فهرس الكتاب
أما في سجن الوادي الجديد فكانت تكتب عدة آيات على جدران الزنزانة حتى يتسنى حفظها أثناء الليل لأنه غير مسموح بالكتابة خلال النهار وهكذا كان الجميع كخلية نحل حتى أتم معظمهم حفظ كتاب الله بهذه الطريقة، وكذلك كان الأمر بالنسبة للأحاديث النبوية، وكانت تعقد المسابقات في القرآن والأحاديث حتى يتنافس فيها الجميع ويتباروا أيهم أكثر حفظا، وكانت تعقد أيضا بعض الدروس في المجالات المختلفة وحسب الإمكانيات المتاحة، فهناك دروس شرعية في الفقه والسيرة والتفسير وغيره وأيضا في المجالات العلمية أو السياسية والتاريخية وأحيانا في بعض المهارات وكان كلما تسربت بعض الكتب كانت الفرصة أفضل في الترديس أو نقوم بتوزيعها على الجميع بالتناوب، كذلك كان هناك رغبة ملحة في تجاوز سياسة العزلة عن العالم الخارجي فكانت عندما تتسرب إلينا أخبار خارجية كانت تنتقل في أرجاء السجن كالنار في الهشيم، فكان الجميع يتلهف على سماع الأخبار عن الأحداث الدولية والإقليمية وخاصة أننا كنا نمثل بؤرة محورية في الصراع الدولي وكان البعض عندما يخرج من السجن لأي سبب من الأسباب لم يكن شغله الشاغل إلا تلمس معرفة الأخبار ليقوم بنقلها إلى داخل السجن وكان آخرون يتحملون مخاطر في نقل الأخبار أو تسريب بعض أوراق الصحف والتي تعتبر مجازفة يخشى من عواقبها، وفي محاولة للتغلب على حالة الجمود والضغوط النفسية والعصبية كنا نجري من حين لآخر بعض المسابقات الثقافية ويتخللها بعض الألعاب الترفيهية والأناشيد والمواقف الطريفة، وكنا كثيرا ما ننفجر في موجة من الضحك لا ندري مصدرها رغم ما كنا نعانيه من ألم وجراح وبمجرد أن يغلق علينا باب الزنزانة بعد أن ينتهي الحملات التفتيشية وما تتخلله من تعذيب وضرب حتى إن هذا الأمر قد أثار بعض الضباط عندما لمح ذلك من نافذة الباب فرجع مرة أخرى وسألهم علام تضحكون؟ فلم يجبه أحد، فقال لهم: ماذا نفعل معكم فبرغم كل ما نفعله من ضرب وتعذيب وتضييق تضحكون!! فنحن الذين نقوم بتعذيبكم قد تعبنا ثم انصرف وتركهم.
كانت كل هذه الأشياء تتم في أجواء مشحونة بالتوتر والقلق ولكن كان هناك رغبة في الاستمرار رغم ما تحمله من مخاطرة بل وأحيانا ومع ضمن تلك المخاطرة.
-شركاء المحنة
لم تكن تلك السياسات بآثارها التدميرية تقتصر علينا فقط بل إن شررها المتطاير قد أصاب المحيطين بنا أيضا، فلم نكن وحدنا الذي نعاني في هذه المحنة بل كانت هناك آباء وأمهات وأبناء وأطفال وأخوات وزوجات يعانون أيضا مثلنا بل أحيانا تكون معاناتهم المعنوية والنفسية أشد منا، فكانوا يقطعون الأميال وينتظرون الساعات إما في الحر الشديد أو البرد القارص من أجل رؤية أبنائهم أو آبائهم أو أزواجهم، بل