ومن ثَم دخل"البرسقي"حلب وبدأ بحل مشاكلها ورفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي، فنشر العدل، وأصدر مرسومًا برفع المكوس والمظالم المالية وإلغاء المصادرات، وعمت عدالته الحلبيين جميعًا بعدما منوا به من الظلم والمصادرات وتحكم المتسلطين طيلة فترة الحصار الصليبي.
ولم يكتف"البرسقي"بذلك، بل قام بنشاط واسع لجلب المؤن والغلال إلى المدينة كي يخفف من حدة الغلاء، ويقضي على الضائقة التي يعانيها الحلبيون.
وما لبث النشاط الزراعي في منطقة حلب أن عاد إلى حالته الطبيعية، حيث استأنف المزارعون العمل في أراضيهم التي شردوا عنها، وساعدتهم الظروف المناخية في أراضيهم التي شردوا عنها، وساعدتهم الظروف المناخية، حيث هطلت مقادير كبيرة من الأمطار فأخصبت الأرض، كما عاد النشاط التجاري إلى عهده السابق اعتمادًا على ما تمتعت به المنطقة من أمن واستقرار.
قيمة الانجاز:
وهكذا استطاع"البرسقي"أن يحطم الطوق الذي أحاط به الصليبيون حلب، وأن يخلص هذا الموقع الهام من أخطر محنة جابهته طيلة الحروب الصليبية، ويوحده مع الموصل لأول مرة منذ بدء هذه الحروب، الأمر الذي أتاح لهذا القائد، ولـ"عماد الدين زنكي"من بعده، أن يفيد من هذه الوحدة لتحقيق انتصارات عديدة ضد الغزاة.
ذلك أن حلب هي القاعدة الثانية في الشمال بعد الموصل، وهي الحصن الأخير الذي وقف بوجه الزحف الصليبي في المنطقة باتجاه الشرق، إذ كانت تتمتع بمركز استراتيجي حيوي من النواحي البشرية والعسكرية والاقتصادية وخطوط المواصلات، وبالرغم من وقوعها بين إمارتين صليبيتين - هما الرها وأنطاكية - إلا أنه كان بإمكانها الاتصال بالقوى الإسلامية المنتشرة في الجزيرة والفرات والأناضول وشمالي الشام، مما يعد أساسًا حيويًا لاستمرار حركة الجهاد وتحقيق أهداف حاسمة ضد العدو، هذا فضلًا عن عمق وتوثق الصلات الاقتصادية والجغرافية بين حلب والموصل منذ أيام الحمدانيين، ومن ثم تعتبر المدينتان مكملتين إحداهما للأخرى.
وكان مما يزيد في قيمة الاستيلاء على حلب؛ أنها بفضل موقعها على ثغر المسلمين ومعقلهم تجاه الغزاة، أضْفَتْ على أمير الموصل صفة المدافع عن الإيمان ضد الكفار، كما أن قوة الشعور الإسلامي يجعل من العسير على السطان السلجوقي أن يتخذ ضد أميراها إجراءً صارمًا، يضاف إلى ذلك أن"البرسقي"- باعتباره ممثلًا للسلطان السلجوقي - صار له السلطة الشرعية الوحيدة بين الإمارات التي شكلها"البرسقي"والممتدة من نهر قويق إلى نهر