فهرس الكتاب
عصى في يده ليشارك هؤلاء الذين تحجرت قلوبهم في التعذيب وكان بعضهم يمعن في التنكيل فكانوا يطفئون أعقاب السجائر في الجروح التي تنزف دما وكانت كماء نار صبت عليهم فيصرخون بطريقة تنم عن فظاعة الألم ولكن لم يزدهم ذلك إلا زيادة في الضرب بطريقة هيستيرية وكأنما يزيدهم الأمر نشوة فيطربون عندما يرقص المذبوح من الألم، كانت الأمتار يقطعونها في بطئ شديد فكل مسافة لها ثمن لابد من دفعه قبل الانتهاء منه، وكان عليهم أن يسيروا وهم منحنيي الظهر زيادة في الإذلال، وعندما وصلا إلى العنبر وجدوا مجموعة أخرى من العساكر لم ترثى لحالهم التي هم عليها فكان سيل الشتائم والضرب يلازمهم إلى أن وصلوا إلى الزنزانة ليجدوا أن جميع أفراد العنبر منذ أن دخلوا من باب العنبر يقفون في اتجاه الحائط بما فيهم الزنزانة التي دخلواها والتي لم تفلت هي الأخرى من العقاب فقد قاموا بضربهم وصب الماء عليهم والبطاطين وجميع الملابس ثم انصرفوا والتفت أفراد الزنزانة إليهم ليجدوهم أشبه بجثث هامدة لا تستطيع حراكا فما يكاد من موضع فيهم إلا وقد تهتك أو أدمي من كثرة الجراح والكدمات حتى إنهم كانوا لا يستطيعون أن يناموا على جنوبهم فضلا عن ظهورهم من شدة الألم فكان بعضهم ينام وهو جالس متكئ على الحائط والبعض الآخر لا يستطيع أن يجلس بسبب الجراحات التي كانت به فكان يتكئ على يديه وقدميه ويحاول أن ينام على هذا الوضع ولم يجدوا ما يضمدوا به جراحهم سوى قطعة صغيرة من المرهم فكان يؤثر كل منهم الآخر بها مع أنها لا تكفي موضع واحد من أحدهم، وكان أحدهم قد فقد الإحساس بعنصر الزمن خلال التعذيب وظن أنهم لبثوا ساعة فقط خلال هذه الفترة وكان يخبرهم وهو يستكثر هذا الوقت فاندهش الباقي عندما سمعوه يتفوه بذلك فأخبره آخر أنهم لبثوا منذ الساعة العاشرة والنصف صباحا منذ لحظة دخولهم السجن إلى آذان المغرب فبهت عند سماعه ذلك بسبب طول الوقت.
كان هذا بعض ما حدث مع بعض المجموعات التي سبقتنا إلى السجن فكان بعضهم يزحف على بطنه لمسافة طويلة في ماء المجاري والتي تغطي الأرض أثناء دخولهم.
لم يقتصر الأمر على مرحلة الدخول، لكان الأمر رغم بشاعته وقسوته هين ولكن انطلق كلا من محمد مصطفى وأحمد حجاب يمارسون هوايتهم المفضلة في ممارسة التعذيب كل حسب طريقته الخاصة، فمحمد مصطفى والذي تم ترقيته نتيجة التعذيب الذي كان يمارسه في سجن نطرون 2 - وكأنما أصبحت دمائنا وأشلائنا قرابين يجب أن تقدم أولا - فقد ظل يمارس تلك الأساليب الوحشية في سجن دمنهور، فكان لا يكتفي بما يحدث في اليوم الأول مع الوافدين إلى السجن فكان يحتجزهم إلى اليوم التالي أو لعدة أيام ليمارس عليهم صنوف العذاب المختلفة قبل أن يتم توزيعهم، أما أحمد حجاب فكان يمارس السادية بكل معانيها فكان التعذيب عنده هدفا في حد ذاته يسعى إلى تحقيقه، فكانت مشاهد التعذيب والألم