ثم يقول:"وقوله: (ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَاحِكًا) سبب تبسمه صلى الله عليه وسلم فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة واتباعهم لإمامهم وإقامتهم شريعته واتفاق كلمتهم واجتماع قلوبهم ولهذا استنار وجهه صلى الله عليه وسلم على عادته إذا رأى أو سمع ما يسره يستنير وجهه" [1] .
ومن حب الوحي كان حب الطاعة، ويبين هذا الأساس أفعال الصحابة تجاه قضية الطاعة، عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بناء له، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: عَوْف؟ قُلْتُ: نَعَم يا رَسُولَ الله! قال: ادخُل. فَقُلْتُ: كُلِّي أَمْ بَعْضِي. قال: بَل كُلُّك. قال: فقال لي: اعْدُدْ عَوْف! سِتًّا بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ؛ أَوَّلُهُن: مَوْتِي. قال: فَاسْتَبْكَيْتُ حتى جَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يسكتني .... ) [2] .
ومن هنا كان جمال الطاعة مع جمال الوحي، فيقول ابن القيم في تفسير حديث: (إن الله جميل يحب الجمال) :"المحمود من الجمال ما كان لله، وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب، والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه .."
والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك، وأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين وتجرد عن الوصفين ..
والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين، فأوله معرفة .. وآخره سلوك، فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبده بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار ..
فيعرفه بصفات بالجمال، ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة ..
(1) صحيح مسلم بشرح النووي (4/ 142) .
(2) أخرجه أحمد وابن عساكر والبخاري وابن ماجة وغيرهم وصححه الألباني.