فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 190

(( العقل شرطٌ في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلمُ والعَمل، ولكنه ليس مستقلًا بذلك، لكونه غريزة في النفس، وقوة فيها، فهو بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار.

وإن انفرد بنفسه لم يُبصر الأمور التي يَعجزُ وحده عن دَرْكها. وإن عُزل بالكلية: كانت الأقوال والأفعال مع عدمه: أمورًا حيوانية، قد يكون فيها محبة، ووجدٌ، وذوقٌ كما يحصل للبهيمة.

فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأحوال المخالفة للعقل باطلة.

والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دَرْكه، لم تأت بما يُعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء، وجوازها، وامتناعها، لحج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًا، وهي باطلة، وعارضوا بها النبوات )) (161) .

وقد يفهم البعض من ذمنا لقتديم العقل على النقل دم العقل بإطلاق، فليس معنى ترتيب منزلة العقل وجعلها بعد النقل (( إلقاء العقل جانبًا... لأن البحث العقلي ليس مذمومًا على الإطلاق بل يُذم إذا اكتُفي به عن الأدلة الشرعية، أو قُدم عليها، أو عورض به نصوص الدين.

كما أنه لا دخل للعقل في مجال الغيب -السمعيات التفصيلية- من أمور العقيدة؛ لأن المجال مجال تسليم واستسلام.

أما أبحاث العقيدة التي يُستدل بها على وحدانية الله تعالى وعلمه وقُدرته وحِكمته والبعث والجزاء، فقد طلب القرآن العقل البشري أن يهتدي إليها فهي أدلة تدعم النصوص وتزيد في تثبيت الاعتقاد، ولهذا يجد المتأمل في كتاب الله تعالى الآيات الكثيرات، التي تحثُ العقلَ البشري على التأمل والتفكر والتبصر والتدبر.

إن فتح المجال أمام العقل البشري لينطلق في مجالات الكون فيُذلل الصعاب، ويُرشد الإنسان إلى طُرق الحضارة مما يعود على البشرية بالخير العميم، أمرٌ حسن وجميل بل هو طريقه الطبيعي ومساره الاعتيادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت