فهرس الكتاب
والدماء والصراخ تصيبه بالنشوة ويطرب لها، خلا يقنع بما تقوم الزبانية الصغار بما يمارسونه على مدار أربع وعشرين ساعة من نشر للرعب وبث لصنوف التعذيب المختلفة والتي توزع علينا كوجبات الطعام أو مواعيد تناول العلاج في اليوم مرتين أو ثلاثة ولا سيل السباب والشتائم والإهانات والتي لم يفلت منها كبير أو صغير، مريض أو صحيح، فلم يرحموا أحد أو يتركوا أحد، فلم يقنع بكل ذلك فذهب ينشر بنفسه صنوف العذاب فوق الرؤوس وكأنه ينشر عليهم الزهور والورود.
كان يذهب كل يوم في حوالي السابعة صباحا ليفزع النائمين بصرخته فيهم لكي يستيقظوا ويخلعوا ملابسهم وهم في أماكنهم ثم ينبطحون على الأرض ليقوم بعدها بالدخول إلى الزنزانة واستخدام العصي الكهربائية في أجسادهم العارية ثم ينصرف إلى زنزانة أخرى وعندما يدخل كان لا يشعر أحد وكان يتعمد ذلك حتى يفزعهم وهم نائمون، أما في أثناء النهار فعلى الجميع عند سماع صوته في العنبر أن يقفوا بعد أن يخلعوا ملابسهم ويحمل كل واحد شخص آخر فوق كتفه وتنتظر كل زنزانة دورها في التعذيب، وعندما يدخل الزنزانة ينبطح الجميع على الأرض ليقوم هو ومن معه بصب الماء عليهم ممزوجا بالرابسو والمشي فوق ظهورهم بأحذيتهم وهم في هذا الوضع وكان يتلذذ بمنظرهم وصراخهم وهم ينتفضون من شدة الصعق بالكهرباء والتي تزيده المياه شدة حتى إذا انتهى من زنزانة يدخل الأخرى وهكذا إلى أن ينتهي من العنبر كله.
كان إذا عاقب أحد عاقبه بوحشية تتفق مع ساديته فقد قام بتوثيق أحد الإخوة من يديه في القضبان الحديدة عند مدخل العنبر وقام بضربه بشدة ووضع العصي الكهربائية في عينيه حتى فقد بصره من شدة الصعق الكهربائي، أما الأخر فقد قام بعد ضربه وسحله بسحبه على الإسفلت ولم يبالي بشدة الحر والإسفلت التي أصبحت حباته كحبات جمر حتى تهتكت أنسجة جلده وملئت الجروح جسمه، بل إنه قام بوضع أخ ثالث في ماء المجاري بعد ضربه قرابة ساعة إمعانا منه في زيادة الإهانات والتعذيب.
كانت المياه تمثل أعظم المشاكل المعيشية بالنسبة لنا فكانت لا تأتي إلا مرة أو مرتين في اليوم ولمدة دقائق ولا يوجد عندنا غير إناء واحد فقط نخزن فيه المياه للاستخدامات المختلفة كالشرب والوضوء وغيره وكانت أحيانا تقطع لأيام متواصلة فنضطر إلى توزيع الماء للشرب فقط بكميات ضئيلة تصل أحيانا إلى غطاء زجاجة فقط على فترات حتى تكفي أفراد الزنزانة لأطول فترة ممكنة والذي يتجاوز عددهم إلى أكثر من ثلاثين فردا، وكنا لا نجد الماء للاستخدامات الأخرى ولكن برغم ذلك كانت تقوم إدارة السجن وخاصة أحمد حجاب أثناء الحملات التفتيشية الدورية بعد الحلاقة التشويهية لنا فيصبوا الماء - والتي كنا نخزنها - علينا بعد ما ينثروا الرابسو فوق رؤوسنا فيختلط الماء بالرابسو بشعر الحلاقة مع الملابس التي نرتديها