وحين فرض العلمانية بعملائه الذين رباهم في مدارسه، وربطهم بفلكه، واستعبدهم بالجاه والمال؛ رفض المسلمون ذلك، فما استطاعوا أن يصلوا إلى قلوبهم.
والمحاولة اليوم خَطرةٌ حقًا، فإن العلمانية تُفرضُ بحقٍّ يَدَّعي لنفسه العمل للإسلام، ويَنسِب إلى نفسه الريادة، ويَصف حرَكته بالبَعث، ويُهياء له المناخ ليكون إمامًا، ولتكون دعوته نهضة.
وهي في حقيقتها عَلمانية... أو عصرية... أو تغريب... أو ما شئت من الأسماء )) (168) .
فخرج في بلادنا الإسلامية نبتٌ شيطاني خبيث نبت في تربة الاعتزال القديم وسقي بماء الاستشراق المادي الحديث.
فكانت الثمار أمشاجٌ فكرية مختلطة، لا ضابط لها، ولا رابط بينها منتهاهًا النخُر في معتقد أهل الإسلام وإليك بعضُ أقوالهم ليحذر منها ويُحذر، ويُنظر فيما يؤخذ عن قائليها ويُتوقف.
يقول قائلهم: (( اتفق أهل الملل الإسلامية -إلا قليلًا ممن لا يُنظرُ إليه -على أنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دل عليه العقل ) ) (169) .
ويقول آخر: (( لقد انقضت المعتزلة كفرته، ولكنها استمرت نزعةً عقلية وفكرًا قوميًا، وأصولًا فكرية، من خلال فريقٍ أخرى تأثرت بها، ومن خلال البصمات التي طبعتها على المجرى العام الخالد والمتدفق والمتطور لفكر الغرب والمسلمين ) ).
ثم قال: (( وهكذا كان المعتزلة: كوكبة من أهل الفكر والنظر والدين والثورة اتخذوا من الفلسفة والفكر والرقي في المعرفة بدلًا عن الأحساب والأنساب ) ).
ثم أخذ يتحدث عن نظريته التي يدعوا إليها وطريقته التي يمشي عليها إنها (( تعلي من شأن العقل، وتجعله معيارًا وميزانًا، حتى بالنسبة للنصوص والمأثورات حتى لنستطيع أن نقول: إن موقفها من العقل والفلسفة يجعلها الامتداد المتطور لمدرسة المعتزلة، فُرسان العقلانية في تراثنا القديم ) ) (170) .