الفواصل القرآنية: هي التي تقسّم سياق النصّ إلى وحدات أدائية منفردة، وهي تتفق غالبًا مع كمية النفَس لدى الفرد، ونعني بها نهاية الآيات. ومن فوائدها التأثيرية أن لها قيمة صوتية مهمّة تراعى في كثير من آيات القرآن، ولعلّ من مهامّ التقديم والتأخير في الآية الانتفاع بجرس اللفظ.
- {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} البقرة: 88 {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا} النساء: 46
- {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} طه: 70 {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} الشعراء: 47 - 48
لو تأملنا المجموعة السابقة من الآيات لوجدنا الفواصل في كلّ آية تتناسب مع ما يجاورها من الآيات في سورتها، فآيات سورة البقرة تنتهي غالبًا بالواو والنون أو بالياء والنون {يُنفِقُونَ} {الْمُفْلِحُونَ} . وآية سورة النساء تنتهي غالبًا بالألف {رَقِيبًا} {كَبِيرًا} فكان من المناسب تغيير الفاصلة لتتناسب مع أخواتها، وهكذا الحال بين آيتي طه والشعراء.
ومما يدلّك على العناية بالفاصلة القرآنية، وأنها تجتلب اجتلابًا قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُون} البقرة: 87. فسياق الآية يدل على أنه لما تقدّم قوله: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} كان السياق يقتضي أن يقول: (وفريقًا قتلتم) ، إلا أنه استعمل كلمة: {تَقْتُلُون} تقديمًا وتأخيرًا لينتفع بجرس اللَّفظ وليكون متناسبًا مع ما يجاوره.
وهناك سؤالٌ أخير في هذا المقام: هل تعطي الفواصل القرآنية قيمة معنوية إضافة إلى قيمتها الصوتية؟
نعم رأينا ذلك في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} الضحى: 3.
لاحِظ أنه جاء بالفعل والفاعل والمفعول به في قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} ، أما في الفعل الثاني فنلاحظ أنه حذف الفاعل والمفعول به، واكتفى بالفعل: {وَمَا قَلَى} ، وكان السياق يقتضي أن يقول: (وما قلاك ربك) ، فهل مراعاة الفاصلة فقط هو السبب؟ لا .. إن استعمال الفعل: (ودّع) يأتي للمحبوب، فمن ذلك قول الأعشى:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تُطيق وداعًا أيها الرجل
فلا بأس من يذكر الفاعل والمفعول به دليلًا على الرّعاية والحبّ. أما الفعل: (قلى) فهو للهجر والبغض، وما واجه الله نبيّه بذلك، يعني: لم يقل له: (وما أبغضك) ، لما في هذه الكلمة