فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:31 - 32] . عن محمد ابن الحنفية قال:"إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله" [1] .
و إذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة، فإنهم كما جاء في باب: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ في الصحيح: قال: لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ - وَرَّثُوا الْعِلْمَ - مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ [2] .
و بذلك يكون القرآن هو الأساس الثابت للولاية والهيمنة والحكم بالشريعة هو صيغتها الصحيحة والعلماء هم أوصياؤها: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48] ، فهيمنته على ما بين يديه من الكتاب يعم الكتب كلها شاهدًا وحاكمًا ومؤتمنًا: شاهدًا على ما بقي فيها من الأخبار الصادقة، وحاكمًا على ما طرأ عليها من التحريف والتبديل، ومؤتمنًا على أصول الدين الواحد الصحيح الذي أنزله الله على أنبيائه ورسله.
مضمون الهيمنة
كما تثبت آية المائدة {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أن الحق هو مضمون الهيمنة. قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ} [الحج:41] ، أما الأرض فهي لله {يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الأعراف:128] . الأرض لله، والتمكين للحق، فالقضية أساسًا هي الحق، و بذلك يتقرر وجوب الهيمنة لأصحاب الحق ومن هنا كان الحق هو المضمون الحضاري للأمة الإسلامية [3] .
(1) تفسير ابن كثير (6/ 550) .
(2) صحيح البخاري، باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(3) في ظلال القرآن بتصرف.