فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 1099

اتجه"البرسقي"- بعد أن أمن جانب"جوسلين"- صوب الأثارب، وحاصرها في جمادى الآخرة 520 هـ، وأرسل فرقة من قواته إلى حصن الدير فأذعن لها، وقامت جيوشه بجمع غلال العديد من مزارع العدو وإرسالها إلى حلب، وعلى الرغم من أن قوات"البرسقي"استولت على السورين الخارجيين للأثارب، إلا أنها لم يتيسر لها الاستيلاء على المدينة لمبادرة ملك بيت المقدس لإنجادها، حيث انحاز إليه الأمير"جوسلين"، ورغبة منهما في تجنّب الاشتباك مع"البرسقي"أرسلا إليه قائلين: (ترحل عن هذا الموضع ونتفق على ما كنا عليه في العام الخالي ونعيد رفينة عليك) .

ولم يشأ"البرسقي"- من جهته - أن يمضي في الحرب كيلا يتعرض المسلمون لما تعرضوا له من قبل في عزاز، فقرر عقد الصلح مع الصليبيين، غير أن"بلدوين"لم يلبث - بعد أن جلا"البرسقي"بقواته عن الأثارب - أن أنكر ما سبق أن عرضه على"البرسقي"من شروط الصلح - وأهمها إعادة رفينة إلى المسلمين - بل إنه طالب ببلاد جديدة، فلم يقبل"البرسقي"ذلك، وأقام فترة في حلب، ترددت الرسل أثناءها بين الطرفين دون أن تسفر عن نتيجة، كما أن الغارات التي نشبت بينهما عقب ذلك لم تأت بطائل، فرجع"بلدوين"إلى القدس في رجب.

وتوجه"البرسقي"إلى حلب يصحبه"طغتكين"حاكم دمشق الذي كان قد التحق به قبيل ذلك عند قنسرين، إلا أنه ما لبث أن مرض وأوصى إلى"البرسقي"قبل أن يغادر حلب متوجهًا إلى دمشق، الأمر الذي يشير إلى مدى ثقته وتقديره للـ"برسقي"الذي لم يأل جهدًا في مقاومة الغزاة، وبعد أن أناب"البرسقي"ابنه"عز الدين مسعود"في حلب، قفل راجعًا إلى الموصل.

تعبيد الطرق:

ما من شك في أن هزيمة"البرسقي"غير المتوقعة في عزاز، هي التي قلبت ميزان القوى في المنطقة ووضعت جدارًا صلبًا أمام مطامح"البرسقي"الذي كان يأمل - بعد ضم حلب إلى إمارته - أن يحقق للمسلمين انتصارات حاسمة ضد أعدائهم، وأن يسعى لتهديد إماراتهم في الشمال بعد أن يوجه ضربات قوية لجيوشهم هناك.

وهكذا جاءت كارثة عزاز لتنحرف بحركة"البرسقي"عن هدفها المرسوم، إلا أن قادة الصليبيين لم ينسوا - رغم ذلك - أن"البرسقي"سيظل يشكل خطرًا على وجودهم، إذ أدركوا ما تمنحه إياه سيطرته على حلب وقيادته لقوى المسلمين في الشام، من إمكانية متجددة لإعادة الكرة عليهم، ومن ثم اقتنع كل من الطرفين بمنطق التهادن والمحالفات والسعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت