابلات التي تنهش من اللحم فلا يجد إلا الخرزان تهوي عليه فيسير في اتجاه آخر ليجد من يصفعه بشدة وآخر يركله فلا يجد من شدة الإعياء إلا أن يسقط على الأرض وعندها لا يستجيبون لصرخاتهم أو لأنفاسه التي تكاد أن تتوقف فيمسك كل منهم في يد حتى يقف مرة أخرى فيجرون به بسرعة ويكون في نفس اللحظة التي يندفع فيها أحدهم في الاتجاه المقابل فيطير في الهواء ليضربه بقدمه في صدره فيسقط على الأرض وهو لا يستطيع أن يتألم من شدة الضربة فقد كتمت أنفساه وتوقفت الصرخة في صدره ثم يوقفانه مرة أخرى ويدفعانه مرة أخرى بشدة ليصطدم بالحائط وهو لا يرى شيئا من خلف هذه العصابة التي يضعها على عينيه فيحاول أن يخرج صرفة مكتومة لعلها تصل إلى أسماعهم فيرق لها قلب ولكن بلا جدوى فلم تشفع له الدماء التي تنزف من جسده أو الجراح التي مزقته، أفتشفع له صرخاته أو استغاثاته؟
كان كل هذا يدور قبل الدخول إلى المكاتب ثم بعدها كان يحدوه الأمل أن الأمر قد انتهى ولكن عندما يدخل غرفة ضيقة في انتظار الباقي ليلاقوا نفس مصيره ويجد مجموعة أخرى من العساكر لتدمي ما تبقى من أجزاء جسمه فكانت تضرب ولا تبالي بما تراه من دماء وأجزاء ممزقة حتى إذا انتهوا منه كانوا في انتظار كل قادم إليهم وكان كل من يخرج من هذه الغرفة عليه أن ينتظر الباقي في خارج المبنى وبعد أن يتم تجميعهم جميعا خارج المبنى وفي اتجاه العنابر فلم يبق إلا بضع خطوات يخطونها بأقدامهم التي أصابها الوهن من شدة الإعياء ليحتموا بجدران الزنزانة من بطشهم ولكن من أين تأتي هذه الأماني لهم؟ وقد مرت عليهم هذه الأمتار وكأنها أميال يقطعونها ذهابا وإيابا لقد كان في انتظارهم محمد مصطفى وزبانيته ليجهزوا على ما تبقى منهم ويسومونهم من العذاب ألوانا فكانت تنزل عليهم السياط والكابلات لا تفرق بين موضع أثخنته الجراح أو رأس تسيل منها الدماء، كانت الضربات تطيح بهم في كل اتجاه ومحمد مصطفى يمسك