الصفحة 153 من 454

نفسه من هذه الكيفيات ، فهو غني عن التعريف بالحد أو الرسم ، بل قد يشار إليه إشارة عقلية ، على وجه التعيين له . وكيفية نسبته إلى ما يتعلق به ، كالادراك الذي يحتاج إلى تعيين القدر المشترك منه بين الأجناس . والتخيل والتوهم والتعقل فإن كل هذه تشترك في كونها إدراكا . وتمتاز كل واحدة منها عن باقيها بمميز ، وكذا اللذة والألم بالنسبة إلى ما يصدقان عليه من الحالات الملذة والمؤلمة . فإن هذا وأمثاله مما نجده من أنفسنا ، لا نجده إلا مخلوطا بما يختص بكل منها . فإذا نقصنا تلك المخصصات يحصل لنا القدر المشترك . فأمثال هذه تعريفها إنما هو من هذا القبيل . وإذا عرفت هذا ، فاعلم أن الكيفيات التي ليس من شأنها أن تحس بالحواس الظاهرة كثيرة ، لا يمكن حصرها ، أو يتعذر . والذي هو ذا أذكره هو أهمها ، وأهم ذلك هو الادراك . والذي يعم سائر الادراكات منه ، وتشترك كلها فيه ، هو أن تكون حقيقة شيء ما حاضرة بنفسها ، أو بمثالها عند الشيء الذي يقال أنه مدرك ، يشاهدها ما به يدرك . سواء كان ما به الادراك هو ذاته ، أو آلته ، وسواء كان المثال منتزعا من أمر خارجي أو حاضر ابتداء ، وسواء كان منطبعا في ذات المدرك أو آلته ، أو كان حاضرا من غير انطباع أو ارتسام في شيء . ولولا أن تكون بعض الادراكات بالانطباع ، لما أمكننا أن نحكم على معدوم ما في الأعيان بأحكام وجودية ، مثل كثير من المفروضات الهندسية وغيرها ، مما لا يقع ، ممكنا كان أو ممتنعا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت