-. شرَح النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الترتيل المذكور في الآيتَين، ذكَر الإمام الحافظ أبو العلاء الهمذانيّ (ت 569 هـ) بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا ابن عباس، إذا قرأتَ القرآن فرتّله ترتيلًا، فقلتُ: يا رسول الله، وما الترتيل؟ قال: بيّنه تبيينًا، لا تَنْثُرْه نَثْر الدَّقَل [1] ، ولا تَهُذُّه هذَّ الشعر، قِفُوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكوننَّ همُّ أحدكم آخرَ السورة" [2] . والتبيين المذكور في الحديث يقتضي وضوح الحروف وإخراجها من مخارجها الصحيحة ومراعاة أحكام التجويد فيها على الكيفية المتلقاة من الحضرة الأفصحية النبوية - صلى الله عليه وسلم -.
-ظواهر علم التجويد الصوتية مأخوذة من كلام العرب، قال سيبويه:"ولكنّ العباد إنّما كُلّموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يَعْنون" [3] ، وتحدّث سيبويه عن مخارج الحروف وصفاتها وظواهر تجاور الحروف كالإدغام والإظهار بمثل ما يتحدث عنه المجوّدون، بل إن من أهل التجويد من عوّل عليه كالدانيّ في كتابه"التحديد في الإتقان والتجويد"، وعبد الوهاب القرطبي في كتابه"الموضح في التجويد".
-عدد أصوات الحروف في العربية تسعة وعشرون صوتًا هي المادة الخام للغة، وهذه الوحدات الصوتية التسعة والعشرون تؤدّي كلّ أنواع النشاط اللُّغويّ شعرًا ونثرًا وتخاطبًا عاديًا، وتتشكل لتكوّن اللغة، إذ هي أصواتٌ يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم، كما يقول ابن جنيّ.
-الآية هي الوحدة الترتيلية التي يتألّف منها النظم القرآنيّ، صرحُ المعجزة البيانية الإلهية [4] .
-الآيات القرآنية تستعمل اللُّغة بكلّ طاقتها التأثيرية والتعبيرية والخطية من أجل الوصول إلى المعنى. بمعنى أن القرآن يختار عبارته لسبك تركيبها ووضوح معناها، واتجاهها إلى الصراحة أو التلميح، ولمناسبتها للغرض إيجازًا وإطنابًا، وحقيقة ومجازًا، ولحسن جرسها ثم لانسجامها مع أخواتها وبيئتها من السياق وتفضيلها بعض المفردات على بعض بحسب أهميتها، وهذا ما يخص النظم، ويتعلّق بحاسة الإدراك، وبحثنا يتناول الجانب الصوتيّ بشكل أساسيّ، وسيتناول الجانب الكتابيّ للقرآن الكريم في موطنٍ آخر إن شاء الله تعالى، وهكذا تتضافر كل هذه الطاقات لتصل رسالة الله إلى فؤاد المتلقي وسمعه وبصره.
(1) الدّقَل: التمر الرديء.
(2) انظر: التمهيد في معرفة التجويد لأبي العلاء الهمذاني ص 140، والدر المنثور 8/ 314 للسيوطي.
(3) الكتاب 3/ 148.
(4) محمد المبارك: دراسة أدبية لنصوص من القرآن ص 153 وما بعدها.