فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 426

كان هناك آباء وأمهات كبار سن سقطوا مغشيا عليهم من شدة الإرهاق ومنهم من يجتمع عليه مشقة السفر مع ألم المرض والإجهاد والحزن فيسقط على الأرض وقد فارق الحياة، مثلما حدث أمام سجن الوادي الجديد، وقد زادت أوجاعهم أكثر عندما تم منع الزيارة في السجن إلا لعدد عشرة أفراد فقط في اليوم فكان عليهم أن يقطعوا تلك الأميال أولا لتحديد ميعاد يوم الزيارة ثم يذهبون مرة ثانية للزيارة فكان بعضهم يضطر إلى أن ينام ليلتهم أمام السجن حتى لا يتحملوا مشقة الذهاب والعودة في تلك الطرق الجبلية الوعرة والتي راح ضحيتها الكثير ممن تنقلب بهم السيارة في طريق منحدر إلى أسفل الوادي فكم من واحد في هذا السجن فقد أباه أو أمه بل وأحيانا زوجته وجميع أطفاله في رحلة الذهاب أو العودة.

ولكن برغم ذلك لا يتركوهم ينامون بل يطاردونهم حتى يضطروا إلى مغادرة المكان فيهيمون على وجوههم يبحثون عن مكان آخر في هذه الصحراء القاحلة.

وقد كانوا كثيرا أيضا ما يتعرضون للإهانات والضغوط النفسية أثناء الانتظار وإجراءات الزيارة من تقديم تصاريح وتفتيش للطعام وما يحدث من إفساد للطعام وكانوا أحيانا يدفعون إتاوات من أجل السماح لهم بإدخال الطعام، بل كانوا يتعرضون للضرب ومطاردة العساكر لهم والكلاب البوليسية أمام السجن كما كان يحدث في سجن أبي زعبل الصناعي ودمنهور وغيرهم من السجون.

ثم تكون معاناتهم الأكثر صعوبة في رحلة البحث عن أبنائهم في خضم هذا الكم الهائل الواقف خلف الأسلاك في دقائق معدودة والتي كان البعض يستغرقهم في البحث عنهم فقط دون أن يتمكن من رؤيتهم وخاصة كبار السن والمرضى والذين لا يراعون حالتهم وظروفهم الخاصة فقد كانت إحدى الأمهات والتي تجاوزت الثمانين من عمرها ظلت تبحث عن ولدها والتي لا تراه بسبب ضعف بصرها من وسط تلك الصور والتي تبدو لها كأشباح لا تستطيع أن تحدد ملامحهم فكانت تبحث عنه بلهفة مخافة أن يدركها الوقت دون أن تراه فكانت تنتقل من واحد لآخر من الواقفين خلف الأسلاك وتسأله عن ابنها وتقول له هل أنت محمد؟ فلعله يكون هو فيجيبها بالنفي فتتكئ على الأسلاك لأن قدماها - والتي هدها الوه والمرض والشيخوخة - لا تستطيع أن تحملها فكانت تتحامل على نفسها وتسرع كالثكلى التي تبحث عن وليدها وسط ركام من الدمار، وتذهب إلى الآخر وتسأله هل أنت محمد؟ فيجيبها بالنفي أيضا، وتظل تدور في حلقة مفرغة حتى يدركها الوقت فكانت كمن تبحث عن طفلها تاه وسط الزحام ولا يستجيبون لدموعها بأن يسمحوا لها بوقت آخر حتى ترى ابنها فربما لا تراه مرة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت