والحقيقة القرآنية الثابتة أن مناقشة قضية الحاكمية تأتي دائمًا في سياق مواجهة اليهود والنصارى .. كما أن مواجهة القرآن لليهود والنصارى تنطلق أساسًا من قضية الحاكمية.
وكنموذج لهذه الحقيقة .. تأتي آيات سورة المائدة:
حيث يبين القرآن أن إقامة حكم الله المنزل في كتابه هي الحرز الأساسي من تحريف هذا الكتاب وهو معنى قول الله عز وجل: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة:44] .
حيث يتبين من الآية أن تحكيم التوراة (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) كان أساس حفظها: (بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ) ، ودليل ذلك هو تأويل قوله عز ذكره: (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) : قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنزل الله فيها في كل زمان -على ما أمر بالحكم به فيها- مع النبيين الذين أسلموا ... الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ
و"الربانيون"جمع"رَبَّانيّ"، وهم العُلماء الحكماء البُصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم (الحكم) ، و"الأحبار"، هم العلماء. (الحفظ) ". تفسير الطبري - (10/ 341) "
وقد كان الارتباط بين"تحكيم الكتاب"و"حفظ الكتاب"قاعدة قدرية تاريخية ليس لها إلا استثناء واحد، وهو حفظ القرآن الذي بقي حتى بعد تعطيل شريعته، ودليل ذلك قول سفيان بن عيينة في قول الله تبارك وتعالى:"بما استحفظوا من كتاب الله"، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز وجل:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع. تفسير القرطبي - (10/ 6)
وتتواصل الآيات في تفصيل الأحكام الشرعية بالتعقيبات القرآنية المعروفة:
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ