الصفحة 268 من 454

ونحن نجد من أنفسنا أنا لو كنا قد خلقنا دفعة على كمال من عقولنا ، من غير أن نستعمل حواسنا في شيء منا ، وفي غيرنا ، وحصلنا كذلك لحظة ما في هواء غير ذي كيفية ، نشعر بها ، وأعضاؤنا منفرجة لئلا تتلامس ، لكنا في مثل هذه الحالة تغفل عن كل شيء ، سوى انيتنا . فنعلم أن الأجسام والأعراض التي لم نحصلها بعد ، لا مدخل لها في ذواتنا ، التي عقلناها ، دون تلك الأشياء . فالذات التي لم تغفل عنها ، مع هذا الغرض ، هي غير أعضائنا الظاهرة والباطنة ، وغير جميع الأجسام والحواس ، والقوى والأعراض الخارجة عنا . وأنت فمتى عقلت ذاتك في حال من الأحوال ، مع غفلتك عن هذه الأشياء ، كفاك ذلك في العلم ، بأن ذاتك مغايرة لها . ولهذا تشير إلى ذاتك بأنا ، وتشير إلى كل جرم وعرض فيه من بدنك وغيره ، بأنه هو مثبت لك وجود شيء ، يصدق عليه ما قيل في تعريف النفس ، إلا الجوهرية فإذا ثبت أنه جوهر فذاك هو النفس المعرفة ، فيثبت وجودها . ويدل على جوهريته أنه لو كان عرضا ، لكان موضوعه إما جسم ، أو غير جسم . فإن كان جسما كان الحال فيه منقسما بانقسامه ، لكن المدرك منا بسيط ، لا يقبل الانقسام ، وإلا لتوقف العلم به ، على العلم بجزئه ، لكن العالم بجزئه يتوقف على العلم به ، لأنا لا نعلم شيئا من الأشياء إلا ونعلم أنا عالمون به ، فتعلم ذاتنا مع العلم به بالضرورة فلو علم المركب ذاته ، للزم الدور . وإن كان غير جسم ، فهو إما جوهر أو غير جوهر . فإن كان جوهرا . فأما أن يكون له تصرف في البدن بذاته ، لا بعرض فيه ، أو لا يكون . فإن كان الأول فهو النفس ، وإن كان الثاني وهو أن يتصرف في البدن بعرض فيه ، فهو النفس أيضا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت