استمع المشركون لهذا القرآن فسحَرهم بجرسه وفصاحته وبلاغته، وقال قائلهم: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى.
هناك مؤثرات سمعية انطباعية ذات وقع تأثيريّ على الوجدان، تدركها المعرفة ولا تحيط بها الصفة، أي لا يعرف مصدر تأثيرها، وهذه المؤثّرات هي التي استعملها القرآن، وهي أحد أسباب رشاقة الأسلوب وارتياح النفس، وتتلخّص في: حكاية الصوت، والانسجام الصوتيّ الخاصّ، وفواصل الآيات، والمناسبة الصوتية، والانسجام الصوتيّ العام.
أولًا: حكاية الصوت، والمناسبة الصوتية:
حكاية الصوت: هي اختيار جرس الحرف المناسب للمعنى المطلوب، ومصطلح"الحكاية"قديم استعمله الخليل في العين، قال:"آه: حكاية المتأوّه في صوته، وقد يفعله الإنسان من التوجّع ... فأخرج نفَسه بهذا الصوت لينفرج عنه ما به". والمناسبة الصوتية: هي تجاور الحروف بانسجام صوتيٍّ متلائم وعدم تنافرها.
-وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (طه/108) .
إننا لو نظرنا إلى هذه الآية لوجدناها تحكي ذلك الجوّ المهيب يوم القيامة الذي تخشع فيه الأصوات، ولأجل تصوير هذا المشهد استُعملت حروف الهمس (فحثه شخص سكت) بكثرة في الآية، وهي حروف خفية لا وضوح لها في السّمع، والله أعلم.
-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ .. ) التوبة: 38
كلمتا: (انفِرُوا) و (اثَّاقَلْتُمْ) نلاحظ أن الكلمة الأولى تتألّف من ثلاثة مقاطع: الأول متحرّك فساكن مخفًى بغنة، والثاني والثالث متحرّكان، وهي في مجموعها تعني السرعة في الانطلاق خاصة مع الفاء والراء، أما الكلمة الثانية فتتألف من أربعة مقاطع صوتية كلٌّ منها متحرّك فساكن، فهي