فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 426

بل كان منهم من يصاب بالأمراض عندما يعلموا أن أبنائهم يتعرضون لهذا القدر من الذل والقهر فعندما نظرت إحدى الأمهات - في سجن وادي النطرون - وبعد الانتهاء من الزيارة وقبل الخروج من السجن نظرت خلفها فوجدت ابنها يقف مع آخرين معصوبي الأعين فيوضع مهين فصرخت بأعلى صوتها فانتبه الباقي فنظروا خلفهم وشاهدوا هذا المنظر ولم تتحمل هذا المنظر فاجتمعت عليها عدة أمراض ظلت تعاني منها سنوات.

فلأجل تلك المعانة والتي اجتمعت عليهم من مشقة السفر والإهانات وحرمان أنفسهم والاقتطاع من أقواتهم من أجل توفير احتياجات الزيارة وغيرها من الصعاب كان البعض يشفق عليهم فيلح في الطلب ألا يأتوا إليه مرة أخرى ولكنهم كانوا يرفضون ذلك.

وكان البعض لا يعرف طريقا لأبنائهم أو أقاربهم وخاصة عند الانتقال من سجن لآخر فقد ظل أحدهم يبحث عن ابنه من سجن لآخر فذهب إلى سجن الوادي والفيوم ودمنهور ثم يرجع مرة أخرى إلى سجن الاستقبال حيث كان مكانه الأول، فلا أحد يدله عن مكان ابنه مع أنه موجود في سجن الاستقبال ويرفضون أن يخبروه، حتى علم مكانه من أحد الموجودين داخل السجن أثناء خروجه فاطمئن عليه، وكذلك ظلت إحدى الأمهات تأتي كل يوم لأكثر من شهر لكي تعرف أي شيء عن مكان ولدها وكلما سألت عنه إدارة السجن ترفض أن تخبرها فكانت تتلمس أخباره من الخارجين حتى دلها أحدهم عليه وأخبرها أنه مازال موجود في السجن ولم يغادره.

وعندما منعت الزيارة في بعض السجون لعدة سنوات كانوا يتكبدون مشاق السفر لمسافات طويلة وينتظرون أمام النيابة حتى يتمكنوا من رؤية أبنائهم أو آبائهم أو أن يسألوا عنهم القادمين فلعل يكون أحدهم مع أحد منهم أو أن يعرف عنهم شيء فيطمئنهم عليهم، وعندما كانوا يمنعونهم من الاقتراب من سيارة الترحيلة تحت التهديد والإهانات بل والضرب أحيانا كانوا يكتفون بأن يلوحوا لهم بأيديهم من بعيد من شباك السيارة أو أثناء النزول والعودة مرة أخرى إليها فكانوا يقطعون تلك المسافات من أجل تلك النظرة فقط والتي ينتظرونها كل جلسة، وكان البعض منهم يحاول أن يعطيهم أي شيء من الطعام من شباك السيارة فكانوا يمنعونهم من ذلك بل وتنطلق السيارة بسرعة ويجري خلفها الناس فتسقط بعض الأمهات وفي يدها الطعام فتقوم مرة أخرى بسرعة لكي تلحق بالسيارة ولكن دون جدوى فترجع والدموع تنهمر منها ومازالت تحمل بقايا الطعام في يدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت