فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 1099

كان"البرسقي"حينذاك - 518 هـ - مريضًا، وكان الضعف قد بلغ منه مبلغًا عظيمًا، فمنع الناس من الدخول عليه، وعندما استؤذن للوفد الحلبي بالدخول، أذن لهم، فدخلوا عليه واستغاثوا به وشرحوا له الأخطار التي تحيق بحلب ومدى الصعوبات التي يعانيها أهل المدينة، فأجابهم"البرسقي": (إنكم ترون ما أنا الآن فيه من المرض، ولكني قد جعلت لله علي نذرًا لئن عافاني من مرضي هذا لأبذلن جهدي في أمركم والذب عن بلدكم وقتال أعدائكم) .

ولم تمضِ ثلاثة أيام على مقابلته للوفد حتى فارقته الحمى وتماثل للشفاء، وسرعان ما ضرب خيمته بظاهر الموصل ونادى قواته أن تتأهب لقتال الصليبيين واستنقاذ حلب، وفي غضون أيام معدودات غدا جيشه على أهبة الاستعداد، فغادر الموصل متجهًا إلى الرحبة، وأرسل من هناك إلى"طغتكين"أمير دمشق و"خير خان"أمير حمص؛ يطلب منهما مساعدته في إنجاز مهمته، فلبى هذان الأميران دعوته، وبعثا بعساكرهما للانضمام إلى جيش"البرسقي"الذي كان قد تحرك آنذاك صوب بالسس القريبة من حلب.

ومن بالسس أرسل"البرسقي"إلى مسؤولي حلب، وشرط عليهم - مسبقًا - تسليم قلعة حلب لنوابه، كي يحتمي بها في حالة انهزامه أمام الصليبيين، فأجابوه إلى طلبه، وما أن استتب الأمر لنواب"البرسقي"، واطمأن الرجل إلى وجود حماية أمينة في حالة تراجعه، حتى بدأ زحفه صوب قوات الصليبيين التي تطوق حلب.

وصلت طلائع قوات"البرسقي"حلب يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 518 هـ، وما أن اقترب"البرسقي"بقواته المنظمة حتى أسرع الصليبيون في التحول إلى منطقة أفضل من الناحية الدفاعية، فعسكروا في جبل جوش على الطريق إلى أنطاكية، وهكذا غدوا مدافعين بعد أن كانوا مهاجمين، وخرج الحلبيون إلى خيامهم فنالوا منها ما أرادوا، بينما اتجه قسم آخر منهم لاستقبال"البرسقي"لدى وصوله.

إصلاحات داخلية:

وقد أدرك"البرسقي"ما يرمي إليه الصليبيون بانسحابهم واتخاذهم موقفًا دفاعيًا، فلم يتسرع بمهاجمتهم قبل أن يعيد تنظيم قواته من جديد خوفًا من نزول هزيمة فادحة بعسكره قد تعرّض حلب للسقوط، وأرسل طلائعه الكشفية لرد الجيوش المتقدمة إلى معسكراتها في حلب، وقال موضحًا خطته هذه: (ما يؤمننا أن يرجعوا علينا ويهلك المسلمون؟ ولكن قد كفى الله شرهم، فلندخل إلى البلد ونقويه وننظر إلى مصالحه، ونجمع لهم إن شاء الله، ثم نخرج بعد ذلك إليهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت