قتل موسى والخلاص منه! وما نحسب أن «هامان» بنى هذا الصرح، وإن تلقّى أمر فرعون في حينه بالامتثال والطاعة! وفى قول فرعون: «وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا» ما يشير إلى أنه لم يكن جادّا فيما يقول .. فلقد أصدر حكمه على هذا الأمر الذي يريد التحقق منه، وهو أن موسى كاذب فيما يدعيه من أن له إلها في عالم غير هذا العالم الأرضى الذي تفرد فيه فرعون بالألوهية! فما الداعي إلى التحقق من أمر واضح الكذب؟
وقوله تعالى: «وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ» بيان للحال التي انتهى إليها أمر فرعون، وأنه مضى في طريق الضلال إلى غايته .. فقد زين له بضلاله، واستكباره، سوء عمله هذا، فرآه حسنا، فمضى فيه، وصد عن سبيل الله، بما يحمل في كيانه من أباطيل وضلالات. «وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ» الذي يكيد به للمؤمنين «إلا في تباب» أي في فساد، وضياع .. [1]
يا هامان ابن لي بناء عاليا لعلي أبلغ به أسباب السماوات، لأنظر وأبحث عن إله موسى هناك «وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا» .. هكذا يموه فرعون الطاغية ويحاور ويداور، كي لا يواجه الحق جهرة، ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه، وتهدد الأساطير التي قام عليها ملكه. وبعيد عن الاحتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه.
وبعيد أن يكون جادا في البحث عن إله موسى على هذا النحو المادي الساذج. وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حدا يبعد معه هذا التصور. إنما هو الاستهتار والسخرية من جهة. والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى. وربما كانت هذه خطة للتراجع أمام مطارق المنطق المؤمن في حديث الرجل المؤمن! وكل هذه الفروض تدل على إصراره على ضلاله، وتبجحه في جحوده: «وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ» .. وهو مستحق لأن يصد عن السبيل، بهذا المراء الذي يميل عن الاستقامة وينحرف عن السبيل. ويعقب السياق على هذا المكر والكيد بأنه صائر إلى الخيبة والدمار: «وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ» .. [2]
(1) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1236)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3876)