والذي يساوي معنى الحق في مضمون الهيمنة هو الإنسان الذي نزل الحق من أجله ويثبت ذلك إنسانية الشريعة، التي تأتي من معناها لغة، فالشريعة لغة: هي مورد الماء الذي يرِدُهُ الأحياء للشرب. و من التفسير يتضح معنى الضرورة الإنسانية للشريعة، وتبدأ الطبيعة الإنسانية للشريعة في الظهور مع البداية الأساسية لها في صيغة الْمَقَاصِدِ الْخَمْس التي تندرج تحتها جميع الأحكام الشرعية وهي: (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ المال، حفظ العِرض) . وهذه الْمَقَاصِدِ - بصفتها الشرعية الحاكمة وغايتها الإنسانية النهائية - هي الدليل الأساس على هذه الطبيعة.
ومن هنا تأتي أحقية التصور الإسلامي - بصفته الإنسانية العادلة - في أن يكون إطارًا منهجيًّا لمواجهة مشكلات الحضارة الإنسانية والصراع البشري، حيث ظهر معنى الإنسانية في الشريعة عندما غاب في أخطر مجالات هذا الصراع.
و بذلك اجتمع معنى الإنسانية في مضمون الشريعة الإسلامية وأسلوب هيمنتها من خلال الأسس الإنسانية العادلة والثابتة في أحكام القتال، ومنها نهي رسول الله عن قتل النساء والصبيان، ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرق بقوله: (إن النار لا يعذب بها إلا الله) . ونهى رسول الله عن النهبة والمُثلة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا) [1] .
و ليس كما جاء في التوراة التي بين يدي الناس:"إن موسى أرسل اثنا عشر رجلًا من فينحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان فحاربوا وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم وملوكهم الخمسة وبلعام وسبوا نساءهم وأولادهم ومواشيهم كلها. وأحرقوا القرى والمساكن والمدائن بالنار. فلما رجعوا غضب عليهم موسى وقال: لم استحييتم النساء؟ ثم أمر بقتل كل طفل ذكر وكل امرأة ثيبة، وإبقاء الأبكار ففعلوا كما أمر، وكانت الغنيمة من الغنم (675000) ، ومن البقر (72000) ، ومن الحمير (61000) ، ومن النساء الأبكار (32000) . لاحظ ترتيب غنائم الحرب: الغنم، البقر، الحمير، ثم النساء."
و قد بقيت هذه الوصايا مع الأمة في تاريخها كله، حتى اعترف لها بذلك أعداؤها، يقول جوستاف لوبون - وهو فرنسي مسيحي - في كتاب (حضارة العرب) :"كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين ثلاثة آلاف أسير، سلموا أنفسهم إليه، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل"
(1) سنن أبي داود (2613) .