والحق الذي لا يحيد عنه كل موحد أن من مقتضيات التوحيد سيادة الشرع، فإن الإسلام الذي يقر بالوحدانية لله ويوجب على المسلمين الإقرار بوحدانية الله حتى يكونوا مسلمين، لم يقيد الوحدانية في ميدان دون ميدان، بل لابد من توحيد الله تعالى وإفراده بكل صفة من صفات الكمال فمن استسلم لله ظاهرًا وما انقاد له باطنًا فليس بموحد لأن التوحيد كلٌ لا يتجزأ كما أن من استسلم وانقاد لله تعالى في عبادته ثم انقاد لغيره فجعله سيدًامطاعصا في أي أمر من أمور دينه أو دنياه التي مردها إلى الله فقد أشرك مع الله غيره، لأن التوحيد يقتضى إفراد الرب سبحانه بجميع صفات الكمال ومنها السيادة أو السلطة العليا المطلقة على الخلائق أجمعين كما أن صفات الكمال التي يجب صرفها لله تعالى ودره كثيرة فمنها: الخلق، والرزق، والأمر ، والملك، وغير ذلك مما وصف الله تعالى به نفسه أوصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم ، فمن وحد الله تعالى ووصفه بالخلق أو الرزق ونسب صفة الأمر لغيره فهو كافرٌ بالله مشركٌ به وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم (( فمنازعة الله في شيء من الأمر كمنازعته في شيء من الخلق ولا فرق، ولا شك أن إفراد الله بالأمر كإفراده بالخلق، وأن إفراده بالأمر الشرعي كإفراده بالأمر الكوني ولا فرق، وأن الخروج على أحدهما إشراكٌ بالله عزوجل، ومنازعةٌ له في إظهر خصائص الربوبية قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف:40] ، وقال تعالى {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام:114] فدلت الآية الأولى على أن إفراد الله بالحكم من عبادته وأن عبادته وحده هي الدين القيم، وأنكرت الآية الثانية أن يبتغي غير الله حكمًا وهو الذي أنزل الكتاب مفصلًا