الصفحة 16 من 39

وفي سورة الأنعام جاء قول الله عز وجل: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام:101] .

ثم جاء بعدها: (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [الأنعام:114] .

أما في سورة التوبة فجاء شرك الربوبية في الحكم وبعدها في نفس الآية شرك ادعاء الولد لله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31] .

ويفسر هذه الآية هذا الحديث: عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ:"أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟"قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:"فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ"النسائي والترمذي

فجاء ذكر اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا بتحريم الحلال وتحليل الحرام مقترنا ببدعة زعم ألوهية المسيح.

ويدل هذا الاقتران على المعنى الجامع بين قضية الحكم وقضية المسيح، وهو أن كلتا القضيتين موضوع واحد، وأن هذه الوحدة الموضوعية باقية حتى قيام الساعة، وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، وإماما مقسطا - وفي رواية قاضيا مقسطا. مصنف عبد الرزاق - (ج 11 / ص 399) .

وبعد هذا الإثبات يأتي المعنى المقابل لمحاولة أهل الكتاب تعطيل الشريعة وهو أمر أهل الكتاب بإقامة حكم الله.

وهذا هو الذي يفسر لنا دعوة القرآن لأهل الكتاب إلى إقامة التوراة والإنجيل باعتبار أن هذه الدعوة هي البداية الواقعية في مواجهة التعطيل التاريخي لقضية الحاكمية عند أهل الكتاب، والذي كان سببًا في ضلالهم وتحريف كتابهم في الابتداء، وكان في الإنتهاء منطلقا لمحاولة إضلالهم للمسلمين عن كتابهم وشريعة ربهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت