فهرس الكتاب
فإن كل ما يحكم عليه بذلك فله وجود ما ، وإذ ليس في الأعيان فهو في النفس . ولولا أن بعضها ليس بالانطباع ، لكان علم الباري بذاته وبالأشياء كلها ، وعلمنا ( به ) وبذواتنا يكون بالانطباع أيضا ، وهذا مما سيحقق بطلانه في موضعه . والضابط في الادراك الذي يجب أن يكون بحصول صورة المدرك في المدرك ، هو أن يكون ادراكا ، غير دائم للذات المدركة ، ما دامت موجودة ، أن يكون المدرك مع ذلك غائبا عن المدرك ، غير حاضر عنده حضور المبصرات عند البصر ، وما جرى هذا المجرى . ودليل ذلك ، هو أنه إذا حصل فينا علم بشيء غائب عنا ، بعد أن لم يكن ذلك العلم حاصلا لنا ، فإن لم يحصل فينا شيئ ، ولم يزل عنا شيء ، فسيان حالنا قبل أن نعلم ومعه ، وليس كذا . ولا جائز أن يزول عنا شيء ، لوجهتين: أحدهما - أنا نعلم بالبديهية أن العلم المتجدد تحصيل لا إزالة . وثانيهما - أن الزائل أن كان صورة إدراكية فهي حادثة ، لا محالة ، ضرورة أن النفس قد كانت في مبدأ فطرتها خالية عن العلوم ، ثم حصلت لها ، ويعود الكلام في تلك الصورة الادراكية . ولا بد من الانتهاء إلى إدراك لا يكون عبارة عن زوال صورة إدراكية . وإن لم يكن الزائل صورة إدراكية ففي قوتنا لا محالة إدراك ما ، لا نهاية له ، من المدركات: كالأعداد والأشكال الهندسية . وأنه لا بد ، وأن يكون الزائل عند إدراك كل واحد منها غير الزائل ، عند إدراك الآخر ، لئلا يتساوى حالنا ، عند الادراك وقبله ، فيكون ادراكنا لأحدهما ، هو إدراكنا للآخر .