وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون. فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله، وذكره بهذه وبتلك، والاعتدال في الفرح والحزن. قال عكرمة - رضي الله عنه - «ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا» .. وهذا هو اعتدال الإسلام الميسر للأسوياء ..
«وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ» .. ووجه الصلة بين الحقيقة السابقة وبين الاختيال والفخر، ثم بين هذا وذلك وبين البخل والأمر بالبخل، هو أن من يشعر بأن كل ما يصيبه هو من أمر الله، لا يختال ولا يفخر بما يعطاه. ولا يبخل ولا يأمر بالبخل في عطاء. فأما الذي لا يشعر بتلك الحقيقة فيحسب أن ما يؤتاه من مال وقوة وجاه هو من كسبه فيفخر ويختال به ثم يبخل كذلك ببذل شيء منه، ويحث غيره على البخل ليحقق مبدأه ومنهجه! «وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» .. فمن ينفق فإنما ينفق لنفسه، ومن يستجب فإنما يستجيب لمصلحته. والله هو الغني فما به من حاجة إلى العباد المحاويج. والله هو الحميد بذاته فما يناله شيء من حمد الحامدين! [1]
أي أنه ما حدث حدث في الأرض، أو لإنسان من الناس، إلا كان ذلك أمرا مقدورا في كتاب الله، من قبل أن يقع هذا الأمر، ويأخذه مكانه في الأرض، أو في حياة الناس .. وقوله تعالى: «نَبْرَأَها» أي نخرجها من عالم الخفاء إلى عالم الظهور .. ومن أسمائه سبحانه «البارئ» الذي برأ الوجود أي أوجده ..
وفى التعبير عن وقائع الأمور وأحداثها بأنها «مصيبة» - إشارة إلى أن المكاره هى التي تلفت الناس أكثر من غيرها، وأنها هى التي تثير تساؤلاتهم، وتشغل أفكارهم .. أما مواقع النعم والإحسان فقلّ أن يلتفت الناس إليها، وإن التفتوا إليها أضافوها إلى أنفسهم، واعتبروها من كسب أيديهم وأن كثيرا منهم من يقول- بلسان الحال أو لسان المقال- قولة قارون:
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4369)