أو غير ذلك من الأمور المغرقة في المحال، وكذلك الشأن نفسه بالنسبة للعقل البشري، عندما يتعرض لمسائل الغيب فيُثبت وينفي.
نعم إنه يباح للعقل أن يتعرف على المخلوقات لأنه مخلوقٌ مثلها، أما أن يتطاول هذا المخلوق المغرور ليتدخل في مهام الخالق العظيم، ويُنصِّبَ نفسه الحَكم العدل الذي لا يُرجَعُ عن حُكمه، ولا يُعترضُ على قراره فتلك بلية البلايا وأعجوبة الأساطير.
فهل يقع الإنسان في ضلالٍ أبعد من هذا الضلال؟ )) (163) .
وقد عظم المعتزلة قديمًا مكانة العقل وجعلوه حاكمًا على النقل لا محكومًا، فقد آمن المعتزلة بالعقل، ورفعوا شأنه، ونوهوا به أيماتنويه ، وصَدعوا بمبادئه.
قال القاضي عبدالجبار في (( فضل الاعتزال ) )عند سرده الأدلة الشرعية حسب ترتيبه: (( أولها العقل ) ) (164) .
ويقول الزمخشري المعتزلي في (( تفسير الكشاف ) ): مفسرًا قوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} قال: (( ... يحتاجُ إليه في الدين، لأن القانون الذي تستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل ) ) (165) . فجعل أدلة العقل هي الأساس.
ويقول الجاحظ وهو من مشاهير المعتزلة: (( فما الحكم القاطع إلا للذهن وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل ) ) (166) .
(( ولقد التقى هذا التيار المعظم للعقل الذي دخل على أمة الإسلام من علوم اليونان العقلية التي اهتم بها المعتزلة وترجموها إلى العربية وأقبلوا عليها يستلهمونها، وأعلام يونان يترسمون خُطاهم، وينسجون على منوالهم، وعلى كتب يونان يتفهمونها ويهضمونها فحكموا العقل أكثر من تحكيمهم للشرع ) ) (167) .
فالتقي هذا التيار المعظم للعقل المتأثر بفلسفة اليونان في عصرنا الحديث مع.
وقد أذكى المستشرقون المخربون في كيان الأمة الإسلامية النزعة العقلية في الدراسات كلها فضلًا عن الدراسات العقدية.
(( إذ أن الاستعمار الصليبي والصهيوني، فَشِلَ حين فَرَضَ العَلمانية بجنوده؛ فقد أحس المسلمون به، فتحصنوا منه.