الصفحة 32 من 39

بسم الله الرحمن الرحيم

حب الوحي

قضية تحكيم الشريعة عند المسلم قضية إيمان وتسليم، وهو معنى قول الله عز وجل: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65) .

والأساس في الإيمان والتسليم بقضية الحاكمية هو حب الوحي باعتبار أن الإحساس بالحكم .. صادر عن هذا الحب ..

عن أنس قال: «قَالَ أَبُو بكر لِعُمَرَ رضي الله عنهما بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أيْمَنَ رضي الله عنها نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَيْهَا، بَكَتْ، فَقَالاَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أمَا تَعْلَمِينَ أنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: مَا أبْكِي أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَم أنَّ مَا عِنْدَ الله تَعَالَى خَيْرٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولَكِنْ أبكي أنَّ الوَحْيَ قدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّماءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلا يَبْكِيَانِ مَعَهَا» [1] .

والجمال هو أعمق أبعاد الحب، لذلك كان حب الوحي إحساس بجماله، وكانت ورقة المصحف عند المسلم معيارًا مطلقا للجمال:

عن أَنَسٍ بْن مَالِكٍ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّى لَهُمْ فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الَّذِي تُوُفِّىَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ - وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاَةِ - كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سِتْرَ الْحُجْرَةِ فَنَظَرَ إِلَيْنَا، وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ. ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَاحِكًا .. » [2] .

قَالَ الإمام النَّوَوِيّ:" (كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ) عِبَارَة عَنْ الْجَمَال الْبَارِع وَحُسَن الْبَشَرَة وَصَفَاء الْوَجْه وَاسْتِنَارَته"، ويعلق عليه الإمام السندي فيقول:"وَالْمُصْحَف هُوَ عِبَارَة عَمَّا ذَكَرَهُ مَعَ زِيَادَة كَوْنه مَحْبُوبًا مُعَظَّمًا فِي الصُّدُور وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِخُصُوصِ الْوَرَقَة بِالْمُصْحَفِ وَجْه فَلْيُتَأَمَّلْ".

(1) أخرجه: البخاري 5/ 45، 3809، ومسلم: 2/ 195، 799، 245.

(2) صحيح مسلم (4/ 142) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت