الصفحة 155 من 454

وإذا كان كذلك وجب أن يكون فينا أمور غير متناهية ، بحسب ما في قوتنا إدراكه من المدركات ، وتكون موجودة معا ، إذ لا حال من الأحوال إلا ويمكننا إدراك أي واحد كان مما في قوتنا إدراكه ، من التي لا نهاية لها ، ولو أن الأمر الذي بزواله منا يدرك ذلك المدرك حاصلا فينا ، في تلك الحالة ، لما أمكننا إدراكه ، لأن مجرد عدم حصوله فينا ، لو كان كافيا في الادراك لما كان إدراكنا لذلك المدرك متجددا في ذلك الحال ، بل كان يكون قبله أيضا ، فإذن لا يكفي في الادراك إلا زواله ، بعد حصوله ، فواجب إذن أن يكون حاصلا في كل وقت ، يكون في قوتنا إدراك ذلك المدرك ، ليحصل إدراكه بزواله . وكذلك جميع الأمور التي بزوالها يكون إدراكنا ، لما لنا إدراكه ، فلا بد من وجودها فينا ، بجملتها ، في كل وقت يمكننا أن ندرك أي مدرك كان لنا أن ندركه وتلك الأمور لا بد وأن تكون مترتبة فينا ، ترتب ما يدرك بزوالها من الأعداد ، وما شاكلها ، مما له ترتيب طبيعي في ذاته . وقد علمت أن وجود ما لا نهاية له دفعة واحدة ، وهو مترتب محال ، فبطل أن يكون الادراك المذكور ، بزوال شيء عنا ، فهو إذن بحصول شيء فينا ، وذلك الشيء إن لم يكن مطابقا للمدرك لم يكن كونه إدراكا له ، أولى من كونه إدراكا لغيره ، فلا بد من المطابقة ، بمعنى أن يحصل لكل مدرك أثر في النفس يناسبه ، بحيث لا يكون الأثر الذي هو إدراك هذا ، هو بعينه الأثر الذي هو إدراك ذاك ، وكذلك غيرهما مما من شأن النفس ( لوحة 287 ) إدراكه ، وذلك هو المراد بحصول الصورة في المدرك . وبهذا يتبين أن الادراك ليس هو مجرد إضافة بين المدرك والمدرك ، فإن الإضافة تستدعي وجود المضافين . فالمدرك إن كان معدوما ، فلا إضافة إليه ، وإن كان موجودا في نفسه ، أو في شيء غائب عنا ، وجب أن يكون ادراكنا له ، قيل ادراكنا له ، اللهم إلا أن لا يحدث في نفسه ، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت