واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذُكر قبله وبعده، فهو متفرعٌ عليه، وراجعٌ إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يُصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر ، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مغير البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يُغني عن عباده شيئًا، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعصا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال به، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه قال الله عز وجل {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون} [الزمر: 38] .
قوله صلى الله عليه وسلم: (( رُفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).
هو كناية عن تقدُّم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمدٍ بعيد.
وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] .