يشوش النفس من الدغدغة وزيادة اطمئنانها في سائر المحسوسات لا إثبات الأحكام الحسية بدليل كما صرح به ناقد المحصل حيث قال ونحن لم نثبت الوثوق بالمحسوسات بدليل بل نقول العقل الصريح يقتضيه ثم قال وأما قوله انتفاء السبب الواحد لا يوجب انتفاء الحكم قلنا نعم لو أثبتنا صحة الحكم بثبوت المحسوسات في الخارج بدليل لكان الأمر على ما ذكره لكنا لم نثبت ذلك إلا بشهادة العقل من غير رجوعه إلى دليل فليس علينا أن نجيب عن هذه الإشكالات فان احتمال عدم الصحة فيما يشاهده الأصحاء مندفع عند بداهة العقل من غير تأمل في الأسباب وحصرها وانتفائها وبيان امتناع حصول المسبب عند انتفاء الأسباب وغير ذلك مما يثبت بالنظر الدقيق أو الجلي فظهر أنه لا تشنيع على ذلك الناقد ومن تابعه
الوجه (الرابع)
وهو الدال على غلط الحس في الجزئيات التي نظنها محسوسة وليست بمحسوسة حقيقة (أنا نرى الثلج في غاية البياض مع أنه ليس بأبيض) أصلا (فانا إذا تأملناه علمنا أنه مركب من أجزاء شفافة) لا لون لها وهي الأجزاء المائية الرشية (وقولهم سببه) أي سبب أنا نراه أبيض (مداخلة الهواء) المضيء بالأشعة الفائضة من الإجرام النيرة (للأجزاء الشفافة) المتصغرة جدا (وتعاكس الأضواء من سطوحها الصغار) بعضها إلى بعض فان الضوء المنعكس يرى كلون البياض ألا ترى أن الشمس إذا أشرقت على الماء وانعكس شعاعها
)قوله وليست بمحسوسة حقيقة) بل المحسوس حقيقة ما يشبهه ووجه الضبط في الوجوه الأربعة أن سبب الغلط إما أمر في الحاسة كضيق الزاوية وسعتها والانحراف والاشتغال بشيء آخر وعدم تبدل الوضع وهو الوجه الأول وفي الحاس وهو الوجه الثالث وفي المحسوس فإما التماثل وهو الوجه الثاني أو التشابه وهو الوجه الرابع وأما إيراد سراب في الوجه الأول فقد عرفت حاله (قوله فانا اذا تأملنا الخ) اندفع بهذا ما قيل يجوز أن يكون سبب تخيله سبب حدوثه فلا نسلم أن البياض ليس بموجود
(قوله الرابع أنا نرى الثلج في غاية البياض) فيه بحث لأنه من اشتباه الضوء المنعكس باللون وكلاهما مبصران بالذات فظاهره من قبيل السراب وقد عد في الوجه الأول اللهم إلا أن يقال فرق بين الوجه الرابع والوجه الأول بأن الأول دال على غلط يعرفه الغالط حال الغلط بخلاف الرابع فانه لا يعرف الغالط فيه غلطه إلا بعد التأمل والإمعان ولهذا لا يعرفه العوام وبهذا الاعتبار أفرز الرابع عن الأول وأما قوله نظنها محسوسة وليست بمحسوسة فباعتبار أن اللون ليس محسوسا فيما ذكر من الصور مع أن الغالط يظن أن فيه لونا محسوسا فلا محذور فيه أيضا فتأمل