فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 317

وقد عد رسولنا اليأس من الكبائر كما في الحديث الصحيح. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" [1]

وإن من علم سنة صعود الأمم وهبوطها ومن قرأ تاريخ الحضارات وكيف تشاد وكيف تزول ليعلم علم اليقين من هو الذي من الفريقين في علو ومن هو في هبوط.

انظر لهذه الأمة اليوم ووعيها وقارن هذا الوعي بما كانت عليه قبل، وكيف ميزت اصدقاءها من أعدائها وكيف اأدركت الطريق الصحيح في التعامل مع خصومها، وكيف علمت حقيقة حكامها.

لتكن دائما على ذكر بما قاله الحبيب - صلى الله عليه وسلم - فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا،"

(1) - صحيح البخاري (9/ 121) (7405) وصحيح مسلم (4/ 2061) 2 - (2675)

(أنا عند ظن عبدي بي) أجازيه بحسب ظنه بي فإن رجا رحمتي وظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلك لأنه لا يرجوه إلا مؤمن علم أن له ربا يجازي. وإن يئس من رحمتي وظن أني أعاقبه وأعذبه فعليه ذلك لأنه لا ييأس إلا كافر. (معه) بعوني ونصرتي وحفظي. (ذكرته في نفسي) أي إن عظمني وقدسني ونزهني سرا كتبت له الثواب والرحمة سرا وقيل إن ذكرني بالتعظيم أذكره بالإنعام. (ملأ) جماعة من الناس. (ملأ خير منهم) جماعة من الملائكة المقربين وهم أفضل من عامة البشر. (شبرا) مقدار شبر وهو قدر بعد ما بين رأس الخنصر ورأس الإبهام والكف مبسوطة مفرقة الأصابع. (ذراعا) هي اليد من كل حيوان وهي من الإنسان من المرفق إلى أطراف رؤوس الأصابع. (باعا) هو مسافة ما بين الكفين إذا بسطتهما يمينا وشمالا. (هرولة) هي الإسراع في المشي ونوع من العدو وهذا والذي قبله مجاز عن قبوله سبحانه وسرعة إجابته للعبد ومزيد تفضله عليه]

مَعْنَى (ظَنّ عَبْدِي بِي) أَيْ: ظَنُّ الْإِجَابَة عِنْد الدُّعَاء , وَظَنّ الْقَبُول عِنْد التَّوْبَة , وَظَنّ الْمَغْفِرَة عِنْد الِاسْتِغْفَار , وَظَنّ الْمُجَازَاة عِنْد فِعْل الْعِبَادَة بِشُرُوطِهَا , تَمَسُّكًا بِصَادِقِ وَعْده، وَقَالَ: وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر:"اُدْعُوا اللَّه وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ", قَالَ: وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِد فِي الْقِيَام بِمَا عَلَيْهِ مُوقِنًا بِأَنَّ اللَّهَ يَقْبَلهُ وَيَغْفِر لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ بِذَلِكَ , وَهُوَ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد , فَإِنْ اِعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ اللَّه لَا يَقْبَلهَا وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعهُ , فَهَذَا هُوَ الْيَأْس مِنْ رَحْمَة اللَّه , وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِر، وَمَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وُكِلَ إِلَى مَا ظَنَّ كَمَا فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث الْمَذْكُور"فَلْيَظُنَّ بِي عَبْدِي مَا شَاءَ"قَالَ: وَأَمَّا ظَنّ الْمَغْفِرَة مَعَ الْإِصْرَار , فَذَلِكَ مَحْض الْجَهْل وَالْغِرَّة , وَهُوَ يَجُرّ إِلَى مَذْهَب الْمُرْجِئَة. فتح الباري لابن حجر - (ج 20 / ص 481)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت