وقول موسى: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا ) ) (228) .
فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] ... فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم، فهي مقتضية لتخويف العباد منه، والمعية الأولى تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله، وراعى حقوقه، وجده أمامه وتُجاهه على كل حال، فاستأنس به، واستغنى به عن خلقه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة ) ).
يعني أن العبد إذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رفائه، فقد تعرف بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له، وإجابته لدعائه.
فمعرفة العبد لربه نوعان:
أحدهما المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان وهذه عامة للمؤمنين.
والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيئة له ، وهذه المعرفة الخاصة.
ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان:
معرفة عامة، وهي علمه سبحانه بعباده، واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه كما قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق:16] وقال: {وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النجم: 32] .