فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسباهم، وهم يقولون: (( لا إله إلا الله ) )، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار (68) .
وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها.
فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟!
ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث . فمعلوم أن الرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء:94] أي فتثبتوا، فدلت الأية على وجوب الكف حتى يتثبت منه، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى.
وأيضًا أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الخوارج: (( أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ) (69) مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا، حتى إن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم. وقد تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم (( لا إله إلا الله ) )، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام؛ لما ظهر منهم مخالفة الشريعة (70) .هـ
ويعلم كل ذي لب أنها لو كانت كلمة -مجرد كلمة- لكان أمرها على قريش سهلا فتنطقها، وتتخلص من هذا العناء وتسفيه الآلهة!
ولكنها تعلم أن هذه الكلمة لها مدلولها الذي يغير أوضاع قريش الجاهلية ولها مقتضياتها التي تحطم طغيان قريش واستعبادها للناس.