فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 190

أما أن يُسمح للعقل أن يتدخل في مجالات الغيب ويُلاقي منا كل تشجيع واستحسان فهذا خطأ فادح وحماقةٌ كبرى تُرتكب في حق حاضرِ الإنسان ومستقبله وإهانةٌ صريحة للعقل بتوريطه بالانزلاق في مسارب لا دخلَ له بها، بل هي بعيدة جدًا عن مطلبه ومُحالٌ أمام تصورة.

لقد ابتدأ المعتزلة هذه المهزلة، حيث جعلوا العقل هو الحكم والفيصل، وأسندوا إليه مهمة الكشف في عالم الغيب وملكوت الآخرة.

وتدخل العقل باحثًا في خصائص اليوم الآخر، فأثبت ما أراد، ونفي ما شاء، واعتدى على مقام الألوهية العظيمة، فتناول صفات الله تعالى بالتبديل والتحوير، والطمس والتزوير، منتهكًا حرمة النصوص، غير مبال ولا ملتفت لأي وعيد أو عقاب، فتناقض أيما تناقُض، ونفى عن الذات الإلهية صفات أثبتها الله لنفسه، زعم أنها أوصاف للأجسام ونعوتٌ للمخلوقات.

إن العقل البشري قاصرٌ كل القصور في عالم الغيب ونتائجه وتوقعاته كلها تخرمات سكرى وظنون بَلهاء.

وقد بينت النصوص النبوية المباركة عدم الركون إلى هذه الأوهام بعبارات (( وجيزة ) )فقد رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في ذاته فتهلكوا ) ) (162)

إن العقل إذا م ينطلق من وحي النصوص المعصومة فإنه سرعان ما يُخطيء، ولما كان من مهمام العقيدة تنظيم سلوك الإنسان، فإن نتائجه أنذاك تكون خطيرة ونسبب اختلافًا بين الناس، وهل يتعارض الناس ويختلفون في أمور الدين إلا بسبب استخدام عقولهم بمعزل عن نصوص الكتاب والسنة.

إن العقل مخلوق من مخلوقات الله تعالى؛ شأنه كشأنها، له قُدراته المحدودة، وخصائصه الثابتة، فهل يُطلبُ من العين أن تبصر ما يعبد عنها الآف الأميال؟

وهل يُطلبُ من الأذن أن تسمع ما يدورُ بين الطيور في السماء من مناجاة؟

وهل يطلب من اليد أن تحمل جَبلًا؟

ومن القدم أن تُزَعزِع بركلة منها ناطحة سحاب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت