فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 426

-آلام وأمال

كانت تمضي بنا الأيام وتمر علينا السنوات عام خلفه عام، ونحن ننتقل من سجن لآخر نتقلب على الجمر وكأننا في مسلسل مأساوي لا تنتهي حلقاته كمن يسير في نفق مظلم ينظر خلفه فلا يدري من أين بدأ وينظر أمامه فلا يعرف له نهاية يتلمس خطواته ينتظر شعاع الضوء يأتيه من بعيد حتى يدرك إلى أين يسير ومتى يخرج من هذا النفق، فالبعض قد طواه السجن بين أحشاءه وأصبحت ذكراه أنشودة يترنم بها أطفاله والبعض يكتوي بنار الجمر كلما غدا أو راح يواجهون الصعاب كالفريق يواجه أمواج البحر العاتية في يوم عاصف لا تلبث أن تلطمه أحدها حتى تلحق بها الأخرى.

كان علينا أن نواجه تلك الظروف بعد أن انقطعت عنا سبل الحياة الآدمية ففي بعض الأماكن لا يكاد يضم السجن بين جدرانه سوى تلك الهياكل الآدمية والتي يرمى لها الفتات من الطعام حتى تبقى على قيد الحياة تتجرع الآلام.

كنا ندرك أنه يجب أن نتأقلم في حياتنا وأوضاعنا ونسعى لاستغلال كل فرصة تسنح لنا بها الظروف وأن نوجد بعض البدائل حتى لو كانت بدائية حتى تسير بنا سفينة الحياة، فكان كل شيء غير مسموح به فلا أقلام أو أوراق أو .... أو ... فضلا عن المصاحف والكتب والصحف و .... بل وأحيانا الملابس أو البطاطين، فكنا لا نستسلم لليأس أو تسد في وجوهنا أبواب الأمل فمن كان يظن منا أن نصنع من أنبوبة مرهم أو قطعة أستك صغيرة أقلام لكي نكتب بها أو من بقايا العظم إبرة نرقع بها ملابسنا أو من بعض الأشياء البسيطة التي نضع بها الماء لتكون أشبه بساعة مائية لنعرف بها الوقت وخاصة مواقيت الصلاة والتي كنا نتلمس أشعة الشمس ونتتبع النجوم من خلال أسلاك النافذة لمعرفة مواقيتها أو غير ذلك من الأشياء الكثيرة، فكانت حياتنا أشبه بصراع من أجل البقاء، فكلما أخذوا منا شيء نفكر في بديل له فيأخذوه أيضا فنصنع غيره وهكذا لا نعدم حيلة.

فعندما منعت عنا المصاحف وغيرها كان ذلك حافزا للحفظ فكان يقوم من يحفظ بعض الآيات بتحفيظه للآخرين فكان كل واحد يحفظ من الآخر وهذا يحفظ من هذا، وذاك يحفظ من هذا، فكان يسمع لتلاوة القرآن وترتيله في المكان دوي كدوي النحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت