ولذلك يأتي الإعلان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقل الولاية إلى أمته بصفته النبي الأمي: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] .
وانتقال الولاية إلى أمة الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة الأمية هو الذي يحقق التناسب بين الدعوة وجميع البشر بكل مستوياتهم العقلية والثقافية؛ لأن الأمية في منهج الدعوة ليست مستوى معرفيًا ولكنها أسلوب دعوي، فنحن قوم أميون باعتبار أسلوب الدعوة الذي نراعي فيه كل هذه المستويات ابتداءً من التفهيم بالإشارة؛ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاثِينَ) [1] .وهذا يمثل الحد الأدنى لجميع العقول التي نتعامل معها في دعوتنا. وكما أثبت سياق سورة الأعراف انتقال الولاية من خلال شخص الرسول عليه الصلاة والسلام.
فأثبتت آيات الإسراء في البداية الولاية لبني إسرائيل بعد إهلاك فرعون، ثم تقف الآيات ببني إسرائيل عند مرحلة ما بعد انشقاق البحر التي جاءت في قول الله عز وجل: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء:103 - 104] .ثم جاء بعدها: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا} [الإسراء:106] .
ثم تأتي سورة الجمعة لتثبت لنقل الولاية بُعدًا جديدًا، وهو أن الولاية لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته معه. {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2] ، وقد تم ذلك بصفتهم الأميين، وبذلك امتدت الولاية من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة من بعده إلى قيام الساعة، ولذلك قال: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجمعة:3] ، والتفسير الأساس لذلك، هو فضل الله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة:4] .
ومن خلال ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن تكون ولاية كل القائمين على أمر هذا الدين، ويثبت ذلك قول الله عز وجل: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري (1906) ، ومسلم (1080) .