وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَخَذَلَ اللَّهُ مَلِكَهُمُ الْأَعْظَمَ خَاقَانَ، وجُبي الْخَرَاجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِلَى حَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ تِلَاوَتِهِ وَدِرَاسَتِهِ وَجَمْعِهِ الْأُمَّةَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا" [1]
قال ابن القيم رحمه الله:"وَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي فِيهَا تَنَافَسَ الْمُتَنَافِسُونَ. وَإِلَيْهَا شَخَصَ الْعَامِلُونَ. وَإِلَى عِلْمِهَا شَمَّرَ السَّابِقُونَ. وَعَلَيْهَا تَفَانَى الْمُحِبُّونَ. وَبِرُوحِ نَسِيمِهَا تَرَوَّحَ الْعَابِدُونَ. فَهِيَ قُوتُ الْقُلُوبِ، وَغِذَاءُ الْأَرْوَاحِ، وَقُرَّةُ الْعُيُونِ. وَهِيَ الْحَيَاةُ الَّتِي مَنْ حُرِمَهَا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَاتِ. وَالنُّورُ الَّذِي مَنْ فَقَدَهُ فَهُوَ فِي بِحَارِ الظُّلُمَاتِ. وَالشِّفَاءُ الَّذِي مَنْ عَدِمَهُ حَلَّتْ بِقَلْبِهِ جَمِيعُ الْأَسْقَامِ. وَاللَّذَّةُ الَّتِي مَنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهَا فَعَيْشُهُ كُلُّهُ هُمُومٌ وَآلَامٌ."
وَهِيَ رُوحُ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ، وَالْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي مَتَى خَلَتْ مِنْهَا فَهِيَ كَالْجَسَدِ الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ. تَحْمِلُ أَثْقَالَ السَّائِرِينَ إِلَى بِلَادٍ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بَالِغِيهَا. وَتُوصِلُهُمْ إِلَى مَنَازِلَ لَمْ يَكُونُوا بِدُونِهَا أَبَدًا وَاصِلِيهَا. وَتُبَوِّؤُهُمْ مِنْ مَقَاعِدِ الصِّدْقِ مَقَامَاتٍ لَمْ يَكُونُوا لَوْلَاهَا دَاخِلِيهَا. وَهِيَ مَطَايَا الْقَوْمِ الَّتِي مَسْرَاهُمْ عَلَى ظُهُورِهَا دَائِمًا إِلَى الْحَبِيبِ. وَطَرِيقُهُمُ الْأَقْوَمُ الَّذِي يُبَلِّغُهُمْ إِلَى مَنَازِلِهِمُ الْأُولَى مِنْ قَرِيبٍ.
(1) - صحيح مسلم (4/ 2215) 19 - (2889)
[ش (زوى) معناه جمع (الكنزين الأحمر والأبيض) المراد بالكنزين الذهب والفضة والمراد كنزا كسرى وقيصر ملكي العراق والشام (فيستبيح بيضتهم) أي جماعتهم وأصلهم والبيضة أيضا العز والملك (أن لا أهلكهم بسنة عامة) أي لا أهلكهم بقحط يعمهم بل إن وقع قحط فيكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام]