فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 190

(( إن الصبر وهو حبس النفس على طاعة الله تعالى حتى لا تفارقها، وعن معصية الله تعالى حتى لا تقربها، وعلى قضاء الله تعالى حتى لا تجزع له ولا تسخط عليه، هذا هو الصبر في مواطنه الثلاثة وهو خلق من أشرف الأخلاق وأسماها، وهو خلق مكتسب يحمل العاقل عليه نفسه ويروضها شيئًا فشيئًا حتى يصبح ملكة لها ثابتة عفوًا بدون طلب يدل على ذلك أمره تعالى رسوله به في غير موطن من كتابه العزيز، وذك كقوله تعالى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35] وقوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} ، وقوله في أمر كافة المؤمنين به: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200] وقد صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصابر طيلة عهد إبلاغ رسالته الذي دام ثلاثًا وعشرين سنة، فلم يجزع يومًا، ولم يتخل عن دعوته وإبلاغ رسالته حتى بلغ بها الآفاق التي شاء الله تعالى أن تبلغها، وباستعراضنا المواقف التالية تتجلى لنا حقيقة الصبر المحمدي الذي هو فيه أسوة كل مؤمن وداعية إلى التوحيد في معترك هذه الحياة.

صبره صلى الله عليه وسلم على أذى قريش طيلة ما هو بين ظهرانيها بمكة، فقد ضربوه، وألقوا سلى الجزور على ظهره، وحاصروه ثلاث سنوات مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وحكموا عليه بالإعدام، وبعثوا رجالهم لتنفيذه فيه إلا أن الله سلمه وعصم دمه، كل هذا لم يرده عن دعوته، ولم يثن عزمه عن بيانها وعرضها على القريب والبعيد.

صبره صلى الله عليه وسلم عام الحزن، حيث ماتت خديجة الزوجة الحنون ومات العم الحاني الحامي المدافع أبو طالب، فلم تفتّ هذه الرزايا من عزمه، ولم توهن من قدرته؛ إذ قابل ذلك بصبر لم يعرف له نظير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت