معجم الصحابة للبغوي
|
سلمة بن عمرو بن الأكوع [الأسلمي] (*)
سكن المدينة. قال أبو موسى هارون بن عبد الله: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي يقال: كنيته أبو إياس ويقال: أبو عامر ويقال: أبو مسلم. (**) حدثنا أبو موسى هارون بن عبد الله نا مكي عن يزيد بن أبي عبيد قال لسلمه: ياأبا مسلم. حدثني هارون بن عبد الله - ل3/أ - نا أبو عامر نا أبو مصعب عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال عامر بن سنان: هو عم سلمة بن الأكوع. حدثني عمي عن أبي عبيد قال: سلمة بن الأكوع وأخواه عامر وأهبان ابنا الأكوع من بني سلامان بن أسلم. 1023 - حدثني جدي نا أبو أحمد يعني الزبيري نا يعلى بن __________ (*) من النسخة المغربية. (**) قال مُعِدُّ النسخة الإلكترونية: في النسخة المغربية: " قال أبو موسى هارون بن عبد الله نا مكي بن عمرو بن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي يقال: كنيته أبو إياس ... " والتصويب من النسخة الظاهرية. |
معجم الصحابة للبغوي
|
[سليم بن جابر أو جابر بن سليم
سكن البصرة] 1093 - حدثني جدي نا هشيم أخبرنا يونس بن عبيد عن عبد ربه الهجيمي عن سليم عن جابر أو جابر بن سليم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقلت: أيكم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأومأ إلى نفسه صلى الله عليه وسلم أو أومأ إليه أحد أصحابه وإذا هو محتبي ببردة قد وقع هدبها على قدميه فقلت: يارسول الله! إني أجفوا عن أشياء فعلمني. قال: " اتق الله عز وجل ولا تحقرن من المعروف - ل9/ب - شيئا ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي وإياك والمخيلة فإن الله لا يحب المخيلة وإن امرؤ شتمك فعيرك بأمر يعلمه منك فلا تعيره بأمر تعلمه فيه فيكون لك أجره وعليه إثمه ولا تسبن أحد. 1094 - حدثنا سريج بن يونس أنا هشيم عن يونس بن عبيد عن عبيدة بن عبد ربه الهجيمي عن سليم بن جابر أو جابر بن سليم الهجيمي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس مع أصحابه فذكر |
|
في الفرنسية/ Anteriorite
في الانكليزية/ Anteriority التقدم هو كون الشىء موجودا قبل الآخر بحيث لا بوجد الثاني إلا اذا وجد الأول. وله عند الفلاسفة خمسة أقسام: الأول هو التقدم بالطبع، وهو الذي يكون فيه المتأخر محتاجا إلىالمتقدم كالاثنين والواحد. والثاني هو التقدم في الزمان، وهو كون المتقدم في زمان لا يكون المتأخر موجودا فيه، كتقدم ارسطو على الفارابي. والثالث هو التقدم في الرتبة، وهو كون المتقدم اقرب إلىمبدأ معين، وهذا الترتيب قد يكون بالذات، كما في الاجناس والانواع المتتالية، أو يكون بالاتفاق، كترتيب التلاميذ في الصف بحسب بعدهم عن الاستاذ، أو قربهم منه. والرابع هو التقدم بالشرف، وهو أن يكون للمتقدم زيادة شرف على المتأخر، كتقدم العالم على الجاهل. والخامس هو التقدم بالعلّية فإن للعلة استحقاق الوجود قبل المعلول. وقد ارجع الفلاسفة المتأخرون هذه الأقسام المختلفة إلىقسمين هما التقدم العقلي، والتقدم الزماني، فالتقدم العقلي هو الارتباط المنطقي بين الشيئين، فإذا كان احدهما مبدأ والآخر نتيجة كان الأول متقدما على الثاني تقدما عقليا أو ذاتيا، والتقدم الزماني هو ان يكون أحد الشيئين اقدم زمانا من الثاني. (راجع: الأول، المتقدم Anterieur) |
|
في الفرنسية/ Progres
في الانكليزية/ progress في اللاتينية/ Progressus التقدم هو السير إلىالأمام، أو الحركة إلى جهة معينة ( Progression)، وهو ضد التراجع والتأخر، تقول: تقدم القوم سبقهم، ومنه تقدم الصناعة، وتقدم التعليم، وتقدم المرض، وتقدم الجيش. والتقدم الحقيقي هو التقدم المتصل، وهو متناه أو غير متناه، اما المتناهي فهو الذي يتّجه إلىتحقيق غاية معينة في مجال محدود. وأما الغير المتناهي فهو الانتقال الضروري المتصل فهو الانتقال الضروري المتصل في شروط معينة من حدّ سابق إلىحدّ لاحق، كما في تسلسل الاعداد، أو تسلسل الاسباب الفاعلة. والتقدم اضافي أو مطلق. اما الاضافي فهو الانتقال من الحسن إلىالاحسن، أي من حالة يعدّها الناس تخلّفا إلىحالة يعدونها كمالا. ويختلف حكم الناس على طبيعة هذا الانتقال باختلاف القيم التي يتصورونها. وأما المطلق فهو التقدم الناشئ عن الحتمية التاريخية أو الكونية، أو عن القدرة الحقيقية المؤثرة في الافراد، أو عن الغائية المسيطرة على تغيرات الحياة. ومفهوم هذا التقدم عندنا لا يخلو من الالتباس. وليس المهم ان نفسر التقدم بارجاعه إلىالحتمية، أو القدرة، أو الغائية، وانما المهم ان نحدّد مضمونه تحديدا دقيقا. فنظامه يتخذ عند بعض الفلاسفة شكل الخط المستقيم، وعند بعضهم شكل الخط المنحني الصاعد، وعند بعضهم شكل اللولب، الخ .. ولكن التقدم وان اختلفت صوره واشكاله فهو هو في الجوهر. انه انتقال تدريجي في نظام متصل من الادنى إلىالاعلى، أو من النقص إلىالكمال. وكمية التقدم ( de Quantite progres ) في اتجاه (ا ب) عند ليبنيز هي حاصل ضرب كتلة الجسم في قوة سرعته. والتقدمي ( Progressif) هو المنسوب إلىالتقدم، وهو المتجه إلىالامام، بخلاف الرجعي ( Regressif) أو المتخلف المتجه إلىالوراء، مثال ذلك قولنا: ان التركيب تقدمي، والتحليل رجعي. والقياس التقدمي هو القياس المركب ( Sorite) الذي يتميز بتناقص عموم موضوعاته واشتمال نتيجته الأخيرة على المحمول الأول والموضوع الأخير، مثال ذلك قولنا: كل فقاري احمر الدم. وكل لبون فقاري. وكل آكل للحوم لبون. وكل سنور آكل للحوم، فاذن كل سنور احمر الدم. والقياس الرجعي هو القياس المركب الذي يتميز بازدياد عموم محمولاته واشتمال نتيجته الأخيرة على الموضوع الأول والمحمول الاخير. مثال ذلك قولنا: هذا النهر محدث للضجيج، وكل محدث للضجيج متحرك، والمتحرك ليس متجمدا، والذي ليس متجمدا لا يمكن المشي على سطحه، فاذن هذا النهر لا يمكن المشي على سطحه. وكل من التقدمي والرجعي فهو تدريجي متصل، الا ان التقدمي متجه إلىالامام، والرجعي إلىالوراء، مثال ذلك: ان تقدم الفكر تقدم تدريجي، وضعف الذاكرة تراجع تدريجي. ومع ان (ريبو) يطلق اصطلاح فقدان الذاكرة التقدمي ( Progressive Amnesie) على فقدان الذكريات شيئا فشيئا وفقا لقانون معين، فان هذا الاصطلاح لا يخلو من الالتباس. والاولى ان نطلق على هذا المعنى اسم التدريجي، لا اسم التقدمي، الا اذا عنينا بالتقدم الشدّة والازدياد، كقولنا: تقدّم الفساد، وتقدم الاجرام، وتقدم القمار، فإن المقصود بتقدم هذه الأشياء ازديادها وتفاقم امرها. (راجع: القياس. المتقدم، المتوالية) |
|
في الفرنسية/ Terme, Definition
في الانكليزية/ Definition في اللاتينية/ Terminus, Definitio الحد في اللغة المنع والفصل بين الشيئين، ومنتهى كل شيء حدّ والحد أيضا تأديب المذنب، وجمعه حدود، ومنه أقمت عليه الحد، وحدود اللّه تعالى الأشياء التي بيّن تحريمها وتحليلها. والحد أيضا النهاية التي ينتهي اليها تمام المعنى، وما يوصل اليه التصور المطلوب. وحدّ الشيء: الوصف المحيط بمعناه، المميز له من غيره. والحد ( Definition) في اصطلاح الفلاسفة هو القول الدال على ماهية الشيء، وهو تعريف كامل، أو تحليل تام، لمفهوم اللفظ المراد تعريفه، كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق. أما الرسم أو الوصف ( Description) فهو تعريف الشيء بصفاته العرضية اللازمة المميزة له من غيره، كتعريف الإنسان بالضاحك، الخ .. وينقسم الحد إلى تام وناقص. فالتام هو ما يتركب من الجنس والفصل القريبين، كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق. والناقص هو ما يكون بالفصل القريب وحده، أو به وبالجنس البعيد، كتعريف الإنسان بالجسم الناطق. ومن شرط الحد التام أن يكون جامعا مانعا، أي يجمع المحدود، ويمنع غيره من الدخول فيه، ومن شرطه أيضا أن يكون مطردا ومنعكسا. ومعنى الاطراد انه متى وجد الحد وجد المحدود، ومعنى الانعكاس انه إذا عدم الحد عدم المحدود. ولو لم يكن مطردا لما كان مانعا، ولو لم يكن منعكسا لما كان جامعا. وعلامة استقامته دخول كلمة كل في الطرفين جميعا، كما يقال في تحديد الإنسان: كل انسان فهو حيوان ناطق، وكل حيوان ناطق فهو انسان. وينقسم الحد بنوع آخر من القسمة إلى حد بحسب الاسم، ويسمى بالحد اللفظي أو الاسمي ( nominale Definition)، وإلى جد بحسب الذات، ويسمى بالحد الحقيقي ( reelle Definition)، أو الحد الذاتي ( essentielle Definition). والحد الذي بحسب الاسم هو القول المفصل الدال على مفهوم الاسم عند مستعمله. قال ابن سينا: كل من تلفظ بلفظ فإليه تحديده إذا أجاد العبارة لما يقصد اليه من المعنى، ولا مناقشة معه البتة إلا إذا كان قد زاغ عما قصده بشيء مما سيقوله ... مثال ذلك ان الإنسان، إذا استعمله متكلم في كلامه، فسألته ما يعني به، فقال: انه الحيوان المنتصب القامة، البادي البشرة الذي له رجلان، فأول ما له انه قد حد الإنسان بحسب استعماله لفظه، وليس لك أن تخاطبه فيه بوجه من الوجوه بالمناقشة، إذا كان الحيوان بهذه الصفة موجودا، وكان له بهذه الصفة اعتبار، كان اعتباره بهذه الصفة غير محرم عليه أن يكون له اسم. وأكثر ما يكون أن تؤاخذه به أمر اللغة، وهو بعيد عن المآخذ العلمية (منطق المشرقيين ص 34). أما الحد الذي بحسب الذات فهو القول المفصّل الدال على حقيقة الشيء. والغرض منه أن يقوم في النفس صورة معقولة مساوية للصورة الموجودة بتمامها. ولذلك، فلا حد بحسب الذات لما لا وجود له. انما ذلك قول يشرح الاسم، ومن شرط الحد الذي بحسب الذات ان يكون تاما، وان يكون موجزا، وأن يحترز فيه عن الألفاظ الوحشية الغريبة، والمجازية البعيدة، والمشتركة، والمترددة. وفرقوا بين الحد العملي ( Pratique Definition)، والحد العملي ( scientifique Definition)، فقالوا: الحد العملي قول مركب من الصفات العرضية أو الذاتية التي تبين المراد من الشيء، مثل تعريف الأشياء المألوفة بصفاتها الظاهرة على طريقة المعاجم. والحد العلمي هو التعريف الكامل. وهو مؤلف من الصفات الذاتية المقومة للشيء، أعني جنسه وفصله، مثل الحدود التي نجدها في العلوم الطبيعية: الإنسان حيوان ناطق، والحيوان ذو إحساس، الخ. وفرقوا ايضا بين الحد التجريبي (- expe ou empirique Definition rimentale)، والحد الهندسي أو الرياضي (- geometri Definition mathematique ou que) فقالوا: الحد التجريبي يتألف من العناصر التي يستمدّها الذهن من ملاحظة الأشياء الخارجية، ولا يمكن أن يكون تاما، إلا إذا دلّ على ماهية الشيء، وصفاته الذاتية. وليس كل حد تجريبي متصفا بهذه الصفة، بل العقل لا يصل إلى ذلك إلّا بالتدرج والتقدم إلى المطلوب العلمي شيئا فشيئا. أما الحد الهندسي أو الرياضي فهو حد تام دال على حقيقة المعنى المتصور في الذهن، وهو ابداع عقلي، ليس من شرطه أن يكون له في الوجود الخارجي مثال، وان كان وجوده في حيز الإمكان، بخلاف الحد التجريبي الذي يدل على شيء موجود في الأعيان. لذلك يؤتى بالحدود الرياضية في أوائل الرياضيات، ولا يهتدي إلى الحدود التجربية إلا في أواخر العلم الطبيعي. وقد أطلق (هاملتون) اسم الحد بحسب التكوين ( genetique Definition) على الحدود التي يوصف فيها الفعل المولد للشيء المراد تعريفه. والحد ( Terme) في اصطلاح المنطقيين هو ما تنحل اليه القضية، كالموضوع والمحمول، فهما الحدان اللذان تتألف منهما القضية من جهة ما هي قضية. والحدود بهذا المعنى اما أن تكون مشخصة أو مجردة، أو عامة أو خاصة، أو مفردة أو جمعية، أو موجبة أو سالبة. وفي كل قياس ثلاث قضايا، أي مقدمتان ونتيجة. والمقدمتان تشتركان في حد، وتفترقان في حدين، فتكون الحدود ثلاثة. ومن شأن المشترك فيه أن يزول عن النتيجة، ويربط ما بين الحدين الآخرين، مثل قولنا في القياس الذي من الشكل الأول: كل انسان فان، وسقراط انسان، فسقراط فان. فالحدود الثلاثة هي: فان، وسقراط، وانسان. والحدان اللذان كنا نجهل ارتباطهما هما: الفاني وسقراط، والحد المشترك الذي كشف لنا عن الارتباط بينهما هو: الإنسان، وهو متكرر في المقدمتين. أما الفاني وسقراط فلم يتكررا، إلا انهما يجتمعان في النتيجة. فالمتكرر يسمى الحد الاوسط ( terme Moyen)، وهو علة ارتباط الطرفين، والحد الذي نريد أن يصير موضوع النتيجة يسمى الحد الأصغر ( terme Petit)، والذي نريد أن يصير محمول النتيجة يسمى الحد الأكبر ( terme Grand). والمقدمة التي فيها الحد الأكبر تسمى بالكبرى ( majeure Premisse)، والتي فيها الحد الأصغر تسمى بالصغرى ( mineure Premisse). والحد الأعلى ( Maximum) هو النهاية العظمى لتغيرات قيم التابع، فإذا كان هذا الحد هو النهاية القصوى لتمام التغير سمي بالحد الأعلى المطلق ( Maximum absolu). وإذا كان أكبر من الحد المتقدم عليه أو المتأخر عنه سمي بالحد الأعلى النسبي ( relatif Maximum). وعكس الحد الأعلى الحد الأدنى ( Minimum)، فالمطلق منه ما دل على القيمة الصغرى لمقدار ذي تغيرات متتابعة، والنسبي منه ما كانت قيمة تغيره في زمان ما أصغر من قيم التغيرات السابقة أو اللاحقة. والحد الأعلى والحد الأدنى جزءان من معنى أعم، وهو الحد النهائي المتطرف ( Extremum) الذي يجاوز حد الاعتدال في الزيادة أو النقصان. |
|
في الفرنسية/ Limite
في الانكليزية/ Limit في اللاتينية/ limitis, Limes الحد منتهى الشيء. ويطلق على السطح أو الخط أو النقطة التي تفصل بين منطقتين متجاورتين، أو على النقطة التي تفصل بين زمانين. تقول: حدود الدولة، وحدود الأزمنة. وللحدّ بحسب هذا التعريف معنى مجازي، وهو دلالته على النقطة التي ينتهى عندها امكان الفعل، تقول: حدود السلطة التنفيذية، وحدود العلم، وحدود الصبر. ولهذا الحدّ المجازي قسمان: احدهما الحد الواقعي أو الحقيقي، والآخر الحد الضروري أو المثالي. مثال ذلك ان عدد الأجسام البسيطة في الكيمياء حد واقعي، لا حدّ مثالي. ومثال ذلك ايضا ان الشيء في ذاته ( Noumene)، عند (كانت)، يمكن أن يعدّ حدا مثاليا أو ضروريا لمعرفتنا الحسية. والحد في الرياضيات منتهى التغير، تقول: ان الحد النهائي لمقدار متغير هو مقدار ثابت يكون الفرق بينه وبين المتغير أصغر من كل مقدار معين، ومعنى ذلك ان الحد هو المقدار الذي يتقرب منه المقدار المتغير تقربا غير متناه، من دون ان يصير مساويا له. ومن قبيل ذلك قولنا على سبيل المجاز: ان لتغيرات الاحوال النفسية حدودا تنتهي عندها، مثال ذلك: إن الطبيعة هي الحدّ النهائي لحركة تناقض العادة. 32. p bitude) (- ha l De Ravaisson |
|
في الفرنسية/ Privation
في الانكليزية/ Privation في اللاتينية/ Privatio العدم فقدان الشيء ما تقتضيه طبيعته من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته، وهو عدم اضافي لا عدم مطلق. ويطلق عند المنطقيين على وقوع النسبة بين محمول وموضوع ليس من شأنه أن يكون له ذلك المحمول، ولا ان يؤدي انتفاؤه عنه إلىنقص في ماهيته كقولنا: ليس زيد جالسا. والعدمي ( Privatif) هر المنسوب إلىالعدم، ويطلق على كل حد يدل على فقدان الشيء لأحدى الصفات التي تقتضيها طبيعته كالعمى للانسان. وكل شيء مصيره إلىالزوال كالسماء المظلة، والارض، والمال، والجاه، والملك، فهو عدمي. والقضية العدمية ( Proposition Privative) هي التي محمولها أخسّ المتقابلين هذا بحسب المشهور كقولك: زيد جائر، أو الهواء مظلم. وأما في التحقيق فهي التي محمولها دال على عدم شيء من شأنه ان يكون للشيء أو لنوعه أو لجنسه. (ابن سينا، النجاة، ص 24). |
|
في الفرنسية/ Canon
في الانكليزية/ Canon في اللاتينية/ Canon القانون لفظ يوناني معرّب معناه في الأصل المقياس المادي، ثم اطلق بعد ذلك على كل مقياس فكري، أو معنوي، فقيل: القانون مقياس كل شيء وطريقه، وقيل: القانون أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامها منه (تعريفات الجرجاني)، وهو بهذا المعنى مرادف للمعيار والقاعدة. والقانون عند (كانت) مجموع المبادي القبلية التي تتخذ اساسا للمعرفة، وهو عند (استوارت ميل) مبدأ طرق الاستقراء، وهي طريقة الاتفاق، وطريقة الاختلاف، وطريقة الجمع بين الاتفاق والاختلاف، وطريقة التغيرات المتلازمة، وطريقة البواقي. والقانون الكنسي ( canon Droit) مجموع قرارات المجامع المقدسة المتعلقة بالعقيدة والعبادة. والقانوني ( Canonique) هو المنسوب إلىالقانون، ويطلق على ما يطابق القانون الكنسي. والقانوني ايضا ( Canonique) عند الابيقوريين مجموع القواعد المنطقية، وله عندنا فيل (، Naville des classigcation Nouvelle sciences) وغورد (، Gourd, j. G (30. p, religion la de Philosophie معنى خاص، وهو دلالته على العلوم المعيارية المشتملة على القواعد العملية، ويرادفه المعياري ( Normatif) والتكنولوجي. |
|
في الفرنسية/ Force
في الانكليزية/ Force في اللاتينية/ Fortitudo 1 - القوة: القدرة، والشدّة، والطاقة، وضدها الضعف، تقول: قوة الجسم، وقوة الفكر، وقوة الغريزة. 2 - والقوة هي القهر المادي والخارجي، أو الضرورة التي لا تستطيع الارادة مقاومتها، ومنه قولهم: استولى على الشيء بالقوة، وخضع للقوة، والقوة بهذا المعنى مقابلة للحق، لأنها ليست حقا، وانما هي وسيلة للدفاع عن الحق، أو لمنع صاحب الحق من التمتع بحقه. 3 - والقوة مصدر الحركة والفعل، ومنه قولهم: قوة التحريك، وقوة الطبيعة. 4 - والقوة في علم (الميكانيكا) هي السبب في التغيرات التي تطرأ على الحركة، وتطلق على كل ما يفيد الجسم حركة أو سكونا. وهي مساوية عند (ديكارت) لحاصل ضرب الكتلة في السرعة (ق ك س)، على حين ان القوة الحية ( vive Force) مساوية عند (ليبنيز) لنصف الكتلة المضروبة في مربع السرعة (ق 2/ 1 ك س 2). |
|
في الفرنسية/ Puissance
في الانكليزية/ Power في اللاتينية/ Potentia 1 - القوة مبدأ، الفعل سواء كان بشعور وارادة أو لا، وهي اما مادية، كقوة الانفجار، وأما معنوية كقوة العقل. قال ديكارت: ان قوة الاصابة في الحكم، وتمييز الحق من الباطل ... واحدة بالفطرة عند جميع الناس (مقالة الطريقة، ص 70 من الطبعة الثانية من ترجمتنا). 2 - والقوة مقابلة للفعل ( acte) ومعناها كما قال ابن رشد، الاستعداد الذي في الشيء والامكان الذي فيه لأن يوجد بالفعل (تلخيص ما بعد الطبيعة، 41)، والامكان صفة الشيء الحادث، أو المتهيّئ للحدوث. وتمييز الوجود بالقوة عن الوجود بالفعل مبدأ آرسطي، وهو القول ان الشيء الذي وجوده في حيز الامكان موجود بالقوة، والشيء الذي خرج من حيز الامكان إلىحيز الفعل موجود بالفعل. والفرق بين القوة على الفعل، والقوة المقابلة لما بالفعل ان هذه القوة الأولى تبقى موجودة عند ما يفعل، والثانية انما تكون موجودة مع عدم الذي هو بالفعل (ابن سينا، النجاة ص 349). 3 - و كل جسم فانه إذا صدر عنه فعل ليس بالعرض ولا بالقسر فانه يفعل بقوة ما فيه (ابن سينا، النجاة ص 350). 4 - قال ابن سينا: و يقال قوة المبدأ التغير في آخر من حيث انه آخر، ومبدأ التغير إما في المنفعل وهو القوة الانفعالية، وإما في الفاعل وهو القوة الفعلية. ويقال قوة لما به يجوز من الشيء فعل أو انفعال، ولما به يصير الشيء مقوما لآخر، ولما به يصير الشيء غير متغير وثابتا، فإن التغير مجلوب للضعف، وقوة المنفعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد ... وقد يكون في الشيء قوة انفعالية بحسب الضدين ... وقوة الفاعل قد تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة النار على الاحراق فقط، وقد تكون على اشياء كثيرة كقوة المختارين (النجاة، ص 348 - 349). 5 - والقوة الفاعلة ( active Puissance) مصدر الفعل، وهي التي تبعث العضلات للتحريك الانقباضي، وترخيها اخرى للتحريك الانبساطي على حسب ما تقتضيه القوة الباعثة (تعريفات الجرجاني) والقوة بهذا المعنى مرادفة للملكة ( Faculte) تقول: قوة الحافظة، وقوة المتخيلة. والفرق بين القوة والملكة ان الملكة حالة راسخة، على حين ان القوة تتضمن معنى النزوع. 6 - والقوي من كان ذا طاقة على العمل، ولا سيما العمل الشاق وهو ضد الضعيف، والقوي ايضا من اسماء اللّه تعالى. 7 - وجملة القول ان القوة مصدر النشاط والحركة، ومبدأ التغير والفعل، وتنقسم إلىطبيعية، وحيوية، وعقلية. (راجع: القدرة، والملكة). |
|
في الفرنسية/ Lexis
في اليونانية/ Lexis في اللاتينية/ Dictum القول هو التعبير، وهو كل لفظ مركب، أو مؤلف، لجزئه معنى. ويطلق عند المنطقيين على المركب العقلي، أو اللفظي. وهذا المركب، اما تام، وأما ناقص، فان كان تاما سمي كلاما، وهو ما يفيد. وان احتمل الصدق والكذب كان قضية وخبرا، وان لم يحتمل الصدق والكذب، كان طلبا، أو امرا أو نهيا، أو تمنّيا، أو نداء، أو قسما، أو ترجيا. وإذا كان محمول القضية لفظا مفردا كان هذا اللفظ اسم الشيء، وان كان قولا كان حد الشيء، ومن عادة المنطقيين ان يسموا ما يحصل به تصور الشيء قولا شارحا. |
|
في الفرنسية/ Discours
في الانكليزية/ Discourse في اللاتينية/ Discursus القول: الكلام، والرأي، والمعتقد، وهو عملية عقلية منظمة تنظيما منطقيا، أو عملية عقلية مركبة من سلسلة من العمليات العقلية الجزئية، أو تعبير عن الفكر بواسطة سلسلة من الألفاظ أو القضايا التي يرتبط بعضها ببعض. والقول مرادف للمقال، والمقالة. وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال عنوان كتاب لابن رشد، كما ان مقالة الطريقة أو مقال في المنهج ( de Discours methode La) عنوان كتاب لديكارت (راجع: النظري: Discursif). |
|
في الفرنسية/ Mesure
في الانكليزية/ Measure, Measurement في اللاتينية/ Mensura القياس: تقدير الشيء المادي أو المعنوي بواسطة وحدة عددية معينة لمعرفة مقدار ما يحتويه من هذه الوحدة. ويستعمل أصلا في العلوم الطبيعية والرياضية. وقد امتدّ إلى العلوم النظرية، وبخاصة علم النفس. ويستعان به على ضبط المعلومات وتحديدها (المعجم الفلسفي لمجمع اللغة، ص 232، من المجلد 12 من مجموعة المصطلحات العلمية والفنية التي اقرها المجمع). والأشياء منها ما يمكن قياسه على غيره ( Commensurable)، ومنها ما ليس بينه وبين غيره مقياس مشترك ( IncOmmensurable) وهو الفريد في بابه الذي لا يقارن بغيره حكما ولا استنباطا. والمقياس هو المقدار، أو ما يقاس به، وجمعه مقاييس، ومنه قولهم أصحاب المقاييس، أي اصحاب المنطق. |
|
في الفرنسية/ Cosmos
في الانكليزية/ Cosmos في اللاتينية/ Cosmos 1 - الكون عند أهل النظر مرادف للوجود المطلق العام، ويطلق على وجود العالم من حيث هو عالم، لا من حيث انه حق، أو على العالم من جهة ما هو ذو نظام محكم. 2 - والكون ايضا هو المكوّن أى المؤلف الذي اخرجه اللّه من العدم إلىالوجود. 3 - وعلم الكون (- Cosmo Logie) هو العلم الذي يبحث في القوانين العامة للعالم من جهة أصله وتكوينه، سواء أ كان ذلك من الجهة التجريبية، ام من الجهة الفلسفية، وعلم الكون العقلي ( rationnelle Cosmologie) عند (كانت) هو البحث في المسائل المتعلقة بأصل العالم وطبيعته، من جهة ما هو حقيقة وجودية متعيّنة خارج الذهن، ودراسة هذه المسائل تثير ما يسميه (كانت) بالنقائض ( Anitnomies). 4 - والكوني ( Cosmique) هو المنسوب إلىالكون من جهة ما هو كل، وبخاصة من جهة الكواكب والنجوم الداخلة في تركيبه. تقول: الأشعة الكونية. 5 - والكوني ايضا (- Cosmo logique) هو المنسوب إلىعلم الكون، تقول: العلوم الكونية ( cosmologiques Sciences)، وهي عند (آمبر) مقابلة للعلوم المعنوية ( noologiques Sciences). والدليل الكوني ( Cosmologique Preuve) هو البرهان على وجود اللّه بالاستناد إلىوجود العالم، لأن العالم بكل ما فيه جائز، والجائز محدث، والمحدث لا بدّ له من محدث. وهذا الدليل مقابل للدليل الوجودي ( ontologique Preuve). 6 - وعلم نشأة الكون ( Cosmogonie) هو العلم الذي يتضمن وصفا لأصل العالم، وتكوينه ونشوئه، وهو في الغالب ذو طابع اسطوري. (راجع: العالَم). |
|
في الفرنسية/ Generation
في الانكليزية/ Generation في اللاتينية/ Generatio 1 - الكون بالمعنى العام هو الوجود بعد العدم، وهو تغير دفعي لأنه لا وسط بين العدم والوجود، كحدوث النور بعد الظلام دفعة، وقد قيّد الحدوث بالدفعي لأنه اذا كان على التدريج كان حركة لا كونا (تعريفات الجرجاني). 2 - والكون بالمعنى الخاص هو حصول الصورة في المادة بعد ان لم تكن حاصلة فيها، وهو عند (أرسطو) تحول جوهر أدنى إلىجوهر أعلى، ويقابله الفساد Corruption ) ، لأن الفساد زوال الصورة عن المادة بعد ان كانت حاصلة. 3 - والكون، والثبوت، والوجود، والتحقق، عند الاشاعرة ألفاظ مترادفة، أما عند المعتزلة فالثبوت اعم من الوجود، والثبوت والتحقق عندهم مترادفان، وكذا الكون والوجود. 4 - والكون بمعنى ما مرادف للتكوين ( Genese)، وهو تركيب الشيء بالتأليف بين اجزائه، أو اخراجه من العدم إلىالوجود، ويعبر عنه بالخلق، والتخليق، والاحداث، والاختراع، والابداع، والصنع، والتصوير، والاحياء، وجميع هذه الألفاظ متقاربة، وسفر التكوين أحد اقسام العهد القديم يصف كيفية تكوين العالم. 5 - وكل مذهب يعلل حدوث الشيء باضافة صوره المتعاقبة إلىأصل واحد فهو مذهب تكويني. 6 - ونظرية الاكوان ( generations des Theorie) هي القول ان لكل جيل من الأجيال البشرية مذاهب فلسفية، وصورا فنية، ومؤسسات اجتماعية متناسبة، والأولى ان تسمى هذه النظرية بنظرية الاجيال لا بنظرية الأكوان. (راجع: التكوين، التولد). الكوجيتو ( Cogito Le ) ( كوجيتو) لفظ لاتيني معناه (أفكر)، يشار به إلىقول (ديكارت)، أنا افكر، واذن أنا موجود. ( sum ergo Cogito) ومعنى هذا القول اثبات وجود النفس من حيث هي موجود مفكر، والاستدلال على وجودها بفعلها الذي هو الفكر، وقد قيل ان الكوجيتو ليس استدلالا حقيقيا وانما هو حدس يكشف عن حقيقة اولية لا يتطرق اليها الشك. قال (ديكارت): و لكني سرعان ما لاحظت، وانا احاول على هذا المنوال ان اعتقد بطلان كل شيء، انه يلزمني ضرورة، أنا صاحب هذا الاعتقاد، أن اكون شيئا من الأشياء، ولما رأيت ان هذه الحقيقة: أنا افكر، واذن أنا موجود، هي من الرسوخ بحيث لا تزعزعها فروض الريبيين، مهما يكن فيها من شطط، حكمت باني استطيع مطمئنا ان اتخذها مبدأ للفلسفة التي كنت ابحث عنها (مقالة الطريقة، القسم الرابع). وقال ايضا: من التناقض ان نفرض ان المفكر غير موجود في الوقت الذي يقوم فيه باعمال الفكر (مبادئ الفلسفة). وليس (ديكارت) اول من استدل على وجود النفس بالفكر، فقد سبقه إلىذلك القديس (اوغسطين) و (ابن سينا). وللكوجيتو الديكارتي تأويلات مختلفة، منها قولهم: ان (الكوجيتو) يوصل بطريق الفكر إلىمعرفة موجود مفارق للفكر، ومنها قولهم: ان الكوجيتو لا يثبت الا وجود الفكر. وقد نسج بعض المتأخرين على منوال الكوجيتو في اثبات بعض الحقائق، فقال (مين دوبيران): انا ابذل جهدا وأريد، فأنا اذن موجود، وقال (الظواهريون): ان الكوجيتو لا يثبت وجود النفس من جهة ما هي جوهر مفارق، بل يثبت وجود ما تفكر فيه النفس أي وجود ظواهرها. وقال الوجوديون: ان التجربة الأولى هي الشعور بنقص الوجود، لا الشعور بالوجود، وهي عند (هيدجر) تجربة العدم والقلق، والوجود في سبيل الموت، أما عند (سارتر) فهي تجربة القرف، أو تجربة المحال واللامعقول. |
|
في الفرنسية/ ( Adj) Ideal
في الانكليزية/ Ideal في اللاتينية/ Idealis المثالي هو المنسوب إلىالمثال، ويطلق على صورة الشيء الكاملة، أو على ما يحقق هذه الصورة تحقيقا تاما، أو على ما يتفق مع منازعنا العقلية أو الاخلاقية أو العاطفية اتفاقا كليا، وله عند الفلاسفة عدة معان، وهي: 1 - المثالي وصف لكل ما هو كامل من نوعه، تقول: التنظيم المثالي، والعدالة المثالية، والمواطن المثالي فهي اشياء مجردة كثيرا، وصعبة التحقيق كثيرا. 2 - المثالي ما يتصف بالسمو الفني، أو الاخلاقي، أو العقلي، وربما سمّي بالروحي ( Spirituel) لما يقتضيه من سعة النظر، والتجرد، والاحاطة، ومنه قولنا: الحياة المثالية، وهي نقيض الحياة الضيقة أو الحياة النفعية. 3 - المثالي وصف لما يتصل بالفكرة والتصور، ولا يطلق بهذا المعنى الّا على المعاني الرياضية من جهة ما هي صور عقلية كاملة مقابلة للاجسام الطبيعية. 4 - وقد يطلق المثالي على كل ما ينشئه الذهن أو يتخيله، ويسمّى بالخيالي، وهو مقابل للحقيقي أو الواقعي. |
|
في الفرنسية/ Idealiste
في الانكليزية/ Idealist المثالي مقابل للواقعي ( Realiste)، ويطلق على الفيلسوف الذي يجعل المثالية مذهبه في بحثه عن علاقة الفكر بالوجود الحقيقي. والمثالي في علم الاخلاق هو الرجل الذي يعيش في سبيل المثل العليا، غريبا عن العالم الواقعي لانصراف فكره إلىالعالم المثالي. ويطلق المثالي تهكما على الرجل الخيالي الذي يعيش في عالم الوهم. |
|
في الفرنسية/ Premisse
في الانكليزية/ Premise في اللاتينية/ Praemissa المقدمات مبادئ الاستدلال، وتطلق على ما يتوقف عليه البحث، أو على ما يجعل جزء قياس، من القضايا، أو على ما تتوقف عليه صحة الدليل. قال ابن سينا: المقدمة قول يوجب شيئا لشيء، أو يسلب شيئا عن شيء، جعلت جزء قياس النجاة، ص 33). وفي كل قياس اقتراني مقدمتان تشتركان في حد، وتفترقان في حدين، فتكون الحدود ثلاثة، وهي الأكبر، والأوسط، والأصغر، والمقدمة التي فيها الحد الأكبر، تسمى الكبرى ( Majeure)، والتي فيها الحد الأصغر، تسمى الصغرى ( Mineure). والفرق بين المقدمة والمبدأ ان المقدمة أعم من المبدأ، لأن المبدأ ما تتوقف عليه المسائل بلا واسطة، والمقدمة ما تتوقف عليه المسائل بواسطة أو لا واسطة (تعريفات الجرجاني). والمقدمة الغريبة هي التي لا تكون مذكورة في القياس، لا بالفعل ولا بالقوة، كما اذا قلنا (1) مساو ل (ب) و (ب) مساو ل (ج) بواسطة مقدمة غريبة، وهي: كل مساو لمساو لشيء، مساو لذلك الشيء (تعريفات الجرجاني). وجملة القول ان المقدمة مبدأ الاستدلال أو البرهان، وتكون قطعية أو ظنية. (راجع: القياس). |
|
في الفرنسية/ Prolegomenes
في الانكليزية/ Prolegomena المقدمة عرض أولي، أو مدخل، أو تصدير، أو تمهيد للبحث المفصّل في أحد العلوم أو احدى النظريات، وتطلق على ما يتوقف عليه الشروع في العلم، كرسمه، وتحديد موضوعه، وبيان غرضه، وفائدته، ومرتبته، وشرفه، ووجه تسميته باسمه، الخ ... |
|
في الفرنسية/ Objet
في الانكليزية/ Object في اللاتينية/ Objectum 1 - الموضوع بوجه عام هو المادة التي يبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه، تقول: موضوع البحث، أي مادته. 2 - والموضوع، عند (ديكارت) وعند من تقدمه من فلاسفة العصر الوسيط، هو الأمر الذي تتمثله في الذهن. فالحقيقة الموضوعية ( Objective Realite) هي الحقيقة التي نتمثلها ذهنيا بخلاف الحقيقة الصورية ( formelle Realite) المستقلة عن الذهن. 3 - والموضوع ايضا هو الشيء الموجود في العالم الخارجي، وهو ما ندركه بالحواس، ونتصوره ثابتا ومستقرا ومستقلا عن رغائبنا وآرائنا، ويقابله الذات ( Sujet) وقيل ايضا ان الموضوع هو الموجود بذاته، ويطلق على الشيء المستقل عن معرفتنا به. 4 - و موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كبدن الإنسان لعلم الطب، فانه يبحث فيه عن احواله من حيث الصحة والمرض (تعريفات الجرجاني) و مثل المقدار للهندسة، ومثل العدد للحساب، ومثل الجسم من جهة ما يتحرك ويسكن للعالم الطبيعي، ومثل الموجود والواحد للعلم الالهي، ولكل منها اعراض ذاتية تخصه (ابن سينا، النجاة 109 - 110). 5 - والتقابل بين الذات والموضوع كالتقابل بين الأنا واللاأنا. |
|
في الفرنسية/ Sujet
في الانكليزية/ Subject في اللاتينية/ Subjectum 1 - الموضوع هو الأمر الذي تتأمله وتناقش فيه، تقول موضوع المناظرة، وموضوع الاختلاف. 2 - والموضوع في المنطق هو الذي يحكم عليه بأن شيئا آخر موجود له، أو ليس بموجود له، مثال الموضوع، قولنا: زيد، من قولنا: زيد كاتب، والموضوع بهذا المعنى مقابل للمحمول. قال الخوارزمي: الموضوع هو الذي يسميه النحويون المبتدأ، وهو الذي يقتضي خبرا وهو الموصوف والمحمول هو الذي يسمونه خبر المبتدأ، وهو الصفة (مفاتيح العلوم، ص 86). ولما كان ما نحكم بوجوده لموضوع ما يمكن ان يوجد لموضوع آخر غيره، أمكن اعتبار الموضوع متغيرا ( Variable) والمحمول دالة أي تابعا ( Fonction) لذلك المتغير. 3 - و يقال موضوع لكل شيء من شأنه ان يكون له كمال ما، وقد كان له، ويقال موضوع لكل محل متقوّم بذاته، مقوّم لما يحل فيه (ابن سينا، رسالة الحدود ص 84). وكل شيء من شأنه ان يقبل كمالا ما، وامرا ليس فيه، يكون بالقياس إلىما ليس فيه هيولى، وبالقياس إلىما فيه موضوعا (م. ن)، وقد قيل: ان لم يكن محمول لم يكن موضوع، لأن الموضوع هو الموجود الذي تحمل عليه الصفات، أو الشيء الذي يقبل ان يكون المحمول موجودا له أو ليس بموجود له. (راجع: الانا، الذات، اللاانا). |
|
في الفرنسية/ Discursif
في الانكليزية/ Discursive في اللاتينية/ Discursivus النظري هو المنسوب إلى النظر، ويسمّى بالفكري، والانتقالي، والكلامي، أو المقالي، ويطلق على حركة النفس في المعقولات من المبادي إلىالمطالب، أو من المطالب إلىالمبادي بسلسلة من الخطوات الجزئية المتوسطة المؤدية إلىالهدف المقصود. وهو صفة للاستدلال، ويقابله الحدسي ( Intuitif) لأن الحدس انتقال من المبادي إلىالمطالب دفعة لا تدريجا. قال الباقلاني: النظر هو الفكر الذي يطلب به علم أو غلبة ظن. والمراد بالفكر انتقال النفس في المعاني بالقصد، فان ما لا يكون انتقالا بالقصد كالحدس، واكثر حديث النفس، لا يسمّى فكرا، وذلك الانتقال الفكري قد يكون بطلب العلم أو الظن فيسمّى نظرا، وقد لا يكون كذلك فلا يسمّى به، فالفكر جنس له وما بعده فصل له (كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي). والنظري بهذا المعنى مقابل للضروري، ويسمّى كسبا ومطلوبا. والتقابل بين النظري والحدسي عند (كانت) كالتقابل بين معرفة الكليات ومعرفة الجزئيات. والمعرفة النظرية أو الانتقالية معرفة غير مباشرة، اما المعرفة الحدسية فهي معرفة مباشرة، لأن الأولى محتاجة إلىوسط يتم به الانتقال، على حين ان الثانية لا تحتاج إلىوسط. |
|
في الفرنسية/ Theorique et Theoretique, Reflexif, Speculatif
في الانكليزية/ Theoretical, Theoretic, Reflective, Speculative 1 - النظري ( Speculatif). - النظري مرادف للفكري، ومقابل للعملي، تقول: التصوف النظري، والعلم النظري. - قال (مالبرانش): ان ميلنا إلىاللذات الحسية ليس علة فساد اخلاقنا فحسب، وإنما هو علة الأخطاء الشنيعة التي نقع فيها عند بحثنا في الموضوعات لنظرية، ( Verite la de Recherches). - ومقاصد العقل النظرية، عند عند (كانت)، مقابلة لمقاصده العملية. - وقد يطلق النظري على الموضوعات التي لا تقع في مجال التجربة، فالمعرفة النظرية مقابلة بهذا المعنى للمعرفة التجريبية أو الطبيعية، والاستعمال النظري للعقل مقابل لاستعماله الطبيعي. وإذا اطلق النظري على الفكر دلّ على ميله إلىالنظريات المجردة. 2 - النظري ( Reflexif). النظري هو المنسوب إلىالنظر العقلي، وهو مرادف للتأملي، تقول التحليل النظري، وعلم النفس النظري أو التأملي، قال (اسبينوزا): ليست الطريقة سوى نظر عقلي اعني فكرة الفكرة، وقال ليبنيز: انا نرتفع بمعرفة الحقائق الضرورية إلىافعال نظرية (او تأملية) تذكرنا بما نسميه بالأنا (المونادلوجيا، فقرة 30). 3 - النظري، Theoretique) Theorique). والنظري هو المتعلق بالنظريات، فالعلوم النظرية في تصنيف (أرسطو)، أعني الرياضيات، والطبيعيات، والالهيات، مقابلة للعلوم الشعرية والعملية. والعقل النظري عنده مقابل للعقل العملي، والحياة النظرية مقابلة للحياة السياسية أو الشهوانية. قال ابن سينا: الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الإنسانية، فالحكمة المتعلقة بالأمور التي لنا ان نعلمها وليس لنا ان نعمل بها تسمّى حكمة نظرية، والحكمة المتعلقة بالامور العملية التي لنا ان نعلمها ونعمل بها تسمّى حكمة عملية (عيون الحكمة، ص 2). وللنظري عند المحدثين معنى ابستمولوجي، وهو اطلاقه على وجهات النظر والمذاهب المشتملة على النظريات. وقد يطلق النظري تهكما على ما لا يطابق الواقع من الأمور المجردة. وهو بهذا المعنى مرادف للخيالي، تقول: خطة نظرية، أي خطة صعبة التحقيق. |
|
في الفرنسية/ Necessaire
في الانكليزية/ Necessary في اللاتينية/ Necessarius الواجب ما تقتضي ذاته وجوده اقتضاء تاما، أو ما يستغني في وجوده الفعلي عن غيره. وهو مرادف للضروري، الّا أنه يطلق في بعض الأحايين على ما هو أخص من الضروري، كما في قول ابن سينا: ان الواجب والممتنع متفقان في معنى الضرورة، فذاك ضروري في الوجود، وذا ضروري في العدم (النجاة 29). والواجب الوجود ( Etre necessaire) هو الذي يكون وجوده من ذاته، ولا يحتاج إلىشيء أصلا (تعريفات الجرجاني). قال ابن سينا: الموجود الواجب الوجود هو: الذي لا يمكن ان يكون وجوده من غيره، أو يكون وجود لسواه الا فائضا عن وجوده رسالة الحدود، ص 79 من تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات)، وقال ايضا: ان الواجب الوجود هو الموجود الذي، متى فرض غير موجود، عرض منه محال، وان الممكن الوجود هو الذي، متى فرض غير موجود، أو موجودا، ل يعرض منه محال، والواجب الوجود هو الضروري الوجود، والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه، أي لا في وجوده، ولا في عدمه (النجاة، ص 366). والواجب الوجود قسمان: الواجب الوجود بذاته، والواجب الوجود بغيره، أما الواجب الوجود بذاته فهو الموجود الذي يمتنع عدمه امتناعا تاما، وليس الوجود له من غيره بل من ذاته، وأما الواجب الوجود بغيره فهو الذي يحتاج الى علية توجب وجوده كالأربعة فهي واجبة الوجود بغيرها، لا بذاتها، أي عند فرض اثنين واثنين. والواجب الوجود بذاته عند (الفارابي). و (ابن سينا) هو اللّه، وهو مبدأ الكل، أي مبدأ جميع الموجودات بأعيانها وأنواعها. |
|
في الفرنسية/ Devoir
في الانكليزية/ Duty الوجوب مصدر وجب، وهو ضرورة اقتضاء الذات عينها وتحققها في الخارج، ويطلق على ما يجب فعله، ويمتنع تركه، أو على ما يكون فعله أولى من تركه. وقيل: الوجوب ضربان: وجوب عقلي، ووجوب شرعي. فالوجوب العقلي ما لزم صدوره عن الفاعل بحيث لا يتمكن من الترك بناء على استلزامه محالا. والوجوب الشرعي هو ما يكون تاركه مستحقا للذم والعقاب. وقد يطلق الوجوب عند الفقهاء على شغل الذمة، كما يطلق وجوب الاداء على طلب تفريغ الذمة. والواجب بوجه عام هو الالزام الاخلاقي الذي يؤدي تركه إلىمفسدة، ويطلق على الأمر المطلق ( categorique Imperatif) في فلسفة (كانت)، وهو الأمر الجازم الذي يتقيد به المرء لذاته، دون النظر إلىما ينطوي عليه من لذة أو منفعة. والواجب بوجه خاص قاعدة عملية معيّنة، أو الزام محدّد يتعلق بموقف انساني معين، كواجب الموظف في أداء عمله، أو واجب العامل في ممارسة مهنته والواجب عند الفقهاء ما يلزم به الشرع ويثاب المرء على فعله ويعاقب على تركه، وقيل: الواجب في عرف الفقهاء عبارة عما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم، كخبر الواحد، وهو ما يثاب بفعله، ويستحق بتركه عقوبة، لو لا العذر، حتى يضلل جاحده ولا يكفر به (تعريفات الجرجاني) وقيل: الواجب ما ثبت بدليل ظني، واستحقّ الذم على تركه مطلقا من غير عذر، وقيل: الواجب ما يستحق تاركه الذم في العاجل، والعقاب في الآجل. |
|
في الفرنسية/ Fiction
في الانكليزية/ Fiction في اللاتينية/ Fictio 1 - الوهم من قبيل التصور والتخيل، ويطلق على كل صورة ذهنية لا يقابلها في الوجود الخارجي شيء، كتصور بعض المعاني الرياضية، واختراع الاشخاص والمواقف الخيالية في الروايات الأدبية. 2 - ويطلق اصطلاح الوهم التمثيلي ( Fiction Representative) على تصور فرضة صالحة لتمثيل قانون احدى الظواهر، من غير ان يكون استعمال هذه الفرضية مشروطا بمطابقتها للواقع الموضوعي (لالاند). 3 - والوهم الشرعي ( Fiction legale) هو التعبير الكاذب، أو غير اليقيني، الذي يعده القانون صادقا. مثل قولنا: الاصل براءة الذمة، أو قولنا: ان المرء لا يعذر على الجهل بالقانون. 4 - والوهمي) Fictif ( هو المنسوب الي الوهم، وهو ما تخترعه القوة المتخيلة اختراعا صرفا من عند نفسها. 5 - والتوهم قسم من الادراك وهو ادراك المعنى الجزئي المتعلق بالمحسوسات (تعريفات الجرجاني). قال ابن سينا: يجب ان يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة، وخلق كاملا (الشفاء، جزء 1، الفن السادس، المقالة الاولى، ص 281 وص 18 - 19 من علم النفس طبعة بان باكوش). |
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الدَّارُ لُغَةً: الْمَحَل. وَتَجْمَعُ الْعَرْصَةَ وَالْبِنَاءَ (4) ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْبَلْدَةِ (5) . وَاخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى اخْتِلاَفِ __________ (1) وانظر مثلا: المغني 9 / 240 ما بعدها ط ثالثة. (2) وانظر كتاب اختلاف الحديث للشافعي مطبوع مع الأم له (3) يعبر عنه في العصر الحاضر باختلاف الجنسية. (4) لسان العرب - (دور) . (5) محيط المحيط. الدَّوْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمَا الشَّخْصَانِ. فَإِنْ كَانَ اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لأَِنَّ دِيَارَ الإِْسْلاَمِ كُلَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ. قَال السَّرَخْسِيُّ: " أَهْل الْعَدْل مَعَ أَهْل الْعَدْل يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لأَِنَّ دَارَ الإِْسْلاَمِ دَارُ أَحْكَامٍ، فَبِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ وَالْمَلِكِ لاَ تَتَبَايَنُ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ حُكْمَ الإِْسْلاَمِ يَجْمَعُهُمْ ". وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُنْقَل فِيهِ خِلاَفٌ، إِلاَّ مَا قَال الْعَتَّابِيُّ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا لاَ يَرِثُ مِنَ الْمُسْلِمِ الأَْصْلِيِّ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِنَا، أَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِ الْحَرْبِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقَوْل الْعَتَّابِيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الإِْسْلاَمِ حِينَ كَانَتِ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً. فَقَدْ نَفَى اللَّهُ تَعَالَى الْوِلاَيَةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ فَقَال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (1) } ، فَلَمَّا كَانَتِ الْوَلاَيَةُ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةً كَانَ الْمِيرَاثُ مُنْتَفِيًا؛ لأَِنَّ الْمِيرَاثَ عَلَى الْوَلاَيَةِ. فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ قَدْ نُسِخَ. قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ (2) . قَال السَّرَخْسِيُّ: " فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ فَلَيْسَتْ بِدَارِ أَحْكَامٍ، وَلَكِنْ دَارُ قَهْرٍ. فَبِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ وَالْمَلِكِ تَخْتَلِفُ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبِتَبَايُنِ الدَّارِ يَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجُوا إِلَيْنَا بِأَمَانٍ، لأَِنَّهُمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَيُجْعَل كُل __________ (1) سورة الأنفال / 72 (2) ابن عابدين 5 / 490 ط 1272هـ. وحديث: " لا هجرة بعد الفتح " أخرجه البخاري 4 / 18 ط صبيح وأخرجه مسلم بلفظ " لا هجرة ولكن جهاد ونية " 2 / 986، بتحقيق محمد عبد الباقي. وَاحِدٍ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ فِي مَنَعَةِ مَلِكِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِأَمَانٍ (1) ". أَمَّا أَهْل الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلِذَا فَهُمْ مُخَالِفُونَ فِي الدَّارِ لأَِهْل الْحَرْبِ. أَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنَّ دُورَهُمْ قَدْ تَتَّفِقُ وَقَدْ تَخْتَلِفُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ شَارِحًا مَعْنَى اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ: " اخْتِلاَفُهُمَا بِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ أَيِ الْعَسْكَرِ، وَاخْتِلاَفُ الْمَلِكِ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَلِكَيْنِ فِي الْهِنْدِ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ، وَالآْخَرُ فِي التُّرْكِ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ أُخْرَى، وَانْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَسْتَحِل كُلٌّ مِنْهُمْ قِتَال الآْخَرِ. فَهَاتَانِ الدَّارَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَتَنْقَطِعُ بِاخْتِلاَفِهِمَا الْوِرَاثَةُ؛ لأَِنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى الْعِصْمَةِ وَالْوِلاَيَةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ عَلَى أَعْدَائِهِمَا كَانَتِ الدَّارُ وَالْوِرَاثَةُ ثَابِتَةً (2) ": (وَانْظُرْ: دَارُ الإِْسْلاَمِ وَدَارُ الْكُفْرِ) . وَدَارُ الإِْسْلاَمِ مُخَالِفٌ لِدَارِ الْحَرْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ. أَنْوَاعُ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ: 2 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَدْ تَخْتَلِفُ الدَّارَانِ حَقِيقَةً فَقَطْ، أَوْ حُكْمًا فَقَطْ، أَوْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا: فَاخْتِلاَفُهُمَا حَقِيقَةً فَقَطْ، كَمُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ، فَإِنَّ الدَّارَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةً لَكِنِ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ حُكْمًا. فَهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا. __________ (1) المبسوط للسرخسي 30 / 33. وانظر أيضا حاشية ابن عابدين 5 / 490 (2) رد المحتار حاشية ابن عابدين على الدر المختار 5 / 489، وشرح السراجية 81 وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا حُكْمًا فَكَمُسْتَأْمَنٍ وَذِمِّيٍّ فِي دَارِنَا، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَقِيقَةً إِلاَّ أَنَّهُمَا فِي دَارَيْنِ حُكْمًا؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ حُكْمًا، لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَكَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِهِمْ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِنَا. وَكَالْحَرْبِيَّيْنِ فِي دَارَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ (1) . هَذَا وَإِنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارَيْنِ بَيْنَ كَافِرٍ وَكَافِرٍ يَسْتَتْبِعُ فِي الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً نَعْرِضُ جُمْلَةً مِنْهَا فِيمَا يَلِي: التَّوَارُثُ: 3 - اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ حُكْمًا فَقَطْ، أَوْ حُكْمًا وَحَقِيقَةً، أَحَدُ مَوَانِعِ التَّوَارُثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَرِثُ الذِّمِّيُّ حَرْبِيًّا وَلاَ مُسْتَأْمَنًا، وَلاَ الْحَرْبِيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا وَلَوِ اتَّفَقَ دِينُهُمَا، وَلاَ يَرِثُ الْحَرْبِيُّ حَرْبِيًّا إِنِ اخْتَلَفَتْ دَارَاهُمَا. وَيَثْبُتُ التَّوَارُثُ بَيْنَ مُسْتَأْمَنَيْنِ فِي دَارِنَا إِنْ كَانَا مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا يَثْبُتُ بَيْنَ مُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ لاِتِّحَادِ الدَّارِ بَيْنَهُمَا حُكْمًا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ تَوَارُثَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَحَرْبِيٍّ، أَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ وَالْمُعَاهَدُ فَهُمَا عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي حُكْمِ أَهْل الذِّمَّةِ، لِلْقُرْبِ بَيْنَهُمْ وَلِعِصْمَتِهِمْ بِالْعَهْدِ وَالأَْمَانِ، كَالذِّمِّيِّ، فَيَرِثَانِ الذِّمِّيَّ وَيَرِثُهُمَا، وَلاَ تَوَارُثَ بَيْنَ أَحَدِهِمَا وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: الْمُسْتَأْمَنُ وَالْمُعَاهَدُ كَالْحَرْبِيِّ. أَمَّا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَمِثْلُهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ - فِيمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعَذْبِ الْفَائِضِ وَلَمْ نَجِدْهُمْ صَرَّحُوا بِهِ __________ (1) رد المحتار 5 / 490 فِيمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِمْ - فَلاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ التَّوَارُثَ مَا دَامَتِ الْمِلَل مُتَّفِقَةً. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ آخَرُ هُوَ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى: إِنَّ الْحَرْبِيَّ لاَ يَرِثُ ذِمِّيًّا، وَلاَ الذِّمِّيُّ حَرْبِيًّا، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَيَرِثُهُ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ وَأَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَيَرِثُ أَهْل الْحَرْبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ دِيَارُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَتْ (1) . دِينُ الْوَلَدِ: 4 - بَيَانُ مَنْ يَتْبَعُهُ الْوَلَدُ فِي دِينِهِ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (ر: اخْتِلاَفُ الدِّينِ) ، وَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ لِخَيْرِ وَالِدَيْهِ فِي الدِّينِ أَنْ تَتَّحِدَ الدَّارُ بَيْنَ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ، وَإِلاَّ فَلاَ تَبَعِيَّةَ. فَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَوَالِدُهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَأَسْلَمَ الْوَالِدُ، لاَ يَتْبَعُهُ الْوَلَدُ، وَلاَ يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ جَعْل الْوَالِدِ مِنْ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الْوَالِدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَسْلَمَ، وَوَلَدُهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ؛ لأَِنَّ الْوَالِدَ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ حُكْمًا (2) . الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: 5 - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْفُرْقَةَ لاَ تَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِمُجَرَّدِ اخْتِلاَفِهِمَا دَارًا. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ اخْتِلاَفَ دَارَيِ الزَّوْجَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا. فَلَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً ثُمَّ دَخَل أَحَدُهُمَا دَارَ الإِْسْلاَمِ فَأَسْلَمَ أَوْ عَقَدَ __________ (1) حاشية ابن عابدين 5 / 490، وشرح السراجية ص 81، 82، ونهاية المحتاج 6 / 27 ط مصطفى الحلبي، والمغني 7 / 168 - 170، والعذب الفائض 1 / 36، وانظر أحكام الذميين والمستأمنين ص 529 - 533 (2) الهندية 1 / 339 ط بولاق 1310 هـ؛ والزيلعي 2 / 173 ط بولاق 1315 هـ الذِّمَّةَ، وَتَرَكَ زَوْجَهُ الآْخَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لاِخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا. بِخِلاَفِ مَا لَوْ دَخَل أَحَدُهُمَا مُسْتَأْمَنًا فَإِنَّ نِكَاحَهُ لاَ يَنْفَسِخُ. وَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ حَرْبِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا وَحْدَهُ بَانَتْ. وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِذَا دَخَل دَارَ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَتَرَكَ زَوْجَهُ الآْخَرَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا؛ لأَِنَّ الدَّارَيْنِ اخْتَلَفَتَا بِهِمَا فِعْلاً وَحُكْمًا، فَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ قَبْل الدُّخُول. وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لاَ تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ، وَالنِّكَاحُ شُرِعَ لِمَصَالِحِهِ لاَ لِعَيْنِهِ، فَلاَ يَبْقَى عِنْدَ عَدَمِهَا، كَالْمَحْرَمِيَّةِ إِذَا اعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ. وَهَذَا لأَِنَّ أَهْل الْحَرْبِ كَالْمَوْتَى - أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ - فَلاَ يُشْرَعُ النِّكَاحُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا بِالنِّكَاحِ الأَْوَّل، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ بِسَنَتَيْنِ، وَقِيل بِسِتِّ سِنِينَ، وَهَاجَرَتْ وَبَقِيَ هُوَ بِمَكَّةَ. وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَفَرَّا هُمَا وَغَيْرُهُمَا دُونَ أَنْ يُسْلِمُوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ (1) . __________ (1) الزيلعي 2 / 176، والهندية 1 / 338، والمدونة الكبرى 4 / 150 ط القاهرة، مطبعة السعادة 1324هـ، والمغني ف 5440 ط خامسة 7 / 157، والحديث أخرجه الترمذي ببعض الزيادات من حديث ابن عباس. وقال: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه، وقال صاحب تحفة الأحوذي: وحديث ابن عباس هذا صححه الحاكم. قال ابن كثير في الإرشاد: " هو حديث جيد قوي " (تحفة الأحوذي4 / 296، 297 ط السلفية) . النَّفَقَةُ: 6 - لاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدَّارِ وُجُوبَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَثْبَتَ النِّكَاحَ مَعَ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ. أَمَّا نَفَقَةُ الأَْقَارِبِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ وُجُوبَ نَفَقَةِ الْقَرَابَةِ عَلَى الأُْصُول وَالْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي. قَال الزَّيْلَعِيُّ: لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْحَرْبِيَّيْنِ، وَلاَ يُجْبَرُ الْحَرْبِيُّ عَلَى نَفَقَةِ أَبِيهِ الْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّ الاِسْتِحْقَاقَ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَلاَ تُسْتَحَقُّ الصِّلَةُ لِلْحَرْبِيِّ أَوِ الذِّمِّيِّ لِلنَّهْيِ عَنْ بِرِّهِمْ. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لاَ يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّفَقَةِ وَلَوْ كَانَ الْحَرْبِيُّ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِ الإِْسْلاَمِ. وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ لاَ نَفَقَةَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ، وَبَيْنَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لاِخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ. وَهَذَا الَّذِي نَقَلْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ، فَرَأَى أَنَّ نَفَقَةَ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ خَاصَّةً لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ. قَال: لأَِنَّ وُجُوبَ نَفَقَةِ غَيْرِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَلاَ تَجِبُ الصِّلَةُ مَعَ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ، وَتَجِبُ فِي قَرَابَةِ الْوِلاَدَةِ؛ وَلأَِنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ هُنَاكَ بِحَقِّ الْوِرَاثَةِ، وَلاَ وِرَاثَةَ - أَيْ عِنْدَهُمْ - مَعَ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ، وَالْوُجُوبُ فِي قَرَابَةِ الْوِلاَدَةِ بِحَقِّ الْوِلاَدَةِ، وَهُوَ لاَ يَخْتَلِفُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ فِي قَرَابَةِ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ، وَكَذَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ. أَمَّا الْحَرْبِيُّ غَيْرُ الْمُسْتَأْمَنِ فَلاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ. وَأَمَّا قَرَابَةُ مَا عَدَا الأُْصُول وَالْفُرُوعَ فَلاَ يَجِبُ بِهَا نَفَقَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَصْلاً. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارِ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ نَفَقَةِ الأَْقَارِبِ إِذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهَا. وَلَمْ يَتَّضِحْ لَنَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (1) . الْوَصِيَّةُ: 7 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ لِلْحَرْبِيِّ، فَرَأَى الْحَنَابِلَةُ جَوَازَهَا مُطْلَقًا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ. وَهِيَ الْمَذْهَبُ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمُوصِي فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالْمُوصَى لَهُ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَوُجْهَةُ مَنْ مَنَعَ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ أَنَّ التَّبَرُّعَ لَهُمْ بِتَمْلِيكِهِمُ الْمَال إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا نَحْنُ قَدْ أُمِرْنَا بِقَتْل الْحَرْبِيِّ وَأَخْذِ مَالِهِ، فَلاَ مَعْنَى لِلْوَصِيَّةِ لَهُ. وَمِنْ أَجَل هَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَلَوْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ، وَلَوْ جَاءَ الْحَرْبِيُّ لِدَارِ الإِْسْلاَمِ لأَِخْذِ وَصِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَالَّذِينَ أَجَازُوهَا نَظَرُوا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، وَلاَ يَمْتَنِعُ التَّمْلِيكُ لِلْحَرْبِيِّ، قِيَاسًا لَهُ عَلَى الْبَيْعِ (2) . أَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لَوْ أَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَرُوِيَ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ، وَيُمَكَّنُ مِنْهُ، وَلاَ يُمَكَّنُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُقَامِ عَلَى السَّنَةِ إِلاَّ بِجِزْيَةٍ. __________ (1) بدائع الصنائع 4 / 37، والزيلعي على الكنز 3 / 63، والهندية 1 / 568، ونهاية المحتاج 7 / 208، والخرشي 4 / 201 وما بعدها ط 1316 هـ، والمغني 9 / 259، 261، وانظر أحكام الذميين والمستأمنين ص 478 - 481 (2) الهندية 6 / 92، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 426 ط عيسى الحلبي، والعدوى علي الخرشي 8 / 170، وكشاف القناع 4 / 296 مطبعة أنصار السنة 1372 هـ وَلَوْ أَوْصَى الْمُسْتَأْمَنُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِجَوَازِهِ - وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلاَمُ غَيْرِهِمْ - لأَِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مُلْتَزِمٌ لأَِحْكَامِ الإِْسْلاَمِ. وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَوْ أَوْصَى لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِكُل مَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ أَحَدٌ جَازَ، وَلاَ عِبْرَةَ بِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّنَا؛ وَلأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لأَِنْفُسِهِمْ وَلاَ لأَِمْوَالِهِمْ، فَلأََنْ لاَ يَكُونَ لِحَقِّهِمُ الَّذِي فِي مَال مُوَرِّثِهِمْ عِصْمَةٌ أَوْلَى. فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ مَعَهُ وَقَفَ الْجَوَازُ عَلَى إِجَازَتِهِمْ (1) . الْقِصَاصُ: 8 - إِذَا قَتَل الذِّمِّيُّ مُسْتَأْمَنًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَكَذَلِكَ إِذَا قَتَل الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيًّا. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَثْنَوْا حَالَةَ كَوْنِ الْقَاتِل ذِمِّيًّا وَالْمَقْتُول مُسْتَأْمَنًا، فَلاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ، قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: لأَِنَّ عِصْمَةَ الْمُسْتَأْمَنِ لَمْ تَثْبُتْ مُطْلَقًا، بَل مَوْقُوتَةٌ إِلَى غَايَةِ مُقَامِهِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مِنْ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ وَإِنَّمَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ لاَ بِقَصْدِ الإِْقَامَةِ بَل لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا ثُمَّ يَعُودُ إِلَى وَطَنِهِ. فَكَانَ فِي عِصْمَتِهِ شُبْهَةُ الإِْبَاحَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَال: يُقْتَل بِهِ قِصَاصًا لِقِيَامِ الْعِصْمَةِ وَقْتَ الْقَتْل. وَلاَ يُقْتَل الذِّمِّيُّ بِالْحَرْبِيِّ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لَهُ أَصْلاً، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُغْنِي. وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِحُكْمِ الْمُسْتَأْمَنِ إِذَا قَتَل حَرْبِيًّا، __________ (1) الدر المحتار بحاشية الطحطاوي 4 / 336 ط بولاق؛ والبدائع 1 / 335؛ وانظر العناية على الهداية ط بولاق 8 / 488 وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُقْتَل بِهِ؛ لأَِنَّ الْحَرْبِيَّ لاَ عِصْمَةَ لَهُ أَصْلاً (1) . الْعَقْل (حَمْل الدِّيَةِ) : 9 - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَعْقِل الذِّمِّيُّ الْيَهُودِيُّ أَوِ الْمُعَاهَدُ أَوِ الْمُسْتَأْمَنُ عَنِ النَّصْرَانِيِّ الْمُعَاهَدِ أَوِ الْمُسْتَأْمَنِ، وَبِالْعَكْسِ، فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ. أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلاَ يَعْقِل عَنْ نَحْوِ ذِمِّيٍّ، وَعَكْسُهُ؛ لاِنْقِطَاعِ النُّصْرَةِ بَيْنَهُمَا؛ لاِخْتِلاَفِ الدَّارِ. وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لاَ يَعْقِل عَنِ الْحَرْبِيِّ، كَمَا لاَ يَعْقِل الْحَرْبِيُّ عَنِ الذِّمِّيِّ. وَالْقَوْل الآْخَرُ: إِنْ تَوَارَثَا تَعَاقَلاَ وَإِلاَّ فَلاَ (2) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ فِي كَلاَمِهِمْ هَذَا شَامِلٌ لِلْمُسْتَأْمَنِ. وَلَمْ نَجِدْ فِي كَلاَمِ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. حَدُّ الْقَذْفِ: 10 - لاَ حَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ إِذَا قَذَفَ حَرْبِيًّا وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ؛ لِعَدَمِ إِحْصَانِ الْمَقْذُوفِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِ. أَمَّا لَوْ قَذَفَ الْمُسْتَأْمَنُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لأَِنَّهُ بِدُخُولِهِ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِالأَْمَانِ الْتَزَمَ إِيفَاءَ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلْعَبْدِ، وَهَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - مَا عَدَا أَشْهَبَ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا قَذَفَ __________ (1) بدائع الصنائع 7 / 236؛ والخرشي 7 / 4، والأم للشافعي ط بولاق 6 / 40. ومطالب أولي النهى 6 / 31 ط المكتب الإسلامي بدمشق. وانظر أحكام الذميين والمستأمنين ص 248 وما بعدها (2) نهاية المحتاج 7 / 335، وكشاف القناع 6 / 48، والفروع 3 / 448 ط المنار. الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا بِالزِّنَا ثُمَّ أَسْلَمَ وَدَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ (1) . اخْتِلاَفُ الدِّينِ 1 - اخْتِلاَفُ الدِّينِ يَسْتَتْبِعُ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً مُعَيَّنَةً، كَامْتِنَاعِ التَّوَارُثِ. وَاخْتِلاَفُ الدِّينِ الَّذِي يَسْتَتْبِعُ تِلْكَ الأَْحْكَامَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلاَفًا بِالإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ، فَهَذَا يَسْتَتْبِعُ أَحْكَامَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ اتِّفَاقًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّخْصَانِ كَافِرَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتْبَعُ غَيْرَ مِلَّةِ صَاحِبِهِ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَهُودِيًّا وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا. وَفِي هَذَا النَّوْعِ اخْتِلاَفٌ يَتَبَيَّنُ مِمَّا يَلِي : وَمِنْ أَهَمِّ الأَْحْكَامِ الَّتِي تُبْنَى عَلَى اخْتِلاَفِ الدِّينِ: أ - التَّوَارُثُ: 2 - اخْتِلاَفُ الدِّينِ أَحَدُ مَوَانِعِ التَّوَارُثِ، لِبِنَاءِ التَّوَارُثِ عَلَى النُّصْرَةِ، فَلاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ اتِّفَاقًا. إِلاَّ أَنَّ أَحْمَدَ يَرَى تَوْرِيثَ الْكَافِرِ بِالْوَلاَءِ مِنْ عَتِيقِهِ الْمُسْلِمِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَرِثَ عِنْدَ أَحْمَدَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ. وَفِي مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُرْتَدِّ خِلاَفٌ. وَلاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، __________ (1) المدونة 16 / 22، والخرشي 8 / 86، والمهذب 2 / 273 ط 1379 هـ وَرُوِيَ تَوْرِيثُهُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ الإِْسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى وَالْحَدِيثِ الآْخَرِ الإِْسْلاَمُ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ. (1) وَأَمَّا تَوَارُثُ أَهْل الْكُفْرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَعِنْدَ الإِْمَامَيْنِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يَثْبُتُ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (2) وَلأَِنَّ الْكُفَّارَ عَلَى اخْتِلاَفِ مِلَلِهِمْ كَالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ فِي مُعَادَاةِ الْمُسْلِمِينَ. وَعِنْدَ مَالِكٍ: هُمْ ثَلاَثُ مِلَلٍ: فَالْيَهُودُ مِلَّةٌ، وَالنَّصَارَى مِلَّةٌ، وَمَنْ عَدَاهُمْ مِلَّةٌ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: هُمْ مِلَلٌ شَتَّى؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (3) وَلِحَدِيثِ: لاَ يَتَوَارَثُ أَهْل مِلَّتَيْنِ شَتَّى. (4) ب - النِّكَاحُ: 3 - لاَ يَتَزَوَّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً، وَلاَ يَتَزَوَّجُ مُسْلِمٌ كَافِرَةً __________ (1) العذب الفائض 1 / 30 - 32، وابن عابدين 5 / 489 ط بولاق 1272 هـ. وحديث " الإسلام يزيد ولا ينقص " أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي في السنن من حديث معاذ بن جبل. قال الحافظ في الفتح: قال الحاكم: صحيح. وتعقب بالانقطاع (فيض القدير 3 / 179) . وقال المنذري: فيه رجل مجهول (عون المعبود 8 / 123 ط السلفية) . (2) سورة الأنفال / 73 (3) سورة المائدة / 48 (4) العذب الفائض 1 / 32، والمبسوط للسرخسي 30 / 30 - 33، وحديث " لا لوارث أهل ملتين شتى) قال المنذري: أخرجه النسائي وابن ماجه وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر وقال: غريب لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى. قال صاحب عون المعبود: ابن أبي ليلى هذا لا يحتج بحديثه (عون المعبود 8 / 122 ط السلفية) . إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ. وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَ لاَ يَحِل ابْتِدَاءً النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ (النِّكَاحُ) . ج - وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ. 4 - اخْتِلاَفُ الدِّينِ بِالإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ أَحَدُ مَوَانِعِ وِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ. فَلاَ يَلِي كَافِرٌ تَزْوِيجَ مُسْلِمَةٍ، وَلاَ مُسْلِمٌ تَزْوِيجَ كَافِرَةٍ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} . (1) وَاسْتَثْنَوْا جَمِيعًا تَزْوِيجَ الْمُسْلِمِ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُزَوِّجُهَا بِالْمِلْكِ لاَ بِالْوِلاَيَةِ، وَتَزْوِيجَ السُّلْطَانِ الْمُسْلِمِ أَوْ نَائِبِهِ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ إِنْ تَعَذَّرَ وَلِيُّهَا الْخَاصُّ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ زَوَّجَ الْمُسْلِمُ ابْنَتَهُ الْكَافِرَةَ لِكَافِرٍ، يُتْرَكُ فَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ (2) . أَمَّا إِنِ اخْتَلَفَ الدِّينُ بِغَيْرِ الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ، كَتَزْوِيجِ الْيَهُودِيِّ مَوْلِيَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ، وَعَكْسِهِ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ ذَلِكَ. وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ غَيْرُهُمْ (3) ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّوْرِيثِ، وَالْمُقَدَّمُ مَنْعُهُ. د - الْوِلاَيَةُ عَلَى الْمَال: 5 - لاَ تَثْبُتُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، __________ (1) سورة المائدة / 55 (2) ابن عابدين 2 / 312، والحطاب مع المواق 3 / 438 مكتبة النجاح في ليبيا عن طبعة القاهرة، والصاوي على الشرح الصغير 1 / 387 ط مصطفى الحلبي، والجمل على المنهج 4 / 156، والمغني 7 / 364 ط الأولى. (3) كشاف القناع 5 / 40 مطبعة أنصار السنة بالقاهرة. لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى. {وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (1) صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنْعِ وِلاَيَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوِلاَيَةِ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الذِّمِّيِّ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمَالِكِيَّةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ صَرَّحُوا فِي الْوَصِيِّ خَاصَّةً أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الإِْسْلاَمَ (2) . هـ - الْحَضَانَةُ: 6 - لِلْفُقَهَاءِ فِي أَثَرِ اخْتِلاَفِ الدِّينِ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الْحَضَانَةِ ثَلاَثُ اتِّجَاهَاتٍ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ لاَ تَثْبُتُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ أُمًّا، وَتَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لاِخْتِلاَفِ الدِّينِ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ الْحَضَانَةِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْحَاضِنُ كَافِرًا مَجُوسِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَانَ الْمَحْضُونُ مُسْلِمًا. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْحَاضِنُ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمَحْضُونِ مِنَ الْحَاضِنِ فَسَادٌ، كَأَنْ يُغَذِّيَهُ بِلَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ خَمْرٍ، ضُمَّ إِلَى مُسْلِمٍ لِيَكُونَ رَقِيبًا عَلَيْهِ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْهُ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ حَضَانَةِ النِّسَاءِ وَحَضَانَةِ الرِّجَال، فَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمُ اتِّحَادُ الدِّينِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْحَاضِنَةِ وَبَيْنَ الْمَحْضُونِ. كَذَا فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ نَقْلاً عَنِ الأَْصْل. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الشَّفَقَةَ عَلَى الْمَحْضُونِ الْمَطْلُوبَةَ لاَ تَخْتَلِفُ فِي الْحَاضِنَةِ بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ. قَال: وَكَانَ الرَّازِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَقُول بِالنِّسْبَةِ __________ (1) سورة النساء / 141. (2) كشاف القناع 2 / 223، ونهاية المحتاج 4 / 363 ط مصطفى الحلبي، والبدائع 5 / 53 ط سنة 1327 هـ، والخرشي 8 / 192 ط 1316 هـ لِحَضَانَةِ الأُْمِّ إِذَا كَانَتْ كِتَابِيَّةً وَوَلَدُهَا مُسْلِمٌ: إِنَّهَا أَحَقُّ بِالصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ حَتَّى يَعْقِلاَ. فَإِذَا عَقَلاَ سَقَطَ حَقُّهَا لأَِنَّهَا تُعَوِّدُهُمَا أَخْلاَقَ الْكَفَرَةِ. وَقَيَّدَهُ فِي النَّهْرِ بِسَبْعِ سِنِينَ. وَإِنْ خِيفَ مِنْهَا أَنْ يَأْلَفَ الْكُفْرَ يُنْزَعُ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَعْقِل. أَمَّا حَضَانَةُ الرَّجُل فَيَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اخْتِلاَفُ الدِّينِ، فَلاَ حَقَّ لِلْعَصَبَةِ فِي حَضَانَةِ الصَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِهِ، لأَِنَّ هَذَا الْحَقَّ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ لِلْعَصَبَةِ، وَاخْتِلاَفُ الدِّينِ يَمْنَعُ التَّعْصِيبَ، فَلَوْ كَانَ لِلصَّبِيِّ الْيَهُودِيِّ أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالآْخَرُ يَهُودِيٌّ فَحَضَانَتُهُ لأَِخِيهِ الْيَهُودِيِّ لأَِنَّهُ عَصَبَتُهُ (1) . و تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ فِي الدِّينِ: 7 - أَوَّلاً: إِذَا اخْتَلَفَ دِينُ الْوَالِدَيْنِ بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالآْخَرُ كَافِرًا فَإِنَّ وَلَدَهُمَا الصَّغِيرَ، أَوِ الْكَبِيرَ الَّذِي بَلَغَ مَجْنُونًا، يَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِخَيْرِهِمَا دِينًا. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَخَيْرُ أَبَوَيْهِ مُتَّحِدَيِ الدَّارِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا كَأَنْ يَكُونَ خَيْرُ الأَْبَوَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ أَوْ دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ حُكْمًا فَقَطْ بِأَنْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي دَارِنَا وَالأَْبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الدَّارُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِأَنْ كَانَ الأَْبُ فِي دَارِنَا وَالْوَلَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَتْبَعْهُ (2) . __________ (1) بدائع الصنائع 4 / 42، 43، وحاشية ابن عابدين 2 / 639، وحاشية الدسوقي 2 / 529 ط عيسى الحلبي، ونهاية المحتاج 7 / 218، والمغني 9 / 297 (2) حاشية ابن عابدين 2 / 394، 395، والزيلعي 2 / 173، ومطالب أولي النهى 6 / 306، وحاشية القليوبي على الشرح المنهاج 3 / 126، وما بعدها ط عيسى الحلبي. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ يَتْبَعُ فِي الإِْسْلاَمِ أَبَاهُ فَقَطْ لاَ أُمَّهُ وَلاَ جَدَّهُ (1) . 8 - ثَانِيًا: إِذَا اخْتَلَفَ دِينُ الْوَالِدَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، فَإِنَّ الْوَلَدَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ يَتْبَعُ خَيْرَهُمَا دِينًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَمُقْتَضَى قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لأَِبِيهِ فِي الدِّينِ دُونَ أُمِّهِ، وَاضِحٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَاخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتَخَيَّرُ بَعْدَ بُلُوغِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ نَصْرَانِيًّا وَالآْخَرُ يَهُودِيًّا وَكَانَ لَهُمَا وَلَدَانِ فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْيَهُودِيَّةَ وَالآْخَرُ النَّصْرَانِيَّةَ حَصَل التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ (2) . وَلَمْ يُعْثَرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى نَصٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ز - النَّفَقَةُ: 9 - لاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدِّينِ وُجُوبَ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ. أَمَّا النَّفَقَةُ عَلَى الأَْقَارِبِ فَيَمْنَعُهَا اخْتِلاَفُ الدِّينِ. فَلاَ يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ دِينُهُمَا وَاحِدًا. وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا فِي غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ. 10 - أَمَّا عَمُودَا النَّسَبِ، وَهُمَا الأُْصُول وَالْفُرُوعُ فَفِيهِمَا اتِّجَاهَانِ: الأَْوَّل: تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهُمْ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الدِّينُ أَمِ اخْتَلَفَ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ __________ (1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 200 و 4 / 308 (2) حاشية القليوبي 3 / 148، والزيلعي 2 / 173 الْمَالِكِيَّةَ يَقْصُرُونَ نَفَقَةَ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ، وَلاَ يُوجِبُونَهَا لِلأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَوَلَدِ الْبَنِينَ. وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْهُمَامِ الْحَرْبِيِّينَ مِنْهُمْ فَلاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ؛ لأَِنَّا نُهِينَا عَنِ الْبِرِّ فِي حَقِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا فِي الدِّينِ. وَدَلِيل هَذَا الاِتِّجَاهِ أَنَّ هَذَا الْقَرِيبَ يُعْتَقُ عَلَى قَرِيبِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ هُنَا بِحَقِّ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ، وَجُزْءُ الْمَرْءِ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ. وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: لاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. وَدَلِيلُهُ أَنَّهَا مُوَاسَاةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ؛ وَلأَِنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ لأَِحَدِهِمَا نَفَقَةٌ عَلَى الآْخَرِ (1) . ح - الْعَقْل (حَمْل الدِّيَةِ) : 11 - اخْتِلاَفُ الدِّينِ بِالإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ يَمْنَعُ الْعَقْل، فَلاَ يَعْقِل كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلاَ مُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، حَتَّى لَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ يَعْقِل عَنِ الْمُسْلِمِ إِنْ عَجَزَتْ عَاقِلَتُهُ، وَلاَ يَعْقِل عَنْ كَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ، أَوْ مُرْتَدٍّ؛ لاِخْتِلاَفِ الدِّينِ. ثُمَّ قَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَعْقِل يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ عَنْ يَهُودِيٍّ. وَخَالَفَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، فَالْكُفَّارُ عِنْدَهُمْ يَتَعَاقَلُونَ وَإِنِ __________ (1) بدائع الصنائع 4 / 36، وفتح القدير 3 / 348 ط بولاق، وحاشية الدسوقي 2 / 522، ونهاية المحتاج 7 / 208، والمغني 9 / 259 اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ. قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: لأَِنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الدَّارِ (1) . ط - الْوَصِيَّةُ: 12 - يَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إِذَا صَدَرَتْ مِنْ مُسْلِمٍ لِذِمِّيٍّ، أَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ لِمُسْلِمٍ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (2) ، وَلأَِنَّ الْكُفْرَ لاَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمَلُّكِ، فَكَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ وَهِبَتُهُ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. وَرَأَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَصِحُّ لِلذِّمِّيِّ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا، كَمَا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ. أَمَّا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِلْيَهُودِ أَوْ لِلنَّصَارَى أَوْ حَتَّى لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ الْكَافِرِ فَلاَ تَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ جَعَل الْكُفْرَ حَامِلاً عَلَى الْوَصِيَّةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ مَنْ سِوَاهُمْ عَلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ. أَمَّا وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِذِمِّيٍّ فَيَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ الْجَوَازَ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، بِأَنْ كَانَتْ لأَِجْل قَرَابَةٍ، وَإِلاَّ كُرِهَتْ. إِذْ لاَ يُوصِي لِلْكَافِرِ وَيَدَعُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ مُسْلِمٌ مَرِيضُ الإِْيمَانِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا فِي الطَّحَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَغَيْرِهِ، بِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَوْصَى لِكَافِرٍ مِنْ مِلَّةٍ أُخْرَى جَازَ، اعْتِبَارًا لِلإِْرْثِ، إِذِ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (3) . __________ (1) الطحطاوي على الدر المختار 4 / 312 ط بولاق، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 283، ونهاية المحتاج 7 / 353، وكشاف القناع 6 / 49 (2) سورة الممتحنة / 8 (3) الطحطاوي 4 / 336، والبدائع 7 / 335، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 426، ونهاية المحتاج 6 / 48، وكشاف القناع 4 / 296 ي - الشَّرِكَةُ: 13 - لاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدِّينِ قِيَامَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَلاَّ يَنْفَرِدَ الْكَافِرُ بِالتَّصَرُّفِ لأَِنَّهُ يَعْمَل بِالرِّبَا وَلاَ يَحْتَرِزُ مِمَّا يَحْتَرِزُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ. قَال الْحَنَابِلَةُ: وَمَا يَشْتَرِيهِ الْكِتَابِيُّ أَوْ يَبِيعُهُ مِنَ الْخَمْرِ بِمَال الشَّرِكَةِ أَوِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فَاسِدًا وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: شَرِكَةُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ بِقَيْدِ حُضُورِ الْمُسْلِمِ لِتَصَرُّفِ الْكَافِرِ. وَأَمَّا عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلاَ يَجُوزُ، وَيَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ إِنْ حَصَل لِلْمُسْلِمِ شَكٌّ فِي عَمَل الذِّمِّيِّ بِالرِّبَا اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (1) وَإِنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالْخَمْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَال جَمِيعًا لِوُجُوبِ إِرَاقَةِ الْخَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَإِنْ تَحَقَّقَ وَجَبَ التَّصَدُّقُ. وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الذِّمِّيَّ الْمَجُوسِيَّ تُكْرَهُ مُشَارَكَتُهُ أَصْلاً وَتَصِحُّ بِالْقُيُودِ السَّابِقَةِ. وَالشَّافِعِيَّةُ يُعَمِّمُونَ الْكَرَاهَةَ فِي مُشَارَكَةِ كُل كَافِرٍ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْمُفَاوَضَةِ خَاصَّةً التَّسَاوِيَ فِي الدِّينِ، فَتَصِحُّ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، وَبَيْنَ نَصْرَانِيَّيْنِ وَلاَ تَصِحُّ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِهَا التَّسَاوِي فِي التَّصَرُّفِ " لأَِنَّ الْكَافِرَ إِذَا اشْتَرَى خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لاَ يَقْدِرُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَبِيعَهُ وَكَالَةً مِنْ جِهَتِهِ فَيَفُوتُ شَرْطُ التَّسَاوِي فِي التَّصَرُّفِ ". وَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُفَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَّل الْكَرَاهَةَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَهْتَدِي إِلَى الْجَائِزِ مِنَ الْعُقُودِ. وَأَمَّا بَيْنَ __________ (1) سورة البقرة / 279 كَافِرَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْمِلَّةِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ فَتَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَمَّا شَرِكَةُ الْعِنَانِ فَتَصِحُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ أَيْضًا. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ شَرِكَةَ الْمُضَارَبَةِ تَصِحُّ بَيْنَهُمَا أَيْضًا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لاِخْتِلاَفِ الدِّينِ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ وَشَرِكَةِ الأَْعْمَال (1) . ك - حَدُّ الْقَذْفِ: 14 - إِذَا قَذَفَ الذِّمِّيُّ بِالزِّنَا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ، إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهُ، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ. وَإِذَا قَذَفَ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُسْلِمَةُ كَافِرًا، ذِمِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ إِحْصَانَ الْمَقْذُوفِ شَرْطُ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَالإِْحْصَانُ شَرْطُهُ الإِْسْلاَمُ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعَزَّرُ الْقَاذِفُ لأَِجْل الْفِرْيَةِ. وَخَالَفَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى فِيمَنْ قَذَفَ ذِمِّيَّةً لَهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ، فَقَالاَ: يُحَدُّ لِذَلِكَ (2) . |
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الذَّبَائِحُ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ - وَهِيَ الْحَيَوَانُ الْمَذْبُوحُ - مَأْخُوذَةٌ مِنَ الذَّبْحِ - بِفَتْحِ الذَّال - وَهُوَ مَصْدَرُ ذَبَحَ يَذْبَحُ كَمَنَعَ يَمْنَعُ. وَيُطْلَقُ الذَّبْحُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الشَّقِّ وَهُوَ الْمَعْنَى الأَْصْلِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ مِنْ بَاطِنٍ عِنْدَ النَّصِيل، وَهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَهُ صَاحِبُ اللِّسَانِ، وَالْحُلْقُومُ هُوَ مَجْرَى النَّفَسِ - بِفَتْحِ الْفَاءِ - وَالْمُرَادُ بِالْبَاطِنِ مُقَدَّمُ الْعُنُقِ، وَالنَّصِيل - بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ - مَفْصِل مَا بَيْنَ الْعُنُقِ وَالرَّأْسِ تَحْتَ اللَّحْيَيْنِ (2) . وَلِلذَّبْحِ فِي الاِصْطِلاَحِ ثَلاَثَةُ مَعَانٍ: (الأَْوَّل) الْقَطْعُ فِي الْحَلْقِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ مِنَ الْعُنُقِ " وَاللَّبَّةُ " بِفَتْحِ اللاَّمِ هِيَ الثُّغْرَةُ بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ أَسْفَل الْعُنُقِ __________ (1) هذه الترجمة للحنفية والشافعية، وترجمة المالكية والحنابلة (بالذكاة) . (2) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، مادة: (ذبح) . " وَاللَّحْيَانِ " مُثَنَّى اللَّحْيِ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ يَلْتَقِيَانِ فِي الذَّقَنِ، وَتَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الأَْسْنَانُ السُّفْلَى. وَالْفُقَهَاءُ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى حِينَ يَقُولُونَ مَثَلاً: (يُسْتَحَبُّ فِي الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا الذَّبْحُ (1)) أَيْ أَنْ تُقْطَعَ فِي حَلْقِهَا لاَ فِي لَبَّتِهَا. (الثَّانِي) الْقَطْعُ فِي الْحَلْقِ أَوِ اللَّبَّةِ وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الأَْوَّل لِشُمُولِهِ الْقَطْعَ فِي اللَّبَّةِ، وَالْفُقَهَاءُ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى حِينَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ هِيَ مَا فَوْقَ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَهِيَ الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي يَتَحَرَّكُهَا الْحَيَوَانُ حِينَمَا يُقَارِبُ الْمَوْتَ بَعْدَ الْقَطْعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الْقَطْعُ فِي حَلْقِهِ أَمْ فِي لَبَّتِهِ (2) وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} (3) فَإِنَّهُ يَشْمَل مَا قُطِعَ فِي حَلْقِهِ وَمَا قُطِعَ فِي لَبَّتِهِ. (الثَّالِثُ) : مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى حِل الْحَيَوَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَطْعًا فِي الْحَلْقِ أَمْ فِي اللَّبَّةِ مِنْ حَيَوَانٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، أَمْ إِزْهَاقًا لِرَوْحِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِإِصَابَتِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ بِمُحَدَّدٍ أَوَبِجَارِحَةٍ مُعَلَّمَةٍ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ سَابِقَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْل الْفُقَهَاءِ (لاَ تَحِل ذَبِيحَةُ الْمُشْرِكِ) فَالْمُرَادُ كُل __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 60. (2) بدائع الصنائع 5 / 51. (3) سورة المائدة / 3. مَا أَصَابَهُ الْمُشْرِكُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَبَّتِهِ إِنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، أَوْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ (1) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - النَّحْرُ: 2 - يُسْتَعْمَل النَّحْرُ فِي اللُّغَةِ اسْمًا وَمَصْدَرًا وَذَلِكَ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى أَعْلَى الصَّدْرِ وَمَوْضِعِ الْقِلاَدَةِ مِنْهُ وَالصَّدْرِ كُلِّهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّعْنِ فِي لَبَّةِ الْحَيَوَانِ، لأَِنَّهَا مُسَامِتَةٌ لأَِعْلَى صَدْرِهِ، يُقَال: نَحَرَ الْبَعِيرَ يَنْحَرُهُ نَحْرًا (2) . وَالنَّحْرُ فِي الاِصْطِلاَحِ الطَّعْنُ فِي اللَّبَّةِ أَيْضًا فَهُوَ مُقَابِلٌ لِلذَّبْحِ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ الأَْوَّل، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الْفُقَهَاءِ (يُسْتَحَبُّ فِي الإِْبِل النَّحْرُ، وَفِي الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا الذَّبْحُ (3)) . ب - الْعَقْرُ: 3 - الْعَقْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ لُغَةً: ضَرْبُ قَوَائِمِ الْبَعِيرِ أَوِ الشَّاةِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ الْعَرَبُ حَتَّى اسْتَعْمَلُوهُ فِي الْقَتْل وَالإِْهْلاَكِ، وَرُبَّمَا اسْتَعْمَلُوهُ فِي النَّحْرِ خَاصَّةً؛ __________ (1) وصرح الشافعية بإرادة هذا المعنى العام حينما تكلموا في أول موضوع الذبائح عن تعريف الذبح وأركانه. ر: شرح منهج الطلاب بحاشية البجيرمي 4 / 285. (2) اللسان، والقاموس، وتاج العروس مادة: (نحر) . (3) بدائع الصنائع 5 / 60. لأَِنَّ نَاحِرَ الإِْبِل كَانَ يَضْرِبُ إِحْدَى قَوَائِمِهَا ثُمَّ يَنْحَرُهَا (1) . وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى الإِْصَابَةِ الْقَاتِلَةِ لِلْحَيَوَانِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ مِنْ بَدَنِهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِالسَّهْمِ أَمْ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ (2) . ج - الْجَرْحُ 4 - الْجَرْحُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْكَسْبِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} (3) . وَعَلَى التَّأْثِيرِ فِي الشَّيْءِ بِالسِّلاَحِ (4) ، وَيُطْلَقُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ عَلَى مَعْنَى " الْعَقْرِ " الْمُتَقَدِّمِ (5) . د - الصَّيْدُ: 5 - الصَّيْدُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ صَادَ الْوَحْشَ أَوِ الطَّيْرَ أَوِ السَّمَكَ، إِذَا أَمْسَكَهَا بِالْمِصْيَدَةِ (6) أَوْ أَخَذَهَا، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا صِيدَ، وَعَلَى مَا يُصَادُ، __________ (1) اللسان مادة: (عقر) . (2) البدائع 5 / 43. (3) سورة الأنعام / 60. (4) اللسان مادة: (جرح) . (5) البدائع 5 / 43. (6) (المصيدة) بكسر الميم وسكون الصاد وبفتح الميم وسكون الصاد وبفتح الميم وكسر الصاد: آلة الصيد، والمقصود بالإمساك إزالة المنعة بالقبض أو الحبس أو التعجيز أو القتل أو غير ذلك. أَيْ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُصَادَ لاِمْتِنَاعِهِ بِشِدَّةِ الْعَدْوِ أَوِ الطَّيَرَانِ أَوِ الْغَوْصِ. وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ مَصْدَرًا، وَبِمَعْنَى مَا صِيدَ وَمَا يُصَادُ أَيْضًا، لَكِنَّهُمْ حِينَمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ مَصْدَرًا يُطْلِقُونَهُ تَارَةً عَلَى إِزَالَةِ مَنَعَةِ مَا كَانَ مُمْتَنِعًا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَتَارَةً عَلَى إِزْهَاقِ رَوْحِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الْمُتَوَحِّشِ بِإِرْسَال نَحْوِ سَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ صَقْرٍ، فَيُرَادِفُ " الْعَقْرَ " الْمُتَقَدِّمَ، وَحِينَمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ بِمَعْنَى مَا صِيدَ يَقْصِدُونَ بِهِ تَارَةً مَا أُزِيلَتْ مَنَعَتُهُ، وَتَارَةً مَا أُزْهِقَتْ رُوحُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الْمُتَوَحِّشِ. . . إِلَخْ، وَحِينَمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ بِمَعْنَى مَا يُصَادُ يُرِيدُونَ بِهِ الْحَيَوَانَ الْبَرِّيَّ الْمُتَوَحِّشَ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (صَيْد) . هـ - التَّذْكِيَةُ: 6 - التَّذْكِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ ذَكَّيْتُ الْحَيَوَانَ أَيْ ذَبَحْتُهُ أَوْ نَحَرْتُهُ، وَالذَّكَاةُ: اسْمُ الْمَصْدَرِ. وَمَعْنَاهَا إِتْمَامُ الشَّيْءِ وَالذَّبْحِ (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ السَّبَبُ الْمُوَصِّل لِحِل أَكْل الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ اخْتِيَارًا (2) . وَتُعْرَفُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا السَّبِيل الشَّرْعِيَّةُ لِبَقَاءِ طَهَارَةِ الْحَيَوَانِ وَحِل أَكْلِهِ إِنْ كَانَ مَأْكُولاً، __________ (1) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني مادة: (ذكا) . (2) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1 / 312. وَحِل الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ (1) . أَثَرُ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ: 7 - الْحَيَوَانُ نَوْعَانِ مَأْكُولٌ وَغَيْرُ مَأْكُولٍ وَلِلذَّكَاةِ أَثَرٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. أ - أَثَرُ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول: 8 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي لاَ يُؤْكَل: 1 - إِنْ كَانَ نَجَسًا حَيًّا وَمَيِّتًا كَالْخِنْزِيرِ لَمْ يَقْبَل __________ (1) ها هنا مصححان للحنفية: أحدهما: أن الحيوان غير المأكول يبقى طهره جلدًا ولحمًا بالتذكية ولو اضطرارية، والثاني: أن اللحم لا يبقى طهره، وجزم صاحبا الهداية والكنز بعدم التفضيل بين اللحم والجلد فكلاهما يبقى طهره، قال ابن عابدين: " التفصيل أصح ما يفتى به " الذَّكَاةَ؛ لأَِنَّهَا إِنَّمَا تُفِيدُ بَقَاءَ الطُّهْرِ وَلاَ تَقْلِبُ النَّجَسَ طَاهِرًا. 2 - وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا - وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالنَّمْل وَالنَّحْل - فَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَذْكِيَتِهِ؛ لأَِنَّ طُهْرَهُ بَاقٍ. 3 - وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ نَجَسًا بِالْمَوْتِ كَالْحِمَارِ الأَْهْلِيِّ فَهُوَ صَالِحٌ لِلتَّذْكِيَةِ وَلَهَا فِيهِ أَثَرَانِ: الأَْوَّل: بَقَاءُ طُهْرِهِ وَلَوْلاَ التَّذْكِيَةُ لَتَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ. وَالثَّانِي: حِل الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى دِبَاغٍ (1) . (ر: نَجَاسَة، دِبَاغ) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذَّكَاةَ لاَ تَعْمَل فِي غَيْرِ الْمَأْكُول (2) لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَكَاةُ مَا لاَ يُؤْكَل إِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ بِمَرَضٍ أَوْ عَمًى بِمَكَانٍ لاَ عَلَفَ فِيهِ، وَلاَ يُرْجَى أَخْذُ أَحَدٍ لَهُ، وَهَذِهِ الذَّكَاةُ لَيْسَتْ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لأَِنَّهَا لِلإِْرَاحَةِ لاَ لِلتَّطْهِيرِ (3) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَحْرِيمِ ذَبْحِ غَيْرِ الْمَأْكُول وَلَوْ لإِِرَاحَةٍ، لَكِنْ لَوِ اضْطُرَّ إِنْسَانٌ لأَِكْلِهِ كَانَ ذَبْحُهُ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَتْل؛ لأَِنَّهُ أَسْهَل لِخُرُوجِ الرُّوحِ (4) . __________ (1) بدائع الصنائع 1 / 85، 86، الدر المختار على حاشية ابن عابدين 5 / 196. (2) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 19، 321. (3) الخرشي على خليل بحاشية العدوي 2 / 316. (4) البجيرمي على الإقناع 4 / 248. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَطْهُرُ جِلْدُ غَيْرِ الْمَأْكُول بِالذَّكَاةِ لأَِنَّهَا ذَكَاةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ (1) . ب - أَثَرُ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول: 9 - الْحَيَوَانُ الْمَأْكُول إِنْ كَانَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى تَذْكِيَتِهِ؛ لأَِنَّ مَيْتَتَهُمَا طَاهِرَةٌ حَلاَلٌ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال (2) . وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيْتَتُهُ. (3) وَأَمَّا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِيَّةِ غَيْرَ السَّمَكِ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تُؤْكَل وَلَوْ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ تُؤْكَل أَصْلاً وَلَوْ ذُكِّيَتْ. وَسَائِرُ مَا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ يُؤْكَل عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَوْ بِلاَ تَذْكِيَةٍ. (وَانْظُرْ: أَطْعِمَة) . وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يَحِل إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ. __________ (1) المقنع 1 / 21. (2) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت. . . . " أخرجه أحمد (2 / 97 - ط الميمنية) ، والبيهقي (10 / 7 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصحح الدارقطني وقفه كما في التلخيص (1 / 26 - شركة الطباعة الفنية) ، وكذا تبعه البيهقي. (3) حديث: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " أخرجه أبو داود (1 / 64 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، والترمذي (1 / 101 ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وصححه البخاري كما في التلخيص الحبير (1 / 9 - ط شركة الطباعة الفنية) . وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ الْمَأْكُول بَرِّيًّا ذَا نَفْسٍ سَائِلَةٍ فَهُوَ صَالِحٌ لِلذَّكَاةِ. وَلَهَا فِيهِ ثَلاَثَةُ آثَارٍ: الأَْوَّل: بَقَاءُ طُهْرِهِ، وَالثَّانِي: حِل الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ دُونَ دِبَاغٍ، وَالثَّالِثُ: حِل أَكْلِهِ (1) . تَقْسِيمُ الذَّكَاةِ: 10 - سَبَقَ أَنَّ الذَّكَاةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الطَّاهِرِ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْكُولاً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (2) . وَالْحَيَوَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ كَالْمُسْتَأْنَسِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ، أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَوْحِشِ مِنْهَا. وَلِهَذَا كَانَتِ الذَّكَاةُ نَوْعَيْنِ: (الأَْوَّل) : الذَّبْحُ أَوِ النَّحْرُ عَلَى حَسَبِ نَوْعِ الْحَيَوَانِ إِنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ. (الثَّانِي) : الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ أَوْ بِإِرْسَال الْجَارِحَةِ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْحَيَوَانِ وَتَوَحُّشِهِ بِالطَّيَرَانِ أَوِ الْعَدْوِ، __________ (1) الدر المختار بحاشية ابن عابدين 5 / 186، ونهاية المحتاج 8 / 105، 107، والمقنع 3 / 534، والخرشي على خليل بحاشية العدوي 2 / 323. (2) إنما قيد بالبري؛ لأن السمك لا ذكاة له عند الجمهور. وقيد بالطاهر؛ لأن النجس كالخنزير لا ذكاة له إجماعًا. وقيد بالذي له نفس سائلة؛ لأن ما لا نفس سائلة له إن كان غير مأكول فلا ذكاة له اتفاقًا، وإن كان مأكولاً كالجراد فلا ذكاة له عند الجمهور. وقد علم هـ وَهُوَ كَالْبَدَل عَنِ الأَْوَّل، إِذْ لَمْ يُجِزْهُ الشَّارِعُ إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ رَحْمَةً بِالنَّاسِ وَرِعَايَةً لِحَاجَاتِهِمْ. وَمِنْ هُنَا انْقَسَمَتِ الذَّكَاةُ إِلَى " اخْتِيَارِيَّةٍ " وَهِيَ النَّوْعُ الأَْوَّل " وَاضْطِرَارِيَّةٍ " وَهِيَ النَّوْعُ الثَّانِي. وَقَدِ انْفَرَدَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَسْمِيَةِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِهَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ (1) . وَسَمَّى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ النَّوْعَ الأَْوَّل ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ ذَكَاةَ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ (2) . وَمَضَى أَنَّ هُنَاكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الذَّكَاةِ (3) هُوَ ذَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَقِيَ نَوْعٌ يَقُول بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ فَجُمْلَةُ الأَْنْوَاعِ اتِّفَاقًا وَاخْتِلاَفًا أَرْبَعَةٌ هِيَ: الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ، وَالذَّكَاةُ الاِضْطِرَارِيَّةُ، وَذَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَذَكَاةُ الْجَنِينِ تَبَعًا لأُِمِّهِ. النَّوْعُ الأَْوَّل مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ: الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ: أ - حَقِيقَتُهَا. 11 - حَقِيقَةُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ الذَّبْحُ فِيمَا يُذْبَحُ وَهُوَ مَا عَدَا الإِْبِل مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهَا، __________ (1) البدائع 5 / 40. (2) الإقناع بحاشية البجيرمي 4 / 246، 247. (3) ر: ف / 9. وَالنَّحْرُ فِيمَا يُنْحَرُ وَهُوَ الإِْبِل خَاصَّةً، وَتَخْصِيصُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ وَاجِبٌ فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهَا فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِلاَ خِلاَفٍ. قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ لِمَنْ قَدَرَ، وَذَرِ الأَْنْفُسَ حَتَّى تَزْهَقَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: " الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ (1) . وَالْمَقْصُودُ بِالذَّكَاةِ فِي كَلاَمِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ لِغَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ صِفَةً أُخْرَى ذُكِرَتْ فِي أَحَادِيثِ الصَّيْدِ. وَتَخْصِيصُ الإِْبِل بِالنَّحْرِ وَمَا عَدَاهَا بِالذَّبْحِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ وَاجِبٌ، وَوَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الإِْبِل النَّحْرَ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحَ فَقَال: {فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (2) . وَقَال: {إِنَّ اللَّهَ __________ (1) أثر عمر بن الخطاب وابن عباس أخرجهما عبد الرزاق في المصنف (4 / 495 - ط المجلس العلمي) . وورد في معناهما حديث مرفوع، فعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة وأورده الزيلعي في نصب الراية (4 / 185 - ط المجلس العلمي) ، ونقل عن ابن الهادي في التنقيح أنه قال: " هذا إسناد ضعيف بمرة ". (2) سورة الكوثر / 2. يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (1) . وَقَال: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (2) . وَالذِّبْحُ - بِكَسْرِ الذَّال - بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الذَّكَاةِ إِنَّمَا هُوَ الأَْسْهَل عَلَى الْحَيَوَانِ، وَمَا فِيهِ نَوْعُ رَاحَةٍ لَهُ فَهُوَ أَفْضَل، وَالأَْسْهَل فِي الإِْبِل النَّحْرُ لِخُلُوِّ لَبَّتِهَا عَنِ اللَّحْمِ وَاجْتِمَاعِ اللَّحْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَنَحْوُهَا جَمِيعُ عُنُقِهَا لاَ يَخْتَلِفُ (3) . وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِالإِْبِل سَائِرَ مَا طَال عُنُقُهُ كَالإِْوَزِّ وَالْبَطِّ وَمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّعَامِ (4) . وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ النَّحْرَ فِي الإِْبِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وَقَاسُوا عَلَى الإِْبِل مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَافِيِّ وَالْفِيَلَةِ. وَأَجَازُوا الذَّبْحَ وَالنَّحْرَ - مَعَ أَفْضَلِيَّةِ الذَّبْحِ - فِي الْبَقَرِ لِوُرُودِ الذَّبْحِ فِيهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، وَأَمَّا النَّحْرُ فَقَدْ قِيل فِي تَعْلِيلِهِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ عُنُقَ الْبَقَرَةِ لَمَّا كَانَ فَوْقَ الشَّاةِ وَدُونَ عُنُقِ الْبَعِيرِ جَازَ فِيهَا الأَْمْرَانِ جَمِيعًا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ؛ لِقُرْبِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ، وَالنَّحْرُ فِيهِ أَخَفُّ، وَلَمْ يَجُزِ الذَّبْحُ فِي الْبَعِيرِ لِبُعْدِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ. __________ (1) سورة البقرة / 67. (2) سورة الصافات / 107. (3) البدائع 5 / 40، 41، والمقنع 3 / 538. (4) الإقناع بحاشية البجيرمي 4 / 249، 250. وَقَاسُوا عَلَيْهِ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِهِ وَخَيْلِهِ وَبِغَالِهِ، وَأَوْجَبُوا الذَّبْحَ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الأَْصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ (1) . ب - الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِهَا: 12 - الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ التَّذْكِيَةِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول لِمَكَانِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَلاَ يَزُول إِلاَّ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِإِحْلاَل الطَّيِّبَاتِ خَاصَّةً قَال تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِل لَهُمْ قُل أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (2) وَقَال تَعَالَى: {وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (3) . وَلاَ يَطِيبُ إِلاَّ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَذَلِكَ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَلِهَذَا حُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ؛ لأَِنَّ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهَا قَائِمٌ، وَلِذَا لاَ يَطِيبُ مَعَ قِيَامِهِ، وَلِهَذَا يَفْسُدُ فِي أَدْنَى مُدَّةٍ لاَ يَفْسُدُ فِي مِثْلِهَا الْمَذْبُوحُ، وَكَذَا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِذَا لَمْ تُدْرَكْ حَيَّةً، فَتُذْبَحُ أَوْ تُنْحَرُ (4) . وَمِنَ الْحِكْمَةِ أَيْضًا التَّنْفِيرُ عَنِ الشِّرْكِ وَأَعْمَال الْمُشْرِكِينَ، وَتَمْيِيزُ مَأْكُول الآْدَمِيِّ عَنْ مَأْكُول __________ (1) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 314، والمنتقى شرح الموطأ 3 / 108 الناشر دار الكتاب العربي. (2) سورة المائدة / 4. (3) سورة الأعراف / 157. (4) بدائع الصنائع 5 / 40، وينظر مغني المحتاج 4 / 267. السِّبَاعِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ الإِْنْسَانُ إِكْرَامَ اللَّهِ لَهُ بِإِبَاحَةِ إِزْهَاقِ رَوْحِ الْحَيَوَانِ لأَِكْلِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (1) . ج - تَقْسِيمُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ: 13 - تَنْقَسِمُ الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ - كَمَا عُلِمَ مِنْ حَقِيقَتِهَا - إِلَى ذَبْحٍ وَنَحْرٍ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ وَشَرَائِطُ وَآدَابُ وَمَكْرُوهَاتٌ. (أَوَّلاً) الذَّبْحُ: حَقِيقَةُ الذَّبْحِ: 14 - حَقِيقَةُ الذَّبْحِ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فِي الْحَلْقِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الأَْوْدَاجَ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ يُحِيطَانِ بِهِمَا وَيُسَمَّيَانِ (الْوَدَجَيْنِ) (2) . فَإِذَا فَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَدْ أَتَى بِالذَّكَاةِ بِكَمَالِهَا. وَإِنْ فَرَى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ حَل إِذَا اسْتَوْعَبَ قَطْعَهُمَا؛ لأَِنَّ الذَّبْحَ إِزَالَةُ الْحَيَاةِ، وَالْحَيَاةُ لاَ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِهِمَا __________ (1) حجة الله البالغة للدهلوي 2 / 812 وما بعدها نشر دار الكتب الحديثة بالقاهرة. (2) سميت العروق الأربعة أوداجًا تغليبًا، كما قيل: القمران في الشمس والقمر. عَادَةً وَقَدْ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ إِذْ هُمَا عِرْقَانِ كَسَائِرِ الْعُرُوقِ، وَالْحَيَاةُ لاَ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ عِرْقَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْعُرُوقِ (1) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَطَعَ أَكْثَرَ الأَْوْدَاجِ، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ مِنْهَا - أَيَّ ثَلاَثَةٍ كَانَتْ - وَتَرَكَ وَاحِدًا حَل؛ لأَِنَّ لِلأَْكْثَرِ حُكْمَ الْجَمِيعِ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي أُصُول الشَّرْعِ، وَالذَّكَاةُ بُنِيَتْ عَلَى التَّوْسِعَةِ حَيْثُ يُكْتَفَى فِيهَا بِبَعْضٍ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَيْفِيَّةِ فَيُقَامُ الأَْكْثَرُ فِيهَا مَقَامَ الْجَمِيعِ (2) . وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَحِل حَتَّى يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَأَحَدَ الْعِرْقَيْنِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْعُرُوقِ يُقْصَدُ بِقَطْعِهِ غَيْرُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الآْخَرُ، إِذِ الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْوَدَجَانِ مَجْرَيَانِ لِلدَّمِ، فَإِذَا قُطِعَ أَحَدُهُمَا حَصَل بِقَطْعِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا، وَإِذَا تُرِكَ الْحُلْقُومُ أَوِ الْمَرِيءُ لَمْ يَحْصُل بِقَطْعِ مَا سِوَاهُ الْمَقْصُودُ مِنْ قَطْعِهِ (3) . وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَحِل حَتَّى يَقْطَعَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْرْبَعَةِ أَكْثَرَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَطَعَ الأَْكْثَرَ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْرْبَعَةِ، فَقَدْ حَصَل الْمَقْصُودُ بِالذَّبْحِ __________ (1) نهاية المحتاج 8 / 105، 110، والمقنع 3 / 537، 538. (2) بدائع الصنائع 5 / 41. (3) بدائع الصنائع 5 / 42. وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ؛ لأَِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مَا يَخْرُجُ بِقَطْعِ الْجَمِيعِ (1) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَطَعَ جَمِيعَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ حَل، وَلاَ يَكْفِي نِصْفُ الْحُلْقُومِ مَعَ جَمِيعِ الْوَدَجَيْنِ عَلَى الأَْصَحِّ (2) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يُشْتَرَطُ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ الأَْرْبَعَةِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الْبَنَّا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُمْ (3) ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ قَطْعَ الأَْعْضَاءِ الأَْرْبَعَةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَطْعَ بَعْضِهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالأَْصْل التَّحْرِيمُ فَلاَ يُعْدَل عَنْهُ إِلاَّ بِيَقِينٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ (4) وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَيُقْطَعُ الْجِلْدُ وَلاَ تُفْرَى الأَْوْدَاجُ. حُكْمُ الْمُغَلْصَمَةِ: 15 - الْمُغَلْصَمَةُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَلْصَمَهُ إِذَا قَطَعَ غَلْصَمَتَهُ. وَالْغَلْصَمَةُ هِيَ جَوْزَةُ الْعُنُقِ وَهِيَ رَأْسُ الْحُلْقُومِ، وَهِيَ صَفِيحَةٌ غُضْرُوفِيَّةٌ __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 41. (2) الشرح الصغير مع بلغة السالك 2 / 314. (3) المقنع 3 / 537، 538. (4) حديث: " نهى عن شريطة الشيطان " أخرجه أبو داود (3 / 252 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، وأعله ابن القطان بأحد رواته، كذا في الفيض للمناوي (6 / 332 - ط المكتبة التجارية) . عِنْدَ أَصْل اللِّسَانِ، سَرْجِيَّةُ الشَّكْل، مُغَطَّاةٌ بِغِشَاءٍ مُخَاطِيٍّ، وَتَنْحَدِرُ إِلَى الْخَلْفِ لِتَغْطِيَةِ فَتْحَةِ الْحَنْجَرَةِ لإِِقْفَالِهَا فِي أَثْنَاءِ الْبَلْعِ (1) . وَالْمُرَادُ بِالْمُغَلْصَمَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الذَّبِيحَةُ الَّتِي انْحَازَتِ الْجَوْزَةُ فِيهَا لِجِهَةِ الْبَدَنِ، بِأَنْ يُمِيل الذَّابِحُ يَدَهُ إِلَى جِهَةِ الذَّقَنِ فَلاَ يَقْطَعُ الْجَوْزَةَ بَل يَجْعَلُهَا كُلَّهَا مُنْحَازَةً لِجِهَةِ الْبَدَنِ مَفْصُولَةً عَنِ الرَّأْسِ (2) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْمُغَلْصَمَةَ لاَ يَحِل أَكْلُهَا، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ حِينَئِذٍ صَارَ فَوْقَ الْحُلْقُومِ، فَإِنَّ الذَّبْحَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحُلْقُومِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الرَّأْسِ (3) . وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مَا خُلاَصَتُهُ: صَرَّحَ فِي " الذَّخِيرَةِ " بِأَنَّ الذَّبْحَ إِذَا وَقَعَ أَعْلَى مِنَ الْحُلْقُومِ لاَ يَحِل؛ لأَِنَّ الْمَذْبَحَ هُوَ الْحُلْقُومُ، لَكِنْ رِوَايَةُ الرُّسْتُغْفَنِيِّ تُخَالِفُ هَذِهِ حَيْثُ قَال: هَذَا قَوْل الْعَوَامِّ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، فَتَحِل سَوَاءٌ بَقِيَتِ الْعُقْدَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أَوِ الصَّدْرَ؛ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَنَا قَطْعُ أَكْثَرِ الأَْوْدَاجِ وَقَدْ __________ (1) كذا عرفها مجمع اللغة العربية في المعجم الوسيط، مادة: (غلصم) . (2) الشرح الصغير 1 / 313. (3) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 313، والخرشي مع العدوي 2 / 101، وحاشية الرهوني على الزرقاني 3 / 2، 3، وحاشية كنون بهامش حاشية الرهوني 3 / 2، 3، والشرواني على التحفة 9 / 322. وُجِدَ. وَقَدْ شَنَّعَ الأَْتْقَانِيُّ فِي " غَايَةِ الْبَيَانِ " عَلَى مَنْ شَرَطَ بَقَاءَ الْعُقْدَةِ فِي الرَّأْسِ وَقَال: إِنَّهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى الْعُقْدَةِ فِي كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلاَ كَلاَمِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَل الذَّكَاةُ بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَقَدْ حَصَلَتْ، لاَ سِيَّمَا عَلَى قَوْل الإِْمَامِ مِنَ الاِكْتِفَاءِ بِثَلاَثٍ مِنَ الأَْرْبَعِ أَيًّا كَانَتْ، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْحُلْقُومِ أَصْلاً، فَبِالأَْوْلَى إِذَا قُطِعَ مِنْ أَعْلاَهُ وَبَقِيَتِ الْعُقْدَةُ أَسْفَلَهُ (1) . شَرَائِطُ الذَّبْحِ: هِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: شَرَائِطُ فِي الْمَذْبُوحِ، وَشَرَائِطُ فِي الذَّابِحِ، وَشَرَائِطُ فِي الآْلَةِ. شَرَائِطُ الْمَذْبُوحِ: 16 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الذَّبْحِ ثَلاَثُ شَرَائِطَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَذْبُوحِ وَهِيَ: 1 - أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَقْتَ الذَّبْحِ. 2 - أَنْ يَكُونَ زَهُوقُ رُوحِهِ بِمَحْضِ الذَّبْحِ. 3 - أَلاَّ يَكُونَ صَيْدًا حَرَمِيًّا. وَزَادَ بَعْضُ الْمَذَاهِبِ شَرَائِطَ أُخْرَى مِنْهَا: 4 - أَلاَّ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالنَّحْرِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ. __________ (1) حاشية ابن عابدين 5 / 187. فَجُمْلَةُ الشَّرَائِطِ أَرْبَعٌ. 17 - أَمَّا الشَّرِيطَةُ (الأُْولَى) وَهِيَ كَوْنُهُ حَيًّا وَقْتَ الذَّبْحِ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي الذَّبِيحِ قَبْل الذَّبْحِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ يُحَال عَلَيْهِ الْهَلاَكُ كَالاِنْخِنَاقِ وَالتَّرَدِّي وَالضَّرْبِ وَالنَّطْحِ وَأَكْل السَّبُعِ وَخُرُوجِ الأَْمْعَاءِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَال عَلَيْهِ الْهَلاَكُ فَإِنَّهُ يَكْفِي وُجُودُ الْحَيَاةِ وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ فِي آخِرِ رَمَقٍ، وَمَثَّل الشَّافِعِيَّةُ لِذَلِكَ بِمَا لَوْ جَاعَ الْحَيَوَانُ أَوْ مَرِضَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ بِأَكْل نَبَاتٍ مُضِرٍّ. وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ هِيَ مَا زَادَتْ عَنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ سَوَاءٌ انْتَهَتْ إِلَى حَالٍ يُعْلَمُ أَنَّهَا لاَ تَعِيشُ مَعَهُ أَوْ تَعِيشُ، أَمْ لَمْ تَنْتَهِ إِلَى هَذِهِ الْحَال. وَجَعَل الشَّافِعِيَّةُ عَلاَمَةَ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ - إِذَا لَمْ تُعْلَمْ قَبْل الذَّبْحِ - أَنْ يَتَحَرَّكَ الْحَيَوَانُ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرَكَةً شَدِيدَةً، أَوْ يَنْفَجِرَ مِنْهُ الدَّمُ (1) . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: " لاَ يُكْتَفَى بِقِيَامِ أَصْل الْحَيَاةِ بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ (2) ". وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي بَيَانِ الاِسْتِقْرَارِ __________ (1) نهاية المحتاج 8 / 111، البجيرمي على الإقناع 4 / 249، والمقنع 3 / 540. (2) البدائع 5 / 50. رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَذْبُوحَ يَعِيشُ لَوْ لَمْ يُذْبَحْ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْحَيَاةِ مِقْدَارُ مَا يَعِيشُ بِهِ نِصْفَ يَوْمٍ (1) . وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي بَيَانِ الاِسْتِقْرَارِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ يَبْقَى مِنْ حَيَاةِ مَا يُرَادُ ذَبْحُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَبْقَى مِنْ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْل مُحَمَّدٍ مُفَسِّرًا فَقَال: إِنَّ عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ إِنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلاَّ الاِضْطِرَابُ لِلْمَوْتِ فَذَبَحَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِل، وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ مُدَّةً كَالْيَوْمِ أَوْ كَنِصْفِهِ حَل (2) . وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ اسْتِقْرَارَ الْحَيَاةِ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمَذْبُوحِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ كَانَ فِي مَعْنَى الْمَيْتَةِ فَلاَ تَلْحَقُهُ الذَّكَاةُ كَالْمَيْتَةِ حَقِيقَةً (3) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَحْدُثْ بِالْحَيَوَانِ مَا يَقْتَضِي الْيَأْسَ مِنْ بَقَاءِ حَيَاتِهِ كَفَى فِي حِلِّهِ التَّحَرُّكُ بَعْدَ الذَّبْحِ أَوْ سَيَلاَنُ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْهُمَا قَوِيًّا. وَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَا يَقْتَضِي الْيَأْسَ مِنْ بَقَاءِ حَيَاتِهِ كَإِخْفَاءِ مَرَضِهِ، أَوِ انْتِفَاخٍ بِعُشْبٍ، أَوْ دَقِّ عُنُقٍ، أَوْ سُقُوطٍ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَل بِشَرِيطَتَيْنِ: __________ (1) البدائع 5 / 51. (2) المرجع السابق نفسه. (3) المرجع السابق نفسه. أَلاَّ يَنْفُذَ بِذَلِكَ مَقْتَلٌ مِنْهُ قَبْل الذَّبْحِ، وَأَنْ يَكُونَ قَوِيَّ الْحَرَكَةِ مَعَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ يَشْخَبَ مِنْهُ الدَّمُ بَعْدَ الذَّبْحِ أَيْ يَخْرُجَ بِقُوَّةٍ (1) . وَنَفَاذُ الْمَقْتَل يَكُونُ عِنْدَهُمْ بِوَاحِدٍ مِنْ خَمْسَةِ أُمُورٍ: أَوَّلُهَا: قَطْعُ النُّخَاعِ، وَأَمَّا كَسْرُ الصُّلْبِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ. ثَانِيهَا: قَطْعُ وَدَجٍ، وَأَمَّا شَقُّهُ بِلاَ قَطْعٍ فَفِيهِ قَوْلاَنِ. ثَالِثُهَا: نَثْرُ دِمَاغٍ وَهُوَ مَا تَحْوِيهِ الْجُمْجُمَةُ، وَأَمَّا شَرْخُ الرَّأْسِ أَوْ خَرْقُ خَرِيطَةِ الدِّمَاغِ بِلاَ انْتِشَارٍ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ. رَابِعُهَا: نَثْرُ حَشْوَةٍ وَهِيَ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ قَلْبٍ وَكَبِدٍ وَطِحَالٍ وَكُلْيَةٍ وَأَمْعَاءٍ أَيْ إِزَالَةُ مَا ذُكِرَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ إِلَى مَوْضِعِهِ. خَامِسُهَا: ثَقْبُ مَصِيرٍ - وَهُوَ الْمِعَى وَيُجْمَعُ عَلَى مُصْرَانٍ وَجَمْعُ الْجَمْعِ مَصَارِينُ - وَأَمَّا ثَقْبُ الْكَرِشِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ فَالْبَهِيمَةُ الْمُنْتَفِخَةُ إِذَا ذُبِحَتْ فَوُجِدَتْ مَثْقُوبَةَ الْكَرِشِ تُؤْكَل عَلَى الْمُعْتَمَدِ (2) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي قِيَامُ أَصْل الْحَيَاةِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ؛ لأَِنَّهُ إِذَا ذُبِحَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ __________ (1) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 320. (2) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 320. فَقَدْ صَارَ مُذَكًّى وَدَخَل تَحْتَ النَّصِّ وَهُوَ: قَوْله تَعَالَى {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} (1) فَإِنْ عُلِمَتْ حَيَاةُ الْمَذْبُوحِ قَبْل الذَّبْحِ لَمْ يُشْتَرَطْ بَعْدَ الذَّبْحِ تَحَرُّكٌ وَلاَ خُرُوجُ دَمٍ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ كَأَنْ كَانَ الْمَذْبُوحُ مَرِيضًا أَوْ مُنْخَنِقًا أَوْ نَطِيحًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَشَكَكْنَا فِي حَيَاتِهِ فَذَبَحْنَاهُ فَتَحَرَّكَ أَوَخَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ كَانَ هَذَا عَلاَمَةً عَلَى الْحَيَاةِ فَيَحِل، وَالْمُرَادُ بِالْحَرَكَةِ الْحَرَكَةُ الَّتِي تَدُل عَلَى الْحَيَاةِ قَبْل الذَّبْحِ، وَمِنْهَا ضَمُّ الْفَمِ وَضَمُّ الْعَيْنِ وَقَبْضُ الرِّجْل وَقِيَامُ الشَّعْرِ، بِخِلاَفِ فَتْحِ الْفَمِ أَوِ الْعَيْنِ وَمَدِّ الرِّجْل وَنَوْمِ الشَّعْرِ فَهِيَ لاَ تَدُل عَلَى سَبْقِ الْحَيَاةِ، وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِ الدَّمِ سَيَلاَنُهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يَسِيل بِهَا دَمُ الْحَيِّ بَعْدَ ذَبْحِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (2) . وَقِيل: الاِكْتِفَاءُ بِأَصْل الْحَيَاةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ، لَكِنْ ظَاهِرُ كَلاَمِهِ اشْتِرَاطُ خُرُوجِ الدَّمِ، فَإِنَّهُ قَال: مَتَى ذُبِحَ الْحَيَوَانُ فَخَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ الأَْحْمَرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمُذَكَّى الْمَذْبُوحِ فِي الْعَادَةِ لَيْسَ هُوَ دَمَ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَحِل أَكْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ (3) . 18 - وَأَمَّا الشَّرِيطَةُ (الثَّانِيَةُ) وَهِيَ: أَنْ يَكُونَ __________ (1) سورة المائدة / 3. (2) بدائع الصنائع 5 / 50، حاشية ابن عابدين 5 / 187، 196. (3) بدائع الصنائع 5 / 50، حاشية ابن عابدين 5 / 187، 196. زَهُوقُ رُوحِهِ بِمَحْضِ الذَّبْحِ: فَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْل صَاحِبِ " الْبَدَائِعِ ": ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَطَعَ شَاةً نِصْفَيْنِ ثُمَّ إِنَّ رَجُلاً فَرَى أَوْدَاجَهَا وَالرَّأْسُ يَتَحَرَّكُ، أَوْ شَقَّ رَجُلٌ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مَا فِي جَوْفِهَا وَفَرَى رَجُلٌ آخَرُ الأَْوْدَاجَ فَإِنَّ هَذَا لاَ يُؤْكَل لأَِنَّ الْفِعْل الأَْوَّل قَاتِلٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إِنْ كَانَتِ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ لَمْ تُؤْكَل الشَّاةُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أُكِلَتْ؛ لأَِنَّ الْعُرُوقَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الذَّبْحِ مُتَّصِلَةٌ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى الدِّمَاغِ، فَإِذَا كَانَتِ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ فَقَدْ قَطَعَهَا فَحَلَّتْ (1) ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ فَلَمْ يَقْطَعْهَا فَلَمْ تَحِل (2) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (3) بِمَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِمَا لَوِ اقْتَرَنَ بِذَبْحِ الشَّاةِ مَثَلاً نَزْعُ الْحَشْوَةِ، أَوْ نَخْسُ الْخَاصِرَةِ، أَوِ الْقَطْعُ مِنَ الْقَفَا فَلاَ تَحِل الشَّاةُ لاِجْتِمَاعِ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ فَيُغَلَّبُ الْمُحَرِّمُ (4) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَائِرَ الْمَذَاهِبِ لاَ يُخَالِفُ فِي هَذِهِ __________ (1) يؤخذ من هذا أن الذبح بالمعنى الشامل للنحر عند صاحب هذا الرأي لا يختص بالعنق، بل يشمل كل شق فوق القلب تنقطع به العروق الواجب قطعها في الذبح والنحر. (2) البدائع 5 / 51، 52. (3) الخرشي على خليل بحاشية العدوي 2 / 310، والبجيرمي على الإقناع 4 / 248، والروضة البهية 2 / 268. (4) البجيرمي على الإقناع 4 / 248. الشَّرِيطَةِ؛ لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَاعِدَةٍ لاَ خِلاَفَ فِيهَا وَهِيَ تَغْلِيبُ الْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، بَل إِنَّ الْحَنَابِلَةَ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الذَّبْحِ وَقَبْل الْمَوْتِ مَا يُعِينُ عَلَى الْهَلاَكِ حُرِّمَتِ الذَّبِيحَةُ، فَفِي " الْمُقْنِعِ وَحَاشِيَتِهِ " مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ مَا خُلاَصَتُهُ أَنَّهُ إِذَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ ثُمَّ غَرِقَ أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: (إِحْدَاهُمَا) : لاَ يَحِل، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّيْدِ: إِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُل. (1) وَلِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ رَمَى طَائِرًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ فَغَرِقَ فِيهِ فَلاَ يَأْكُلُهُ. وَلأَِنَّ الْغَرَقَ سَبَبٌ يَقْتُل فَإِذَا اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَمَا يُحَرِّمُ غُلِّبَ التَّحْرِيمُ. (وَالثَّانِيَةُ) : أَنَّهُ يَحِل، وَبِهِ قَال أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا إِذَا ذُبِحَتْ صَارَتْ مُذَكَّاةً حَلاَلاً، فَلاَ يَضُرُّهَا مَا يَحْدُثُ لَهَا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَقَبْل تَمَامِ خُرُوجِ الرُّوحِ. وَهَل الذَّبْحُ بِآلَةٍ مَسْمُومَةٍ يُعْتَبَرُ مِنْ قَبِيل اقْتِرَانِ مُحَرِّمٍ وَمُبِيحٍ فَتَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ، أَوْ لاَ يُعْتَبَرُ؛ لأَِنَّ سَرَيَانَ السُّمِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الذَّبْحِ؟ . صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالثَّانِي. وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ __________ (1) حديث: " إن وقع في الماء فلا تأكل " أخرجه البخاري الفتح 9 / 610 - ط السلفية. أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى الْهَلاَكِ فَالذَّبِيحَةُ حَرَامٌ، وَإِلاَّ فَلاَ (1) . 19 - وَأَمَّا الشَّرِيطَةُ (الثَّالِثَةُ) : - وَهِيَ أَلاَّ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ صَيْدًا حَرَمِيًّا -: فَإِنَّ التَّعَرُّضَ لِصَيْدِ الْحَرَمِ بِالْقَتْل وَالدَّلاَلَةِ وَالإِْشَارَةِ مُحَرَّمٌ، حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. قَال تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (2) . وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ مَكَّةَ فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا (3) . وَالْفِعْل فِي الْمُحَرَّمِ شَرْعًا لاَ يَكُونُ ذَكَاةً، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَوْلِدُهُ الْحَرَمَ أَمْ دَخَل مِنَ الْحِل إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يُضَافُ إِلَى الْحَرَمِ فِي الْحَالَيْنِ، فَيَكُونُ صَيْدَ الْحَرَمِ، فَإِنْ ذُبِحَ صَيْدُ الْحَرَمِ كَانَ مَيْتَةً سَوَاءٌ أَكَانَ الذَّابِحُ مُحْرِمًا أَمْ حَلاَلاً (4) . وَلِزِيَادَةِ التَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَجّ) (وَحَرَم) (وَإِحْرَام) . 20 - وَأَمَّا الشَّرِيطَةُ (الرَّابِعَةُ) : الَّتِي زَادَهَا __________ (1) المقنع 3 / 538، والمغني مع الشرح الكبير 11 / 48. (2) سورة العنكبوت / 67. (3) حديث: " فلا ينفر صيدها. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 46 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1558 - ط الحلبي) ، واللفظ لمسلم. (4) بدائع الصنائع 5 / 52، ويلاحظ أن صاحب البدائع جعل هذه الشريطة خاصة بالذكاة الاضطرارية وهو سهو أو سبق قلم، لأن الصيد الحرمي يحرم ذبحه ونحره وعقره والتعرض له فهي شريطة عامة. والدسوقي على الشرح الكبير 2 / 72، ومغني المحتاج 1 / 525، وكشاف القناع 2 / 437. الْمَالِكِيَّةُ (1) - وَهِيَ أَلاَّ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ مُخْتَصًّا بِالنَّحْرِ - فَخُلاَصَتُهَا أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُخْتَصَّ بِالنَّحْرِ - وَقَدْ سَبَقَ اخْتِلاَفُهُمْ فِيهِ - يَحْرُمُ فِيهِ الْعُدُول عَنِ النَّحْرِ إِلَى الذَّبْحِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَيَصِيرُ الْمَذْبُوحُ حِينَئِذٍ مَيْتَةً. فَلَوْ كَانَ الْعُدُول لِضَرُورَةٍ كَفَقْدِ الآْلَةِ الصَّالِحَةِ لِلنَّحْرِ، وَكَالْوُقُوعِ فِي حُفْرَةٍ، وَاسْتِعْصَاءِ الْحَيَوَانِ لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ تَحْرُمِ الذَّبِيحَةُ. وَخَالَفَ سَائِرُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، فَجَوَّزُوا الْعُدُول بِكَرَاهَةٍ أَوْ بِلاَ كَرَاهَةٍ كَمَا يَأْتِي فِي مَكْرُوهَاتِ الذَّبْحِ. شَرَائِطُ الذَّابِحِ: 21 - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الذَّبْحِ فِي الْجُمْلَةِ شَرَائِطُ رَاجِعَةٌ إِلَى الذَّابِحِ وَهِيَ: 1 - أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً. 2 - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا. 3 - أَنْ يَكُونَ حَلاَلاً إِذَا ذَبَحَ صَيْدَ الْبَرِّ. 4 - أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الذَّبِيحَةِ عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَالْقُدْرَةِ. 5 - أَلاَّ يُهِل بِالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: 6 - أَنْ يَقْطَعَ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ. 7 - أَلاَّ يَرْفَعَ يَدَهُ قَبْل تَمَامِ التَّذْكِيَةِ. 8 - أَنْ يَنْوِيَ التَّذْكِيَةَ. __________ (1) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 314، 319. 22 - الشَّرِيطَةُ الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ) . وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ اشْتِرَاطَ الْعَقْل بِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ إِلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ لاَ بُدَّ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَصْدِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهَا وَاجِبًا، وَلاَ تَتَحَقَّقُ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ مِمَّنْ لاَ يَعْمَل، فَلاَ تُؤْكَل ذَبِيحَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل، وَالسَّكْرَانِ الَّذِي لاَ يَعْقِل، أَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّكْرَانُ وَالْمَعْتُوهُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ الذَّبْحَ وَيَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فَتُؤْكَل ذَبِيحَتُهُمْ. وَوَجَّهَ ابْنُ قُدَامَةَ الاِشْتِرَاطَ بِأَنَّ غَيْرَ الْعَاقِل لاَ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ إِلَى الذَّبْحِ. وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حِل ذَبِيحَةِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ مَعَ الْكَرَاهَةِ - بِخِلاَفِ النَّائِمِ - أَمَّا الْحِل فَلأَِنَّ لَهُمْ قَصْدًا فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلأَِنَّهُمْ قَدْ يُخْطِئُونَ الذَّبْحَ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ ذَبِيحَةُ (النَّائِمِ) لأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ لَهُ قَصْدٌ. (1) 23 - الشَّرِيطَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا __________ (1) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 5 / 188، والخرشي على خليل 2 / 301، ونهاية المحتاج 8 / 106، والمقنع 3 / 535، والمغني 8 / 581. فَلاَ تَحِل ذَبِيحَةُ الْوَثَنِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ اشْتِرَاطِهَا أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ لاَ يُخْلِصُ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكَ يُهَلِّل غَيْرَ اللَّهِ أَوْ يَذْبَحُ عَلَى النُّصُبِ. وَقَدْ قَال تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} (1) . وَالْمَجُوسِيُّ لاَ يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ. وَقَدْ قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْمَجُوسِ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلاَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ. (2) وَالْمُرْتَدُّ - وَلَوْ لِدِينِ أَهْل كِتَابٍ - لاَ يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْوَثَنِيِّ، فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ غُلاَمًا مُرَاهِقًا لَمْ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِدَّتَهُ __________ (1) سورة المائدة / 3. (2) حديث: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي. . . . " أخرج قوله: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " مالك في الموطأ (1 / 278 - ط الحلبي) ، وقال ابن عبد البر في " التمهيد " (2 / 114 - ط وزارة الأوقاف العراقية) : " هذا حديث منقطع "، وأخرج بقيته البيهقي (9 / 192 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث الحسن بن محمد بن علي، وأعله بالإرسال. مُعْتَبَرَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُؤْكَل بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِدَّتَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ. (1) وَإِنَّمَا حَلَّتْ ذَبِيحَةُ أَهْل الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (2) وَالْمُرَادُ مِنْ طَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِأَهْل الْكِتَابِ مَعْنًى، لأَِنَّ غَيْرَ الذَّبَائِحِ مِنْ أَطْعِمَةِ سَائِرِ الْكَفَرَةِ مَأْكُولٌ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الطَّعَامَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالذَّبَائِحِ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُتَطَعَّمُ، وَالذَّبَائِحُ مِمَّا يُتَطَعَّمُ، فَيَدْخُل تَحْتَ اسْمِ الطَّعَامِ فَيَحِل لَنَا أَكْلُهَا. (3) مَنْ هُوَ الْكِتَابِيُّ: 24 - الْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِيِّ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ ذِمِّيًّا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ حَرْبِيًّا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوَرَقِيقًا، لاَ الْمَجُوسِيُّ. (4) وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ فِي كُلٍّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَلاَّ يُعْلَمَ دُخُول أَوَّل آبَائِهِمْ فِي الدِّينِ بَعْدَ بَعْثَةٍ نَاسِخَةٍ، فَالْيَهُودِيُّ الَّذِي عَلِمْنَا دُخُول أَوَّل آبَائِهِ فِي الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ بَعْثَةِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ __________ (1) بدائع الصنائع 5 / 45. (2) سورة المائدة / 5. (3) بدائع الصنائع 5 / 45، والخرشي على خليل بحاشية العدوي 2 / 301، ونهاية المحتاج 8 / 106، والمقنع 3 / 535. (4) البدائع 5 / 45، والخرشي 2 / 301. لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ، وَالنَّصْرَانِيُّ الَّذِي عَلِمْنَا دُخُول أَوَّل آبَائِهِ فِي الْمَسِيحِيَّةِ بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ؛ لأَِنَّ الدُّخُول فِي الدِّينِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ النَّاسِخَةِ لَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَيَكُونُ كَالرِّدَّةِ. (1) وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ كَوْنَ الرَّجُل كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ هُوَ حُكْمٌ يَسْتَفِيدُهُ بِنَفْسِهِ لاَ بِنَسَبِهِ، فَكُل مَنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْل الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ قَدْ دَخَل فِي دِينِهِمْ أَمْ لَمْ يَدْخُل، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دُخُولُهُ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيل أَمْ قَبْل ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَدَ. (2) حُكْمُ ذَبَائِحِ الصَّابِئَةِ وَالسَّامِرَةِ: (3) 25 - تُؤْكَل ذَبَائِحُ الصَّابِئَةِ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لاَ تُؤْكَل. فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ، فَإِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ وَلاَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَلَكِنْ يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ فِي الاِسْتِقْبَال إِلَيْهَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ فِي بَعْضِ دِيَانَاتِهِمْ، وَهَذَا لاَ يَمْنَعُ الْمُنَاكَحَةَ __________ (1) البجيرمي على الإقناع 4 / 233، ونهاية المحتاج 8 / 82 - 83. (2) المقنع 3 / 535. (3) الصابئة طائفة من النصارى نسبة إلى صابئ عم نوح، والسامرة فرقة من اليهود نسبة إلى السامري عابد العجل وهو الذي صنعه. (بجيرمي على الخطيب 4 / 233) . كَالْيَهُودِ مَعَ النَّصَارَى، فَلاَ يَمْنَعُ حِل الذَّبِيحَةِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ (وَعَابِدُ الْكَوَاكِبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ) فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلاَ أَكْل ذَبَائِحِهِمْ. (1) وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ السَّامِرَةِ وَالصَّابِئَةِ فَأَحَلُّوا ذَبَائِحَ السَّامِرَةِ؛ لأَِنَّ مُخَالَفَتَهُمْ لِلْيَهُودِ لَيْسَتْ كَبِيرَةً، وَحَرَّمُوا ذَبَائِحَ الصَّابِئَةِ لِعِظَمِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلنَّصَارَى. (2) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الصَّابِئَةَ فِرْقَةٌ مِنَ النَّصَارَى، وَالسَّامِرَةَ فِرْقَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَتُؤْكَل ذَبَائِحُ الصَّابِئَةِ إِنْ لَمْ تُكَفِّرْهُمُ النَّصَارَى وَلَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي أُصُول دِينِهِمْ، وَتُؤْكَل ذَبَائِحُ السَّامِرَةِ إِنْ لَمْ تُكَفِّرْهُمُ الْيَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي أُصُول دِينِهِمْ. (3) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الصَّابِئَةِ، فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ فِي نَبِيِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ. (4) __________ (1) البدائع 2 / 271، 5 / 46، وابن عابدين على الدر المختار 5 / 188. (2) الخرشي بحاشية العدوي 2 / 303، والشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 313. (3) البجيرمي على الإقناع 4 / 233. (4) المغني 8 / 497. حُكْمُ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ: 26 - يَسْتَوِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مَعَ سَائِرِ النَّصَارَى فِي حِل ذَبَائِحِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى، إِلاَّ أَنَّهُمْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَيَتَنَاوَلُهُمْ عُمُومُ الآْيَةِ الشَّرِيفَةِ. وَحَكَى صَاحِبُ " الْبَدَائِعِ " أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال: لاَ تُؤْكَل ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْل الْكِتَابِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَل {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} (1) ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَال: تُؤْكَل، (2) وَقَرَأَ {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (3) . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (جِزْيَة) . حُكْمُ مَنِ انْتَقَل إِلَى دِينِ أَهْل الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهِمْ: 27 - إِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ إِلَى دَيْنٍ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْكَفَرَةِ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَصِرْ كِتَابِيًّا، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ. وَإِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ مِنْ دِينِهِ إِلَى دَيْنِ أَهْل كِتَابٍ آخَرِينَ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَكَذَا لَوِ انْتَقَل غَيْرُ الْكِتَابِيِّ مِنَ الْكَفَرَةِ إِلَى دَيْنِ أَهْل الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ. (4) __________ (1) سورة البقرة / 78. (2) البدائع 5 / 45، والقوانين الفقهية 120، ومغني المحتاج 4 / 244، والمقنع 3 / 535. (3) سورة المائدة / 51. (4) الدر المختار بحاشية ابن عابدين 5 / 190. وَوَافَقَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى هَذَا الأَْخِيرِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَجُوسِيَّ إِذَا تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الْمُنْتَقَل إِلَيْهِ وَيَصِيرُ لَهُ حُكْمُ أَهْل الْكِتَابِ مِنْ أَكْل ذَبِيحَتِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ. (1) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنِ انْتَقَل إِلَى دِينِ أَهْل كِتَابٍ بَعْدَ بَعْثَةٍ نَاسِخَةٍ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ وَلاَ ذَبِيحَةُ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. (2) حُكْمُ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ: 28 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ أَيُّهُمَا كَانَ الْكِتَابِيُّ الأَْبَ أَوِ الأُْمَّ. (3) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُعْتَبَرُ الأَْبُ فَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا تُؤْكَل وَإِلاَّ فَلاَ، هَذَا إِذَا كَانَ أَبًا شَرْعِيًّا بِخِلاَفِ الزَّانِي فَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَ لاَ يَتْبَعُهُ وَإِنَّمَا يَتْبَعُ الأُْمَّ. (4) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَةُ الْمُتَوَلِّدِ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ يَتْبَعُ أَخَسَّ الأَْصْلَيْنِ احْتِيَاطًا. (5) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. (6) شَرَائِطُ حِل ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ: 29 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّمَا تُؤْكَل ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إِذَا __________ (1) الخرشي على خليل 2 / 302. (2) البجيرمي على الإقناع 4 / 233. (3) البدائع 5 / 45، والمقنع 3 / 535. (4) العدوي على الخرشي 2 / 303. (5) البجيرمي على الإقناع 4 / 233. (6) المقنع 3 / 525. لَمْ يُشْهَدْ ذَبْحُهُ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ شُهِدَ وَسُمِعَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَجَرَّدَ التَّسْمِيَةَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ كَمَا بِالْمُسْلِمِ. وَإِنْ سُمِعَ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ عَنَى بِهِ - عَزَّ وَجَل - الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُؤْكَل؛ لأَِنَّهُ أَظْهَرَ تَسْمِيَةً هِيَ تَسْمِيَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ إِذَا نَصَّ فَقَال مَثَلاً: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ، فَلاَ تَحِل، وَإِذَا سُمِعَ مِنْهُ أَنْ سَمَّى الْمَسِيحَ وَحْدَهُ أَوْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَالْمَسِيحَ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (1) . وَهَذَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَلاَ يُؤْكَل. (2) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَحِل ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إِذَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ أُهِّل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْمُسْلِمِ. (3) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ ثَلاَثُ شَرَائِطَ: أ - أَنْ يَذْبَحَ مَا يَحِل لَهُ بِشَرْعِنَا مِنْ غَنَمٍ وَبَقَرٍ وَغَيْرِهِمَا إِذَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ - أَيْ ذَبَحَ مَا يَمْلِكُهُ - وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ لِنَفْسِهِ حَيَوَانًا ذَا ظُفُرٍ، وَهُوَ مَا لَهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَالإِْبِل وَالإِْوَزِّ فَلاَ يَحِل لَنَا أَكْلُهُ (4) __________ (1) سورة النحل / 115. (2) البدائع 5 / 46. (3) الإقناع بحاشية البجيرمي 4 / 251، 256. (4) الخرشي مع العدوي 2 / 303. وَبِهَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوا الْمَسْأَلَةَ بِكَوْنِ الْيَهُودِيِّ ذَبَحَ لِنَفْسِهِ بَل قَالُوا: لَوْ ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ ذَا ظُفُرٍ لَمْ يَحِل لَنَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ. (1) قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ ذَبَحَ لِمُسْلِمٍ بِأَمْرِهِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ التَّحْرِيمُ - كَمَا ذَكَرَهُ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ - سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَمْ لاَ. وَفِي (الشَّرْحِ الصَّغِيرِ) : الرَّاجِحُ الْكَرَاهَةُ. (2) فَإِنْ ذَبَحَ لِمُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَالظَّاهِرُ الْحِل - كَمَا قَرَّرَهُ الْعَدَوِيُّ - لأَِنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى ذَبْحِهِ الْمُوجِبِ لِغُرْمِهِ يَصِيرُ كَالْمَمْلُوكِ لَهُ. (3) وَإِنْ ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ لِكِتَابِيٍّ آخَرَ مَا يَحِل لَهُمَا حَل لَنَا، أَوْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا حَرُمَ عَلَيْنَا، أَوْ مَا يَحِل لأَِحَدِهِمَا وَيَحْرُمُ عَلَى الآْخَرِ. فَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ حَال الذَّابِحِ. (4) ب - أَلاَّ يَذْكُرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنْ ذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ كَأَنْ قَال: بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَوِ الْعَذْرَاءِ أَوَالصَّنَمِ لَمْ يُؤْكَل، بِخِلاَفِ مَا لَوْ ذَبَحُوا لأَِنْفُسِهِمْ ذَبِيحَةً بِقَصْدِ أَكْلِهِمْ مِنْهَا وَلَوْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَأَفْرَاحِهِمْ، وَقَصَدُوا التَّقَرُّبَ بِهَا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ __________ (1) المقنع 3 / 543. (2) العدوي على الخرشي 2 / 303، الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 315. (3) الخرشي مع العدوي 2 / 306. (4) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 315. أَوَالصَّلِيبِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْمَيْهِمَا فَإِنَّهُ يَحِل لَنَا أَكْلُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ. (1) وَبِالْحِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَال أَحْمَدُ فِي أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِل عَنْهُ فَقَال: كُلُوا وَأَطْعِمُونِي رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَذَلِكَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الأَْسْوَدِ وَمَكْحُولٌ وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (2) وَهَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْل مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ. (3) وَقِيل: إِنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اسْمَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَالصَّلِيبِ لاَ يَضُرُّ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَضُرُّ إِخْرَاجُهُ قُرْبَةً لِذَاتِ غَيْرِ اللَّهِ لأَِنَّهُ الَّذِي أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. (4) ج - أَلاَّ يَغِيبَ حَال ذَبْحِهِ عَنَّا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِل الْمَيْتَةَ، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ حُضُورِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ خَوْفًا مِنْ كَوْنِهِ قَتَلَهَا أَوَنَخَعَهَا أَوَسَمَّى عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ. __________ (1) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 314. (2) سورة المائدة / 5. (3) المقنع 3 / 544. (4) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 315. وَلاَ تُشْتَرَطُ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِيِّ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلاَفِ الْمُسْلِمِ. (1) 30 - الشَّرِيطَةُ (الثَّالِثَةُ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَكُونَ حَلاَلاً إِذَا أَرَادَ ذَبْحَ صَيْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ الْوَحْشُ طَيْرًا كَانَ أَوْ دَابَّةً. فَالْمُحْرِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ الْبَرِّيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ التَّعَرُّضُ بِاصْطِيَادٍ أَمْ ذَبْحٍ أَمْ قَتْلٍ أَمْ غَيْرِهَا، وَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَدُل الْحَلاَل عَلَى صَيْدِ الْبَرِّ أَوْ يَأْمُرَ بِهِ أَوْ يُشِيرَ إِلَيْهِ، فَمَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ مَيْتَةٌ، وَكَذَا مَا ذَبَحَهُ الْحَلاَل بِدَلاَلَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ إِشَارَتِهِ. قَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} (2) وَقَال تَعَالَى: {أُحِل لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (3) . وَخَرَجَ بِالصَّيْدِ: الْمُسْتَأْنَسِ كَالدَّجَاجِ وَالْغَنَمِ وَالإِْبِل، فَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يُذَكِّيَهَا؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِالصَّيْدِ أَيْ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ يُصَادَ وَهُوَ الْوَحْشُ فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى عُمُومِ الإِْبَاحَةِ. وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ جَمِيعُ الْمَذَاهِبِ. (4) __________ (1) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 314، القوانين الفقهية 185. (2) سورة المائدة / 95. (3) سورة المائدة / 96. (4) البدائع 5 / 50، والشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 297، ونهاية المحتاج 3 / 332، 341، والمقنع 1 / 436، والدسوقي 2 / 72، ومغني المحتاج 1 / 525، وكشاف القناع 2 / 437. 31 - الشَّرِيطَةُ (الرَّابِعَةُ) ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اشْتِرَاطِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ التَّذَكُّرِ وَالْقُدْرَةِ. فَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَا لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ - مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا - وَمَنْ نَسِيَهَا أَوْ كَانَ أَخْرَسَ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} (1) نَهَى سُبْحَانَهُ عَنْ أَكْل مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وَسَمَّاهُ فِسْقًا، وَالْمَقْصُودُ مَا تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ لْيَأْكُل (2) وَيُقَاسُ عَلَى الْمُسْلِمِ - فِي الْحَدِيثِ - الْكِتَابِيُّ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا طَعَامَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ مَا يُشْتَرَطُ فِينَا. (3) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ __________ (1) سورة الأنعام / 121. (2) حديث: " المسلم يكفيه اسمه " أخرجه الدارقطني (4 / 296 - ط دار المحاسن) ، وأعله ابن القطان بما قيل في أحد رواته، كذا في نصب الراية للزيلعي (4 / 182 - ط المجلس العلمي) ، ثم ذكر الزيلعي أنه أعل كذلك بالوقف. (3) بدائع الصنائع 5 / 46، 47، وحاشية ابن عابدين 5 / 189، والشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 319، والبجيرمي على الإقناع 4 / 251، والمقنع 3 / 540، 541. مُسْتَحَبَّةٌ (1) وَوَافَقَهُمُ ابْنُ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (2) وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ مُخَالِفَةٌ لِلْمَشْهُورِ لَكِنِ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ (3) - لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا ذَبَائِحَ أَهْل الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (4) وَهُمْ لاَ يَذْكُرُونَهَا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} (5) ، فَفِيهِ تَأْوِيلاَنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، يَعْنِي مَا ذُبِحَ لِلأَْصْنَامِ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (6) وَسِيَاقُ الآْيَةِ دَالٌّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وَالْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِسْقًا هِيَ الإِْهْلاَل لِغَيْرِ اللَّهِ. قَال تَعَالَى: {أَوْ فِسْقًا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (7) . ثَانِيهِمَا: مَا قَالَهُ أَحْمَدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَيْتَةُ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} (8) وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: أَتَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ - أَيْ ذَكَّيْتُمْ - وَلاَ تَأْكُلُونَ مَا قَتَل اللَّهُ؟ يَعْنُونَ الْمَيْتَةَ. __________ (1) البجيرمي على الإقناع 4 / 251. (2) بلغة السالك على الشرح الصغير 1 / 319. (3) المقنع 3 / 541. (4) سورة المائدة / 5. (5) سورة الأنعام / 121. (6) سورة النمل / 115. (7) سورة الأنعام / 145. (8) سورة الأنعام / 121. وَمِمَّا يَدُل عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لاَ نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ؟ فَقَال: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ (1) فَلَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ شَرِيطَةً لَمَا حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِهَا؛ لأَِنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرِيطَةِ شَكٌّ فِيمَا شُرِطَتْ لَهُ. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: سَأَل رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُل مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ قَال: اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُل مُسْلِمٍ (2) . وَفِي لَفْظٍ عَلَى فَمِ كُل مُسْلِمٍ وَهَذَا عَامٌّ فِي النَّاسِي وَالْمُتَعَمِّدِ؛ لأَِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ. (3) ثُمَّ إِنَّ الْمُتَّفِقِينَ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ النَّاطِقَ الْعَالِمَ بِالْوُجُوبِ إِذَا تَرَكَهَا عَمْدًا تَحْرُمُ ذَبِيحَتُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِيِّ وَالأَْخْرَسِ وَالسَّاهِي وَالْجَاهِل بِالْوُجُوبِ. (4) أَمَّا الْكِتَابِيُّ فَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تُشْتَرَطُ فِي __________ (1) حديث عائشة: " سموا عليه أنتم وكلوه " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 634 - ط السلفية) . (2) حديث: " اسم الله على كل مسلم " أخرجه الدارقطني (4 / 295 - ط دار المحاسن) وضعف أحد رواته. (3) البجيرمي على الإقناع 4 / 251، بلغة السالك على الشرح الصغير 1 / 319، والمقنع 3 / 541. (4) انظر مراجع المذاهب السابقة. حَقِّهِ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ اللَّهَ أَبَاحَ ذَبَائِحَ أَهْل الْكِتَابِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ التَّسْمِيَةَ. (1) وَاشْتَرَطَهَا الْبَاقُونَ فِي الْكِتَابِيِّ. وَأَمَّا الأَْخْرَسُ فَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يُشِيرَ بِالتَّسْمِيَةِ، بِأَنْ يُومِئَ إِلَى السَّمَاءِ، (2) وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ. (3) وَأَمَّا السَّاهِي عَنِ التَّسْمِيَةِ فَتَحْرُمُ ذَبِيحَتُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ مُخَالِفَةٌ لِلْمَشْهُورِ. (4) وَفُرِّعَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ السَّاهِي، أَوْ مَنْ ذَبَحَ ذَبِيحَةً لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ تَعَمَّدَ، فَهُوَ ضَامِنٌ مِثْل الْحَيَوَانِ الَّذِي أَفْسَدَ؛ لأَِنَّهُ مَيْتَةٌ، وَأَمْوَال النَّاسِ تُضْمَنُ بِالْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ. (5) وَأَمَّا الْجَاهِل بِوُجُوبِ التَّسْمِيَةِ إِذَا تَرَكَهَا عَمْدًا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: يَحْرُمُ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وَسَهْوًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ وَالثَّوْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَرَبِيعَةَ: يَحْرُمُ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لاَ سَهْوًا. __________ (1) الشرح الصغير 1 / 314. (2) المقنع 3 / 540. (3) ر: مراجع المذاهب السابقة. (4) المقنع 3 / 540. (5) ر: مراجع المذاهب السابقة. ثُمَّ إِنَّ لِلتَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً وَشَرَائِطَ وَوَقْتًا نَذْكُرُهَا فِي الْفِقْرَاتِ التَّالِيَةِ. حَقِيقَةُ التَّسْمِيَةِ: 32 - حَقِيقَتُهَا: ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَيَّ اسْمٍ كَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. . .} (1) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ، وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. . .} (2) لأَِنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الذَّابِحُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ الْمَأْكُول مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَسَوَاءٌ أَقَرَنَ بِالاِسْمِ الصِّفَةَ بِأَنْ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَجَل، اللَّهُ الرَّحْمَنُ، اللَّهُ الرَّحِيمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَقْرِنْ بِأَنْ قَال: اللَّهُ أَوِ الرَّحْمَنُ أَوِ الرَّحِيمُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمَشْرُوطَ بِالآْيَةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - وَكَذَا التَّهْلِيل وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ، سَوَاءٌ أَكَانَ جَاهِلاً بِالتَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ أَمْ عَالِمًا بِهَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ التَّسْمِيَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَمْ بِغَيْرِهَا، مِمَّنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ يُحْسِنُهَا، هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ. (3) وَوَافَقَ سَائِرُ الْمَذَاهِبِ عَلَى التَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي إِلْحَاقِ الصِّيَغِ __________ (1) سورة الأنعام / 118، 119. (2) سورة الأنعام / 121. (3) البدائع 5 / 48. الأُْخْرَى بِهَا، وَبَعْضُهُمْ فِي وُقُوعِهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. (1) فَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ التَّسْمِيَةَ الْوَاجِبَةَ هِيَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ بِأَيِّهِ صِيغَةٍ كَانَتْ مِنْ تَسْمِيَةٍ أَوْ تَهْلِيلٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ تَكْبِيرٍ، لَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يَقُول بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. (2) وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: يَكْفِي فِي التَّسْمِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالأَْكْمَل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَقِيل: لاَ يَقُول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لأَِنَّ الذَّبْحَ فِيهِ تَعْذِيبٌ (وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لاَ يُنَاسِبَانِهِ. (3) وَالْحَنَابِلَةُ قَالُوا: إِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ، لاَ يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ ذِكْرِهَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهَا، وَقِيل: يَكْفِي تَكْبِيرُ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوُهُ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ، وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَحْصُل بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ. (4) شَرَائِطُ التَّسْمِيَةِ: 33 - يُشْتَرَطُ فِي التَّسْمِيَةِ أَرْبَعُ شَرَائِطَ: 1 - أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنَ الذَّابِحِ حَتَّى لَوْ سَمَّى __________ (1) ر: مراجع المذاهب السابقة في التسمية. (2) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 319. (3) البجيرمي على الإقناع 4 / 251، ومغني المحتاج 4 / 272 - 273. (4) المقنع 3 / 540. غَيْرَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ذَاكِرٌ غَيْرُ نَاسٍ لاَ يَحِل عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْمِيَةَ. (1) 2 - أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةَ لاِفْتِتَاحِ الْعَمَل لاَ يَحِل، وَكَذَا إِذَا قَال الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَرَادَ بِهِ الْحَمْدَ عَلَى سَبِيل الشُّكْرِ، وَكَذَا لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّل أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ لاَ غَيْرَ. وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْمِيَةَ. وَمَنْ غَفَل عَنْ إِرَادَةِ الذِّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ لَمْ تَحْرُمْ ذَبِيحَتُهُ حَيْثُ لَمْ يُرِدْ مَعْنًى آخَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا. (2) 3 - أَلاَّ يَشُوبَ تَعْظِيمَهُ تَعَالَى بِالتَّسْمِيَةِ مَعْنًى آخَرُ كَالدُّعَاءِ، فَلَوْ قَال: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْمِيَةً؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ لاَ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ الْمَحْضُ، فَلاَ يَكُونُ تَسْمِيَةً كَمَا لاَ يَكُونُ تَكْبِيرًا. (3) 4 - أَنْ يُعَيِّنَ بِالتَّسْمِيَةِ الذَّبِيحَةَ لأَِنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِذَلِكَ. (4) وَقْتُ التَّسْمِيَةِ: 34 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ هُوَ وَقْتُ التَّذْكِيَةِ، __________ (1) البدائع 5 / 48. (2) البدائع 5 / 48، والدر المختار بحاشية ابن عابدين 5 / 191. (3) البدائع 5 / 48. (4) البدائع 5 / 49، 50. لاَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ إِلاَّ بِزَمَانٍ قَلِيلٍ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. (1) وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَكُونُ عِنْدَ حَرَكَةِ يَدِ الذَّابِحِ، وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ قَرِيبًا فَصَل بِكَلاَمٍ أَوْ لاَ. (2) 35 - الشَّرِيطَةُ (الْخَامِسَةُ) - مِنْ شَرَائِطِ الذَّابِحِ - أَلاَّ يُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِالذَّبْحِ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لاَ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ الذَّبْحِ بِأَسْمَاءِ الآْلِهَةِ مُتَقَرِّبِينَ إِلَيْهَا بِذَبَائِحِهِمْ. (3) وَهِيَ شَرِيطَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِتَصْرِيحِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِهَا، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَسْتَثْنُونَ الْكِتَابِيَّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِيطَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ شَرَائِطِ الذَّابِحِ. (ر: ف 29) . وَلِلإِْهْلاَل لِغَيْرِ اللَّهِ صُوَرٌ: الصُّورَةُ الأُْولَى: ذِكْرُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ أَذُكِرَ مَعَهُ اسْمُ اللَّهِ أَمْ لاَ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُول الذَّابِحُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ __________ (1) البدائع 5 / 48، 49، والشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 319. (2) المقنع بحاشيته 3 / 540. (3) تفسير أبي السعود (1 / 147 - ط: محمد علي صبيح) لقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ. . . .) سورة البقرة / 173 الآية. الرَّسُول فَهَذَا لاَ يَحِل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (1) وَلأَِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَذْكُرُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ بِالتَّجْرِيدِ. وَلَوْ قَال الذَّابِحُ - بِسْمِ اللَّهِ - مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ فَإِنْ قَال: وَمُحَمَّدٍ - بِالْجَرِّ - لاَ يَحِل، لأَِنَّهُ أَشْرَكَ فِي اسْمِ اللَّهِ اسْمَ غَيْرِهِ. وَإِنْ قَال: وَمُحَمَّدٌ - بِالرَّفْعِ - يَحِل؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ بَل اسْتَأْنَفَ فَلَمْ يُوجَدِ الإِْشْرَاكُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْوَصْل مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْحَرَامِ فَيُكْرَهُ، هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ. (2) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ قَال: بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ قَصَدَ التَّشْرِيكَ كَفَرَ وَحَرُمَتِ الذَّبِيحَةُ، وَإِنْ قَصَدَ أَذْبَحُ بِاسْمِ اللَّهِ وَأَتَبَرَّكُ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ كَانَ الْقَوْل مَكْرُوهًا وَالذَّبِيحَةُ حَلاَلاً، وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ الْقَوْل مُحَرَّمًا لإِِبْهَامِهِ التَّشْرِيكَ وَكَانَتِ الذَّبِيحَةُ حَلاَلاً. (3) الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْصِدَ الذَّابِحُ التَّقَرُّبَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالذَّبْحِ وَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَحْدَهُ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَذْبَحَ لِقُدُومِ أَمِيرٍ وَنَحْوِهِ. وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَحَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ عَلَيْهِ مَا خُلاَصَتُهُ: لَوْ ذَبَحَ لِقُدُومِ الأَْمِيرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعُظَمَاءِ (تَعْظِيمًا لَهُ) حَرُمَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ أَفْرَدَ __________ (1) سورة النحل / 115. (2) بدائع الصنائع 5 / 48. (3) البجيرمي على الإقناع 4 / 251. اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِالذِّكْرِ؛ لأَِنَّهُ أَهَّل بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ. وَلَوْ ذَبَحَ لِلضَّيْفِ لَمْ تَحْرُمْ ذَبِيحَتُهُ لأَِنَّهُ سُنَّةُ الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ تَعْظِيمٌ لِشَرْعِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ ذَبَحَ لِلْوَلِيمَةِ أَوْ لِلْبَيْعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَحِل وَمَا يَحْرُمُ: إِنْ قَصَدَ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ يَحْرُمُ، وَقَصْدُ الإِْكْرَامِ وَنَحْوُهُ لاَ يَحْرُمُ. (1) وَفِي حَاشِيَةِ الْبُجَيْرِمِيِّ عَلَى الإِْقْنَاعِ " أَفْتَى أَهْل بُخَارَى بِتَحْرِيمِ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ لِقَاءِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ " (2) . 36 - الشَّرِيطَةُ (السَّادِسَةُ) الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ: أَنْ يَقْطَعَ الذَّابِحُ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ، فَلاَ تَحِل الذَّبِيحَةُ إِنْ ضَرَبَهَا مِنَ الْقَفَا؛ لأَِنَّهَا بِقَطْعِ النُّخَاعِ تَصِيرُ مَيْتَةً، وَكَذَا لاَ تَحِل إِنْ ضَرَبَهَا مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَبَلَغَ النُّخَاعَ، أَمَّا إِنْ بَدَأَ الضَّرْبَ مِنَ الصَّفْحَةِ وَمَال بِالسِّكِّينِ إِلَى الصَّفْحَةِ الأُْخْرَى مِنْ غَيْرِ قَطْعِ النُّخَاعِ، فَإِنَّهَا تُؤْكَل. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مِنَ الْقَفَا عَصَى، فَإِنْ أَسْرَعَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَبِالذَّبِيحَةِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّتْ؛ لأَِنَّ الذَّكَاةَ صَادَفَتْهَا وَهِيَ حَيَّةٌ وَإِلاَّ فَلاَ تَحِل؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ مَيْتَةً فَلاَ يُفِيدُ الذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ. __________ (1) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 5 / 196. (2) البجيرمي على الإقناع 4 / 251. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهَا ابْنُ قُدَامَةَ وَالْمَرْدَاوِيُّ تَحِل، وَالثَّانِيَةُ: لاَ تَحِل، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَمَفْهُومُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ. (1) 37 - الشَّرِيطَةُ (السَّابِعَةُ) الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا: أَلاَّ يَرْفَعَ يَدَهُ قَبْل تَمَامِ التَّذْكِيَةِ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ أَنْفَذَ بَعْضَ مَقَاتِلِهَا وَعَادَ لِتَكْمِلَةِ الذَّبْحِ عَنْ بُعْدٍ، وَمَا عَدَا هَذِهِ تُؤْكَل اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ. وَصُورَةُ الاِتِّفَاقِ مَا إِذَا كَانَتْ لَوْ تُرِكَتْ تَعِيشُ، أَوْ لاَ تَعِيشُ وَكَانَ الرَّفْعُ اضْطِرَارًا. وَصُورَةُ الرَّاجِحِ مَا إِذَا كَانَتْ لَوْ تُرِكَتْ لَمْ تَعِشْ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ وَكَانَ الرَّفْعُ اخْتِيَارًا. (2) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ رَفَعَ يَدَهُ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَضُرَّ إِنْ كَانَتْ فِي الْمَذْبُوحِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ بَدْءِ الْمَرَّةِ الأَْخِيرَةِ، فَإِنْ بَدَأَهَا وَفِيهِ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ لَمْ يَحِل. (3) 38 - الشَّرِيطَةُ (الثَّامِنَةُ) : ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ __________ (1) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 313، ومغني المحتاج 4 / 271، والفروع 6 / 314. (2) الخرشي علي العدوي 2 / 302. (3) البجيرمي على الإقناع 4 / 248. قَصْدِ التَّذْكِيَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ الذَّابِحُ التَّذْكِيَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ حِل الأَْكْل مِنَ الذَّبِيحَةِ، فَلَوْ قَصَدَ مُجَرَّدَ مَوْتِهَا أَوْ قَصَدَ ضَرْبَهَا فَأَصَابَ مَحَل الذَّبْحِ لَمْ تُؤْكَل، وَكَذَا إِذَا تَرَكَ النِّيَّةَ وَلَوْ نِسْيَانًا أَوْ عَجْزًا لَمْ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ. (1) إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَعْنُونَ بِالْقَصْدِ قَصْدَ الْفِعْل كَمَا لَوْ صَال عَلَيْهِ حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ؛ لأَِنَّ قَصْدَ الذَّبْحِ لاَ يُشْتَرَطُ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْفِعْل وَقَدْ وُجِدَ. (2) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ رَاجِعْ (صَائِل) . شَرَائِطُ آلَةِ الذَّبْحِ: 39 - يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الذَّبْحِ شَرِيطَتَانِ رَاجِعَتَانِ إِلَى آلَتِهِ: أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً، وَأَلاَّ تَكُونَ سِنًّا أَوْ ظُفُرًا قَائِمَيْنِ. 40 - الشَّرِيطَةُ (الأُْولَى) الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنْ تَكُونَ قَاطِعَةً، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَدِيدًا أَمْ لاَ، كَالْمَرْوَةِ وَاللِّيطَةِ وَشَقَّةِ الْعَصَا. (3) وَالزُّجَاجُ، __________ (1) الخرشي علي العدوي 2 / 302، والمقنع بحاشيته 3 / 536. (2) البجيرمي على الإقناع 4 / 246، ونهاية المحتاج 8 / 116. (3) المروة واحدة المرو وهو حجر أبيض والمقصود به هنا ما كان رقيقًا يحصل به الذبح، والليطة: قشرة القصبة والقوس والقناة وكل شيء له متانة، والجمع ليط، كريشة وريش، والشقة - بكسر الشين - الشظية أو القطعة المشقوقة من لوح أو خشب أو غيره (ر: لسان العرب) . وَالصَّدَفُ الْقَاطِعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ حَادَّةً أَمْ كَلِيلَةً مَا دَامَتْ قَاطِعَةً. وَالأَْصْل فِي جَوَازِ التَّذْكِيَةِ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ مَا وَرَدَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا لاَقُوا الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى. قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْجِل أَوْ أَرْنِي مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُل، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ. (1) وَأَمَّا جَوَازُ التَّذْكِيَةِ بِالْمُدَى الْكَلِيلَةِ وَنَحْوِهَا إِنْ كَانَتْ تَقْطَعُ فَلِحُصُول مَعْنَى الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ. (2) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْكَلِيلَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَلاَّ يَحْتَاجُ الْقَطْعُ بِهَا إِلَى قُوَّةِ الذَّابِحِ، وَأَنْ يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ قَبْل انْتِهَاءِ الْحَيَوَانِ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ. (3) 41 - الشَّرِيطَةُ (الثَّانِيَةُ) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَى أَلاَّ تَكُونَ الآْلَةُ سِنًّا أَوْ ظُفُرًا قَائِمَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ تَحِل الذَّبِيحَةُ؛ لأَِنَّ الذَّابِحَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فَتُخْنَقُ وَتُفْسَخُ فَلاَ يَحِل أَكْلُهَا. __________ (1) حديث رافع بن خديج. . . . أخرجه البخاري (الفتح 9 / 638 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1558 - ط الحلبي) ، واللفظ لمسلم. (2) البدائع 5 / 42، 60، وحاشية ابن عابدين 5 / 187، والخرشي علي العدوي 2 / 314، والبجيرمي على الإقناع 4 / 250، والمقنع 3 / 537. (3) البجيرمي على الإقناع 4 / 250 وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الظُّفُرُ الْقَائِمُ ظُفُرَ غَيْرِهِ جَازَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الذَّابِحُ يَدَ غَيْرِهِ فَيُمِرُّ ظُفْرَهَا كَمَا يُمِرُّ السِّكِّينَ فَإِنَّ الذَّبِيحَةَ تَحِل؛ لأَِنَّهَا قَطَعَتْ وَلَمْ تَفْسَخْ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ " قَائِمَيْنِ " السِّنُّ وَالظُّفُرُ الْمَنْزُوعَانِ إِذَا كَانَا قَاطِعَيْنِ فَتَجُوزُ التَّذْكِيَةُ بِهِمَا. (1) وَهَذَا لاَ يُعَارِضُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فَإِنَّ الْمُرَادَ فِيهِ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ الْقَائِمَانِ لاَ الْمَنْزُوعَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُل مَا أَفْرَى الأَْوْدَاجَ مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضَ سِنٍّ أَوْ حَزَّ ظُفُرٍ (2) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ وَبَقِيَّةِ الْعِظَامِ مُطْلَقًا مُتَّصِلَيْنِ كَانَا أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقِ. (3) وَقَال الْحَنَابِلَةُ لاَ يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ، وَفِي الْعَظْمِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ. (4) وَالْقَوْل الثَّالِثُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ تَجُوزُ الذَّكَاةُ مُطْلَقًا بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ مُنْفَصِلَيْنِ وَمُتَّصِلَيْنِ. وَالْقَوْل الرَّابِعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ الذَّكَاةِ __________ (1) البدائع 5 / 42. (2) حديث: " كل ما أفرى الأوداج. . . " أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (8 / 250 - وزارة الأوقاف العراقية) ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 34 - ط القدسي) ، وقال: فيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. (3) الخرشي علي العدوي 2 / 315، ونهاية المحتاج 8 / 113، والمقنع 3 / 537. (4) المقنع 3 / 537. بِالظُّفُرِ مُطْلَقًا وَكَرَاهِيَتُهَا بِالسِّنِّ مُطْلَقًا. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا جَوَازُ الذَّكَاةِ بِالْعَظْمِ مُطْلَقًا. وَمَحَل أَقْوَال الْمَالِكِيَّةِ أَنْ تُوجَدَ آلَةٌ مَعَهُمَا غَيْرُ الْحَدِيدِ فَإِنْ وُجِدَ الْحَدِيدُ تَعَيَّنَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ آلَةٌ سِوَاهَا تَعَيَّنَ الذَّبْحُ بِهِمَا. (1) آدَابُ الذَّبْحِ: 42 - يُسْتَحَبُّ فِي الذَّبْحِ أُمُورٌ. (2) مِنْهَا: أ - أَنْ يَكُونَ بِآلَةِ حَدِيدٍ حَادَّةٍ كَالسِّكِّينِ وَالسَّيْفِ الْحَادَّيْنِ لاَ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ وَلاَ بِالْكَلِيلَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلإِْرَاحَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (3) . ب - التَّذْفِيفُ فِي الْقَطْعِ - وَهُوَ الإِْسْرَاعُ - لأَِنَّ فِيهِ إِرَاحَةً لِلذَّبِيحَةِ. ج - أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، وَالذَّبِيحَةُ مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ بِمَذْبَحِهَا لاَ بِوَجْهِهَا إِذْ هِيَ جِهَةُ الرَّغْبَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ؛ وَلأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُل ذَبِيحَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَلاَ مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ __________ (1) الخرشي علي العدوي 2 / 315. (2) ر: في هذه الآداب: بدائع الصنائع 5 / 60، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 5 / 188. (3) حديث: " وليرح ذبيحته. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1548 - ط الحلبي) من حديث شداد بن أوس. د - إِحْدَادُ الشَّفْرَةِ قَبْل إِضْجَاعِ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (1) وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ أَنْ يَحُدَّ الذَّابِحُ الشَّفْرَةَ بَيْنَ يَدَيِ الذَّبِيحَةِ، وَهِيَ مُهَيَّأَةٌ لِلذَّبْحِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلاً أَضْجَعَ شَاةً يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهَا وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هَلاَّ حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْل أَنْ تُضْجِعَهَا. (2) وَلاَ تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الذَّبْحِ أَوْ فِعْل شَيْءٍ مِنْ مَكْرُوهَاتِهِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ الْمُسْتَفَادَ مِنَ الْحَدِيثِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَل لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مَا يَلْحَقُ الْحَيَوَانَ مِنْ زِيَادَةِ أَلَمٍ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا، فَلاَ يُوجِبُ الْفَسَادَ. (3) هـ - أَنْ تُضْجَعَ الذَّبِيحَةُ عَلَى شِقِّهَا الأَْيْسَرِ بِرِفْقٍ. وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ كَيْفِيَّةَ الإِْضْجَاعِ وَمَا يُسَنُّ مَعَهُ فَقَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ تَأْخُذَ الشَّاةَ بِرِفْقٍ وَتُضْجِعَهَا عَلَى شِقِّهَا الأَْيْسَرِ وَرَأْسُهَا مُشْرِفٌ، وَتَأْخُذُ بِيَدِكَ __________ (1) الشرح الصغير 1 / 319، ونهاية المحتاج 8 / 112. (2) حديث: " أتريد أن تميتها. . . " أخرجه الحاكم (4 / 231 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، وصححه ووافقه الذهبي. (3) الشرح الصغير 1 / 319، ونهاية المحتاج 8 / 112، والمقنع 3 / 542. الْيُسْرَى جَلْدَةَ حَلْقِهَا مِنَ اللَّحْيِ الأَْسْفَل بِالصُّوفِ أَوْ غَيْرِهِ فَتَمُدَّهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْبَشَرَةُ، وَتَضَعَ السِّكِّينَ فِي الْمَذْبَحِ حَتَّى تَكُونَ الْجَوْزَةُ فِي الرَّأْسِ، ثُمَّ تُسَمِّيَ اللَّهَ وَتُمِرَّ السِّكِّينَ مَرًّا مُجْهِزًا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ، ثُمَّ تَرْفَعُ وَلاَ تَنْخَعُ وَلاَ تَضْرِبُ بِهَا الأَْرْضَ وَلاَ تَجْعَل رِجْلَكَ عَلَى عُنُقِهَا. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ شَدِّ قَوَائِمِهَا وَتَرْكِ رِجْلِهَا الْيُمْنَى لِتَسْتَرِيحَ بِتَحْرِيكِهَا. وَالدَّلِيل عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْضْجَاعِ فِي جَمِيعِ الْمَذْبُوحَاتِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَال لَهَا: يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ثُمَّ قَال: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ. (1) قَال النَّوَوِيُّ: جَاءَتِ الأَْحَادِيثُ بِالإِْضْجَاعِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ إِضْجَاعَ الذَّبِيحَةِ يَكُونُ عَلَى جَانِبِهَا الأَْيْسَرِ لأَِنَّهُ أَسْهَل عَلَى الذَّابِحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِالْيَمِينِ وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِالْيَسَارِ. (2) وَقَاسَ الْجُمْهُورُ عَلَى الْكَبْشِ جَمِيعَ الْمَذْبُوحَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الإِْضْجَاعِ. __________ (1) حديث عائشة: " أمر بكبش أقرن. . . " أخرجه مسلم (3 / 1557 - ط الحلبي) . (2) نيل الأوطار 5 / 138. و - سَوْقُ الذَّبِيحَةِ إِلَى الْمَذْبَحِ بِرِفْقٍ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ. ز - عَرْضُ الْمَاءِ عَلَى الذَّبِيحَةِ قَبْل ذَبْحِهَا، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا. ح - وَإِذَا كَانَتِ الذَّبِيحَةُ قُرْبَةً مِنَ الْقُرُبَاتِ كَالأُْضْحِيَّةِ يُكَبِّرُ الذَّابِحُ ثَلاَثًا قَبْل التَّسْمِيَةِ وَثَلاَثًا بَعْدَهَا، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَإِلَيْكَ فَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ. (ر: أُضْحِيَّة) . ط - كَوْنُ الذَّبْحِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. (1) ي - عَدَمُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَطْعِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّابِحُ النُّخَاعَ أَوْ يُبِينَ رَأْسُ الذَّبِيحَةِ حَال ذَبْحِهَا وَكَذَا بَعْدَ الذَّبْحِ قَبْل أَنْ تَبْرُدَ وَكَذَا سَلْخُهَا قَبْل أَنْ تَبْرُدَ لِمَا فِي كُل ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ إِيلاَمٍ لاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا. (2) وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الذَّبِيحَةِ أَنْ تُفَرَّسَ (3) . قَال إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ ": الْفَرْسُ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ فَتُنْخَعَ، وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ __________ (1) الشرح الصغير 1 / 319، والخرشي على العدوي 2 / 314، ونهاية المحتاج 8 / 112، والبجيرمي على الإقناع 4 / 250، والمقنع بحاشيته 1 / 475. (2) بلغة السالك على الشرح الصغير 1 / 312. (3) حديث: " نهى عن الذبيحة أن تفرس " أخرجه البيهقي (9 / 280 - ط دائرة المعارف العثمانية) ثم قال: " وهذا إسناد ضعيف ". فِي " النِّهَايَةِ ": هُوَ " كَسْرُ رَقَبَةِ الذَّبِيحَةِ قَبْل أَنْ تَبْرُدَ " فَإِنْ نَخَعَ أَوْ سَلَخَ قَبْل أَنْ تَبْرُدَ لَمْ تَحْرُمِ الذَّبِيحَةُ لِوُجُودِ التَّذْكِيَةِ بِشَرَائِطِهَا. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهَا أَوْ إِلْقَائِهَا فِي النَّارِ بَعْدَ تَمَامِ ذَبْحِهَا وَقَبْل خُرُوجِ رُوحِهَا. (1) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا بِكَرَاهَةِ تَحْرِيكِهَا وَنَقْلِهَا قَبْل خُرُوجِ رُوحِهَا. وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَحْرُمُ كَسْرُ عُنُقِهَا حَتَّى تَبْرُدَ، وَقَطْعُ عُضْوٍ مِنْهَا قَبْل أَنْ تَبْرُدَ. (2) ثَانِيًا: النَّحْرُ: حَقِيقَةُ النَّحْرِ: 43 - حَقِيقَتُهُ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ فِي اللَّبَّةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَهَذَا رَأْيُ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ حَقِيقَتَهُ الطَّعْنُ فِي اللَّبَّةِ طَعْنًا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ تُقْطَعِ الأَْوْدَاجُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ أَيْضًا. (3) وَاللَّبَّةُ هِيَ الثُّغْرَةُ بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ أَسْفَل الْعُنُقِ كَمَا سَبَقَ فِي (ف 1) . __________ (1) الخرشي مع العدوي 2 / 316، والبجيرمي على الإقناع 4 / 308. (2) الخرشي مع العدوي 2 / 316، ونهاية المحتاج 8 / 112، والمقنع 3 / 539. (3) الخرشي على العدوي 2 / 301، 302، والشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 314. وَسَبَقَ فِي حَقِيقَةِ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ (ف 11) أَنَّ الْمُخْتَصَّ بِالنَّحْرِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ هُوَ الإِْبِل عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ كُل مَا طَال عُنُقُهُ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَافِ وَالْفِيلَةِ، وَجَوَّزُوا الذَّبْحَ وَالنَّحْرَ - مَعَ أَفْضَلِيَّةِ الذَّبْحِ - فِي الْبَقَرِ وَمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِهِ وَخَيْلِهِ وَبِغَالِهِ. ثُمَّ إِنَّ خِلاَفَ الأَْئِمَّةِ فِيمَا يَكْفِي مِنْ قَطْعِ الأَْوْدَاجِ فِي النَّحْرِ هُوَ الْخِلاَفُ السَّابِقُ فِي " حَقِيقَةِ الذَّبْحِ " (ف 14) . إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ فَقَالُوا: إِنَّ الذَّبْحَ يَكُونُ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ، وَالنَّحْرُ يَكُونُ بِالطَّعْنِ فِي اللَّبَّةِ طَعْنًا مُفْضِيًا إِلَى الْمَوْتِ، دُونَ اشْتِرَاطِ قَطْعِ شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوقِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، خِلاَفًا لِلَّخْمِيِّ؛ لأَِنَّ وَرَاءَ اللَّبَّةِ عِرْقًا مُتَّصِلاً بِالْقَلْبِ يُفْضِي طَعْنُهُ إِلَى سُرْعَةِ خُرُوجِ الرُّوحِ. (1) شَرَائِطُ النَّحْرِ: 44 - يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ النَّحْرِ الشَّرَائِطُ السَّابِقُ ذِكْرُهَا فِي الذَّبْحِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ الْحَيَوَانُ الْمَنْحُورُ مُخْتَصًّا بِالذَّبْحِ وَهُوَ مَا عَدَا الأَْصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ. فَلَوْ نَحَرَ مَا يَخْتَصُّ بِالذَّبْحِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَرُمَ النَّحْرُ وَالْحَيَوَانُ الْمَنْحُورُ __________ (1) الخرشي على العدوي 2 / 301، 302، والشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 314. خِلاَفًا لِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي تُجِيزُ نَحْرَ مَا يُذْبَحُ. آدَابُ النَّحْرِ: 45 - يُسْتَحَبُّ فِي النَّحْرِ كُل مَا يُسْتَحَبُّ فِي الذَّبْحِ، وَاخْتِلاَفُ الْمَذَاهِبِ هُنَاكَ هُوَ نَفْسُ اخْتِلاَفِهَا هُنَا. إِلاَّ أَنَّ الإِْبِل تُنْحَرُ قَائِمَةً عَلَى ثَلاَثٍ مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى. (1) وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ لِلنَّحْرِ كَيْفِيَّةً وَهِيَ أَنْ يُوَجِّهَ النَّاحِرُ مَا يُرِيدُ نَحْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَقِفَ بِجَانِبِ الرِّجْل الْيُمْنَى غَيْرِ الْمَعْقُولَةِ مُمْسِكًا مِشْفَرَهُ الأَْعْلَى بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَيَطْعَنُهُ فِي لَبَّتِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى مُسَمِّيًا. (2) وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنَاخَهَا. (3) وَمِمَّا يَدُل عَلَى اسْتِحْبَابِ إِقَامَةِ الإِْبِل عَلَى ثَلاَثٍ عِنْدَ النَّحْرِ قَوْله تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} (4) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: (مَعْقُولَةً عَلَى ثَلاَثَةٍ) (5) . وَأَحَادِيثُ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ __________ (1) البدائع 5 / 41، ونهاية المحتاج 8 / 111، والمقنع بحاشيته 1 / 474. (2) الشرح الصغير مع بلغة السالك 1 / 319. (3) المقنع بحاشيته 1 / 475، والإقناع بحاشية البجيرمي 4 / 250. (4) سورة الحج / 36. (5) أثر ابن عباس أخرجه البيهقي (5 / 237 - ط دائرة المعارف العثمانية) . كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا (1) . وَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَال: " ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (2) . مَكْرُوهَاتُ النَّحْرِ: 46 - يُكْرَهُ فِي النَّحْرِ جَمِيعُ الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي الذَّبْحِ. الذَّكَاةُ الاِضْطِرَارِيَّةُ: 47 - الذَّكَاةُ الاِضْطِرَارِيَّةُ هِيَ الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنَ الْبَدَنِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْحَيَوَانِ، أَيْ كَأَنَّهَا صَيْدٌ فَتُسْتَعْمَل لِلضَّرُورَةِ فِي الْمَعْجُوزِ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَْنْعَامِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ: الْعَقْرَ. ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى حِل لَحْمِ الْحَيَوَانِ بِذَكَاةِ الضَّرُورَةِ لأَِنَّ الذَّبْحَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِخْرَاجِ الدَّمِ لإِِزَالَةِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ، فَيُقَامُ سَبَبُ الذَّبْحِ مَقَامَهُ وَهُوَ الْجَرْحُ؛ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ. __________ (1) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة " أخرجه أبو داود (2 / 371 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، وأورده ابن حجر في الفتح (3 / 553 - ط السلفية) وسكت عنه. (2) حديث زياد بن جبير عن ابن عمر. أخرجه البخاري (الفتح 3 / 553 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 956 - ط الحلبي) ، واللفظ لمسلم. فَلَوْ تَوَحَّشَ حَيَوَانٌ أَهْلِيٌّ بَعْدَ أَنْ كَانَ إِنْسِيًّا أَوْ مُسْتَأْنَسًا، أَوْ نَدَّ بَعِيرٌ (شَرَدَ) أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ تُمْكِنِ الذَّكَاةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ، أَيْ عَجَزَ عَنْ ذَبْحِهِ فِي الْحَلْقِ فَذَكَاتُهُ حَيْثُ يُصَابُ بِأَيِّ جَرْحٍ مِنْ بَدَنِهِ، وَيَحِل حِينَئِذٍ أَكْلُهُ كَصَيْدِ الطَّائِرِ أَوِ الْحَيَوَانِ الْمُتَوَحِّشِ، لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَال: كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِل الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ خَيْلٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا. (1) وَسَوَاءٌ نَدَّ الْبَعِيرُ أَوِ الْبَقَرَةُ أَوِ الشَّاةُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ، فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ، وَبِهِ قَال عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَال الْكَاسَانِيُّ: فَإِنْ نَدَّتْ الشَّاةُ فِي الصَّحْرَاءِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا، إِذْ هِيَ لاَ تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا فَكَانَ الذَّبْحُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ الْعَقْرُ، وَهَذَا لأَِنَّ الْعَقْرَ خَلَفٌ مِنَ الذَّبْحِ وَالْقُدْرَةَ عَلَى الأَْصْل تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إِلَى الْخَلَفِ. ثُمَّ لاَ خِلاَفَ فِي التَّذْكِيَةِ الاِضْطِرَارِيَّةِ بِالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ وَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ __________ (1) حديث رافع بن خديج: " إن لهذه البهائم أوابد. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 638 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1558 - الحلبي) . يُجْرَحْ فَلاَ يَحِل أَكْلُهُ (1) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عَنِ الصَّيْدِ بِالْمِعْرَاضِ، فَقَال عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُل وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَقَتَل فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلاَ تَأْكُل (2) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسْتَأْنَسَةِ إِذَا شَرَدَتْ وَتَوَحَّشَتْ فَإِنَّهَا لاَ تُؤْكَل بِالْعَقْرِ عَمَلاً بِالأَْصْل، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ إِنْ تَوَحَّشَ غَيْرُ الْبَقَرِ لَمْ يُؤْكَل بِالْعَقْرِ، وَإِنْ تَوَحَّشَ الْبَقَرُ جَازَ أَكْلُهُ بِالْعَقْرِ، لأَِنَّ الْبَقَرَ لَهَا أَصْلٌ فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إِلَيْهِ، أَيْ شَبَّهَهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ. وَإِنْ وَقَعَ فِي حُفْرَةٍ عُجِزَ عَنْ إِخْرَاجِهِ فَلاَ يُؤْكَل بِالْعَقْرِ، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤْكَل الْحَيَوَانُ الْمُتَرَدِّي الْمَعْجُوزُ عَنْ ذَكَاتِهِ بَقَرًا أَوْ غَيْرَهُ بِالْعَقْرِ صِيَانَةً لِلأَْمْوَال. (3) وَلِلتَّفْصِيل: (ر: صِيَال وَصَيْد) . ذَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ: 48 - سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ __________ (1) البدائع 5 / 43، وتبيين الحقائق 6 / 54، 58، وروضة الطالبين 3 / 240، ونهاية المحتاج 8 / 113، ومغني المحتاج 4 / 273، والمغني 8 / 558 - 559، والمقنع 3 / 547 - 548، ونيل الأوطار 8 / 168 ط مصطفى الحلبي. (2) حديث: " إذا أصاب بِحَدِّهِ فَكُل، وإذا أصاب بعرضه فقتل، فإنه وقيذ فلا تأكل " أخرجه مسلم (3 / 1530 - ط الحلبي) . (3) الدسوقي 2 / 103، وبلغة السالك 1 / 315، وبداية المجتهد 1 / 469. كَالْجَرَادِ لاَ حَاجَةَ فِي حِل أَكْلِهِ إِلَى الذَّكَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال. (1) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى إِزْهَاقِ رُوحِهِ بِفِعْل شَيْءٍ يَمُوتُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْل مِمَّا يُعَجِّل الْمَوْتَ مِنْ قَطْعِ رَأْسٍ أَوْ إِلْقَاءٍ فِي نَارٍ أَوْ مَاءٍ حَارٍّ، أَوَمِمَّا لاَ يُعَجِّل كَقَطْعِ جَنَاحٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ إِلْقَاءٍ فِي مَاءٍ بَارِدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي هَذِهِ التَّذْكِيَةِ مِنَ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ وَسَائِرِ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّذْكِيَةِ. (2) (ر: أَطْعِمَة) ذَكَاةُ الْجَنِينِ تَبَعًا لأُِمِّهِ: 49 - إِذَا ذُكِّيَتْ أُنْثَى مِنَ الْحَيَوَانِ فَمَاتَ بِتَذْكِيَتِهَا جَنِينُهَا فَفِي حِل هَذَا الْجَنِينِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. فَمَنْ قَال بِحِلِّهِ قَال إِنَّ ذَكَاتَهُ هِيَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ، فَهَذَا الْمَوْتُ ذَكَاةٌ تَبَعِيَّةٌ، وَمَنْ قَال بِعَدَمِ حِلِّهِ قَال إِنَّهُ مَيْتَةٌ لأَِنَّ الذَّكَاةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ اسْتِقْلاَلِيَّةً. وَتَفْصِيل الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ أَنَّ جَنِينَ الْمُذَكَّاةِ الَّذِي خَرَجَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهَا لَهُ حَالَتَانِ. (3) __________ (1) حديث: " أحلت لنا ميتتان ودمان. . . . " سبق تخريجه ف / 9. (2) بدائع الصنائع 5 / 42، 43، وحاشية ابن عابدين 5 / 193، والشرح الصغير 1 / 321، والإقناع بحاشية البجيرمي 4 / 255 256، والمقنع 3 / 541. (3) الخرشي 2 / 323، 324، والمقنع 3 / 535. (الْحَالَةُ الأُْولَى) : أَنْ يَخْرُجَ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً أَوْ جَنِينًا غَيْرَ كَامِل الْخِلْقَةِ فَلاَ يَحِل عِنْدَ الْجُمْهُورِ لأَِنَّهُ مَيْتَةٌ، إِذْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمَوْتِ تَقَدُّمُ الْحَيَاةِ. قَال تَعَالَى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} (1) فَمَعْنَى قَوْلِهِ {كُنْتُمْ أَمْوَاتًا} كُنْتُمْ مَخْلُوقِينَ بِلاَ حَيَاةٍ، وَذَلِكَ قَبْل أَنْ تَنْفُخَ فِيهِمُ الرُّوحُ. (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ جَنِينًا كَامِل الْخِلْقَةِ - أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ - وَلِهَذِهِ الْحَالَةِ صُوَرٌ: الصُّورَةُ الأُْولَى: أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَتَجِبُ تَذْكِيَتُهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْل التَّذْكِيَةِ، فَهُوَ مَيْتَةٌ اتِّفَاقًا. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا كَحَيَاةِ مَذْبُوحٍ فَإِنْ أَدْرَكْنَا ذَكَاتَهُ وَذَكَّيْنَاهُ حَل اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ حَل أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ حَيَاةَ الْمَذْبُوحِ كَلاَ حَيَاةٍ فَكَأَنَّهُ مَاتَ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ، وَبِنَحْوِ هَذَا قَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي حِلِّهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْبُتَ شَعْرُ جَسَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَامَل وَلاَ يَكْفِي شَعْرُ رَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا وَيُعْلَمَ أَنْ مَوْتَهُ كَانَ قَبْل تَذْكِيَةِ أُمِّهِ فَلاَ يَحِل اتِّفَاقًا، وَيُعْرَفُ مَوْتُهُ قَبْل ذَكَاةِ أُمِّهِ بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا فِي __________ (1) سورة البقرة / 28. بَطْنِهَا فَتُضْرَبُ فَتَسْكُنُ حَرَكَتُهُ ثُمَّ تُذَكَّى، فَيَخْرُجُ مَيِّتًا، وَمِنْهَا: أَنْ يَخْرُجَ رَأْسُهُ مَيِّتًا ثُمَّ تُذَكَّى. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا بَعْدَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ بِمُدَّةٍ لِتَوَانِي الْمُذَكِّي فِي إِخْرَاجِهِ، فَلاَ يَحِل اتِّفَاقًا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِتَذْكِيَةِ أُمِّهِ أَوْ بِالاِنْخِنَاقِ لِلتَّوَانِي فِي إِخْرَاجِهِ. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مَيِّتًا عَقِبَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلَمَ مَوْتُهُ قَبْل التَّذْكِيَةِ فَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ التَّذْكِيَةِ لاَ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا الإِْشْعَارَ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَدَلِيل الْجُمْهُورِ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ (1) وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ تَبَعٌ لأُِمِّهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلأَِنَّهُ يُبَاعُ بِبَيْعِ الأُْمِّ؛ وَلأَِنَّ جَنِينَ الأَْمَةِ يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، وَالْحُكْمُ فِي التَّبَعِ يَثْبُتُ بِعِلَّةِ الأَْصْل وَلاَ تُشْتَرَطُ لَهُ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ لِئَلاَّ يَنْقَلِبَ التَّبَعُ أَصْلاً. __________ (1) حديث: " ذكاة الجنين ذكاة أمه. . . . " أخرجه أبو داود (3 / 253 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، والحاكم (4 / 114 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، من حديث جابر بن عبد الله، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (1) وَالْجَنِينُ الَّذِي لَمْ يُدْرَكْ حَيًّا بَعْدَ تَذْكِيَةِ أُمِّهِ مَيْتَةٌ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ مُسْتَقِلَّةٌ إِذْ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ فَتَكُونُ تَذْكِيَتُهُ مُسْتَقِلَّةً. هَل يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الذَّابِحِ أَهْلاً لِلتَّذْكِيَةِ: 50 - قَال الزَّيْلَعِيُّ: لَوْ أَنَّ بَازِيًا مُعَلَّمًا أَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَلاَ يُدْرَى أَرْسَلَهُ إِنْسَانٌ أَوْ لاَ، لاَ يُؤْكَل لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي الإِْرْسَال، وَلاَ إِبَاحَةَ بِدُونِهِ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلاً فَهُوَ مَال الْغَيْرِ فَلاَ يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّيْلَعِيِّ صَاحِبِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ، ثُمَّ قَال: وَقَعَ فِي عَصْرِنَا حَادِثَةُ الْفَتْوَى وَهِيَ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ شَاتَهُ مَذْبُوحَةً بِبُسْتَانِهِ فَهَل يَحِل لَهُ أَكْلُهَا أَوْ لاَ؟ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ لاَ يَحِل لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي أَنَّ الذَّابِحَ مِمَّنْ تَحِل ذَكَاتُهُ أَوْ لاَ، وَهَل سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا أَوْ لاَ؟ لَكِنْ فِي الْخُلاَصَةِ فِي " اللُّقَطَةِ ": إِنْ أَصَابَ قَوْمٌ بَعِيرًا مَذْبُوحًا فِي طَرِيقِ الْبَادِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنَ الْمَاءِ وَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَل ذَلِكَ إِبَاحَةً لِلنَّاسِ فَلاَ بَأْسَ بِأَخْذِهِ وَالأَْكْل مِنْهُ؛ لأَِنَّ الثَّابِتَ بِالدَّلاَلَةِ كَالثَّابِتِ بِالصَّرِيحِ وَهَذَا مِنْ صَاحِبِ الْخُلاَصَةِ يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ الأَْكْل بِالشَّرِيطَةِ الْمَذْكُورَةِ. فَعُلِمَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ __________ (1) سورة المائدة / 3. الذَّابِحِ أَهْلاً لِلذَّكَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ حَادِثَةِ الْفَتْوَى وَاللُّقَطَةِ بِأَنَّ الذَّابِحَ فِي الأُْولَى غَيْرُ الْمَالِكِ قَطْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ يُحْتَمَل. (1) وَأَفَادَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْبَازِي وَمَسْأَلَةِ الْمَذْبُوحِ فِي الْبُسْتَانِ فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ الْبَازِيَ الَّذِي طَبْعُهُ الاِصْطِيَادُ ظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُرْسَلٍ وَغَيْرُ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ بِخِلاَفِ الذَّابِحِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَحِل ذَبِيحَتُهُ وَأَنَّهُ سَمَّى، وَاحْتِمَال عَدَمِ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللَّحْمِ الَّذِي يُبَاعُ فِي السُّوقِ وَهُوَ احْتِمَالٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّحْرِيمِ قَطْعًا. وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَعِيرِ الَّذِي وُجِدَ مَذْبُوحًا قُيِّدَتْ بِقَيْدَيْنِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنَ الْمَاءِ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ احْتَمَل أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ فَأَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ فَذَبَحَهُ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ دَمٌ فَتَرَكَهُ لِعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ بِالْمَاءِ، فَلاَ يَتَأَتَّى احْتِمَال أَنَّهُ تَرَكَهُ إِبَاحَةً لِلنَّاسِ. وَالْقَيْدُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ أَنَّ صَاحِبَهُ فَعَل ذَلِكَ إِبَاحَةً لِلنَّاسِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْوُقُوعِ فِي الْقَلْبِ الظَّنُّ الْغَالِبُ لاَ مُجَرَّدُ الْخُطُورِ فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ. وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَا لَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْمَذْبُوحُ يَسْكُنُهُ أَوْ يَسْلُكُ فِيهِ مَنْ لاَ تَحِل ذَكَاتُهُ كَالْمَجُوسِيِّ أَوْ لاَ، فَفِي __________ (1) الدر المختار بحاشية ابن عابدين 5 / 306، 307. الْحَالَةِ الأُْولَى لاَ يُؤْكَل بِخِلاَفِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ. (1) وَيُنَاسِبُ هَذَا مَا فِي كِتَابِ " الإِْقْنَاعِ " فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ " لَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَنَّهُ ذَبَحَ هَذِهِ الشَّاةَ مَثَلاً حَل أَكْلُهَا؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ وَجُهِل ذَابِحُ الْحَيَوَانِ هَل هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ لَمْ يَحِل أَكْلُهُ لِلشَّكِّ فِي الذَّبْحِ الْمُبِيحِ وَالأَْصْل عَدَمُهُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَغْلَبَ كَمَا فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحِل، وَفِي مَعْنَى الْمَجُوسِيِّ كُل مَنْ لَمْ تَحِل ذَبِيحَتُهُ. (2) وَفِي كِتَابِ " الْمُقْنِعِ " فِي الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ " إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لاَ، أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لاَ، فَذَبِيحَتُهُ حَلاَلٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا كُل مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّنَا لاَ نَقِفُ عَلَى كُل ذَابِحٍ. (3) وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا هُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لاَ نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوهُ قَال: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ. (4) مَخْنُوقَةُ الْكِتَابِيِّ: 51 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَخْنُوقَةَ الْكِتَابِيِّ وَمَا __________ (1) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 5 / 306، 307. (2) البجيرمي على الإقناع 4 / 256. (3) المقنع بحاشيته 3 / 541. (4) حديث عائشة سبق تخريجه بهذا المعنى (ر: ف / 31) . ذُبِحَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ لاَ يَجُوزُ أَكْلُهُ، لأَِنَّهَا إِذَا لَمْ تُؤْكَل مِنَ الْمُسْلِمِ فَمِنَ الْكِتَابِيِّ أَوْلَى، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ جَوَازِ أَكْل مَخْنُوقَةِ الْكِتَابِيِّ فَقَدْ رَدُّوهُ عَلَيْهِ. قَال ابْنُ جُزَيٍّ: إِذَا غَابَ الْكِتَابِيُّ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يُذَكُّونَ أَكَلْنَا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْمَيْتَةَ كَنَصَارَى الأَْنْدَلُسِ، أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ لَمْ نَأْكُل مَا غَابُوا عَلَيْهِ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَقْصِدَ الشِّرَاءَ مِنْ ذَبَائِحِ الْيَهُودِ وَيُنْهَى الْمُسْلِمُونَ عَنْ شِرَاءِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيُنْهَى الْيَهُودُ عَنِ الْبَيْعِ مِنْهُمْ، وَمَنِ اشْتَرَى مِنْهُمْ فَهُوَ رَجُل سُوءٍ وَلاَ يُفْسَخُ شِرَاؤُهُ، وَقَال ابْنُ شَعْبَانَ: أَكْرَهُ قَدِيدَ الرُّومِ وَجُبْنَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ. قَال الْقَرَافِيُّ: وَكَرَاهِيَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ لِثُبُوتِ أَكْلِهِمُ الْمَيْتَةَ، وَأَنَّهُمْ يَخْنُقُونَ الْبَهَائِمَ وَيَضْرِبُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ. (1) __________ (1) حاشية الرهوني على الزرقاني 3 / 11 - 15، والقوانين الفقهية ص 185. ذَبْحٌ انْظُرْ: ذَبَائِحُ |
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الرِّقُّ لُغَةً: مَصْدَرُ رَقَّ الْعَبْدُ يَرِقُّ، ضِدُّ عَتَقَ، يُقَال: اسْتَرَقَّ فُلاَنٌ مَمْلُوكَهُ وَأَرَقَّهُ، نَقِيضُ أَعْتَقَهُ. وَالرَّقِيقُ: الْمَمْلُوكُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَيُقَال لِلأُْنْثَى أَيْضًا رَقِيقَةٌ، وَالْجَمْعُ رَقِيقٌ وَأَرِقَّاءُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَبِيدُ رَقِيقًا؛ لأَِنَّهُمْ يَرِقُّونَ لِمَالِكِهِمْ، وَيَذِلُّونَ وَيَخْضَعُونَ. وَأَصْلُهُ مِنَ الرِّقَّةِ وَهِيَ ضِدُّ الْغِلَظِ وَالثَّخَانَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، يُقَال: ثَوْبٌ رَقِيقٌ، وَثِيَابٌ رِقَاقٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي __________ (1) كان الرق متعارفا عليه قبل الإسلام بقرون متطاولة، وكانت الحياة الاقتصادية قائمة في الغالب على أكتاف الرقيق، والحياة الاجتماعية كذلك، كان الرقيق يشكل جزءًا كبيرًا من عناصرها. وقد جاء الإسلام الحنيف فحث على تحرير الأرقاء، وكان من أوائل ما نزل من القرآن الْمَعْنَوِيَّاتِ فَقِيل: فُلاَنٌ رَقِيقُ الدِّينِ، أَوْ رَقِيقُ الْقَلْبِ (1) . وَالرِّقُّ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ لُغَةً، فَهُوَ كَوْنُ الإِْنْسَانِ مَمْلُوكًا لإِِنْسَانٍ آخَرَ. وَعَرَّفَهُ بَعْضُ أَهْل الْفَرَائِضِ وَالْفِقْهِ بِأَنَّهُ " عَجْزٌ __________ (1) لسان العرب، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 3 / 167 القاهرة، عيسى الحلبي. حُكْمِيٌّ يَقُومُ بِالإِْنْسَانِ سَبَبُهُ الْكُفْرُ (1) " أَوْ أَنَّهُ " عَجْزٌ شَرْعِيٌّ مَانِعٌ لِلْوِلاَيَاتِ مِنَ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَغَيْرِهِمَا (2) ". وَلِلرَّقِيقِ أَسْمَاءٌ أُخْرَى بِحَسَبِ نَوْعِهِ وَحَالِهِ، كَالْقِنِّ: وَهُوَ مَنْ لاَ عِتْقَ فِيهِ أَصْلاً، وَيُقَابِلُهُ الْمُبَعَّضُ، وَهُوَ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ وَسَائِرُهُ رَقِيقٌ، وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، وَهُوَ مَنِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْعِتْقِ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَالْمُعْتَقُ عِنْدَ أَجَلٍ، وَأُمِّ الْوَلَدِ. أَسْبَابُ تَمَلُّكِ الرَّقِيقِ: 2 - يَدْخُل الرَّقِيقُ فِي مِلْكِ الإِْنْسَانِ بِوَاحِدٍ مِنَ الطُّرُقِ الآْتِيَةِ: أَوَّلاً: اسْتِرْقَاقُ الأَْسْرَى وَالسَّبْيِ مِنَ الأَْعْدَاءِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ اسْتَرَقَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَذَرَارِيَّهُمْ (3) . وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِرْقَاق) . وَلاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ اسْتِرْقَاقِ الْمُسْلِمِ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الاِسْتِرْقَاقِ؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ جَزَاءً لاِسْتِنْكَافِ الْكَافِرِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، __________ (1) العذب الفائض 1 / 23 القاهرة، مصطفى الحلبي 1372هـ. (2) شرح مسلم الثبوت 1 / 171 نشر بولاق، روضة الطالبين للنووي 6 / 162، دمشق، المكتب الإسلامي. (3) حديث: " استرق النبي صلى الله عليه وسلم نساء بني قريظة وذراريهم ". أخرجه البخاري (الفتح 7 / 412 - ط السلفية) من حديث عائشة. فَجَازَاهُ بِأَنْ صَيَّرَهُ عَبْدَ عَبِيدِهِ (1) . ثَانِيًا: وَلَدُ الأَْمَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ، سَوَاءٌ، أَكَانَ أَبُوهُ حُرًّا أَمْ عَبْدًا، وَهُوَ رَقِيقٌ لِمَالِكِ أُمِّهِ، لأَِنَّ وَلَدَهَا مِنْ نَمَائِهَا، وَنَمَاؤُهَا لِمَالِكِهَا، وَلِلإِْجْمَاعِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ وَهُوَ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ. وَكَذَا لَوِ اشْتَرَطَ مُتَزَوِّجُ الأَْمَةِ أَنْ يَكُونَ أَوْلاَدُهُ مِنْهَا أَحْرَارًا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (2) . ثَالِثًا: الشِّرَاءُ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا مُعْتَرَفًا بِهِ شَرْعًا، وَكَذَا الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمِيرَاثُ وَغَيْرُهَا مِنْ صُوَرِ انْتِقَال الأَْمْوَال مِنْ مَالِكٍ إِلَى آخَرَ. وَلَوْ كَانَ مَنْ بَاعَ الرَّقِيقَ، أَوْ وَهَبَهُ كَافِرًا ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا فَيَصِحُّ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ أَهْدَى الْمُقَوْقِسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَيْنِ، فَتَسَرَّى بِإِحْدَاهُمَا، وَوَهَبَ الأُْخْرَى لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (3) . الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ لاَ الرِّقُّ: 3 - الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ لاَ الرِّقُّ، وَقَدْ __________ (1) العناية بهامش فتح القدير 4 / 316، القاهرة، مطبعة بولاق 1318هـ. (2) كشاف القناع 5 / 99 الرياض، مكتبة النصر الحديثة، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3 / 12، 13. (3) حديث: " إهداء المقوقس جاريتين للنبي صلى الله عليه وسلم ". ذكره ابن سعد في الطبقات (8 / 214 - ط دار صادر) من حديث الزهري مرسلا. اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ إِذَا وُجِدَ وَلَمْ يُعْرَفْ نَسَبُهُ يَكُونُ حُرًّا، وَإِنِ احْتُمِل أَنَّهُ رَقِيقٌ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ الأَْصْل فِي الآْدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَلَهُ حُكْمُ الأَْصْل (1) . وَالْحُرِّيَّةُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِبْطَالِهِ إِلاَّ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَلاَ يَجُوزُ إِبْطَال هَذَا الْحَقِّ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْحُرِّ وَلَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ (2) . وَمَا كَانَ مِنْ خَوَاصِّ الآْدَمِيَّةِ فِي الرَّقِيقِ لاَ يَبْطُل بِرِقِّهِ، بَل يَبْقَى عَلَى أَصْل الْحُرِّيَّةِ، كَالطَّلاَقِ، فَإِنَّ حَقَّ تَطْلِيقِ زَوْجَةِ الْعَبْدِ هُوَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ (3) . إِلْغَاءُ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ لأَِنْوَاعٍ مِنْ الاِسْتِرْقَاقِ: 4 - حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ اسْتِرْقَاقَ الْحُرِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَال اللَّهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَل ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ __________ (1) المغني 5 / 679، 680، القاهرة، دار المنار، 1367هـ، ط ثالثة، وكشاف القناع 6 / 392، وفتح القدير 6 / 250. (2) فتح القدير 6 / 237. (3) العناية وفتح القدير 3 / 44. اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ (1) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: ثَلاَثَةٌ لاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُمْ صَلاَةً. . . وَذَكَرَ مِنْهُمْ وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا (2) قَال الْخَطَّابِيُّ: اعْتِبَادُ الْحُرِّ يَقَعُ بِأَمْرَيْنِ: أَنْ يَعْتِقَهُ ثُمَّ يَكْتُمَ ذَلِكَ، أَوْ يَجْحَدَهُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا بَعْدَ الْعِتْقِ. ا. هـ (3) وَكَذَلِكَ الاِسْتِرْقَاقُ بِخَطْفِ الْحُرِّ، أَوْ سَرِقَتِهِ، أَوْ إِكْرَاهِهِ، أَوِ التَّوَصُّل إِلَى جَعْلِهِ فِي حَبَائِل الرِّقِّ، بِأَيِّ وَسِيلَةٍ، كُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَلاَ يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ، بَل يَبْقَى الْمَخْطُوفُ أَوِ الْمَسْرُوقُ حُرًّا إِنْ كَانَ مَعْصُومًا بِإِسْلاَمٍ أَوْ عَهْدٍ، وَمَنِ اشْتَرَى مِنْ هَؤُلاَءِ وَاِتَّخَذَ مَا اشْتَرَاهُ رَقِيقًا أَوْ بَاعَهُ، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا فَعَل، وَدَخَل فِي الَّذِينَ قَال رَسُول اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا، فَإِنْ وَطِئَ شَيْئًا مِنْ الْجَوَارِي الَّتِي (اسْتُمْلِكَتْ) بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْمُحَرَّمَةِ فَهُوَ زِنًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا، مِنْ إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْوَاطِئِ، وَعَلَى الْمَوْطُوءَةِ إِنْ زَال __________ (1) حديث: " قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 417 - ط السلفية من حديث أبي هريرة. (2) حديث: " ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ". أخرجه أبو داود (1 / 397 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، ونقل المناوي في فيض القدير (1 / 329 - ط المكتبة التجارية) عن النووي والعراقي أنهما ضعفاه. (3) فتح الباري 4 / 418 القاهرة، المطبعة السلفية 1371هـ. الإِْكْرَاهُ وَرَضِيَتْ بِالْبَقَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ لَهُمَا وَلَدُ زِنًا، لاَ يَلْتَحِقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ (1) . إِثْبَاتُ الرِّقِّ: 5 - تَثْبُتُ دَعْوَى الرِّقِّ عَلَى مَجْهُول النَّسَبِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَلاَ اسْتِحْلاَفَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيُسْتَحْلَفُ فِيهَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، وَلاَ يَكْفِي الشَّاهِدَ رُؤْيَتُهُ يَسْتَخْدِمُ الرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةَ لِيَشْهَدَ بِرِقِّهِمَا، بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ رِقَّهُمَا، وَلاَ تَكْفِي الْيَدُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ صَغِيرًا لاَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ: لَهُ أَنْ يَشْهَدَ أَيْضًا عَلَى الْكَبِيرِ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ (2) . وَقَال النَّوَوِيُّ: إِذَا ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ فَقَال الْبَالِغُ: أَنَا حُرُّ الأَْصْل، فَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُدَّعِي اسْتَخْدَمَهُ قَبْل الإِْنْكَارِ وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ جَرَى عَلَيْهِ الْبَيْعُ مِرَارًا وَتَدَاوَلَتْهُ الأَْيْدِي أَمْ لاَ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِذَا لَمْ يُقِرَّ اللَّقِيطُ بِرِقٍّ فَهُوَ حُرٌّ إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ أَحَدٌ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ. وَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ بِرِقِّهِ لِشَخْصٍ فَصَدَّقَهُ قُبِل إِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِقْرَارَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِلاَّ لَمْ يُقْبَل. وَقَال أَيْضًا: لَوِ ادَّعَى رِقَّ صَغِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ __________ (1) تكملة فتح القدير 7 / 392، فتح الباري 4 / 418، الأشباه للسيوطي ص 111. (2) فتح القدير والعناية 6 / 162. فِي يَدِهِ، لَمْ يُصَدَّقْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِنِ اسْتَنَدَتِ الْيَدُ إِلَى الْتِقَاطٍ فَكَذَلِكَ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهُ إِلَى الْتِقَاطٍ صُدِّقَ وَحُكِمَ لَهُ، كَمَا لَوِ ادَّعَى ثَوْبًا فِي يَدِهِ، فَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا فَالأَْصَحُّ يُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ، وَلاَ أَثَرَ لإِِنْكَارِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَالْبَالِغِ، ثُمَّ إِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ الَّذِي حُكِمَ بِرِقِّهِ وَأَنْكَرَ الرِّقَّ فَالأَْصَحُّ اسْتِمْرَارُ الرِّقِّ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلاَفِهِ، وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ مُنْكِرُ الرِّقِّ إِلاَّ أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ (1) . وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّقِّ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (2) . وَمَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَقَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَل أَنَا حُرٌّ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، تَعَارَضَتَا وَتَسَاقَطَتَا. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ، لأَِنَّ الأَْصْل الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ وَلَمْ يَثْبُتْ (3) . ثُبُوتُ الرِّقِّ بِالإِْقْرَارِ: 6 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ صَبِيٌّ مَجْهُول النَّسَبِ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، أَيْ يَعْقِل فَحْوَى مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ، وَادَّعَى الرَّجُل رِقَّهُ، فَقَال الصَّبِيُّ: أَنَا حُرٌّ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَال: أَنَا عَبْدٌ لِفُلاَنٍ - لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ - __________ (1) روضة الطالبين 12 / 77، 78. (2) روضة الطالبين 11 / 255، والمنهاج وشرحه للمحلي 3 / 128. (3) كشاف القناع 6 / 397. فَهُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ؛ لأَِنَّهُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ وَهُوَ مَجْهُول النَّسَبِ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَنْ كَانَ عِنْدَ إِقْرَارِهِ بَالِغًا (1) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَثْبُتُ الرِّقُّ بِإِقْرَارِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَيَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْبَالِغِ (2) لَكِنْ إِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ مَنْ هُوَ ثَابِتُ الْحُرِّيَّةِ لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ، فَلَوْ أَقَرَّتْ حُرَّةٌ لِزَوْجِهَا بِأَنَّهَا أَمَتُهُ، فَبَاعَهَا لِلْجُوعِ وَالْغَلاَءِ، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَعْزِيرَ؛ لِعُذْرِهَا بِالْجُوعِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى زَوْجِهَا بِالثَّمَنِ (3) . أَيْ لأَِنَّهَا حُرَّةٌ فَلاَ تُرَقُّ بِذَلِكَ. مَنْ يَمْلِكُ الرَّقِيقَ، وَمَنْ لاَ يَمْلِكُهُ: أَوَّلاً: الْكَافِرُ: 7 - لاَ يَجُوزُ لِلْكَافِرِ اسْتِدَامَةُ تَمَلُّكِ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ اتِّفَاقًا. وَهَذَا الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِهَانَةِ الْمُسْلِمِ بِمِلْكِ الْكَافِرِ لَهُ. وَقِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْكَافِرِ مُسْلِمَةً، بَل أَوْلَى. وَقَدْ يَدْخُل الرَّقِيقُ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فِي __________ (1) الهداية وفتح القدير 6 / 250. (2) كشاف القناع 6 / 392. (3) الزرقاني 7 / 80. صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ، لَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ لِمُسْلِمٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ تِلْكَ الصُّوَرِ: 1 - أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ كَافِرٍ عَبْدٌ كَافِرٌ فَيُسْلِمُ. فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ الْكَافِرُ بِبَيْعِهِ تَخْلِيصًا لِلْعَبْدِ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ. 2 - وَمِنْهَا أَنْ يَمْلِكَهُ بِالشِّرَاءِ، وَهَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: فَيَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ مَالِكٍ، وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: لاَ يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ مُسْلِمًا أَصْلاً. وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْمُسْلِمِ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ لِكَافِرٍ عَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ، إِذِ الْخِلاَفُ فِي الصِّحَّةِ لاَ فِي التَّحْرِيمِ. وَيُسْتَثْنَى مَا إِذَا اشْتَرَى الْكَافِرُ مُسْلِمًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي الْحَال، فَذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَلِذَلِكَ أَجَازَهُ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ يَزُول فِي الْحَال عَقِبَ الشِّرَاءِ مُبَاشَرَةً، وَيَحْصُل ذَلِكَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى تَصَرُّفٍ مِنَ الْمَالِكِ، وَيَحْصُل بِهِ مِنْ نَفْعِ الْحُرِّيَّةِ أَضْعَافُ مَا حَصَل مِنَ الإِْهَانَةِ بِالْمِلْكِ فِي لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ. وَهَكَذَا كُل شِرَاءٍ يَسْتَتْبِعُ عِتْقًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُمْنَعُ بَيْعُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى بَيْعُهُ فَلاَ يُفْسَخُ، وَيُجْبَرُ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (1) . وَلَوْ وَكَّل كَافِرٌ مُسْلِمًا فِي شِرَاءِ رَقِيقٍ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ شِرَاءَ الْكَافِرِ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّل، وَالْمُوَكِّل لَيْسَ بِأَهْلٍ لِشِرَائِهِ كَمَا لَوْ وَكَّل مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ. وَإِنْ وَكَّل الْمُسْلِمُ كَافِرًا يَشْتَرِي لَهُ رَقِيقًا كَافِرًا صَحَّ، أَمَّا إِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ فَفِيهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْمِلْكُ هُنَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْمَانِعُ. وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ مَا مَنَعَ مِنْ شِرَائِهِ مَنَعَ مِنَ التَّوَكُّل فِيهِ، كَتَوَكُّل الْمُحْرِمِ فِي شِرَاءِ صَيْدٍ، وَتَوَكُّل الْكَافِرِ فِي عَقْدِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ، وَتَوَكُّل الْمُسْلِمِ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ لِذِمِّيٍّ (2) . وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ كَافِرٌ فِي مِلْكِ شَخْصٍ كَافِرٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ، لَمْ يَزُل مِلْكُ صَاحِبِهِ بِإِسْلاَمِهِ، لَكِنْ لاَ يُقَرُّ فِي يَدِهِ، بَل يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَلاَ يَكْفِي الرَّهْنُ أَوِ التَّزْوِيجُ أَوِ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُمَا (3) . __________ (1) حاشية ابن عابدين 3 / 40، المغني 4 / 365، وروضة الطالبين 3 / 344، 347، وجواهر الإكليل 2 / 3، مكة المكرمة، دار الباز، مصور عن طبعة القاهرة 1332هـ. (2) المغني 4 / 265. (3) روضة الطالبين 3 / 347. أَمَّا إِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ الْكَافِرُ الْمَمْلُوكُ لِكَافِرٍ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ حُرًّا، سَوَاءٌ هَاجَرَ إِلَيْنَا أَوِ الْتَحَقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ. فَلَوْ خَرَجَ إِلَيْنَا مُسْلِمًا، أَوْ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لأَِنَّ مِلْكَ الْكَافِرِ ارْتَفَعَ عَنْهُ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ إِسْلاَمِهِ، وَلَوْ بَقِيَ فِي يَدِ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يُنَافِي ابْتِدَاءَ الاِسْتِرْقَاقِ (1) . ثَانِيًا: الْقَرِيبُ: 8 - إِذَا مَلَكَ الإِْنْسَانُ أَحَدًا مِنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوَا أَوْ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل وَلَوْ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَلاَ عَلَى نُطْقٍ بِصِيغَةِ عِتْقٍ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ (2) . وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ كَشِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَمَا لَوْ وَرِثَهُ (3) . __________ (1) البناني على الزرقاني 8 / 120، وفتح القدير 4 / 316، وكشاف القناع 5 / 491، والمدونة للإمام مالك 3 / 357، بيروت، دار صادر. (2) حديث: " من ملك ذا رحم محرم فهو حر ". أخرجه الترمذي (3 / 637 - ط الحلبي) من حديث الحسن بن سمرة، وأعله الترمذي، ولكن أخرجه ابن ماجه (2 / 844 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه ابن حزم كما في الجوهر النقي بهامش السنن للبيهقي (10 / 289 - ط دائرة المعارف العثمانية) . (3) شرح الزرقاني على مختصر خليل 8 / 128، 129، وفتح القدير 3 / 370. وَاخْتُلِفَ فِي بَقِيَّةِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ سِوَى أَصْحَابِ قَرَابَةِ الْوِلاَدِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عُنْوَانِ: (عِتْق) . ثَالِثًا: الْمَمَالِيكُ: 9 - يَدْخُل الْمَمْلُوكُ فِي مِلْكِ مَمْلُوكٍ آخَرَ إِذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ مُكَاتَبًا، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، أَمَّا مَنْ قَال بِأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ أَصْلاً فَلاَ يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ أَوِ الأَْمَةُ مِلْكًا لِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ فِي التَّسَرِّي وَغَيْرِهِ. جَرَيَانُ الرِّقِّ عَلَى الْعَرَبِ: 10 - قَال ابْنُ حَجَرٍ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعَرَبِيَّ إِذَا سُبِيَ جَازَ أَنْ يُسْتَرَقَّ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَرَبِيُّ أَمَةً كَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا أَخْذًا بِإِطْلاَقِ الأَْحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الاِسْتِرْقَاقِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَرَقَّ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ عَرَبٌ (1) . وَأَمَرَ عَائِشَةَ بِشِرَاءِ رَقَبَةٍ مِنْ أَسْرَى بَنِي تَمِيمٍ وَإِعْتَاقِهَا عَنْ نَذْرِهَا (2) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَالأَْفْضَل عِتْقُ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَال عُمَرُ __________ (1) ذكر سبي بني المصطلق. أخرجه البخاري (الفتح 5 / 170 - ط السلفية) من حديث ابن عمر. وأما ذكر سبي هوازن فقد أخرجه البخاري (الفتح 5 / 169 - ط السلفية) من حديث مروان، والمسور بن مخرمة. (2) نص الأمر بعتقها أخرجه البخاري (الفتح 5 / 170 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، وأما ما ورد أنه كان عليها نذر في ذلك فقد أخرجه الطبراني في الأوسط كما في فتح الباري (5 / 172 - ط السلفية) . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُل ابْنَ عَمِّهِ أَوْ بِنْتَ عَمِّهِ. وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ عَلَى سَيِّدِ الأَْمَةِ تَقْوِيمَ الْوَلَدِ، وَيُلْزَمُ أَبُوهُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَلاَ يُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ أَصْلاً (1) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْعَرَبَ لاَ يُسْتَرَقُّ رِجَالُهُمْ. قَال أَبُو عُبَيْدٍ: بِذَلِكَ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَرِقَّ أَحَدًا مِنْ ذُكُورِهِمْ. قَال: وَكَذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ فِيهِمْ أَيْضًا حَتَّى رَدَّ سَبْيَ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوْلاَدَ الإِْمَاءِ مِنْهُمْ أَحْرَارًا إِلَى عَشَائِرِهِمْ عَلَى فِدْيَةٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ. قَال: وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ رَأْيِ عُمَرَ. وَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَال: لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ. وَنُقِل عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى بِفِدَاءِ مَنْ كَانَ فِي الرِّقِّ مِنْهُمْ (2) . أَنْوَاعُ الرِّقِّ: 11 - الرَّقِيقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لاَ شَائِبَةَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَائِبَةٌ. وَالرَّقِيقُ الْخَالِصُ، يُسَمَّى الْقِنَّ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَلَمًا لِمَالِكٍ وَاحِدٍ، وَإِمَّا __________ (1) فتح الباري 5 / 170 - 173، وانظر القليوبي 3 / 249. (2) الأموال لأبي عبيد ص 133 - 135 القاهرة سنة 1955م. أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُهُ شَرِيكَانِ أَوْ أَكْثَرُ. وَالرَّقِيقُ الَّذِي فِيهِ شَائِبَةٌ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ بَعْضُهُ فِعْلاً، كَنِصْفِهِ أَوْ رُبُعِهِ، وَبَقِيَ سَائِرُهُ رَقِيقًا، وَيُسَمَّى الْمُبَعَّضَ، أَوِ انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ التَّحْرِيرِ، وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ: الأَْوَّل: أُمُّ الْوَلَدِ، وَهِيَ الْجَارِيَةُ إِذَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْوِلاَدَةِ مُسْتَحِقَّةً لِلْحُرِّيَّةِ بِوَفَاةِ سَيِّدِهَا. وَالثَّانِي: الْمُكَاتَبُ، وَهُوَ مَنِ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ مُنَجَّمٍ، فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحُرِّيَّةِ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الأَْدَاءِ. وَالثَّالِثُ: الْمُدَبَّرُ، وَالتَّدْبِيرُ أَنْ يَجْعَل السَّيِّدُ عَبْدَهُ مُعْتَقًا عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، أَيْ بِمُجَرَّدِ وَفَاةِ السَّيِّدِ، وَفِي مَعْنَاهُ: الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ أَوْ أَجَلٍ. وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ الثَّلاَثَةُ الْمِلْكُ فِيهَا كَامِلٌ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً جَازَ لِلسَّيِّدِ الْوَطْءُ. وَلَكِنَّ الرِّقَّ فِيهَا نَاقِصٌ لاِنْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ، وَلِذَا لاَ يُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ (1) . وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ، ثُمَّ أَحْكَامُ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ. أَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْمُدَبَّرُ، فَتُنْظَرُ أَحْكَامُهُمْ فِي (اسْتِيلاَد) ، (تَدْبِير) ، (مُكَاتَبَة) . __________ (1) ابن عابدين 3 / 12. النَّوْعُ الأَْوَّل أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ حُقُوقُ السَّيِّدِ وَوَاجِبَاتُ رَقِيقِهِ تُجَاهَهُ: لِلسَّيِّدِ رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً عَلَى مَمَالِيكِهِ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ حُقُوقٌ يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ مُرَاعَاتُهَا، مِنْهَا: 12 - أَوَّلاً: طَاعَتُهُ لِلسَّيِّدِ فِي كُل مَا يَأْمُرُهُ بِهِ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْهُ، وَلاَ يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ الطَّاعَةِ بِقَيْدٍ إِلاَّ مَا وَرَدَ التَّقْيِيدُ بِهِ شَرْعًا، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: أ - أَنْ يَأْمُرَهُ السَّيِّدُ بِأَمْرٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إِيذَاءٍ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ طَاعَةَ لأَِحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ (1) وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) أَيْ غَفُورٌ لَهُنَّ رَحِيمٌ بِهِنَّ حَيْثُ أُكْرِهْنَ عَلَى مَا لاَ يَحِل. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا لَوْ أَجْبَرَ السَّيِّدُ رَقِيقَهُ الْمُسْلِمَ عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ، هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ بَعْضَ الْفَرَائِضِ __________ (1) حديث: " لا طاعة لأحد في معصية الله ". أخرجه أحمد (5 / 66 - ط الميمنية) من حديث الحكم بن عمروالغفاري، وقواه ابن حجر في الفتح (13 / 123 - ط السلفية) . (2) سورة النور / 33. اللاَّزِمَةِ لِلأَْحْرَارِ سَاقِطَةٌ شَرْعًا عَنِ الأَْرِقَّاءِ، كَالْحَجِّ، وَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ. ب - أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيُجْبِرَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ. وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَافِرَةً غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ وَيَرْغَبَ سَيِّدُهَا فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَيُجْبِرَهَا عَلَى الإِْسْلاَمِ لِتَحِل لَهُ، فَرَأَى الْحَلِيمِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ لإِِزَالَةِ الْمَانِعِ مِنَ الْوَطْءِ، قَاسَهُ عَلَى جَوَازِ إِجْبَارِهَا عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغُسْل الْحَيْضِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلاَفُ ذَلِكَ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِنْ حَمَل رَقِيقَهُ عَلَى الْفَسَادِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ (1) . لأَِنَّ الرِّقَّ أَفَادَهَا الأَْمَانُ مِنَ الْقَتْل فَلاَ تُجْبَرُ كَالْمُسْتَأْمَنَةِ، قَالُوا: وَلَيْسَ كَالْغُسْل فَإِنَّهُ لاَ يَعْظُمُ الأَْمْرُ فِيهِ (2) . ج - لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ الذَّكَرَ الْبَالِغَ امْرَأَةً لاَ يَرْضَاهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا جَازَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ. وَلاَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ طَاعَةُ سَيِّدِهِ لَوْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الرَّقِيقِ فَسْخُ زَوَاجِهِ الصَّحِيحِ، سَوَاءٌ تَمَّ بِإِذْنِهِ __________ (1) القليوبي 4 / 94. (2) روضة الطالبين 7 / 136. أَوْ إِذْنِ مَالِكٍ سَابِقٍ، فَلَوْ كَانَتِ الأَْمَةُ مُزَوَّجَةً، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى طَلَبِ الطَّلاَقِ، وَكَذَا لَيْسَ لَهُ الْحَقُّ فِي مَنْعِهَا مِنَ الْكَوْنِ مَعَ زَوْجِهَا لَيْلاً. وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي مُرَاعَاةِ الْحَقَّيْنِ، حَقِّ الزَّوْجِ وَحَقِّ السَّيِّدِ، يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (1) . د - إِنْ كَانَ الْعَبْدُ ذِمِّيًّا فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِنْ إِتْيَانِ الْكَنِيسَةِ، أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَكْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لأَِنَّ ذَلِكَ دِينُهُ، نَقَلَهُ الْبُنَانِيِّ عَنْ قَوْل مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ (2) 13 - ثَانِيًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ الاِسْتِخْدَامِ فِي الْمَنْزِل وَخَارِجَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فِي زِرَاعَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَيَتَقَيَّدُ هَذَا بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا يُطِيقُهُ الرَّقِيقُ، فَيَحْرُمُ تَكْلِيفُهُ بِمَا لاَ يُطِيقُهُ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُل، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ (3) أَيْ لِيُعِنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّ __________ (1) روضة الطالبين 7 / 386، وكشاف القناع 5 / 489، 493، والمغني 6 / 506. (2) البناني على الزرقاني 5 / 304. (3) حديث: " إخوانكم خولكم ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 174 - ط السلفية، ومسلم (3 / 1283 - ط الحلبي) من حديث أبي ذر. ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيُؤْذِيهِ، وَالسَّيِّدُ مَمْنُوعٌ مِنَ الإِْضْرَارِ بِرَقِيقِهِ (1) . وَقَال مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْعَوَالِي كُل سَبْتٍ فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لاَ يُطِيقُهُ وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ. قَال مَالِكٌ: وَكَانَ عُمَرُ يَزِيدُ فِي رِزْقِ مَنْ قَل رِزْقُهُ، قَال: وَأَكْرَهُ مَا أَحْدَثُوا مِنْ إِجْهَادِ الْعَبِيدِ (2) . وَإِذَا اسْتَعْمَل الْعَبْدَ نَهَارًا أَرَاحَهُ لَيْلاً، وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَيُرِيحُهُ بِالصَّيْفِ فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ، وَالنَّوْمِ، وَالصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي الشِّتَاءِ النَّهَارَ مَعَ طَرَفَيِ اللَّيْل، وَيَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ (3) . وَإِذَا سَافَرَ بِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْكِبَهُمْ وَلَوْ عُقْبَةً عِنْدَ الْحَاجَةِ (4) . 14 - ثَالِثًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ انْتِزَاعِ الْمَال الْمُتَحَصِّل لِلرَّقِيقِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، كَمَا لَوْ كَانَ أَجْرَ عَمَلِهِ أَوْ مَهْرَ الأَْمَةِ، أَوْ أَرْشَ جِنَايَةٍ عَلَى الرَّقِيقِ، أَوْ بَدَل خُلْعِ الْعَبْدِ امْرَأَتَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وُهِبَ __________ (1) فتح الباري 5 / 175، وكشاف القناع 5 / 491، والمغني 7 / 631، وروضة الطالبين 9 / 119. (2) الموطأ بشرح الباجي 7 / 305. (3) روضة الطالبين 9 / 119، وكشاف القناع 5 / 490. (4) كشاف القناع 5 / 490، والقليوبي 4 / 94، والعقبة تناوب شخصين أو أكثر ركوب الدابة الواحدة. لِلرَّقِيقِ مَالٌ، أَوِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُبَاحِ (1) . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ أَوْ لاَ يَمْلِكُ كَمَا سَيَأْتِي، لَكِنْ عِنْدَ مَنْ قَال إِنَّهُ يَمْلِكُ فَلِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَال مَتَى شَاءَ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} (2) . 15 - رَابِعًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ اسْتِغْلاَل مَمَالِيكِهِ، أَيْ أَنْ يَسْتَعْمِل السَّيِّدُ رَقِيقَهُ فِيمَا يُدِرُّ عَلَى السَّيِّدِ مَالاً، وَذَلِكَ بِأَنْ يُؤَجِّرَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ عَمَلٍ وَيَأْخُذَ السَّيِّدُ أَجْرَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ إِنْ كَانَ ذَا صَنْعَةٍ كَحِدَادَةٍ أَوْ خِيَاطَةٍ فِي أَنْ يَعْمَل بِأَجْرٍ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي تِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَمِنْ غَلَّةِ الأَْمَةِ وَلَدُهَا إِنْ زُوِّجَتْ، وَوُلِدَ عَلَى الرِّقِّ. وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ بِالْكَسْبِ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَكَسَّبَ بِمَا شَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ بِالْكَسْبِ أَمَةً لاَ صَنْعَةَ لَهَا، قَال عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: لاَ تُكَلِّفُوا الأَْمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبْتِ بِفَرْجِهَا، وَلاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ (3) . قَال الْبَاجِيُّ: أَيْ إِنَّهَا إِذَا أُلْزِمَتْ خَرَاجًا وَهِيَ لَيْسَتْ ذَاتَ صَنْعَةٍ تَصْنَعُهَا بِخَرَاجٍ، اضْطَرَّهَا ذَلِكَ لِلْكَسْبِ مِنْ أَيِّ __________ (1) روضة الطالبين 6 / 187، وكشاف القناع 3 / 568. (2) سورة النحل / 75. (3) الموطأ وشرح الباجي 7 / 305. وَجْهٍ أَمْكَنَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى أَنْ تَكْسِبَ بِفَرْجِهَا، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ إِذَا كُلِّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْخَرَاجِ وَهُوَ لاَ يُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا اضْطَرَّهُ إِلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِمَّا لَزِمَهُ مِنَ الْخَرَاجِ بِأَنْ يَسْرِقَ. وَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَْمَةِ (1) فَلَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَْمَةِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ (2) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ نَهَى عَنْ كَسْبِ الأَْمَةِ إِلاَّ مَا عَمِلَتْ بِيَدِهَا (3) . وَقَال هَكَذَا بِيَدِهِ، نَحْوُ الْغَزْل وَالنَّفْشِ (4) . الْمُخَارَجَةُ: 16 - الْمُخَارَجَةُ أَنْ يَضْرِبَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ __________ (1) حديث: " نهى عن كسب الأمة ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 426 - ط السلفية) من حديث أبي جحيفة. (2) حديث: " نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو ". أخرجه أبو داود (3 / 710 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة كما في فيض القدير للمناوي (6 / 338 - ط المكتبة التجارية) ولكن يشهد له الذي بعده. (3) حديث: " نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها ". أخرجه أبو داود (3 / 710 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (2 / 42 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. (4) فتح الباري 4 / 427. أَمَتِهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيهِ كَكُل يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ مِمَّا يَكْتَسِبُهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْبُرَ الْعَبْدَ عَلَيْهَا وَلاَ لِلْعَبْدِ إِجْبَارُ السَّيِّدِ، بَل هُوَ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُهُ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْل بِشَيْءٍ. وَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى خَرَاجٍ فَلْيَكُنْ لَهُ كَسْبٌ دَائِمٌ يَفِي بِذَلِكَ الْخَرَاجِ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَتِهِ وَكُسْوَتِهِ إِنْ جَعَلَهَا فِي كَسْبِهِ. فَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ نَفَقَتِهِ لَمْ يَجُزْ. وَكَذَا إِنْ كَلَّفَ مِنْ لاَ كَسْبَ لَهُ الْمُخَارَجَةَ، وَإِذَا وَفَّى مَا عَلَيْهِ وَزَادَ كَسْبُهُ عَلَى الْمَضْرُوبِ عَلَيْهِ فَالزِّيَادَةُ لَهُ. وَهِيَ بِرٌّ وَرِفْقٌ مِنَ السَّيِّدِ بِعَبْدِهِ، وَتَوْسِيعٌ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وَيَجْبُرُ النَّقْصَ فِي بَعْضِ الأَْيَّامِ بِالزِّيَادَةِ فِي بَعْضِهَا، وَإِذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ فَلَهُ تَرْكُ الْعَمَل. وَالْمُخَارَجَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَيْ غَيْرُ لاَزِمَةٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا (1) . 17 - خَامِسًا: يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ أَيْضًا الْحِفْظُ وَالصِّيَانَةُ لِمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ نَفْسِهِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِْمَامُ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُل فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ __________ (1) روضة الطالبين 9 / 118، والقليوبي 4 / 94، وكشاف القناع 5 / 491، والمغني 7 / 631. مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَال سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (1) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: رِعَايَتُهُ حِفْظُ مَا تَحْتَ يَدِهِ وَالْقِيَامُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَتِهِ (2) . وَعَلَى الرَّقِيقِ أَيْضًا النُّصْحُ لِسَيِّدِهِ، وَبَذْل جَهْدِهِ فِي خِدْمَتِهِ، وَتَنْفِيذُ أَوَامِرِهِ وَتَرْكُ الْكَسَل فِيهَا، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا أَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ فَلَهُ أَجْرَانِ (3) . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْمَمْلُوكِ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ أَجْرَانِ (4) . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: إِذَا نَصَحَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ (5) قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ وَاجِبَانِ __________ (1) حديث: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 69 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1459 - ط الحلبي من حديث ابن عمر، واللفظ للبخاري) . (2) فتح الباري 13 / 113. (3) حديث: " أيما عبد أدى حق الله وحق مواليه فله أجران ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 175 - ط السلفية) . (4) حديث: " للمملوك الذي يحسن عبادة ربه. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 177 - ط السلفية) . (5) حديث: " إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة ربه كان أجره مرتين ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 277 - ط السلفية) . طَاعَةُ رَبِّهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَطَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي الْمَعْرُوفِ، فَقَامَ بِهِمَا جَمِيعًا، كَانَ لَهُ ضِعْفُ أَجْرِ الْحُرِّ الْمُطِيعِ لِطَاعَتِهِ (1) . 18 - سَادِسًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ تَأْدِيبِ عَبْدِهِ وَمُعَاقَبَتِهِ عَلَى تَرْكِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ فِعْل مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مُخَالَفَةِ السَّيِّدِ، أَوْ إِسَاءَةِ الأَْدَبِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِاللَّوْمِ أَوِ الضَّرْبِ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ النَّاشِزَ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِقَامَةِ السَّيِّدِ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ عَلَى عَبْدِهِ (2) . وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ أَنْ يَضْرِبَهُ عَلَى تَرْكِ الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ مُمَيِّزًا وَبَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ، وَذَلِكَ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا (3) لِحَدِيثِ: وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ (4) . قَال الْحَجَّاوِيُّ وَالْبُهُوتِيُّ: وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَزِيدَ فِي ضَرْبِ الرَّقِيقِ، تَأْدِيبًا عَلَى ضَرْبِ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ __________ (1) فتح الباري 5 / 172 - 174، والقليوبي 4 / 94. (2) روضة الطالبين 10 / 103، 175، وفتح الباري 12 / 163 - 165 و 174 وكشاف القناع 6 / 79. (3) كشاف القناع 1 / 225. (4) حديث: " واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ". أخرجه أبو داود (1 / 334 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص 171 - ط الرسالة) . كَضَرْبِ أُمَيَّتِكَ (1) وَقَوْلِهِ: لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ (2) . وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُقَيِّدَ عَبْدَهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الإِْبَاقَ (3) . 19 - سَابِعًا: لِلسَّيِّدِ حَقُّ وَطْءِ مَمْلُوكَتِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، كَأَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ مُزَوَّجَةً، أَوْ كَافِرَةً غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ، أَوْ تَكُونَ مُرْتَدَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَوْ فِيهَا شِرْكٌ لِغَيْرِهِ، فَإِذَا وُطِئَتْ تَكُونُ سَرِيَّةً، إِلاَّ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً ثُمَّ مُلِكَتْ بِالسَّبْيِ جَازَ لِمَالِكِهَا فَسْخُ نِكَاحِهَا ثُمَّ وَطْؤُهَا بَعْدَ الاِسْتِبْرَاءِ. وَلِلاِسْتِمْتَاعِ بِالإِْمَاءِ أَحْكَامٌ وَضَوَابِطُ شَرْعِيَّةٌ تُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهَا مِمَّا يَلِي. وَفِي مُصْطَلَحِ: (تَسَرِّي) . وَيَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكَةِ أَنْ تُمَكِّنَ سَيِّدَهَا مِنْ نَفْسِهَا لِلاِسْتِمْتَاعِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الاِمْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مَنْعُ حَقٍّ، مَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، أَوْ __________ (1) حديث: " لا تضرب ظعينتك كضربك أُميتك ". أخرجه أبو داود (1 / 98 - 99 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث لقيط بن صبرة، ونقل ابن حجر عن الإمام أحمد أن الراوي عن لقيط لم يسمع منه، كذا في التلخيص الحبير (1 / 81 - ط شركة الطباعة الفنية) . (2) حديث: " لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 302 - ط السلفية) ومسلم (4 / 2191 ط. الحلبي. من حديث عبد الله بن زمعة، واللفظ للبخاري) . (3) كشاف القناع 5 / 491، 492، وفتح القدير 8 / 133. يَكُونَ لَهَا عُذْرٌ صَحِيحٌ (1) . 20 - ثَامِنًا: لِلسَّيِّدِ التَّصَرُّفُ فِي رَقِيقِهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. 21 - تَاسِعًا: لِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْنَعَ عَبْدَهُ مِنَ التَّزَوُّجِ، أَوِ التَّعَاقُدِ، أَوِ التَّصَرُّفِ بِالْوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُ. فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَعَاقُدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لِلسَّيِّدِ عَلَى رَقِيقِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَاقِي هَذَا الْبَحْثِ. إِبَاقُ الرَّقِيقِ وَهَرَبُهُ: 22 - الإِْبَاقُ: انْطِلاَقُ الْعَبْدِ تَمَرُّدًا عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ كَدِّ عَمَلٍ، فَإِنْ كَانَ تَمَرُّدُهُ لِذَلِكَ لاَ يُسَمَّى آبِقًا، بَل هُوَ هَارِبٌ أَوْ ضَالٌّ أَوْ فَارٌّ. وَالإِْبَاقُ مُحَرَّمٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَال حَقِّ السَّيِّدِ، وَهُوَ مِنْ عُيُوبِ الرَّقِيقِ (2) . وَلِلإِْبَاقِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ تُنْظَرُ فِي (إِبَاق) . مَا لاَ يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مِنْ رَقِيقِهِ: 23 - لَيْسَ لِلسَّيِّدِ قَتْل عَبْدِهِ، وَلاَ جَرْحُهُ، وَلاَ التَّمْثِيل بِهِ بِقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، كَجَدْعِ __________ (1) روضة الطالبين 7 / 207. (2) رد المحتار 3 / 325، وحاشية الدسوقي 4 / 127، ومغني المحتاج 2 / 13، والمغني 5 / 660 و7 / 634، وكشاف القناع 3 / 483. أَنْفِهِ أَوْ قَطْعِ أُذُنِهِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُثْلَةِ (1) . وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ خِصَاءُ عَبْدِهِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا إِلاَّ لِذَنْبٍ عَظِيمٍ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْطِمَهُ فِي وَجْهِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ (2) . وَلِحَدِيثِ: مَنْ لَطَمَ غُلاَمَهُ فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ (3) . وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ جَنَاهُ. وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَشْتُمَ أَبَوَيْ رَقِيقِهِ وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ (4) . وَإِنْ مَثَّل السَّيِّدُ بِرَقِيقِهِ، فَقَطَعَ أُذُنَهُ أَوْ أَنْفَهُ أَوْ عُضْوًا مِنْهُ، أَوْ جَبَّهُ أَوْ خَصَاهُ أَوْ خَرَقَ أَوْ حَرَقَ عُضْوًا مِنْهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِلاَ حُكْمِ حَاكِمٍ بَل بِمُجَرَّدِ التَّمْثِيل بِهِ. عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَفِي قَوْلٍ: بَل بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ زِنْبَاعًا وَجَدَ غُلاَمًا لَهُ مَعَ جَارِيَةٍ فَجَدَعَ أَنْفَهُ وَجَبَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال مَنْ فَعَل هَذَا بِكَ؟ __________ (1) حديث: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 119 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري. (2) حديث: " إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ". أخرجه أحمد (2 / 244 - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وأصله في مسلم (4 / 2016 - ط الحلبي) . (3) حديث: " من لطم غلامه فكفارته عتقه ". أخرجه مسلم (3 / 1278 - ط الحلبي) وأحمد (2 / 25 - ط الميمنية) من حديث ابن عمر. واللفظ لأحمد. (4) كشاف القناع 5 / 492، والمغني 7 / 634. فَقَال: زِنْبَاعٌ: فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَال كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبْدِ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ (1) . وَلَوِ اسْتَكْرَهَ عَبْدَهُ عَلَى الْفَاحِشَةِ بِلِوَاطٍ عَتَقَ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ الَّتِي لاَ تُطِيقُ الْوَطْءَ فَأَفْضَاهَا؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْثِيل. وَلاَ يَعْتِقُ بِخَدْشِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ لَعْنِهِ (2) ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (عِتْق) ، وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالتَّمْثِيل بِهِ تَعَمُّدَ الشَّيْنِ الْمَعْنَوِيِّ كَحَلْقِ لِحْيَةِ عَبْدٍ تَاجِرٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ. وَأَلْحَقُوا بِهِ أَيْضًا تَمْثِيل الرَّجُل بِعَبْدِ غَيْرِهِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِصَاحِبِهِ، لَكِنْ لاَ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ بِذَلِكَ إِلاَّ إِنْ كَانَتْ مَفْسَدَةً لِمَنَافِعِ الرَّقِيقِ كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا (3) . حُقُوقُ الرَّقِيقِ عَلَى سَيِّدِهِ: 24 - أَوَّلاً: نَفَقَةُ الْمَمْلُوكِينَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِيهِمْ إِجْمَاعًا، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ مِنْهَا قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ لاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَل إِلاَّ مَا يُطِيقُ (4) وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَفَى __________ (1) حديث: " أن زنباعًا وجد غلامًا له مع جارية ". أخرجه أحمد (2 / 182 - ط الميمنية) وذكره الهيثمي في المجمع (6 / 288 - ط المقدسي) وقال: " رجاله ثقات ". (2) كشاف القناع 4 / 514، والزرقاني 8 / 130 - 131. (3) الزرقاني وحاشية البناني 8 / 129 و6 / 147. (4) حديث: " للمملوك طعامه وكسوته ". أخرجه مسلم (3 / 1284 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ (1) . وَلأَِنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ، وَمَنَافِعُهُ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّقِيقُ مُوَافِقًا فِي الدِّينِ لِمَالِكِهِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ. وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَل نَفَقَتَهُ مِنْ كَسْبِهِ إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ كَسْبَهُ أَوْ يَجْعَلَهُ بِرَسْمِ خِدْمَتِهِ وَيُنْفِقَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لأَِنَّ الْكُل مَالُهُ. وَإِنْ كَانَ لِلْمَمْلُوكِ كَسْبٌ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَجَعَل السَّيِّدُ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ، فَلِلسَّيِّدِ أَخْذُ الزَّائِدِ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ لاَ يَكْفِي لِنَفَقَتِهِ فَعَلَى سَيِّدِهِ إِتْمَامُهَا. وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ. وَالْوَاجِبُ مِنَ الإِْطْعَامِ كِفَايَتُهُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَأُدْمِ مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ. وَالْوَاجِبُ مِنَ الْكِسْوَةِ الْمَعْرُوفُ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لأَِمْثَال الْمَمْلُوكِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. وَيَجِبُ لَهُ الْغِطَاءُ وَالْوِطَاءُ وَالْمَسْكَنُ وَالْمَاعُونُ. وَلاَ يَجُوزُ الاِقْتِصَارُ فِي الْكِسْوَةِ عَلَى مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَأَذَّى بِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. فَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الإِْنْفَاقِ الْوَاجِبِ لِعُسْرِهِ __________ (1) حديث: " كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته ". أخرجه مسلم (2 / 692 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو. أَوْ إِبَائِهِ فَطَلَبَ الْمَمْلُوكُ بَيْعَهُ أُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ مَال السَّيِّدِ فِي نَفَقَةِ رَقِيقِهِ. وَلاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ فِي النَّفَقَةِ، وَلاَ بَيْنَ الْجَوَارِي، بَل يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُنَّ لِلاِسْتِمْتَاعِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَزِيدَهَا فِي النَّفَقَةِ (1) . وَهَذَا كُلُّهُ تَفْصِيل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ أَوْ زَمِنَ أَوْ عَمِيَ، وَانْقَطَعَ كَسْبُهُ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَالْقِيَامُ بِهِ؛ لأَِنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ لاَ بِالْعَمَل، وَلِذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ (2) . وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ بِإِبَاقِهِ أَوْ عِصْيَانِهِ أَوْ حَبْسِهِ أَوْ نُشُوزِ الأَْمَةِ (3) . وَلَوِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ عَنِ الإِْنْفَاقِ فَقَدَرَ الْعَبْدُ عَلَى أَخْذِ قَدْرِ كِفَايَتِهِ مِنْ مَال سَيِّدِهِ فَلَهُ ذَلِكَ (4) . وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ تَجْهِيزِ رَقِيقِهِ إِذَا مَاتَ وَدَفْنُهُ (5) . وَتُسْتَحَبُّ مُدَاوَاهُ الرَّقِيقِ إِذَا مَرِضَ وَمَا لَزِمَ مِنْ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَثَمَنِ الدَّوَاءِ فَهُوَ عَلَى السَّيِّدِ، وَيَجِبُ خِتَانُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا مِنْهُمْ، وَهَذَا عِنْدَ __________ (1) المغني 7 / 630، 632، وكشاف القناع 5 / 488، والمحلي على المنهاج 4 / 93، وروضة الطالبين 9 / 115 - 118، والزرقاني 4 / 259، 260. (2) المغني 7 / 631. (3) كشاف القناع 5 / 488. (4) كشاف القناع 5 / 489. (5) كشاف القناع 2 / 104، 5 / 489. مَنْ قَال بِوُجُوبِ الْخِتَانِ (1) . (ر: خِتَان) 25 - ثَانِيًا: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إِعْفَافُ مَمَالِيكِهِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (2) وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ. " مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهَا وَلَمْ يُصِبْهَا، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ فَلَوْلاَ وُجُوبُ إِعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ إِثْمٌ بِفِعْلِهِمَا، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ وَيَتَعَرَّضُ بِمَنْعِهِ مِنْهُ لِلْفِتْنَةِ، فَأُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ، وَيَكُونُ الإِْعْفَافُ لِلذَّكَرِ بِتَزْوِيجِهِ أَوْ بِتَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا عَلَى خِلاَفٍ فِي جَوَازِ تَسَرِّيهِ، يَأْتِي بَيَانُهُ، وَلِلأُْنْثَى بِتَزْوِيجِهَا أَوْ بِوَطْءِ سَيِّدِهَا لَهَا بِمَا يُغْنِيهَا عَنِ التَّزْوِيجِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ حَاجَتِهَا وَدَفْعُ شَهْوَتِهَا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ تَزْوِيجُهَا. وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلاً؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الإِْعْفَافِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي الاِسْتِمْتَاعِ الْمُعْتَادِ. فَإِنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الإِْعْفَافِ الْوَاجِبِ بِمَا تَقَدَّمَ، سَوَاءٌ لِعَجْزِهِ أَوْ إِبَائِهِ فَطَلَبَ الْعَبْدُ أَوِ الْجَارِيَةُ أَنْ يُبَاعَ، وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِحَدِيثِ: تَقُول الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي أَوْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُول __________ (1) كشاف القناع 5 / 490. (2) سورة النور / 32. الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُول الاِبْنُ: أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُول خَادِمُكَ أَطْعِمْنِي وَإِلاَّ فَبِعْنِي (1) . فَإِنْ لَمْ يَفْعَل بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ فِي نَفَقَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالاً أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ أَوْ يَعْتِقُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل بَاعَهُ الْحَاكِمُ. وَإِذَا كَانَ السَّيِّدُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ فَغَابَ غَيْبَةً لاَ تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ فَطَلَبَتِ التَّزْوِيجَ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ (2) . وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقَارِبِ الرَّقِيقِ إِعْفَافُهُ، بَل الْحَقُّ عَلَى السَّيِّدِ، وَالأَْصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ وُجُوبِ إِعْفَافِ السَّيِّدِ رَقِيقَهُ. وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَنَسَبَ صَاحِبُ الْمُغْنِي إِلَيْهِمَا عَدَمَ الْوُجُوبِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ الْمَالِيِّ بِالسَّيِّدِ؛ وَلأَِنَّ التَّزْوِيجَ لَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ (3) . 26 - ثَالِثًا: إِذَا طَلَبَ الرَّقِيقُ الْعِتْقَ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ، لَكِنْ إِنْ طَلَبَ الْكِتَابَةَ، وَهِيَ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ لِسَيِّدِهِ، وَجَبَ عَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يُعَاقِدَهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ __________ (1) المغني 7 / 632، 633، وروضة الطالبين 9 / 119، وفتح الباري 9 / 500، 501. وحديث: " تقول المرأة: إما أن تطعمني أو تطلقني ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 500 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. (2) كشاف القناع 1 / 489، 490. (3) القليوبي 5 / 271. عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَمَسْرُوقٌ وَعُمَرُ وَابْنُ دِينَارٍ وَالضَّحَّاكُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَال اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (1) وَرُوِيَ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ سِيرِينَ سَأَل أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مَوْلاَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، فَأَبَى أَنَسٌ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدُّرَّةَ وَتَلاَ: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ. وَذَهَبَ أَئِمَّةُ الأَْمْصَارِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، قَالُوا: لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلاَ تَصِحُّ إِلاَّ عَنْ تَرَاضٍ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مِنْ مَال أَخِيهِ إِلاَّ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ (2) . وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ فِي الآْيَةِ الْقُوَّةُ عَلَى الْكَسْبِ وَالأَْدَاءِ، وَقِيل: الْمُرَادُ الصَّلاَحُ وَالأَْمَانَةُ وَالدِّينُ (3) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي الْكِتَابَةِ وَأَحْكَامِ الْمُكَاتَبِ تَحْتَ عُنْوَانِ: (مُكَاتَبَة) __________ (1) سورة النور / 33. (2) حديث: " لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه ". أخرجه أحمد (3 / 423 - ط الميمنية) من حديث عمرو بن يثربي، وأورده الهيثمي في المجمع (4 / 171 - 172 - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد وابنه في زياداته عليه، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات ". (3) تفسير القرطبي عند الآية 33 من سورة النور، القاهرة، دار الكتب المصرية، والزرقاني 8 / 148، وكشاف القناع 4 / 540. الإِْنْفَاقُ عَلَى زَوْجَةِ الرَّقِيقِ وَوَلَدِهِ: 27 - يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَةِ الرَّقِيقِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَنَفَقَةُ الْجَارِيَةِ الْمُزَوَّجَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِنْ كَانَ حُرًّا، وَعَلَى سَيِّدِ زَوْجِهَا إِنْ كَانَ رَقِيقًا مَا كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا، وَحَيْثُ عَادَتْ إِلَى سَيِّدِهَا لِخِدْمَتِهِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مَا كَانَتْ عِنْدَهُ. وَنَفَقَةُ أَوْلاَدِ الرَّقِيقَةِ عَلَى سَيِّدِهَا وَلَوْ كَانَ أَبُوهُمْ حُرًّا؛ لأَِنَّهُمْ يَكُونُونَ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ تَبَعًا لأُِمِّهِمْ، وَنَفَقَةُ أَوْلاَدِ الْحُرَّةِ مِنْ عَبْدٍ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُمْ مِنَ الأَْقَارِبِ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتْبَعُونَ السَّيِّدَ، بَل يَكُونُونَ أَحْرَارًا، وَمِنَ الأَْقَارِبِ الأُْمُّ (1) ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي بَحْثِ: (نَفَقَة) . الرِّفْقُ بِالرَّقِيقِ وَالإِْحْسَانُ إِلَيْهِ: 28 - أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالإِْحْسَانِ إِلَى الرَّقِيقِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (2) . قَال الْقُرْطُبِيُّ: نَدَبَهُمْ إِلَى مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الإِْحْسَانِ وَإِلَى طَرِيقِ التَّوَاضُعِ، __________ (1) كشاف القناع 5 / 488. (2) سورة النساء / 36. حَتَّى لاَ يَرَوْا لأَِنْفُسِهِمْ مَزِيَّةً عَلَى عَبِيدِهِمْ إِذِ الْكُل عَبِيدُ اللَّهِ، وَالْمَال مَال اللَّهِ، لَكِنْ سُخِّرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَمَلَكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِتْمَامًا لِلنِّعْمَةِ، وَتَنْفِيذًا لِلْحِكْمَةِ (1) . وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ (2) . وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى بِهِمْ فَقَال: أَرِقَّاءَكُمْ أَرِقَّاءَكُمْ (3) . وَفِي حَدِيثٍ: قَال: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَال: الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ. اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (4) . وَقَدْ بَيَّنَتْ شَرِيعَةُ الإِْسْلاَمِ أَنَّ الرَّقِيقَ وَالأَْحْرَارَ إِخْوَةٌ، وَأَنَّ الاِخْتِلاَفَ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ لاَ يَعْنِي عَدَمَ قِيَامِ هَذِهِ الأُْخُوَّةِ، وَأَمَّا جَعْل الرَّقِيقِ بِيَدِ سَيِّدِهِ، وَتَمْلِيكُهُ رَقَبَتَهُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالاِبْتِلاَءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَعْلَمَ مَنْ يَقُومُ بِحَقِّ ذَلِكَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ __________ (1) تفسير القرطبي 5 / 190. (2) حديث: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ". أخرجه مسلم (3 / 1548 - ط الحلبي) من حديث شداد بن أوس. (3) حديث: " أرقاءكم أرقاءكم ". أخرجه أحمد (4 / 35 - 36 - ط الميمنية) من حديث يزيد بن جارية، وأورده الهيثمي في المجمع (4 / 236 - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد والطبراني، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف ". (4) حديث: " الصلاة الصلاة، اتقوا لله فيما ملكت أيمانكم ". أخرجه أحمد (1 / 78 - ط الميمنية) من حديث علي بن أبي طالب، وإسناده صحيح. يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} (1) أَيْ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ (2) . وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ (3) وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: نَمَاءٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ (4) أَيْ إِذَا أَحْسَنَ الصَّنِيعَ بِالْمَمَالِيكِ وَمُعَامَلَتَهُمْ فَإِنَّهُمْ يُحْسِنُونَ خِدْمَتَهُ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، كَمَا أَنَّ سُوءَ الْمَلَكَةِ يُؤَدِّي إِلَى الشُّؤْمِ وَالْهَلَكَةِ (5) . وَالإِْحْسَانُ إِلَى الرَّقِيقِ يَتَضَمَّنُ بِالإِْضَافَةِ إِلَى الاِلْتِزَامِ بِحُقُوقِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ أُمُورًا، مِنْهَا: أ - تَرْكُ ظُلْمِهِ وَالإِْسَاءَةِ إِلَيْهِ: 29 - سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِضَرْبٍ، أَوْ شَتْمٍ، أَوْ تَحْقِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَْنْصَارِيِّ قَال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ - قَال رَاوِي الْحَدِيثِ: مَرَّتَيْنِ - لَلَّهُ أَقْدَرُ مِنْكَ عَلَيْهِ فَالْتَفَتُّ __________ (1) سورة النساء / 25. (2) تفسير القرطبي 5 / 141. (3) حديث: " إخوانكم خولكم ". تقدم تخريجه ف / 13. (4) حديث: " حسن الملكة يمن، وسوء الخلق شؤم ". أخرجه أحمد (3 / 502 - ط الميمنية) وأبو داود (5 / 362 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله المناوي في " الفيض " (3 / 386 - ط المكتبة التجارية) . (5) عون المعبود 14 / 71 المدينة المنورة، السلفية. فَإِذَا هُوَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. قَال: أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَل لَلَفَحَتْكَ النَّارُ. أَوْ: لَمَسَّتْكَ النَّارُ (1) وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ (2) . ب - الإِْحْسَانُ إِلَى الْعَبْدِ فِي الطَّعَامِ: 30 - وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ لِيَأْكُل مِنْ طَعَامِهِ إِذَا أَحْضَرَهُ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ اسْتُحِبَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي عَالَجَ الطَّعَامَ تَأَكَّدَ الاِسْتِحْبَابُ، وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي هَذَا الْحَال إِلَى الْوُجُوبِ فِي قَوْلٍ، وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَطْعَمُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ (3) . وَقَوْلِهِ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلاَجَهُ (4) . وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ صَنْعَةَ __________ (1) حديث: " اعلم أبا مسعود لله أقدر منك عليه ". أخرجه مسلم (3 / 1281 - ط الحلبي) . (2) حديث: " لا يدخل الجنة سيئ الملكة ". أخرجه الترمذي (4 / 334 - ط الحلبي) من حديث أبي بكر الصديق، وقال: " هذا حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه " وكذا ضعفه المناوي في " الفيض " (6 / 449 - ط المكتبة التجارية) . (3) حديث: " من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس ". تقدم تخريجه ف / 13. (4) حديث: " إذا أتى أحدكم خادمه ". أخرجه البخاري (الفتح - 9 / 581 - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. طَعَامِهِ وَكَفَاهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُل، فَإِنْ أَبَى فَلْيَأْخُذْ لُقْمَةً فَلْيُرَوِّغْهَا ثُمَّ لِيُعْطِهَا إِيَّاهُ (1) . قَال النَّوَوِيُّ: التَّرْوِيغُ أَنْ يَرْوِيَهَا دَسَمًا. قَال: وَلْيَكُنْ مَا يُنَاوِلُهُ لُقْمَةً كَبِيرَةً تَسُدُّ مَسَدًّا، لاَ صَغِيرَةً تُهَيِّجُ الشَّهْوَةَ وَلاَ تَقْضِي النَّهْمَةَ (2) . ج - الإِْحْسَانُ إِلَى الْعَبْدِ فِي الْمَلْبَسِ: 31 - وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَل لِبَاسَ عَبْدِهِ مِثْل مَلاَبِسِهِ هُوَ فِي الْجَوْدَةِ، فَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَفِيهِ: وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ. د - أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُلاَءَمَةِ: 32 - إِذَا سَاءَ الأَْمْرُ بَيْنَ الرَّقِيقِ وَسَيِّدِهِ يَنْبَغِي لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَهُ لِئَلاَّ يَسْتَمِرَّ أَذَاهُ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَوْ لَمْ تُلاَئِمْ أَخْلاَقُ الْعَبْدِ أَخْلاَقَ سَيِّدِهِ، لَزِمَهُ إِخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لاَءَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَمَنْ لَمْ يُلاَئِمْكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ، وَلاَ تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ (3) . __________ (1) حديث: " إذا كفى أحدكم خادمه صنعة طعامه ". أخرجه أحمد (2 / 299 - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح. (2) روضة الطالبين 9 / 116، 117، والمغني 7 / 630، وكشاف القناع 5 / 489. (3) حديث: " من لاءمكم من مملوكيكم ". أخرجه أبو داود (5 / 361 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح وانظر عون المعبود 14 / 67، وكشاف القناع 5 / 491. وَجَاءَ فِي الْمُغْنِي: إِنْ طَلَبَ الرَّقِيقُ الْبَيْعَ وَالسَّيِّدُ قَدْ وَفَّى بِحُقُوقِهِ لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قَال أَبُو دَاوُدَ: قِيل لأَِحْمَدَ: اسْتَبَاعَتِ الْمَمْلُوكَةُ وَهُوَ يَكْسُوهَا مِمَّا يَلْبَسُ وَيُطْعِمُهَا مِمَّا يَأْكُل؟ قَال: لاَ تُبَاعُ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ تَحْتَاجَ إِلَى زَوْجٍ فَتَقُول: زَوِّجْنِي. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: بِهَذَا قَال عَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ فِي الْعَبْدِ يُحْسِنُ إِلَيْهِ سَيِّدُهُ وَهُوَ يَسْتَبِيعُ: لاَ يَبِيعُهُ، لأَِنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ وَالْحَقَّ لَهُ، فَلاَ يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَبْدِ، كَمَا لاَ يُجْبَرُ عَلَى طَلاَقِ امْرَأَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا، وَلاَ عَلَى بَيْعِ بَهِيمَتِهِ مَعَ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهَا (1) . هـ - أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ: 33 - لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحٍ، وَيَسَارٍ، وَنَافِعٍ. . (2) وَأَنْ يُحْسِنَ فِي مُخَاطَبَتِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لاَ يُكَلِّفَهُ مُنَادَاتَهُ بِنَحْوِ " رَبِّي " بَل يَقُول: سَيِّدِي " وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَهُ السَّيِّدُ بِلَفْظِ " يَا عَبْدِي " " وَيَا أَمَتِي " بَل يَقُول: يَا فَتَايَ __________ (1) المغني 7 / 633. (2) حديث: " نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسمي رقيقنا بأربعة أسماء " أخرجه مسلم (3 / 1685 - ط الحلبي) من حديث سمرة بن جندب. وَيَا فَتَاتِي " وَنَحْوَ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يَقُل أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ. وَضِّئْ رَبَّكَ. وَلْيَقُل: سَيِّدِي مَوْلاَيَ. وَلاَ يَقُل أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، أَمَتِي، وَلْيَقُل: غُلاَمِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي (1) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبَوَّبَ لَهُ " بَابَ كَرَاهَةِ التَّطَاوُل عَلَى الرَّقِيقِ "، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَجَارِيَتِي قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَرْشَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا يُؤَدِّي الْمَعْنَى مَعَ السَّلاَمَةِ مِنَ التَّعَاظُمِ، لأَِنَّ لَفْظَ الْفَتَى وَالْغُلاَمِ لَيْسَ دَالًّا عَلَى مَحْضِ الْمِلْكِ كَدَلاَلَةِ الْعَبْدِ، فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَال الْفَتَى فِي الْحُرِّ، وَكَذَلِكَ الْغُلاَمُ وَالْجَارِيَةُ (2) . و أَنْ يُحْسِنَ أَدَبَهُ وَتَعْلِيمَهُ: 34 - رَوَى أَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ (3) السُّلْطَانُ وَرِعَايَةُ الرَّقِيقِ: 35 - عَلَى السُّلْطَانِ رِعَايَةُ الرَّقِيقِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا __________ (1) حديث: " لا يقل أحدكم: أطعم ربك ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 117 - ط السلفية) ، ومسلم (4 / 1765 - ط الحلبي) وأخرجه مسلم (4 / 1764) بالرواية الأخرى. (2) فتح الباري 5 / 180. (3) حديث: " أيما رجل كانت عنده وليدة ". أخرجه البخاري (الفتح9 / 126 - ط السلفية) ومسلم (1 / 135 - ط الحلبي) واللفظ للبخاري. كَانَ السَّيِّدُ يُلْزِمُ رَقِيقَهُ بِخَرَاجٍ لاَ يُطِيقُهُ، مَنَعَهُ السُّلْطَانُ (1) . وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ يُكَلِّفُهُ بِعَمَلٍ لاَ يُطِيقُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْل عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ كُل سَبْتٍ إِلَى الْعَوَالِي فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لاَ يُطِيقُهُ وَضَعَ عَنْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ إِذَا عَذَّبَ السَّيِّدُ رَقِيقَهُ، أَوِ ارْتَكَبَ فِي حَقِّهِ مَا لاَ يَحِل لَهُ مِنْ مُثْلَةٍ، أَوْ جَرْحٍ أَوْ قَطْعٍ، أَلْزَمَهُ بِتَحْرِيرِهِ فِيمَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ التَّحْرِيرَ، أَوْ دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنِ التَّحْرِيرُ وَاجِبًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ. وَلِلسُّلْطَانِ تَعْزِيرُ السَّيِّدِ فِي تِلْكَ الْحَال بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي التَّعْزِيرِ. وَإِذَا قَذَفَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ كَانَ لِلْعَبْدِ رَفْعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُعَزِّرَهُ، قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيل: لَيْسَ لَهُ طَلَبُ التَّعْزِيرِ مِنْ سَيِّدِهِ (2) . وَإِذَا كَانَ السَّيِّدُ لاَ يُنْفِقُ عَلَى عَبِيدِهِ، أَوْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ نَفَقَةً لاَ تَكْفِيهِمْ أَلْزَمَهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، وَكَذَا إِذَا أَبَى تَزْوِيجَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِتَزْوِيجِهِمْ فَأَبَى، يُزَوِّجُهُمُ السُّلْطَانُ (3) . __________ (1) روضة الطالبين 9 / 119. (2) روضة الطالبين 8 / 327. (3) روضة الطالبين 7 / 102. تَصَرُّفَاتُ الْمَالِكِ فِي رَقِيقِهِ: 36 - الرَّقِيقُ مِنْ جُمْلَةِ مَال السَّيِّدِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِمْ كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالإِْعَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَل الْعَبْدَ أَوِ الأَْمَةَ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ، أَوْ عِوَضًا فِي الإِْجَارَةِ، أَوْ مَهْرًا لِزَوْجَتِهِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ. إِلاَّ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقِيقِ لَهُ خُصُوصِيَّاتٌ يَقْتَضِيهَا وَضْعُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُسْلِمٌ، أَوْ كَافِرٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ: أَوَّلاً: الْبَيْعُ (1) : بَيْعُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ: 37 - اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَاعِدَةِ فَسَادِ الشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى عَقْدِ الْبَيْعِ وَلاَ مَصْلَحَتِهِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَعْتِقَ الرَّقِيقَ الَّذِي بَاعَهُ إِيَّاهُ، فَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَوْل الْمَشْهُورِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وَشَرَطَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا عِتْقَهَا وَوَلاَءَهَا، فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْطَ الْوَلاَءِ دُونَ شَرْطِ __________ (1) يذكر أصحاب كتب القضاء وكتب الشروط ما يراعى عند كتابة عقد بيع الرقيق. انظر مثلاً أدب القضاء لابن أبي الدم الشافعي ص 301 - 304 و484 نشر جامعة دمشق (د. ت) وكتاب جواهر العقود للمنهاجي الأسيوطي. الْعِتْقِ (1) . ثُمَّ إِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَقَدْ وَفَّى بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُ فَقِيل: يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَقِيل: لاَ يُجْبَرُ، وَلَكِنْ يَكُونُ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رَهْنًا فَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ فَاسِدًا، عَلَى أَصْلِهِ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، لَكِنْ إِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَمَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ يَصِحُّ الْبَيْعُ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَال صَاحِبَاهُ: يَبْقَى فَاسِدًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فَاسِدًا، فَلاَ يَنْقَلِبُ جَائِزًا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَفْسُدُ الشَّرْطُ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا نُقِل عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى (2) . بَيْعُ الْعَبِيدِ أَوْ شِرَاؤُهُمْ سَلَمًا، أَوْ فِي الذِّمَّةِ: 38 - يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْعُ الرَّقِيقِ سَلَمًا لإِِمْكَانِ الضَّبْطِ بِالأَْوْصَافِ الْمَشْرُوطَةِ فِي السَّلَمِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الرَّقِيقِ؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ __________ (1) حديث عائشة: " أنها اشترت بريرة ". أخرجه البخاري (الفتح 5 / 185 - ط السلفية) . (2) المغني 4 / 226، وروضة الطالبين 3 / 401، وجواهر الإكليل 2 / 25، والهداية مع فتح القدير 5 / 214، 217. اخْتِلاَفًا فَاحِشًا بِالْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ، فَلاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، فَيُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ (1) . التَّفْرِيقُ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ الأَْقَارِبِ: 39 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلسَّيِّدِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ عَبْدٍ وَأُمِّهِ، أَوِ ابْنِهِ، أَوْ بِنْتِهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَوْ عَمَّتِهِ، أَوْ خَالِهِ، أَوْ خَالَتِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ. وَاحْتَجَّ الْفَرِيقَانِ بِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: أَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَبِيعَ غُلاَمَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلاَ تَبِعْهُمَا إِلاَّ جَمِيعًا، وَفِي رِوَايَةٍ رُدَّهُ رُدَّهُ (2) . وَعَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَالأَْخِ وَأَخِيهِ (3) . __________ (1) المغني 4 / 282، وفتح القدير 5 / 327، وشرح المحلي على المنهاج 2 / 252، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 200 - 204، وروضة الطالبين 4 / 19. (2) حديث: " أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعًا ". أخرجه أحمد (1 / 97 - 98 - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في المجمع (4 / 107 - ط القدسي) وقال: " رجاله رجال الصحيح "، والرواية الأخرى أخرجها الترمذي (3 / 572 - ط الحلبي) . (3) حديث: " لعن الله من فرق بين الوالدة وولدها، والأخ وأخيه ". أخرجه ابن ماجه (2 / 756 - ط الحلبي) ، ونقل المناوي في الفيض (5 / 275 - ط المكتبة) عن الذهبي أنه قال: " فيه إبراهيم بن إسماعيل ضعفوه ". قَالُوا: وَالنَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ فِي الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا وَالأَْخِ وَأَخِيهِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا سَائِرُ الْقَرَابَاتِ ذَاتِ الْمَحْرَمِ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الدَّلاَلَةِ. وَلأَِنَّ الصَّغِيرَ يَسْتَأْنِسُ بِالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْكَبِيرَ يَتَعَاهَدُهُ، وَفِي التَّفْرِيقِ قَطْعُ الْمَرْحَمَةِ عَلَى الصِّغَارِ، وَلاَ يَدْخُل فِي التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلَدِهَا لِحَدِيثِ " مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1) " وَحَدِيثِ لاَ تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا (2) . وَالْمُحَرَّمُ عِنْدَهُمُ التَّفْرِيقُ بِمُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ وَجَعْل أَحَدِهِمَا عِوَضًا فِي الإِْجَارَةِ وَهِبَةِ الثَّوَابِ، وَمَا بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ كَالْقِسْمَةِ، لاَ فِي غَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ الْمَحْضَةِ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ لِلأُْمِّ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالتَّفْرِيقِ جَازَ. وَسَوَاءٌ أَخْتَلَفَ دِينُ الأُْمِّ وَابْنِهَا، أَمِ اتَّفَقَ. __________ (1) حديث: " من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه. . " أخرجه الترمذي (3 / 511 - ط الحلبي) من حديث أبي أيوب وحسنه. (2) حديث: " لا توله والدة عن ولدها ". أخرجه البيهقي (8 / 5 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي بكر، وضعفه ابن حجر في التلخيص (3 / 15 - ط دائرة المعارف العثمانية) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا بِالْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، وَلاَ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ فِي الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ. قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَيَلْحَقُ بِالأُْمِّ الأَْبُ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَوْا وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الأُْمِّ، وَلاَ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ بَقِيَّةِ الْمَحَارِمِ. وَفِي قَوْلٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْجِهَادِ: لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَسَائِرِ الْمَحَارِمِ (1) . هَذَا وَإِنَّ حُكْمَ التَّفْرِيقِ الْمُتَقَدِّمِ يَسْتَمِرُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، مَا دَامَ كِلاَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا دُونَ الْبُلُوغِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ كَسَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، فَإِنْ زَادَ كِلاَهُمَا عَنْ ذَلِكَ جَازَ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَْكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِامْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، فَنَفَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَاسْتَوْهَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبَهَا لَهُ (2) . وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَهْدَى الْمُقَوْقِسُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَارِيَةَ وَأُخْتَهَا سِيرِينَ، فَأَعْطَى سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَتَرَكَ مَارِيَةَ لِنَفْسِهِ (3) . وَلأَِنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ. __________ (1) المغني 4 / 266، والهداية وشروحها 5 / 241، 242 - 245، وكفاية الطالب الرباني، والروضة للنووي 4 / 415 و10 / 258. (2) حديث سلمة بن الأكوع: " أنه أتى أبا بكر بامرأة وابنتها ". أخرجه مسلم (3 / 1376 - ط الحلبي) . (3) حديث: " أهدى المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم مارية ". ذكره ابن سعد في الطبقات (8 / 214 - ط دار صادر) من حديث الزهري مرسلاً. وَالْعَادَةُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأَْحْرَارِ، فَالْمَرْأَةُ تُزَوِّجُ ابْنَتَهَا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَسْتَمِرُّ إِلَى أَنْ يُثْغِرَ الصَّغِيرُ، أَيْ تَنْبُتَ أَسْنَانُهُ بَعْدَ سُقُوطِ الرَّوَاضِعِ، فَإِنْ أَثْغَرَ جَازَ التَّفْرِيقُ لاِسْتِغْنَائِهِ عَنْ أُمِّهِ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَمَنَامِهِ وَقِيَامِهِ (1) . حُكْمُ الْبَيْعِ الَّذِي حَصَل بِهِ التَّفْرِيقُ: 40 - الْبَيْعُ الَّذِي فُرِّقَ بِهِ بَيْنَ الأُْمِّ وَوَلَدِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنَ التَّفْرِيقِ الْمُحَرَّمِ، عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ، إِذَا وَقَعَ يَكُونُ فَاسِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ أَخَوَيْنِ بِالْبَيْعِ: اذْهَبْ فَارْتَجِعْهُمَا وَإِنَّمَا يَجِبُ الاِرْتِجَاعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَفْسُدُ، لأَِنَّ النَّهْيَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ صُلْبِ الْعَقْدِ وَشَرَائِطِهِ، فَيُكْرَهُ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ وَيَصِحُّ (2) . رَدُّ الرَّقِيقِ فِي الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ: 41 - الْعُيُوبُ هِيَ النَّقَائِصُ الْمُوجِبَةُ لِنَقْصِ الْمَالِيَّةِ فِي عَادَاتِ التُّجَّارِ، وَالْمَرْجِعُ فِي مَا أُشْكِل مِنْهُ __________ (1) المغني 4 / 266، وفتح القدير 5 / 245، وكفاية الطالب وحاشية العدوي 2 / 147. (2) فتح القدير 6 / 244، والروضة 10 / 258. عُرْفُ أَهْلِهِ، وَيُرَدُّ الرَّقِيقُ بِعُيُوبٍ مُعَيَّنَةٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْعَقْدِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُطَوَّلاَتِ (1) . حُكْمُ مَال الرَّقِيقِ إِذَا بِيعَ: 42 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا بِيعَ الرَّقِيقُ وَلَهُ مَالٌ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ مَوْلاَهُ أَوْ خَصَّهُ بِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَال لِلْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْبَائِعِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ (2) وَلأَِنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ لِلسَّيِّدِ، فَإِذَا بَاعَ الْعَبْدَ اخْتَصَّ الْبَيْعُ بِهِ دُونَ مَالِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ، فَبَاعَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَتَنَاوَل الْبَيْعُ الْعَبْدَ الثَّانِيَ. ثُمَّ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي خِلاَفِ الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ: إِلَى أَنَّهُ إِنِ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَال الْعَبْدِ صَحَّ، وَيَكُونُ الْمَال لَهُ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الذِّكْرِ، وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ إِلاَّ إِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ شِرَاءَ الْعَبْدِ وَالرَّغْبَةَ فِيهِ، وَأَنَّ الْمَال تَبَعٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَقَاءَ الْمَال لِلْعَبْدِ وَإِقْرَارَهُ فِي يَدِهِ، __________ (1) المغني 4 / 152 - 154، والزرقاني 5 / 127 - 130 وروضة الطالبين 3 / 460 - 462، وفتح القدير 5 / 152 - 157. (2) حديث: " من ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 49 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1173 - ط الحلبي) من حديث ابن عمر. وَحِينَئِذٍ يُغْتَفَرُ فِي الْمَال الْجَهَالَةُ، وَيُغْتَفَرُ كَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَصِحُّ تَبَعًا وَلَوْ كَانَ لاَ يَصِحُّ اسْتِقْلاَلاً، كَالتَّمْوِيهِ بِالذَّهَبِ فِي سَقْفِ بَيْتٍ بِيعَ بِذَهَبٍ. فَإِنْ كَانَ الْمَال هُوَ الْمَقْصُودُ اشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ، وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِطَ مَال الْعَبْدِ إِلاَّ أَنْ تَتَحَقَّقَ شُرُوطُ الْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ مَبِيعٌ آخَرُ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ (1) . وَهَذَا كُلُّهُ يَجْرِي أَيْضًا فِي حُلِيِّ الْجَارِيَةِ الَّتِي تَلْبَسُهَا، وَمَا قَدْ يَكُونُ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي تُرَادُ لِلْجَمَال. أَمَّا الثِّيَابُ الْمُعْتَادَةُ مِمَّا كَانَ يَلْبَسُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ لِلْبِذْلَةِ وَالْخِدْمَةِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: لاَ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ شَيْءٌ مِنَ الثِّيَابِ إِلاَّ بِالشَّرْطِ (2) . رَهْنُ الرَّقِيقِ: 43 - يَجُوزُ لِسَيِّدِ الرَّقِيقِ ارْتِهَانُهُ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، ذَكَرًا كَانَ الرَّقِيقُ أَوْ أُنْثَى. وَلَوْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ فَيَجُوزُ رَهْنُهَا دُونَ وَلَدِهَا، أَوْ مَعَهُ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ لاَ يُزِيل الْمِلْكَ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ بِيعَ وَلَدُهَا __________ (1) المغني 4 / 172، وروضة الطالبين 3 / 546. (2) المغني 4 / 174، وروضة الطالبين 3 / 547. مَعَهَا؛ لأَِنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا بِيعَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِمَا يَخُصُّ الأُْمَّ مِنَ الثَّمَنِ (1) . - وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، كَالْبَيْعِ، أَوِ الإِْجَارَةِ، أَوِ الْهِبَةِ، أَوِ الْوَقْفِ، أَوِ الرَّهْنِ. وَإِنْ تَصَرَّفَ يَكُونُ تَصَرُّفُهُ بَاطِلاً. وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ، فَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ عِتْقُ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ؛ لأَِنَّهُ يُبْطِل الْوَثِيقَةَ مِنْهُ، لَكِنْ إِنْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ الْعِتْقُ إِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا، وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَخَالَفَ عَطَاءٌ وَالْبَتِّيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ الثَّلاَثَةِ، فَقَالُوا: لاَ يَنْفُذُ الْعِتْقُ وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا. وَعِنْدَ مَنْ قَال بِنَفَاذِهِ يُؤْخَذُ مِنَ الرَّاهِنِ قِيمَتُهُ فَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ. وَأَمَّا الْمُعْسِرُ فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، ثُمَّ قَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ أَيْسَر قَبْل حُلُول الْحَقِّ أُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا، وَإِنْ أَيْسَر بَعْدَ حُلُولِهِ طُولِبَ بِأَصْل الدَّيْنِ. قَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ فِي قِيمَتِهِ، فَإِذَا أَدَّاهَا جُعِلَتْ رَهْنًا، وَيَرْجِعُ الْعَتِيقُ عَلَى الرَّاهِنِ. وَقَال مَالِكٌ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ - قَال النَّوَوِيُّ: هُوَ الأَْظْهَرُ - وَرِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: __________ (1) المغني 4 / 341، وروضة الطالبين 4 / 40، 42. لاَ يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ؛ لأَِنَّهُ بِالْعِتْقِ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ وَمِنْ بَدَلِهَا، فَيَمْتَنِعُ نَفَاذُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُرْتَهِنِ (1) . وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ أَيْسَر فِي الأَْجَل أَخَذَ مِنَ الرَّاهِنِ الدَّيْنَ وَنَفَذَ الْعِتْقُ، وَإِلاَّ بِيعَ مِنَ الْعَبْدِ مِقْدَارُ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ وَالْبَاقِي لِلرَّاهِنِ. وَفِي رَهْنِ الرَّقِيقِ تَفْصِيلٌ وَتَفْرِيعٌ يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ (2) . الإِْيصَاءُ بِالرَّقِيقِ، أَوْ بِمَنَافِعِهِ: 44 - تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالرَّقِيقِ، وَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ (ر: وَصِيَّة) . وَيَجُوزُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُوصِيَ بِمَنَافِعِ الرَّقِيقِ، سَوَاءٌ وَصَّى بِذَلِكَ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ. وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَصِحُّ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، فَيَصِحُّ بِالْوَصِيَّةِ، كَالأَْعْيَانِ. وَإِذَا أَطْلَقَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَإِنْ خَصَّ نَوْعًا مِنَ الْمَنَافِعِ اخْتُصَّ بِهَا وَحْدَهُ، كَالْخِدْمَةِ، أَوِ الْكِتَابَةِ. وَنُقِل عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى الْقَوْل بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ، __________ (1) المغني 4 / 361 - 363، وروضة الطالبين 4 / 76، والهداية مع تكملة فتح القدير 8 / 208، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 248. (2) المغني 4 / 369، وروضة الطالبين 4 / 104، وتكملة فتح القدير على الهداية 8 / 237، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 257. لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَعْدُومَةٌ حِينَ الإِْيصَاءِ، وَالْوَصِيَّةَ بِالْمَنْفَعَةِ تَمْلِيكٌ لِلْمَنَافِعِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَمْلِيكِ انْتِفَاعٍ. فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ انْتَقَل الْحَقُّ فِيهَا لِلْوَارِثِ، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمَنْفَعَةِ مِنَ الثُّلُثِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَلآِخَرَ بِنَفْعِهِ (1) . وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ: تَكُونُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، قِيَاسًا عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ، وَعَلَى الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ وَلأَِنَّ فِطْرَتَهُ عَلَى مَالِكِهِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ، قِيَاسًا عَلَى الأَْمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، فَإِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الزَّوْجِ لاَ عَلَى السَّيِّدِ، وَلأَِنَّ النَّفْعَ لَهُ، فَكَانَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ كَانَ ضِرَارًا وَفِي الْحَدِيثِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ. (2) وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كُلُّهُ فِي نَفَقَةِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، أَمَّا إِنْ كَانَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْوَارِثِ قَوْلاً وَاحِدًا، قَال النَّوَوِيُّ: قِيَاسًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. __________ (1) المغني 6 / 59، 62، وروضة الطالبين 6 / 117، 186 - 188، والزرقاني 8 / 195. (2) حديث: " الخراج بالضمان ". أخرجه أبو داود (3 / 780 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة، وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير لابن حجر (3 / 22 - ط شركة الطباعة الفنية) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ لاَ يُطِيقُ الْخِدْمَةَ لِصِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ الْخِدْمَةَ، فَإِذَا أَدْرَكَهَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ (1) . التَّصَرُّفُ فِي الرَّقِيقِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ: 45 - اخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي بَيْعِ الرَّقِيقِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ: فَقِيل: لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ، فَإِنْ بِيعَ بَقِيَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ. فَيُبَاعُ مَسْلُوبُ الْمَنْفَعَةِ إِلَى نِهَايَةِ الْمُدَّةِ الْمُوصَى بِهَا، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ بِيعَ مِنْ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، لأَِنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّ مُشْتَرِيَهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعْتِقَهُ فَيَحْصُل لَهُ أَجْرُهُ وَوَلاَؤُهُ. وَقِيل: لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ؛ لأَِنَّ مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْحَشَرَاتِ، وَقِيل: يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ مَالِكَ مَنْفَعَتِهِ يَجْتَمِعُ لَهُ الرَّقَبَةُ وَالْمَنْفَعَةُ، فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ. 46 - وَلِمَالِكِ الرَّقَبَةِ أَنْ يَعْتِقَ الرَّقِيقَ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ، وَتَبْقَى الْمَنْفَعَةُ لِمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِهَا، وَلاَ يَرْجِعُ الرَّقِيقُ عَلَى مُعْتِقِهِ بِشَيْءٍ، وَفِي قَوْلٍ __________ (1) المغني 6 / 59، 62، وروضة الطالبين 6 / 189، والدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 5 / 444. عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَبْطُل الْوَصِيَّةُ. وَفِي رُجُوعِ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِقِيمَةِ الْمَنَافِعِ وَجْهَانِ. قَال النَّوَوِيُّ: لَعَل أَصَحَّهُمَا الرُّجُوعُ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ إِعْتَاقَ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ لاَ يُجْزِئُ (1) . 47 - وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فِي مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، فَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ الْعَبْدَ الْمُدَّةَ الَّتِي أُوصِيَ لَهُ بِالنَّفْعِ فِيهَا، وَلَهُ أَنْ يَهَبَهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ مِلْكًا تَامًّا، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَمَا لَوْ مَلَكَهَا بِالإِْجَارَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُوصَى لَهُ إِجَارَةُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ عَلَى أَصْل الْحَنَفِيَّةِ، فَإِذَا مَلَكَهَا بِعِوَضٍ كَانَ مُمَلَّكًا أَكْثَرَ مِمَّا مَلَكَهُ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ (2) . وَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُثْبِتَ يَدَهُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ لَهُ، وَلَهُ مَنَافِعُهُ، وَأَكْسَابُهُ الْمُعْتَادَةُ، وَأُجْرَةُ الْحِرْفَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ وَلاَ لِلْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهَا الْوَطْءُ؛ لأَِنَّ الْوَارِثَ لاَ يَمْلِكُ نَفْعَهَا مِلْكًا تَامًّا يَحِل لَهُ بِهِ الْوَطْءُ، وَالْمُوصَى لَهُ لَيْسَتْ هِيَ مِنْ مِلْكِ يَمِينِهِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الْوَطْءُ. __________ (1) المغني 6 / 61، وروضة الطالبين 6 / 189. (2) المغني 6 / 60، والدر المختار 5 / 443. وَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجُهَا إِلاَّ بِرِضَا الآْخَرِ. لَكِنْ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى التَّزْوِيجِ وَطَلَبَتْهُ وَجَبَ تَزْوِيجُهَا، وَيَتَوَلَّى تَزْوِيجَهَا مَالِكُ الرَّقَبَةِ (1) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِ الْعَبْدِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَإِذَا مَاتَ بَعْدَ وَفَاتِهِ يَعُودُ الْعَبْدُ إِلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي بِحُكْمِ مِلْكِهِمْ لِلرَّقَبَةِ. قَالُوا: لأَِنَّ الْمُوصِيَ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَنَافِعَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ، وَلَوِ انْتَقَل إِلَى وَارِثِ الْمُوصَى لَهُ اسْتَحَقَّهَا ابْتِدَاءً مِنْ مِلْكِ الْمُوصِي مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: بَل تَكُونُ مَنَافِعُهُ لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَدَّدَ الْوَصِيَّةَ بِزَمَنٍ، وَإِنْ كَانَ حَدَّدَهَا بِزَمَنٍ فَيَكُونُ كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ يُورَثُ مَا بَقِيَ مِنْ زَمَانِ الإِْجَارَةِ وَيُؤَاجَرُ فِيهَا (2) . الرَّقِيقُ وَالتَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ، وَأَحْكَامُ التَّصَرُّفَاتِ: 48 - الأَْصْل فِي الرَّقِيقِ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ مَتَى كَانَ بَالِغًا عَاقِلاً، رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً، وَلِذَا فَهُوَ مَجْزِيٌّ عَلَى أَعْمَالِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا __________ (1) المغني 6 / 62، 63، وروضة الطالبين 6 / 187، 190، والدر المختار 5 / 444، والدسوقي 4 / 448. (2) الدر المختار ورد المحتار 5 / 443، 444، وجواهر الإكليل 2 / 324، والدسوقي 4 / 448. فِي الآْخِرَةِ، وَيُؤَاخَذُ بِهَا فِي الدُّنْيَا. قَال الشَّيْخُ عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: الرَّقِيقُ يُشْبِهُ الْحُرَّ فِي التَّكَالِيفِ وَكَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ، كَإِيجَابِ الْقِصَاصِ، وَالْفِطْرَةِ، وَالتَّحْلِيفِ، وَالْحُدُودِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِهِ (1) . وَتَنْبَنِي غَالِبُ أَحْكَامِ أَفْعَال الرَّقِيقِ عَلَى الأُْصُول التَّالِيَةِ: الأَْصْل الأَْوَّل: أَهْلِيَّةُ الرَّقِيقِ: 48 م - عَرَضَ الأُْصُولِيُّونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِهْلِيَّةِ الرَّقِيقِ، فَبَيَّنُوا أَنَّ الرِّقَّ عَارِضٌ عَلَى الأَْهْلِيَّةِ يُنْقِصُهَا، فَالرَّقِيقُ مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ هُوَ عَلَى أَصْل الْحُرِّيَّةِ، فَتَصِحُّ أَقَارِيرُهُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَلَهُ التَّزَوُّجُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ فِيهِ لِلإِْذْنِ لأَِنَّهُ يَجِبُ بِهِ الْمَال فِي الذِّمَّةِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ هُوَ بِصِحَّةِ الْعَقْل وَالذِّمَّةِ. أَمَّا الْعَقْل فَهُوَ لاَ يَخْتَل بِالرِّقِّ، وَلِذَا كَانَتْ رِوَايَةُ الرَّقِيقِ صَحِيحَةً مُلْزِمَةً لِلْعَمَل، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَلاَمُهُ مُعْتَبَرًا لَمْ تُعْتَبَرْ رِوَايَتُهُ، وَأَمَّا الذِّمَّةُ فَإِنَّمَا تَكُونُ بِأَهْلِيَّةِ الإِْيجَابِ عَلَيْهِ وَالاِسْتِحْبَابِ لَهُ، وَلِتَحَقُّقِهِمَا خُوطِبَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ لِمَانِعٍ هُوَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حَقِّ السَّيِّدِ، وَسَقَطَ عَنْهُ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ كَالْجُمُعَةِ __________ (1) عميرة على شرح المنهاج 3 / 30، 31. وَالْعِيدَيْنِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، مُحَافَظَةً عَلَى حَقِّ السَّيِّدِ فِي مَنَافِعِ الْعَبْدِ؛ لأَِنَّ الرِّقَّ يَمْنَعُ كَوْنَ الرَّقِيقِ مَالِكًا لِمَنَافِعِ نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ هُوَ بِذَاتِهِ مَمْلُوكٌ لِلسَّيِّدِ. فَإِذْنُ السَّيِّدِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ رَفْعٌ لِلْمَانِعِ، لاَ إِثْبَاتٌ لِلأَْهْلِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الرَّقِيقُ غَيْرُ أَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ تَثْبُتُ الأَْهْلِيَّةُ (1) . وَالرِّقُّ يَمْنَعُ الْوِلاَيَاتِ، فَلاَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ مِنْهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ قَضَاؤُهُ، وَلاَ تَحْكِيمُهُ، وَلاَ إِمَارَتُهُ، وَالرِّقُّ يُنْقِصُ الذِّمَّةَ، وَمِنْ هُنَا تُضَمُّ رَقَبَتُهُ إِلَى ذِمَّتِهِ، فِي مِثْل غَرَامَاتِ الْجِنَايَاتِ، فَتُبَاعُ رَقَبَتُهُ فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى (2) . الأَْصْل الثَّانِي: هَل يَمْلِكُ الرَّقِيقُ الْمَال أَمْ لاَ يَمْلِكُ؟ 49 - إِذَا لَمْ يُمَلِّكِ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَال فَلاَ يَمْلِكُهُ اتِّفَاقًا. وَذَلِكَ لأَِنَّ سَيِّدَهُ يَمْلِكُ عَيْنَهُ وَمَنَافِعَهُ، فَمَا حَصَل بِسَبَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهِ لأَِنَّهُ ثَمَرَةُ مِلْكِهِ، كَثَمَرَةِ شَجَرَتِهِ، فَأَمَّا إِنْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالاً، فَقَدِ اخْتَلَفَ الأَْئِمَّةُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ بِحَالٍ، لأَِنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلاَ يَمْلِكُ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ مِلْكَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ __________ (1) مسلم الثبوت 1 / 171 - 173 بولاق 1322هـ. (2) شرح مسلم الثبوت 1 / 128. وَالْكَمَال فِي مَالٍ وَاحِدٍ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى - وَرَجَّحَهَا ابْنُ قُدَامَةَ - إِلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ؛ لأَِنَّهُ آدَمِيٌّ حَيٌّ حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّمَلُّكِ مَلَكَ، لِثُبُوتِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الآْدَمِيَّةُ مَعَ الْحَيَاةِ وَزَوَال الْمَانِعِ، وَقِيَاسًا عَلَى مِلْكِهِ لِلنِّكَاحِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ وَلأَِنَّهُ بِالآْدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ لِلْمِلْكِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَال لِبَنِي آدَمَ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ، وَأَحْكَامِ التَّكَالِيفِ، وَالرَّقِيقُ آدَمِيٌّ فَتَمَهَّدَ لِلْمِلْكِ، وَصَلَحَ لَهُ، كَمَا تَمَهَّدَ لِلتَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَةِ (1) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهُ غَيْرُ سَيِّدِهِ مَالاً لاَ يَمْلِكُ، وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَلِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِي الْمَال الَّذِي مَلَّكَهُ إِيَّاهُ مَتَى شَاءَ السَّيِّدُ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ فِيمَا مَلَّكَهُ إِيَّاهُ سَيِّدُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ (2) . 50 - وَإِذَا مَاتَ الرَّقِيقُ الْمُمَلَّكُ ارْتَفَعَ مِلْكُهُ عَنِ الْمَال، وَلاَ يُورَثُ عَنْهُ، بَل يَكُونُ لِسَيِّدِهِ. وَإِذَا أَتْلَفَ إِنْسَانٌ الْمَال الَّذِي مَلَّكَهُ السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ يَنْقَطِعُ مِلْكُ الْعَبْدِ عَنْهُ وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ، وَالْمُطَالَبَةُ لَهُ دُونَ الْعَبْدِ (3) . __________ (1) المغني 4 / 174 و2 / 623، 625، والحموي على الأشباه 2 / 153، والزرقاني 3 / 196، و8 / 126. (2) روضة الطالبين 3 / 574 و10 / 26، والزرقاني 8 / 126. (3) روضة الطالبين 3 / 26. وَتَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمِلْكِ هَذِهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الرَّقِيقِ مِنْهَا: أَنَّهُ هَل عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَهَل يُضَحِّي، وَهَل يُكَفِّرُ بِالإِْطْعَامِ، وَهَل يَتَسَرَّى؟ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ. الأَْصْل الثَّالِثُ: الأَْمْوَال الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّقِيقِ: قَسَّمَ السُّيُوطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الأَْمْوَال الْمُتَعَلِّقَةَ بِالرَّقِيقِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: 51 - الأَْوَّل: مَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، فَيُبَاعُ فِيهِ، وَهُوَ أَرْشُ جِنَايَاتِهِ وَبَدَل مَا يُتْلِفُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَمْ لاَ، لِوُجُوبِهِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا إِنْ كَانَ فِعْلُهُ مُعْتَبَرًا بِأَنْ كَانَ عَاقِلاً مُمَيِّزًا، فَلَوْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ مَجْنُونًا، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ضَمَانٌ عَلَى الأَْصَحِّ. 52 - الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، فَلاَ يُبَاعُ فِيهِ، وَلاَ يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَدَاؤُهُ، بَل يُطَالَبُ بِهِ مَتَى عَتَقَ، وَهُوَ مَا وَجَبَ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ كَبَدَل الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ إِذَا أَتْلَفَهُمَا. وَلَوْ نَكَحَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَوَطِئَ تَعَلَّقَ مَهْرُ الْمِثْل بِذِمَّتِهِ، لِكَوْنِهِ وَجَبَ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ، وَقِيل بِرَقَبَتِهِ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ، وَلَوْ أَفْطَرَتِ الْجَارِيَةُ فِي رَمَضَانَ لِحَمْلٍ أَوْ رَضَاعٍ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ فَالْفِدْيَةُ فِي ذِمَّتِهَا. 53 - الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِ الْعَبْدِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِرِضَا الْعَبْدِ وَالسَّيِّدِ، وَهُوَ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ، إِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي النِّكَاحِ فَنَكَحَ، وَهُوَ كَسُوبٌ، أَوْ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ ضَمِنَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، أَوْ لَزِمَهُ دَيْنُ تِجَارَةٍ. وَالْمُعْتَبَرُ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الإِْذْنِ لاَ قَبْلَهُ. وَحَيْثُ لَمْ يُوفِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، يَتَعَلَّقُ الْفَاضِل بِذِمَّتِهِ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّ الْمَال فِي الضَّمَانِ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ وَفِي وَجْهٍ آخَرَ: بِرَقَبَتِهِ. 54 - الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّيِّدِ، وَهُوَ مَا يُتْلِفُهُ الْعَبْدُ الْمَجْنُونُ، وَالصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، كَمَا تَقَدَّمَ (1) . أَحْكَامُ أَفْعَال الرَّقِيقِ: أَوَّلاً: عِبَادَاتُ الرَّقِيقِ: الأَْصْل فِي الرَّقِيقِ أَنَّهُ فِي الْعِبَادَاتِ كَالْحُرِّ سَوَاءٌ، وَيَخْتَلِفُ عَنْهُ فِي أُمُورٍ مِنْهَا: 55 - أ - عَوْرَةُ الْمَمْلُوكَةِ فِي الصَّلاَةِ - وَفِي خَارِجِهَا أَيْضًا - أَخَفُّ مِنْ عَوْرَةِ الْحُرَّةِ، فَهِيَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ مَرْفُوعًا: إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلاَ يَنْظُرُ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ (2) . وَيَزِيدُ الْحَنَفِيَّةُ: الْبَطْنَ وَالظَّهْرَ، وَفِي كَلاَمِهِمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ __________ (1) الأشباه والنظائر للسيوطي / 196. (2) حديث: " إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا. . " أخرجه أبو داود (1 / 334 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وإسناده حسن. أَعْلَى صَدْرِهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، ثُمَّ قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تُطَالَبُ الأَْمَةُ بِتَغْطِيَةِ رَأْسِهَا فِي الصَّلاَةِ لاَ وُجُوبًا وَلاَ نَدْبًا بَل هُوَ جَائِزٌ. وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّ الأَْمَةَ إِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ شَيْءٍ مِمَّا عَدَا الْعَوْرَةَ الْمَذْكُورَةَ أَعْلاَهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهَا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهَا لَوْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الْفَخِذِ أَعَادَتْ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُسْتَحَبُّ لِلأَْمَةِ أَنْ تَسْتَتِرَ فِي الصَّلاَةِ كَسَتْرِ الْحُرَّةِ احْتِيَاطًا (1) . ب - الأَْذَانُ، وَالإِْقَامَةُ، وَالإِْمَامَةُ: 56 - يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ وَالْمُقِيمُ عَبْدًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ حُرًّا (2) . 57 - وَإِمَامَةُ الْعَبْدِ أَيْضًا جَائِزَةٌ لِلأَْحْرَارِ وَالْعَبِيدِ عَلَى السَّوَاءِ. وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ. وَقَال مَالِكٌ: لاَ يَكُونُ الْعَبْدُ إِمَامًا فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِل، وَلاَ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ، وَلاَ الأَْعْيَادِ، وَلاَ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ الْجُمُعَةَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ فِي السَّفَرِ إِنْ كَانَ أَقْرَأَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا رَاتِبًا، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ فِي رَمَضَانَ فِي النَّافِلَةِ. __________ (1) الزرقاني 1 / 175، 177، وروضة الطالبين 1 / 283، وفتح القدير 1 / 183، وكشاف القناع 1 / 266. (2) كشاف القناع 1 / 235، وروضة الطالبين 1 / 202. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ قَال: تَزَوَّجْتُ وَأَنَا عَبْدٌ، فَدَعَوْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابُونِي، فَكَانَ فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ. . . إِلَى أَنْ قَال: فَقَدَّمُونِي وَأَنَا عَبْدٌ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ. ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا تَقْدِيمُ الْعَبْدِ لِلإِْمَامَةِ. قَالُوا: وَلَوِ اجْتَمَعَ الْحُرُّ وَالْمُعْتَقُ، فَالْحُرُّ الأَْصْلِيُّ أَوْلَى. ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: الْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ إِمَامَ الْمَسْجِدِ فَالْحَقُّ لَهُ فِي التَّقَدُّمِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتِ الصَّلاَةُ بِبَيْتِهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالإِْمَامَةِ مَا عَدَا سَيِّدَهُ (1) . ج - صَلاَةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: 58 - صَلاَةُ الْجُمُعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَْحْرَارِ اتِّفَاقًا. وَصَلاَةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إِلاَّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. فَقَدْ قِيل - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَقِيل: شَرْطٌ (2) . وَلاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الْعَبِيدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ طَارِقُ بْنُ __________ (1) كشاف القناع 1 / 473، والمغني 2 / 206، 193، والمدونة للإمام مالك 1 / 84، والزرقاني 2 / 25، وفتح القدير 1 / 247، وابن عابدين 1 / 376، وروضة الطالبين 1 / 353. (2) المغني 2 / 176، وشرح المنهاج 1 / 220، وشرح الأشباه 2 / 152. شِهَابٍ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ (1) ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَلأَِنَّ الْجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْيُ إِلَيْهَا وَلَوْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَلأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ مَمْلُوكَةٌ مَحْبُوسَةٌ عَلَى السَّيِّدِ فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ فِي الدَّيْنِ، وَلأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَجَازَ لَهُ الْمُضِيُّ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهَا كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى إِلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَكِنْ لاَ يَذْهَبُ إِلَيْهَا إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ تَرَكَهَا. وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْعَبْدَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرِيبَةٌ مَعْلُومَةٌ يُؤَدِّيهَا إِلَى سَيِّدِهِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ؛ لأَِنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ تَحَوَّل إِلَى الْمَال، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ (2) . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْعَبْدِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ (3) . وَاخْتَلَفَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ __________ (1) حديث: " الجمعة حق واجب على كل مسلم ". أخرجه أبو داود (1 / 644 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه النووي على شرط الشيخين، كذا في نصب الراية للزيلعي (2 / 199 - ط المجلس العلمي) . (2) المغني 2 / 339، وشرح المحلي على المنهاج 1 / 268. (3) الزرقاني 2 / 61، وروضة الطالبين 2 / 34. أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ. وَقِيل: لاَ؛ لأَِنَّ لَهَا بَدَلاً وَهُوَ الظُّهْرُ، بِخِلاَفِ صَلاَةِ الْعِيدِ، فَتَجِبُ؛ لأَِنَّهَا لاَ بَدَل لَهَا. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ بِدُونِ إِذْنِ السَّيِّدِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ (1) . ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِالْعَبْدِ، أَيْ فِي إِتْمَامِ الْعَدَدِ اللاَّزِمِ لاِنْعِقَادِ الْجُمُعَةِ (2) . د - الرَّقِيقُ وَالزَّكَاةُ: 59 - لاَ زَكَاةَ عَلَى الرَّقِيقِ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَال، لأَِنَّهُ غَيْرُ تَامِّ الْمِلْكِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا إِلاَّ مَا وَرَدَ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ، مِنْ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ زَكَاةَ مَالِهِ (3) . 60 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ هَل يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ مَال الْعَبْدِ أَمْ لاَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ، وَسُفْيَانُ وَإِسْحَاقُ: إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُزَكِّيَ الْمَال الَّذِي بِيَدِ عَبْدِهِ. قَالُوا: لأَِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ وَلَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ. __________ (1) الحموي على الأشباه 2 / 152، وروضة الطالبين 11 / 25. (2) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 193، وكشاف القناع 1 / 489، وابن عابدين 1 / 384، والقليوبي 1 / 238. (3) المغني 2 / 621، وفتح القدير 1 / 481. فَمَا بِيَدِهِ مِنَ الْمَال مَمْلُوكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْكَمَال لِلسَّيِّدِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي مَال الرَّقِيقِ وَلاَ عَلَى سَيِّدِهِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهَذَا مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يَمْلِكُ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ مَالِهِ؛ لأَِنَّ الْمَال لِلْعَبْدِ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ لِمَالِهِ نَاقِصٌ، إِذْ يَسْتَطِيعُ السَّيِّدُ انْتِزَاعَ مَال رَقِيقِهِ مَتَى شَاءَ، وَالزَّكَاةُ لاَ تَجِبُ إِلاَّ فِيمَا هُوَ مَمْلُوكٌ مِلْكًا تَامًّا؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ تَمَامَ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ الْمَال (1) . هـ - زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ: 61 - تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إِجْمَاعًا فِي الرَّقِيقِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُل حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ (2) . وَالْمُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ هُوَ السَّيِّدُ، وَلَيْسَ الرَّقِيقُ __________ (1) المغني 2 / 625، وكشاف القناع 2 / 168، وفتح القدير 1 / 486، والزرقاني 2 / 144، وشرح المنهاج للمحلي 2 / 38. (2) حديث: " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 367 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 677 - ط الحلبي) واللفظ لمسلم. نَفْسُهُ. فَلَيْسَ عَلَى الرَّقِيقِ فِطْرَةُ نَفْسِهِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ، بِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَال سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (1) . و تَطَوُّعَاتُ الرَّقِيقِ: 62 - لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ رَقِيقِهِ مِنْ صَلاَةِ النَّفْل وَالرَّوَاتِبِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْخِدْمَةِ، وَلاَ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، أَوِ الذِّكْرِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، إِذْ لاَ ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يُضْعِفَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الْعَمَل وَالْخِدْمَةِ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا السُّرِّيَّةَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا (2) . ز - صَوْمُ الرَّقِيقِ: 63 - يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ صَوْمُ رَمَضَانَ، كَالأَْحْرَارِ، اتِّفَاقًا، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ؛ لأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ كَذَلِكَ (3) . وَأَمَّا الصَّوْمُ الَّذِي وَجَبَ بِالنَّذْرِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَصُومُ الْعَبْدُ غَيْرَ فَرْضٍ إِلاَّ بِإِذْنِ __________ (1) روضة الطالبين 2 / 299، وكشاف القناع 1 / 251، وشرح الأشباه 2 / 153. (2) روضة الطالبين 8 / 301 و11 / 25، والزرقاني 2 / 219، وكشاف القناع 1 / 424. (3) روضة الطالبين 8 / 300، والزرقاني 2 / 219. السَّيِّدِ، وَلاَ فَرْضًا وَجَبَ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ (1) . 64 - وَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لاَ يَضُرُّ بِالسَّيِّدِ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، " وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِ فَلَهُ الْمَنْعُ. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ السُّرِّيَّةَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا، فَلاَ تَصُومُ تَطَوُّعًا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، قِيَاسًا عَلَى الزَّوْجَةِ (2) . ح - اعْتِكَافُ الرَّقِيقِ: 65 - يَصِحُّ اعْتِكَافُ الرَّقِيقِ، وَلاَ يَجُوزُ اعْتِكَافُهُ إِلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لأَِنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِلسَّيِّدِ، وَالاِعْتِكَافُ يُفَوِّتُهَا وَيَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالشَّرْعِ، فَإِنِ اعْتَكَفَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ لِلسَّيِّدِ إِخْرَاجَهُ مِنِ اعْتِكَافِهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ ثُمَّ أَرَادَ إِخْرَاجَهُ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَهُ إِخْرَاجُهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ النَّذْرِ عَلَى مَا يَأْتِي (3) . ط - حَجُّ الرَّقِيقِ: 66 - لاَ يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الرَّقِيقِ. فَإِنْ حَجَّ فِي رِقِّهِ فَحَجَّتُهُ تَطَوُّعٌ. فَإِنْ عَتَقَ __________ (1) شرح الأشباه 2 / 153. (2) روضة الطالبين 8 / 300، والزرقاني 2 / 219، والمغني 8 / 755. (3) روضة الطالبين 2 / 396، وكشاف القناع 2 / 349، وشرح الأشباه للحموي 2 / 153. فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ إِجْمَاعًا، إِذَا تَمَّتْ شَرَائِطُ الْوُجُوبِ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَلاَ تَخْرُجُوا تَقُولُونَ: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ، " أَيُّمَا غُلاَمٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ فَقَدْ قَضَى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ، فَقَدْ قَضَى حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ أَعْتَقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ (1) . قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ بِالْمَال غَالِبًا، بِخِلاَفِهِمَا، وَلاَ مِلْكَ لِلْعَبْدِ، فَلَمْ يَكُنْ أَهْلاً لِلْوُجُوبِ. وَالثَّانِي: أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى يَفُوتُ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَحَقَّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لاِفْتِقَارِ الْعَبْدِ وَغِنَى اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لاَ يُحْرِجُ الْمَوْلَى فِي اسْتِثْنَاءِ مُدَّتِهِمَا (2) . وَلاَ يُحْرِمُ الْعَبْدُ بِالْحَجِّ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ فَعَل انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ صَحِيحًا، لَكِنْ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ مِنْ إِحْرَامِهِ؛ لأَِنَّ فِي بَقَائِهِ عَلَى الإِْحْرَامِ __________ (1) قول ابن عباس: " أيما غلام حج به أهله. . . " أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2 / 257 - ط مطبعة الأنوار المحمدية) ، وصحح ابن حجر إسناده في الفتح (4 / 71 - ط السلفية) وقوله: " ولا تخرجوا تقولون: " قال ابن عباس: " يشعر أنه مرفوع " (2) فتح القدير 2 / 124، والزرقاني 2 / 232. تَفْوِيتًا لِحَقِّهِ مِنْ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. فَإِنْ حَلَّلَهُ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُحْصَرِ. أَمَّا إِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَكَانَ بِعَرَفَةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ وَحَجَّ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا. وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ عَتَقَ بِعَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهَا وَأَتَمَّ مَنَاسِكَهُ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ؛ لِكَوْنِهِ أَتَى بِأَرْكَانِ الْحَجِّ كُلِّهَا. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ السَّعْيِ إِنْ كَانَ قَدْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لاَ يُجْزِئُهُمَا عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ (1) . وَحُكْمُهُ فِي حَال إِتْيَانِهِ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ كَحُكْمِهِ فِي الْكَفَّارَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَفْدِي بِالصَّوْمِ لاَ غَيْرُ، وَيَصُومُ عَنِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ، وَفِي دَمِ الإِْحْصَارِ خِلاَفٌ (2) . ثَانِيًا: الرَّقِيقُ وَأَحْكَامُ الأُْسْرَةِ: الرَّقِيقُ وَالاِسْتِمْتَاعُ: 67 - الاِسْتِمْتَاعُ بِالْجَوَارِي لاَ يَكُونُ مَشْرُوعًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، __________ (1) المغني 3 / 248، 250، وروضة الطالبين 3 / 123، والزرقاني 2 / 231. (2) المغني 3 / 251، وروضة الطالبين 3 / 176، 177. وَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ يَأْثَمُ فَاعِلُهُ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (1) . الاِسْتِمْتَاعُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ: 68 - لَيْسَ لِلْمَالِكِ الذَّكَرِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَمْلُوكِهِ الذَّكَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَاخِلاً فِيمَا أَبَاحَتْهُ الآْيَةُ السَّابِقَةُ، بَل هُوَ لِوَاطَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَدْخُل فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَمَل قَوْمِ لُوطٍ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ عَلَى مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمَالِكُ امْرَأَةً وَالْمُسْتَمْتَعُ بِهِ الْمَمْلُوكَةَ الأُْنْثَى لاَ يَدْخُل فِيمَا أَبَاحَتْهُ الآْيَةُ السَّابِقَةُ، بَل هُوَ مِنَ السِّحَاقِ الْمُحَرَّمِ. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ امْرَأَةً وَالْمَمْلُوكُ ذَكَرًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِهِ، أَوْ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَلاَ لَهُ أَنْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَل هُوَ عَلَيْهَا حَرَامٌ، وَهِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَلِيَّةً، أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ. ا. هـ. وَكَمَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَإِنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً، أَيْ مَا دَامَ رَقِيقًا لَهَا، فَإِنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ بَاعَتْهُ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ بِشُرُوطِهِ. وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا بَاطِلٌ. __________ (1) سورة المؤمنون / 5 - 7. وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الأَْنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ السَّابِقَةِ الْوَطْءُ وَمُقَدِّمَاتُهُ مِنَ التَّقْبِيل، وَالْمُبَاشَرَةِ، وَاللَّمْسِ، وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ بِحَسَبِهَا. وَوَجْهُ خُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ (اسْتِمْتَاعُ الْمَالِكَةِ بِمَمْلُوكِهَا) مِنْ دَلاَلَةِ الآْيَةِ، أَنَّ الآْيَةَ خَاطَبَتِ الأَْزْوَاجَ مِنَ الرِّجَال. قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ، أَنَّ هَذِهِ الآْيَاتِ الْعَشْرِ مِنْ أَوَّل سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِلاَّ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} (1) فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهَا الرِّجَال خَاصَّةً دُونَ الزَّوْجَاتِ، بِدَلِيل قَوْلِهِ {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} (2) وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى، كَآيَاتِ الإِْحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْدِلَّةِ ". (3) وَنَقَل ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ امْرَأَةً اتَّخَذَتْ مَمْلُوكَهَا، وَقَالَتْ: تَأَوَّلْتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} قَال: فَأُتِيَ بِهَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَضَرَبَ الْعَبْدَ، وَجَزَّ رَأْسَهُ (4) وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى عُمَرَ بِالْجَابِيَةِ وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ، وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا، وَقَال: لاَ يَحِل لَكِ (5) . __________ (1) سورة المؤمنون / 5. (2) سورة المؤمنون / 6. (3) القرطبي 12 / 105. (4) تفسير ابن كثير 3 / 239. (5) المغني 6 / 610. فَالْوَطْءُ الْجَائِزُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، هُوَ وَطْءُ الْمَالِكِ الذَّكَرِ لِمَمْلُوكَتِهِ الأُْنْثَى خَاصَّةً، وَفِي هَذَا وَرَدَتِ الآْيَةُ السَّابِقَةُ. وَطْءُ الرَّجُل الْحُرِّ لِمَمْلُوكَتِهِ: 69 - يَحِل لِلرَّجُل الْحُرِّ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِجَارِيَتِهِ بِالْوَطْءِ، أَوْ بِمُقَدِّمَاتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لَهُ مِلْكًا كَامِلاً، وَهِيَ الَّتِي لَيْسَ لَهُ فِيهَا شَرِيكٌ، وَلاَ لأَِحَدٍ فِيهَا شَرْطٌ أَوْ خِيَارٌ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهَا مَانِعٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، كَأَنْ تَكُونَ أُخْتَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ بِنْتَ زَوْجَتِهِ، أَوْ مَوْطُوءَةَ فَرْعِهِ، أَوْ أَصْلِهِ. أَوْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً، أَوْ مُشْرِكَةً (1) . وَالْجَارِيَةُ الَّتِي يَتَّخِذُهَا سَيِّدُهَا لِلْوَطْءِ تُسَمَّى سَرِيَّةً، وَاِتِّخَاذُهَا لِذَلِكَ يُسَمَّى التَّسَرِّيَ. وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ التَّفْصِيلِيَّةُ لِذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَسَرٍّ) . وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الأَْحْكَامِ الَّتِي أُغْفِل ذِكْرُهَا هُنَاكَ، أَوْ ذُكِرَتْ بِإِيجَازٍ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ تَعَلُّقَهَا بِمُصْطَلَحِ (رِقّ) أَظْهَرُ. طَلاَقُ السُّرِّيَّةِ وَالظِّهَارُ مِنْهَا، وَتَحْرِيمُهَا، وَالإِْيلاَءُ مِنْهَا: 70 - الطَّلاَقُ لاَ يَلْحَقُ السُّرِّيَّةَ وَلاَ أَثَرَ لَهُ اتِّفَاقًا. وَأَمَّا الظِّهَارُ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ __________ (1) الزرقاني 3 / 226، 5 / 130، وروضة الطالبين 5 / 130 و8 / 270، وكشاف القناع 5 / 205. (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِمَّا قَالَهُ، فَإِنَّهُ كَذِبٌ وَزُورٌ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ. . .} (1) فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الزَّوْجَاتِ، وَالأَْمَةُ وَإِنْ صَحَّ إِطْلاَقُ لَفْظِ " نِسَائِنَا " عَلَيْهَا لُغَةً لَكِنَّ صِحَّةَ الإِْطْلاَقِ لاَ تَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ، بَل يُقَال: هَؤُلاَءِ " جَوَارِيهِ لاَ نِسَاؤُهُ ". وَلأَِنَّ الْحِل فِي الأَْمَةِ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعَقْدِ بَل يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ مَعَ عَدَمِ حِل الْوَطْءِ، كَمَا فِي شِرَاءِ الأَْمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ. وَنُقِل هَذَا الْقَوْل أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْمَةَ يَلْحَقُهَا ظِهَارُ سَيِّدِهَا، فَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا لَمْ يَحِل لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةً تَامَّةً، لأَِنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لَهُ حِلًّا أَصْلِيًّا فَيَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَالزَّوْجَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ. وَعَنِ الْحَسَنِ وَالأَْوْزَاعِيِّ إِنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَهُوَ ظِهَارٌ وَإِلاَّ فَلاَ. وَقَال عَطَاءٌ: عَلَيْهِ نِصْفُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِنَ الْحُرَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْمَةَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرَّةِ فِي الأَْحْكَامِ. __________ (1) سورة المجادلة / 2. وَلَوْ آلَى مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إِيلاَءً، فَلاَ يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ، أَوِ التَّطْلِيقِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ حَنِثَ. وَكَذَا إِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: " هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ " فَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لأَِنَّهُ كَتَحْرِيمِ الطَّعَامِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَمَتَهُ فَنَزَل (1) . قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَل اللَّهُ لَكَ. . .} إِلَى قَوْلِهِ: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (2) . اسْتِبْرَاءُ الأَْمَةِ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْمِلْكِ: 71 - مَنِ اشْتَرَى أَمَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلاً حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا إِجْمَاعًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا حَمْلٌ بَيِّنٌ، فَلاَ يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، بِأَنْ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً؛ لِيَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا مِنْ حَمْل غَيْرِهِ، وَكَذَا مَنْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِأَيِّ سَبَبٍ، كَهِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً (3) وَقَال: { __________ (1) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " حرم أمته ". أخرجه الحاكم (2 / 493 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أنس، وصححه ووافقه الذهبي. (2) سورة التحريم / 1، 2. (3) حديث: " لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى. . " أخرجه أبو داود (2 / 614 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (1 / 172 - ط شركة الطباعة الفنية) . لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ (1) . وَالتَّسَرِّي فِي هَذَا يَخْتَلِفُ عَنِ النِّكَاحِ، فَمَنْ نَكَحَ حُرَّةً حَل لَهُ وَطْؤُهَا دُونَ اسْتِبْرَاءٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ أَمَةً كَانَ يَطَؤُهَا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا، فَلاَ بُدَّ مِنِ اسْتِبْرَائِهَا قَبْل ذَلِكَ. وَالْعِلَّةُ فِي الاِسْتِبْرَاءِ، أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلاً مِنْ سَيِّدِهَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إِذَا وَلَدَتْ، فَلاَ يَحِل لَهُ بَيْعُهَا، وَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَلاَ تَحِل لِلْمُشْتَرِي؛ وَلِئَلاَّ يُفْضِيَ إِلَى اشْتِبَاهِ الأَْنْسَابِ. وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ فِي الْوَطْءِ. أَمَّا دَوَاعِيهِ وَمُقَدِّمَاتُهُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا (2) . وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي الاِسْتِبْرَاءِ وَأَحْوَالِهِ يُنْظَرُ تَحْتَ عُنْوَانِ (اسْتِبْرَاء) . آثَارُ وَطْءِ الأَْمَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ: 72 - الآْثَارُ اللاَّحِقَةُ بِالْوَطْءِ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْل وَإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ بِالصِّهْرِ، لاَحِقَةٌ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ __________ (1) حديث: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي. . " أخرجه أبو داود (2 / 615 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث رويفع بن ثابت، وإسناده حسن. ( x662 ;) المغني 7 / 506، 510، 511، والزرقاني 4 / 230، وفتح الباري 4 / 423، وروضة الطالبين 8 / 431، والقليوبي 4 / 61، وابن عابدين 5 / 40، والعناية وتكملة فتح القدير 8 / 115. الْيَمِينِ، وَيَفْتَرِقُ عَنِ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّ وَطْءَ الْحُرِّ الْحُرَّةَ فِي النِّكَاحِ يُحْصِنُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةَ، بِحَيْثُ لَوْ زَنَى أَحَدُهُمَا يَكُونُ حَدُّهُ الرَّجْمَ. أَمَّا مَنْ وَطِئَ فِي مِلْكِ يَمِينٍ ثُمَّ زَنَى فَحَدُّهُ الْجَلْدُ لاَ غَيْرُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا (1) . نِكَاحُ الرَّقِيقِ: 73 - يَجُوزُ لِلرَّقِيقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ إِجْمَاعًا؛ لأَِنَّ رَقِيقَهُ مَالُهُ. وَقَدْ حَثَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى السَّادَةَ عَلَى تَزْوِيجِ الْمَمَالِيكِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّيَانَةِ وَالإِْعْفَافِ، فَقَال تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (2) . قَال الْقُرْطُبِيُّ: الصَّلاَحُ هُنَا الإِْيمَانُ. وَالأَْمْرُ فِي الآْيَةِ لِلتَّرْغِيبِ وَالاِسْتِحْبَابِ (3) . وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَ الأَْمَةَ عَلَى التَّزْوِيجِ بِمَنْ شَاءَ السَّيِّدُ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَعِيبًا بِعَيْبٍ يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ فَلاَ يَجْبُرُهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا __________ (1) المغني 8 / 162. (2) سورة النور / 32. (3) تفسير القرطبي 12 / 240، 241، والمغني 6 / 504، 506، وشرح الأشباه 2 / 154. إِجْبَارُهُ الْعَبْدَ عَلَى النِّكَاحِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لأَِنَّ مَصْلَحَتَهُ مَوْكُولَةٌ إِلَى السَّيِّدِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجْبُرُهُ؛ لأَِنَّ تَكْلِيفَهُ كَامِلٌ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْفَعَةُ بُضْعِهِ (1) . وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَلاَ لِلأَْمَةِ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ (2) . وَنِكَاحُ الرَّقِيقِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْحَاءٍ كُلُّهَا جَائِزَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. الأَْوَّل: أَنْ يَنْكِحَ الْحُرُّ أَمَةً. الثَّانِي: أَنْ يَنْكِحَ الْعَبْدُ أَمَةً. الثَّالِثُ: أَنْ يَنْكِحَ الْعَبْدُ حُرَّةً. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ: النَّوْعُ الأَْوَّل: نِكَاحُ الْحُرِّ لِلأَْمَةِ: 74 - ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى زَوَاجَ الأَْحْرَارِ بِالإِْمَاءِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ. . .} إِلَى قَوْلِهِ: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ __________ (1) تفسير القرطبي 12 / 241، و5 / 141، وفتح القدير 2 / 482، 491، وروضة الطالبين 7 / 102، 103. (2) فتح القدير 2 / 487، و7 / 338، والمغني 6 / 504. وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) . وَقَدْ أَخَذَ الأَْئِمَّةُ أَكْثَرَ أَحْكَامِ هَذَا النِّكَاحِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ. فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَْصْل تَحْرِيمُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الزَّوَاجِ وَأَنَّهُ لاَ يَحِل، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ مَا لَمْ تَجْتَمِعْ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ تُفِيدُهَا الآْيَةُ. وَأَنَّ الْجَوَازَ إِذَا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ هُوَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ. وَقَالُوا فِي حِكْمَةِ هَذَا التَّحْرِيمِ: إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الزَّوَاجِ يُؤَدِّي إِلَى رِقِّ الْوَلَدِ؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لأُِمِّهِ حُرِّيَّةً وَرِقًّا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْغَضَاضَةِ عَلَى الْحُرِّ بِكَوْنِ زَوْجَتِهِ أَمَةً تُمْتَهَنُ فِي حَوَائِجِ سَيِّدِهَا وَحَوَائِجِ أَهْلِهِ. وَلِذَا قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّمَا حُرٍّ تَزَوَّجَ أَمَةً فَقَدْ أَرَقَّ نِصْفَهُ (2) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا يَلِي: 1 - أَنَّ الآْيَةَ جَعَلَتْ إِبَاحَةَ هَذَا النِّكَاحِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ طَوْل حُرَّةٍ، وَلِمَنْ خَافَ الْعَنَتَ، فَدَلَّتْ بِمَفْهُومِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فِيهِ، فَلاَ يَكُونُ مُبَاحًا لَهُ. 2 - قَوْله تَعَالَى فِي آيَةٍ لاَحِقَةٍ مُشِيرًا إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ النِّكَاحِ: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا} (3) فَدَل عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَالأَْصْل التَّحْرِيمُ. __________ (1) سورة النساء / 25. (2) تفسير القرطبي 5 / 136، 147، وفتح القدير 2 / 376. (3) سورة النساء / 28. فَأَمَّا إِنْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فَإِنَّ نِكَاحَ الأَْمَةِ جَائِزٌ إِجْمَاعًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآْيَةِ (1) . شُرُوطُ إِبَاحَةِ نِكَاحِ الْحُرِّ لِلأَْمَةِ: يُشْتَرَطُ لإِِبَاحَةِ نِكَاحِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ لِلأَْمَةِ مَا يَلِي: الشَّرْطُ الأَْوَّل: 75 - أَنْ لاَ يَكُونَ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهَا. فَإِنْ وُجِدَتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الأَْمَةِ؛ لأَِنَّ الْحُرَّةَ طَوْلٌ، وَفِي الْحَدِيثِ تُنْكَحُ الْحُرَّةُ عَلَى الأَْمَةِ، وَلاَ تُنْكَحُ الأَْمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ. (2) قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا (3) " لَكِنْ قَدْ نُقِل فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ عَنْ مَالِكٍ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْل مَالِكٍ فِي الْحُرَّةِ أَهِيَ طَوْلٌ أَمْ لاَ، فَقَال فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَتِ الْحُرَّةُ بِطَوْلٍ تَمْنَعُ نِكَاحَ الأَْمَةِ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَعَةً لأُِخْرَى وَخَافَ الْعَنَتَ، وَقَال فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحُرَّةَ بِمَثَابَةِ الطَّوْل. قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّ مَنْ __________ (1) المغني 6 / 597. (2) حديث: " لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على الأمة ". أخرجه البيهقي (7 / 175 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث جابر بن عبد الله موقوفًا عليه، وقال: " هذا إسناد صحيح ". وكذا صححه ابن حجر في التلخيص (3 / 171 - ط شركة الطباعة الفنية) . (3) المغني 6 / 597، وفتح القدير 2 / 376، 377، وروضة الطالبين 7 / 129. عِنْدَهُ حُرَّةٌ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الأَْمَةِ وَإِنْ عَدِمَ السَّعَةَ وَخَافَ الْعَنَتَ (1) . وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَتَسَرَّاهَا لاَ يَحِل لَهُ نِكَاحُ الأَْمَةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى شِرَاءِ أَمَةٍ تَصْلُحُ لِلْوَطْءِ (2) . وَيُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فِي الْحُرَّةِ الَّتِي يَمْنَعُ وُجُودُهَا تَحْتَهُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ لِلأَْمَةِ، أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَحْصُل بِهَا الإِْعْفَافُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَمْنَعْ نِكَاحَ الأَْمَةِ، كَأَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً، أَوْ هَرِمَةً، أَوْ غَائِبَةً، أَوْ مَرِيضَةً لاَ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا. لأَِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ حُرَّةٍ تُعِفُّهُ فَأَشْبَهَ مَنْ لاَ يَجِدُ شَيْئًا. وَفِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: أَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، أَوْ بَرْصَاءَ، أَوْ رَتْقَاءَ، أَوْ مُضْنَاةً لاَ تَحْتَمِل الْجِمَاعَ (3) . الشَّرْطُ الثَّانِي: 76 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ حِل نِكَاحِ الأَْمَةِ أَنْ يَخَافَ أَنْ يَقَعَ فِي الزِّنَا إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَشَقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنِ الْجِمَاعِ فَعَنِتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، أَيْ وَقَعَ فِي الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ (4) . __________ (1) تفسير القرطبي 5 / 136، والزرقاني 3 / 220. (2) روضة الطالبين 7 / 131. (3) المغني 6 / 597. (4) تفسير ابن كثير 1 / 478 القاهرة، ط عيسى الحلبي، والزرقاني 3 / 220. قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الزِّنَا، بَل أَنْ يَتَوَقَّعَهُ لاَ عَلَى النُّدُورِ. قَال النَّوَوِيُّ: مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ وَضَعُفَتْ تَقْوَاهُ فَهُوَ خَائِفٌ (1) . وَهَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ لَيْسَ زَوَاجُ الأَْمَةِ مَقْصُورًا عَلَى الضَّرُورَةِ، أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (2) وَقَوْلِهِ: {وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (3) وَلَمْ يَرِدْ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، قَالُوا: وقَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} (4) إِنَّمَا يَدُل عَلَى الْمَنْعِ بِالْمَفْهُومِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَوْ سَلِمَ، لأََمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ لاَ تُنَافِي الصِّحَّةَ. وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ بِالْكَرَاهَةِ (5) . الشَّرْطُ الثَّالِثُ: 77 - أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ، لِعَدَمِ وُجُودِ حُرَّةٍ، أَوْ لِعَدَمِ وُجُودِ الطَّوْل وَهُوَ الصَّدَاقُ. وَقِيل: الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ. وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ (6) . __________ (1) روضة الطالبين 7 / 131. (2) سورة النساء / 3. (3) سورة النساء / 24. (4) سورة النساء / 25. (5) فتح القدير 2 / 376. (6) روضة الطالبين 7 / 129، وتفسير القرطبي 5 / 137، والمغني 6 / 596، والزرقاني 3 / 220. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: 78 - أَنْ لاَ تَكُونَ الأَْمَةُ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَلاَ لِوَلَدِهِ. فَلاَ يَتَزَوَّجُ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الَّتِي يَمْلِكُهَا، قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: لأَِنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ إِلاَّ مُثْمِرًا ثَمَرَاتٍ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُتَنَاكِحَيْنِ، وَالْمَمْلُوكِيَّةُ تُنَافِي الْمَالِكِيَّةَ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّرِكَةِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ، فَلاَ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ. وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا (1) . وَلاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ؛ لأَِنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ. لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (2) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ. لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ وَلاَ تَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ (3) . الشَّرْطُ الْخَامِسُ: 79 - أَنْ تَكُونَ الأَْمَةُ مُسْلِمَةً إِنْ كَانَ مَنْ يُرِيدُ __________ (1) فتح القدير 2 / 371، والمغني 6 / 610، والقليوبي 3 / 247، والزرقاني 3 / 208. (2) حديث: " أنت ومالك لأبيك ". أخرجه ابن ماجه (2 / 769 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (2 / 25 - ط دار الجنان) . (3) المغني 6 / 610، والقليوبي 3 / 247. الزَّوَاجَ بِهَا حُرًّا مُسْلِمًا، فَلَوْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (1) وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ زَوَاجَ الأَْمَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِزَوَاجِهِ بِأَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، وَلأَِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهَا نَقْصُ الْكُفْرِ وَنَقْصُ الرِّقِّ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، أَخْذًا بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (2) وَقَوْلِهِ {وَأُحِل لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (3) قَالُوا: فَلاَ يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ بِمَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ، وَلَيْسَتِ الآْيَةُ السَّابِقَةُ مُوجِبَةً لِلتَّخْصِيصِ؛ لأَِنَّ دَلاَلَتَهَا بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي أُصُول الْفِقْهِ. قَالُوا: وَلأَِنَّ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ جَائِزٌ، فَيَجُوزُ بِالنِّكَاحِ. وَقَالُوا: إِنَّ زَوَاجَ الأَْمَةِ فِي تِلْكَ الْحَال يَكُونُ مَكْرُوهًا، لاَ حَرَامًا (4) . اسْتِدَامَةُ نِكَاحِ الأَْمَةِ عِنْدَ زَوَال بَعْضِ الشُّرُوطِ: 80 - لَوْ زَال بَعْضُ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَعْدَ أَنْ نَكَحَ __________ (1) سورة النساء / 25. (2) سورة النساء / 3. (3) سورة النساء / 24. (4) فتح القدير 2 / 376، والمغني 6 / 596، وكشاف القناع 5 / 85. الْحُرُّ الأَْمَةَ لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلاَقُ، كَأَنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا حُرَّةً، أَوْ أَمْكَنَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا لِوُجُودِهَا، أَوْ كَانَ مُعْسِرًا لاَ يَجِدُ صَدَاقًا فَأَيْسَر، أَوْ كَانَ يَخَافُ الْعَنَتَ ثُمَّ زَال ذَلِكَ الْخَوْفُ لأَِمْرٍ مَا، وَذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ هِيَ شُرُوطُ ابْتِدَاءٍ، لاَ شُرُوطُ دَوَامٍ. وَفِي قَوْل الْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأَْمَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (1) . وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ طَلَّقَ الأَْمَةَ ثُمَّ زَالَتْ بَعْضُ الشُّرُوطِ بِأَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً مَثَلاً، صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُرَاجَعَةُ الأَْمَةِ فِي عِدَّتِهَا (2) . الْوِلاَيَةُ فِي تَزْوِيجِ الأَْمَةِ: 81 - لاَ تُزَوِّجُ الأَْمَةُ نَفْسَهَا، بَل وِلاَيَةُ تَزْوِيجِهَا لِسَيِّدِهَا لأَِنَّهَا مَالُهُ. وَقَدْ قَال تَعَالَى {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (3) أَيْ بِوِلاَيَةِ أَرْبَابِهِنَّ وَمَالِكِيهِنَّ. فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا فَلِوَلِيِّهِ فِي الْمَال تَزْوِيجُهَا؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ مَالِيَّةٌ لِلصَّغِيرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيل مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا، وَكِفَايَةِ مُؤْنَتِهَا، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، إِلَى __________ (1) الزرقاني على مختصر خليل 3 / 220. (2) روضة الطالبين 7 / 133 و8 / 217، والمغني 6 / 599. (3) سورة النساء / 25. أَنَّ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ إِذَا ظَهَرَتِ الْغِبْطَةُ (الْحَظُّ الْمَالِيُّ) . وَإِنْ كَانَ مَالِكُ الأَْمَةِ امْرَأَةً فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ مَنْ يَتَوَلَّى تَزْوِيجَ الْمَرْأَةِ يَتَوَلَّى تَزْوِيجَ أَمَتِهَا، وَلاَ يُزَوِّجُهَا إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا لأَِنَّهَا مَالُهَا، فَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا أَحَدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهَا (1) . الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ وَالاِسْتِخْدَامُ: 82 - إِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ فَمَهْرُهَا لَهُ؛ لأَِنَّهَا مِلْكُهُ ذَاتًا وَمَنْفَعَةً، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ. وَقَال مَالِكٌ: مَهْرُهَا لَهَا، وَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ السَّيِّدِ، لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (2) . هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْهُ، وَفِي الزَّرْقَانِيِّ أَنَّ الْمَنْقُول عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فِيهِ خِلاَفٌ. وَإِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَيَبْقَى لَهُ مَنْفَعَةُ اسْتِخْدَامِهَا، فَتَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عِنْدَهُ نَهَارًا؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الْخِدْمَةِ، وَتَكُونُ عِنْدَ زَوْجِهَا لَيْلاً؛ لأَِنَّهُ وَقْتُ الاِسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ تَبَرَّعَ السَّيِّدُ بِأَنْ تَكُونَ عِنْدَ الزَّوْجِ لَيْلاً وَنَهَارًا كَانَتْ عِنْدَهُ. وَحَيْثُ كَانَتْ عِنْدَ السَّيِّدِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا فِي وَقْتِهِ، وَحَيْثُ كَانَتْ __________ (1) المغني 6 / 467، 468، وتفسير القرطبي 5 / 141، وروضة الطالبين 7 / 105. (2) تفسير القرطبي 5 / 142 والآية سورة النساء / 25. عِنْدَ الزَّوْجِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا فِي وَقْتِهِ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ لِلشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الأَْمَةِ الْمُزَوَّجَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِكُل حَالٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ الأَْمَةِ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى كُل حَالٍ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِالتَّمْكِينِ التَّامِّ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَوِّئَهَا بَيْتَ الزَّوْجِ، لَكِنَّهَا تَخْدُمُ الْوَلِيَّ، وَيُقَال لِلزَّوْجِ: مَتَى ظَفِرْتَ بِهَا وَطِئْتَهَا، فَإِنْ بَوَّأَهَا مَعَهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَإِلاَّ فَلاَ (1) . أَوْلاَدُ الْحُرِّ مِنَ الأَْمَةِ: 83 - إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَمَةً فَأَوْلاَدُهُ مِنْهَا أَرِقَّاءُ تَبَعًا لأُِمِّهِمْ، فَيُولَدُونَ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْتَرِطِ الزَّوْجُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ حُرِّيَّةَ أَوْلاَدِهِ مِنْهَا، فَإِنْ شَرَطَهُ صَحَّ وَعَتَقَ جَمِيعُ أَوْلاَدِهِ مِنْهَا مِنْ ذَلِكَ النِّكَاحِ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ بِالْوِلاَدَةِ، ثُمَّ إِنْ مَاتَ السَّيِّدُ أَوْ بَاعَ الأَْمَةَ الزَّوْجَةَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الشَّرْطَ قَائِمٌ وَيَعْتِقُ مَنْ يُولَدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ أَوْلاَدَ أَمَتِهِ __________ (1) الهداية وفتح القدير 2 / 491، وحاشية ابن عابدين 2 / 276، والمغني 6 / 564، والقليوبي 3 / 272، وروضة الطالبين 5 / 186، 8 / 409 و9 / 79، والزرقاني 3 / 221، وكشاف القناع 3 / 554، و5 / 187. فَعَلَى الأَْبِ الْحُرِّ نَفَقَتُهُمْ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِلاَّ أَنْ يَعْدَمَ أَوْ يَمُوتَ فَعَلَى السَّيِّدِ؛ لأَِنَّ مَنْ أُعْتِقَ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مُعْتِقِهِ، لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعْتَقَهُ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَتَهُ (1) . وَلَوْ أَنَّ الزَّوْجَ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الأَْمَةَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً مِنْهُ صَارَ الْحَمْل مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْعُلُوقُ أَثْنَاءَ الرِّقِّ. صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (2) . زَوَاجُ الْحُرَّةِ عَلَى الأَْمَةِ: 84 - مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِشُرُوطِهَا، ثُمَّ أَمْكَنَهُ زَوَاجُ الْحُرَّةِ فَتَزَوَّجَهَا، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لاَ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأَْمَةِ. وَيُثْبِتُ الْمَالِكِيَّةُ لِلْحُرَّةِ هُنَا الْحَقَّ فِي فَسْخِ نَفْسِهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ بِأَنَّهُ مُتَزَوِّجٌ بِأَمَةٍ، قَالُوا: ذَلِكَ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الْمَعَرَّةِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَيَكُونُ فَسْخُهَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يَقَعْ إِلاَّ وَاحِدَةٌ. قَالُوا: وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى الْحُرَّةِ أَمَةً يَكُونُ لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ (3) . __________ (1) الزرقاني 3 / 220 و4 / 253، وكشاف القناع 6 / 474، وحاشية ابن عابدين 2 / 276. (2) حاشية القليوبي على شرح المنهاج 4 / 354. (3) الزرقاني 3 / 221. الْعِشْرَةُ وَالْقَسْمُ: 85 - يَسْتَمْتِعُ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ الأَْمَةِ بِمِثْل مَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ الْحُرَّةِ، وَيَجْتَنِبُ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ، لَكِنْ لاَ يَعْزِل عَنِ الْحُرَّةِ إِلاَّ بِرِضَاهَا، وَلاَ يَعْزِل عَنْ زَوْجَتِهِ الأَْمَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ إِلاَّ بِرِضَا سَيِّدِهَا لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ. وَقَال صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: الْحَقُّ فِي الإِْذْنِ لَهَا خَاصَّةً؛ لأَِنَّ الْوَطْءَ حَقُّهَا إِذْ تَثْبُتُ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَفِي الْعَزْل تَنْقِيصُ حَقِّهَا فَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا كَالْحُرَّةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَعْزِل عَنْ زَوْجَتِهِ الأَْمَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَإِذْنِهَا، لأَِنَّ الْعَزْل يُنْقِصُ الاِسْتِمْتَاعَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَحْرُمُ الْعَزْل عَنِ الْحُرَّةِ وَالأَْمَةِ، زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً، بِالإِْذْنِ وَغَيْرِ الإِْذْنِ (1) . وَالْحَقُّ فِي الاِسْتِمْتَاعِ لِلأَْمَةِ لاَ لِسَيِّدِهَا، فَلَوْ تَنَازَلَتْ عَنْ حَقِّهَا فِي الْقَسْمِ صَحَّ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِعَيْبِ الزَّوْجِ فَلاَ فَسْخَ (2) . وَلِلزَّوْجَةِ الأَْمَةِ الْحَقُّ فِي أَنْ يَقْسِمَ لَهَا، بِخِلاَفِ السُّرِّيَّةِ. وَلَهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ نِصْفُ __________ (1) الزرقاني 3 / 224، وكشاف القناع 5 / 189، وروضة الطالبين 7 / 5، وفتح القدير 2 / 495، وتكملته 8 / 110. (2) روضة الطالبين 7 / 353، 9 / 79. مَا يَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ، فَلِلأَْمَةِ لَيْلَةٌ مُقَابِل كُل لَيْلَتَيْنِ لِلْحُرَّةِ. فَإِنْ كُنَّ إِمَاءً كُلَّهُنَّ وَجَبَ الْعَدْل بَيْنَهُنَّ، قَال الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ -: فَيَقْسِمُ لَهُنَّ لَيْلَةً وَلَيْلَةً لاَ أَكْثَرُ، كَمَا لَوْ كُنَّ كُلُّهُنَّ حَرَائِرَ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَيْنَ بِالزِّيَادَةِ. قَالُوا: وَالْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلأَْمَةِ لاَ لِسَيِّدِهَا، فَلَهَا أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِضَرَّتِهَا أَوْ لِزَوْجِهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الاِعْتِرَاضُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ وَالزَّوْجَةِ الأَْمَةِ فِي الْقَسْمِ. وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِكْرًا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ دَارَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا ثُمَّ دَارَ، كَمَا يَفْعَل مَعَ الْحُرَّةِ (1) . وَلَوْ تَبَيَّنَ الزَّوْجُ عِنِّينًا فَرَضِيَتْ بِهِ كَانَ لِسَيِّدِهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَسْخِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ: الطَّلَبُ لَهَا (2) . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ عَنْ مَسْأَلَةِ الْعَزْل وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. اسْتِبْرَاءُ الزَّوْجَةِ الأَْمَةِ: 86 - مَنِ اشْتَرَى أَمَةً لَمْ يَحِل لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، وَذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا (ر: اسْتِبْرَاء) . __________ (1) كشاف القناع 5 / 207، والزرقاني 4 / 57، والمغني 7 / 35، وفتح القدير 2 / 380، والأشباه والنظائر للسيوطي ص93. (2) فتح القدير 3 / 264، وروضة الطالبين 9 / 79. أَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى يَطَؤُهَا قَبْل التَّزْوِيجِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ مَتَى صَحَّ تَضَمَّنَ الْعِلْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ شَرْعًا وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الاِسْتِبْرَاءِ، وَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا قَبْل أَنْ يُزَوِّجَهَا. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ مَوْطُوءَتَهُ إِنْ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا وَيُصَدَّقُ السَّيِّدُ إِنْ قَال: إِنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا قَبْل التَّزْوِيجِ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا اسْتِحْسَانًا (1) . النَّوْعُ الثَّانِي: زَوَاجُ الْعَبْدِ بِالأَْمَةِ: 87 - يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَمَةً، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِزَوَاجِ الْحُرِّ بِالأَْمَةِ، وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِ الْعَبْدِ وَسَيِّدِ الأَْمَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ (2) وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَكُونُ نِكَاحُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ السَّيِّدِ. إِذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ عَبْدٌ وَأَمَةٌ فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، وَيُشْتَرَطُ إِذْنُ الْعَبْدِ عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ إِجْبَارَهُ __________ (1) حاشية ابن عابدين 5 / 240، والزرقاني 4 / 233. (2) حديث: " أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر ". أخرجه الترمذي (3 / 410 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وقال: " حديث حسن ". عَلَى النِّكَاحِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. وَإِذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ فَلاَ مَهْرَ عِنْدَ مَنْ قَال: إِنَّ مَهْرَ الأَْمَةِ لِسَيِّدِهَا (1) . وَمَهْرُ زَوْجَةِ الْعَبْدِ فِي كَسْبِهِ هُوَ إِنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ فِي قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ الزَّوْجَةِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنَ الْكَسْبِ، ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ إِلاَّ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ إِنْ كَثُرَ مَالُهُ؛ لِضَعْفِ مِلْكِهِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى السَّيِّدِ سَوَاءٌ ضَمِنَهَا أَوْ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ هُوَ الْعَقْدَ أَوْ بَاشَرَهُ الْعَبْدُ بِإِذْنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ بِرِضَا سَيِّدِهِ فَيَضْمَنُهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ أَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَسْقُطِ الْمَهْرُ عَنِ السَّيِّدِ (2) . وَتُعْلَمُ غَالِبُ أَحْكَامِ هَذَا النَّوْعِ مِنِ النِّكَاحِ، بِمُرَاجَعَةِ زَوَاجِ الْحُرِّ بِالأَْمَةِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: زَوَاجُ الْعَبْدِ بِالْحُرَّةِ: 88 - لاَ يَمْتَنِعُ شَرْعًا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً، وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ، وَلَكِنْ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ __________ (1) فتح القدير 2 / 488، والزرقاني والبناني 2 / 218 و3 / 196، 197. (2) المغني 6 / 507، وكشاف القناع 5 / 56، وروضة الطالبين 9 / 40، 41، 79، وشرح المنهاج 3 / 272. يَتَزَوَّجَ سَيِّدَتَهُ؛ لأَِنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ تَتَنَافَى مَعَ أَحْكَامِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الطَّرَفُ الآْخَرُ بِحُكْمِهِ يُسَافِرُ بِسَفَرِهِ وَيُقِيمُ بِإِقَامَتِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ فَيَتَنَافَيَانِ؛ وَلأَِنَّ مُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ قِوَامَةُ الرَّجُل عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْحِفْظِ وَالصَّوْنِ وَالتَّأْدِيبِ، وَالاِسْتِرْقَاقُ يَقْتَضِي قَهْرَ السَّادَاتِ لِلْعَبِيدِ بِالاِسْتِيلاَءِ وَالاِسْتِهَانَةِ، فَيَتَعَذَّرُ أَنْ تَكُونَ سَيِّدَةً لِعَبْدِهَا وَزَوْجَةً لَهُ. وَلَوْ أَنَّ الزَّوْجَةَ الْحُرَّةَ مَلَكَتْ زَوْجَهَا الْعَبْدَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا. وَمِمَّا يَدُل لِصِحَّةِ زَوَاجِ الْعَبْدِ بِحُرَّةٍ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِعَبْدٍ اسْمُهُ مُغِيثٌ، فَلَمَّا أُعْتِقَتْ، قَال لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ رَاجَعْتِيهِ. فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي؟ قَال: إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ. قَالَتْ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ (1) . فَلاَ يَشْفَعُ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ تَنْكِحَ عَبْدًا إِلاَّ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ (2) . وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ كُفْءٍ لِلْحُرَّةِ فَلاَ تَتَزَوَّجُهُ إِلاَّ بِرِضَا أَوْلِيَائِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَتْهُ فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمُ الْفَسْخُ. وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ، عَلَى أَنَّ الْمَنْقُول __________ (1) حديث: " قصة بريرة ومغيث ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 408 - ط السلفية) من حديث ابن عباس. (2) المغني 6 / 484، 610، 611 والعناية بهامش فتح القدير 2 / 371، وكشاف القناع 5 / 897، والقليوبي 3 / 247. عَنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي الأَْوْلِيَاءِ إِذَا تَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ رَضِيَ بَعْضُهُمْ وَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ يَكُنْ لِبَاقِي الأَْوْلِيَاءِ الْفَسْخُ. وَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَيْضًا أَنَّ الأَْمَةَ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الْبَقَاءِ مَعَهُ وَبَيْنَ الْفَسْخِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْفَسْخَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارِهَا وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي لِظُهُورِهِ وَعَدَمِ الْخِلاَفِ فِيهِ (1) . وَوَلَدُ الْعَبْدِ مِنْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ أَحْرَارٌ؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لأُِمِّهِ حُرِّيَّةً وَرِقًّا (2) . إِنْفَاقُ الْعَبْدِ عَلَى أَوْلاَدِهِ: 89 - إِنْ كَانَ أَوْلاَدُ الْعَبْدِ أَحْرَارًا، كَأَنْ تَكُونَ أُمُّهُمْ حُرَّةً، أَوْ يَكُونُوا مِنْ أَمَةٍ فَيُعْتِقُهُمُ السَّيِّدُ، فَلاَ تَلْزَمُ أَبَاهُمُ الْعَبْدَ نَفَقَتُهُمْ، وَكَذَا لاَ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ سِوَاهُمْ؛ لأَِنَّ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْمُوَاسَاةِ وَلَيْسَ الْعَبْدُ أَهْلَهَا. وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَقَارِبِهِمْ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَال. وَإِنْ كَانُوا أَرِقَّاءَ فَلَيْسَ عَلَى أَبِيهِمُ الْعَبْدِ __________ (1) فتح القدير والعناية 2 / 408، 419، المغني 6 / 481، 484، وكشاف القناع 5 / 68، وروضة الطالبين 7 / 80، 84. (2) البناني على الزرقاني 3 / 245، والأشباه للسيوطي 267. نَفَقَتُهُمْ أَيْضًا، وَتَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ سَيِّدَهُمْ (1) . عَدَدُ زَوْجَاتِ الْعَبْدِ: 90 - اخْتُلِفَ فِي الْعَدَدِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَهُ مِنَ النِّسَاءِ، فَقِيل: لاَ يَتَزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَتَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي ذَلِكَ. وَبِمَا رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَال: أَجْمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، وَلِكَوْنِ أَحْكَامِ الرَّقِيقِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَحْكَامِ الأَْحْرَارِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَقِيل: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، قَالُوا: لِعُمُومِ آيَةِ: وَرُبَاعَ (2) لأَِنَّ النِّكَاحَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَالْعَبْدَ وَالْحُرَّ فِيهِمَا سَوَاءٌ (3) . أَحْكَامُ نِكَاحِ الْعَبْدِ: 91 - الأَْصْل أَنَّ أَحْكَامَ نِكَاحِ الْعَبْدِ كَأَحْكَامِ نِكَاحِ الأَْحْرَارِ، إِلاَّ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ - غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ - أَنَّ الْعَبْدَ إِنْ وَطِئَ __________ (1) المغني 7 / 599، وروضة الطالبين 9 / 96، والزرقاني 3 / 197. (2) سورة النساء / 3. (3) الزرقاني 3 / 207، وكشاف القناع 5 / 81، وفتح القدير 2 / 380. الْحُرَّةَ فِي نِكَاحٍ لَمْ يُحْصِنْهَا، كَمَا أَنَّ نِكَاحَ الأَْمَةِ لاَ يُحْصِنُ الْحُرَّ، فَلَوْ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا فَوَطِئَهَا ثُمَّ زَنَتْ حُدَّتْ حَدَّ الْبِكْرِ وَهُوَ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَلَمْ تُرْجَمْ؛ لِعَدَمِ إِحْصَانِهَا. وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَال مَالِكٌ: إِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حُرًّا وَالآْخَرُ مَمْلُوكًا وَتَمَّ الْوَطْءُ فَالْحُرُّ مِنْهُمَا مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ إِنْ زَنَى (1) . الإِْيلاَءُ مِنَ الزَّوْجَةِ الأَْمَةِ، وَإِيلاَءُ الْعَبْدِ مِنْ زَوْجَتِهِ: 92 - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الإِْيلاَءَ مِنَ الزَّوْجَةِ الأَْمَةِ كَالإِْيلاَءِ مِنَ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ حُرًّا، وَلِلأَْمَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ وَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهَا فِي الاِسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ تَرَكَتِ الْمُطَالَبَةَ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهَا الطَّلَبُ. وَاحْتَجُّوا عَلَى الأَْشْهُرِ الأَْرْبَعَةِ بِعُمُومِ آيَةِ الإِْيلاَءِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مُدَّةَ الإِْيلاَءِ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا شَهْرَانِ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حُرًّا فَالْمُدَّةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً. وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ قِيَاسًا عَلَى الْعِدَّةِ (2) . الْخُلْعُ: __________ (1) المغني 8 / 163، والزرقاني 8 / 82. (2) المغني 7 / 318، 323، وفتح القدير 3 / 195، وروضة الطالبين 8 / 230، والزرقاني 4 / 152. إنْ خَالَعَتِ الأَْمَةُ زَوْجَهَا عَلَى مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ صَحَّ الْخُلْعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلاَ يَلْزَمُ سَيِّدَهَا أَدَاءُ الْمَال، بَل يَكُونُ فِي ذِمَّتِهَا تُؤَدِّيهِ إِنْ عَتَقَتْ، وَقِيل: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا فَتُبَاعُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَزِمَهُ وَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ هُوَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ خُلْعُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ. وَإِنْ خَالَعَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ صَحَّ الْخُلْعُ؛ لأَِنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلاَقَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَمَلَكَ الْخُلْعَ، وَهُوَ طَلاَقٌ أَوْ فَسْخٌ عَلَى مَالٍ، وَالْحَقُّ فِي الْعِوَضِ لِلسَّيِّدِ. فَإِنْ كَانَتِ الأَْمَةُ مَأْذُونًا لَهَا فِي التِّجَارَةِ، أَوْ تَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الْمَال عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْمَال، لَزِمَهَا الْمَال (1) . الظِّهَارُ وَالْكَفَّارَاتُ: 94 - إِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ عَبْدًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ إِلاَّ بِالصِّيَامِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ الإِْعْتَاقَ وَلاَ الإِْطْعَامَ، فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ وَأَسْوَأُ مِنْهُ حَالاً. لَكِنْ إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الإِْعْتَاقِ أَوِ الإِْطْعَامِ فَفِي إِجْزَائِهِ قَوْلاَنِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ لَوْ أَعْتَقَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ __________ (1) المغني 7 / 81، 82، 86، وكشاف القناع 5 / 125، وروضة الطالبين 7 / 384، وفتح القدير 3 / 217، 205، والزرقاني 4 / 64. فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ هُوَ مَمْلُوكٌ لاَ يَمْلِكُ، فَيَقَعُ تَكْفِيرُهُ بِمَال غَيْرِهِ فَلَمْ يُجْزِئُهُ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ الإِْطْعَامُ الْمَأْذُونُ فِيهِ دُونَ الْعِتْقِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلاَءَ وَالْوِلاَيَةَ وَالإِْرْثَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلرَّقِيقِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَال جَازَ سَوَاءٌ كَانَ إِطْعَامًا أَوْ عِتْقًا، وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل الأَْوْزَاعِيِّ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: فَإِنْ أَعْتَقَ فَالْوَلاَءُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ عَتَقَ فَالْوَلاَءُ لَهُ، وَإِنْ دَامَ رِقُّهُ فَالْوَلاَءُ لِسَيِّدِهِ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْعِتْقِ أَوِ الإِْطْعَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُول بِإِجْزَائِهِمَا؛ لأَِنَّ الصِّيَامَ فَرْضُهُ (1) . وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لَهُمْ: بِأَنَّ لِلسَّيِّدِ مَعَ ذَلِكَ مَنْعَهُ مِنَ الصَّوْمِ إِنْ أَضَرَّ بِخِدْمَتِهِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، أَمَّا فِيهَا فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الزَّوْجَةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَوْ أَضَرَّ بِخِدْمَتِهِ؛ لأَِنَّهُ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ (2) . __________ (1) المغني 7 / 380، والزرقاني 4 / 179، وكشاف القناع 6 / 244، وروضة الطالبين 11 / 4. (2) الزرقاني 4 / 179، والمغني 8 / 753، وروضة الطالبين 8 / 300. وَمِمَّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ حُكْمُ التَّكْفِيرِ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْقَتْل إِذْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمَا الأَْحْكَامُ السَّابِقَةُ بِقَدْرِهِمَا (1) . الطَّلاَقُ: 95 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ الطَّلاَقِ فِي نِكَاحِ الرَّقِيقِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ عَدَدَ الطَّلاَقِ مُعْتَبَرٌ بِالزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا فَإِنَّهُ يَمْلِكُ عَلَى زَوْجَتِهِ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً. وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَإِنَّهُ يَمْلِكُ تَطْلِيقَتَيْنِ لاَ غَيْرُ، وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ بَانَتْ مِنْهُ وَلَمْ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: طَلاَقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ وَلاَ تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا. (2) وَبِأَنَّ __________ (1) المغني 8 / 753، وكشاف القناع 6 / 66، 244 وشرح الأشباه 2 / 153. (2) حديث: " طلاق العبد تطليقتان ولا تحل له حتى تنكح زوجًا ". أخرجه الدارقطني (4 / 39 - ط دار المحاسن) من طريق القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعًا، ثم نقل عن أبي عاصم ـ الضحاك بن مخلد ـ أنه استنكره، وعن أبي بكر النيسابوري أنه قال: " والصحيح عن القاسم خلاف هذا " الرَّجُل هُوَ الْمُخَاطَبُ بِالطَّلاَقِ فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهِ؛ وَلأَِنَّ الطَّلاَقَ خَالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ، وَهُوَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ اتِّفَاقًا، فَكَانَ اخْتِلاَفُهُ بِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسَاءِ، فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً فَطَلاَقُهَا ثَلاَثٌ وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَطَلاَقُهَا اثْنَتَانِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَعِكْرِمَةَ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ طَلاَقُ الأَْمَةِ اثْنَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ (1) . وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ مَحَل الطَّلاَقِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِهَا كَالْعِدَّةِ. وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى أَنَّ أَيَّهُمَا رَقَّ نَقَصَ الطَّلاَقُ بِرِقِّهِ (2) . وَإِنَّمَا ذَهَبُوا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إِلَى نَقْصِ طَلاَقِ الرَّقِيقِ عَنْ طَلاَقِ الأَْحْرَارِ قِيَاسًا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي قَال اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ __________ (1) حديث: " طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان ". أخرجه الدارقطني (4 / 38 - ط دار المحاسن) من حديث ابن عمر، وضعفه ولكنه صححه موقوفًا من قول ابن عمر، ثم أسنده إليه بلفظ: " طلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاثة قروء، وطلاق الحر الأمة تطليقتان، وعدتها عدة الأمة حيضتان ". (2) المغني 7 / 262، وكشف القناع 5 / 259، وفتح القدير 3 / 42، 174، وروضة الطالبين 8 / 71. أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (1) إِلاَّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّنْصِيفُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَلْقَةً وَنِصْفًا، وَلاَ نِصْفَ لِلطَّلْقَةِ، حَتَّى لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ طُلِّقَتْ طَلْقَةً كَامِلَةً، فَلِذَا كَانَ طَلاَقُ الرَّقِيقِ طَلْقَتَيْنِ عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَنْ يُعْتَبَرُ بِهِ الطَّلاَقُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ. ثُمَّ إِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَلَوْ لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا آخَرَ لَكِنْ أَصَابَهَا سَيِّدُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَمْ تَحِل لِمُطَلِّقِهَا بِذَلِكَ بِدَلاَلَةِ الآْيَةِ. وَلَوْ أَنَّ زَوْجَهَا بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا كُل مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الطَّلاَقِ اشْتَرَاهَا لَمْ يَحِل لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَا لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا آخَرَ (2) . تَطْلِيقُ السَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ: 96 - لَوْ طَلَّقَ السَّيِّدُ زَوْجَةَ عَبْدِهِ لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ سَوَاءٌ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أَمَةً لِلسَّيِّدِ أَمْ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا قَال: فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَقَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ __________ (1) سورة النساء / 25. (2) فتح القدير 3 / 43، 174، 177. مَا بَال أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِنَّمَا الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ.} (1) وَحَقُّ الرَّجْعَةِ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ هُوَ لِلْعَبْدِ لاَ لِسَيِّدِهِ، فَلَهُ الْمُرَاجَعَةُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنِ السَّيِّدُ. وَالأَْمَةُ تَثْبُتُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ أَيْضًا وَلَوْ لَمْ يَرْضَ سَيِّدُهَا (2) . انْفِسَاخُ نِكَاحِ الأَْمَةِ بِمِلْكِ زَوْجِهَا لَهَا: 97 - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الأَْمَةَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لَهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ الْمِلْكُ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِشِرَاءٍ، أَوْ بِقَبُولِهَا هِبَةً، أَوْ وَصِيَّةً، أَوْ بِالْمِيرَاثِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَوْ أَوْصَى السَّيِّدُ بِجَارِيَتِهِ لِزَوْجِهَا الْحُرِّ، وَمَاتَ، فَقَبِل الزَّوْجُ الْوَصِيَّةَ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَجْتَمِعُ مَعَ الْمِلْكِ، ثُمَّ مَنْ قَال بِأَنَّهُ تُمْلَكُ الْوَصِيَّةُ بِالْقَبُول، فَحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ. وَمَنْ قَال بِأَنَّهُ إِذَا قَبِل تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَلَكَ الْمُوصَى بِهِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ يَقُول: إِنَّ الاِنْفِسَاخَ يَتَبَيَّنُ حُصُولُهُ بِالْمَوْتِ (3) . بَيْعُ الأَْمَةِ الْمُزَوَّجَةِ هَل يَكُونُ فَسْخًا لِنِكَاحِهَا: 98 - إِذَا بَاعَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ لِغَيْرِ زَوْجِهَا فَلاَ __________ (1) فتح القدير 3 / 43، والزرقاني 3 / 195. وحديث: " يا أيها الناس. . " أخرجه ابن ماجه (1 / 671 - ط الحلبي) وضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة (1 / 358 ط. دار الجنان) . (2) روضة الطالبين 8 / 215، 217. (3) المغني 6 / 19. يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَنَّ بَيْعَ الأَْمَةِ يَكُونُ طَلاَقًا لَهَا، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (1) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالتَّابِعِينَ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَذَكَرَ مِنْهُمْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيَّ. اهـ. وَنَقَل الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْعُهَا طَلاَقُهَا، وَالصَّدَقَةُ بِهَا طَلاَقُهَا، وَأَنْ تُورَثَ طَلاَقُهَا وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْقِيَاسِ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ: لاَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ بِالْبَيْعِ، فَكَذَا هُنَا، وَبِقِصَّةِ بَرِيرَةَ، فَإِنَّهَا لَمَّا أُعْتِقَتْ خُيِّرَتْ، أَيْ فَلَمْ يَكُنْ عِتْقُهَا طَلاَقًا، فَكَذَا بَيْعُهَا. وَهَذَا بِخِلاَفِ سَبْيِ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ، فَإِنَّ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِيهَا، فَتَحِل لِمَنْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا (2) . عِدَّةُ الأَْمَةِ: 99 - تَنْتَهِي عِدَّةُ الأَْمَةِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً بِوَضْعِ الْحَمْل كَالْحُرَّةِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلاً، وَكَانَتِ الْعِدَّةُ مِنْ وَفَاةٍ __________ (1) سورة النساء / 24. (2) روضة الطالبين 7 / 220، وفتح الباري 9 / 404، والقرطبي 5 / 122. فَهِيَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، فَتَكُونُ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ مِنْ طَلاَقٍ وَكَانَتِ الأَْمَةُ مِمَّنْ يَحِضْنَ كَانَتْ عِدَّتُهَا قُرْأَيْنِ، وَهُمَا حَيْضَتَانِ، أَوْ طُهْرَانِ، عَلَى الْخِلاَفِ الْمَعْرُوفِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَلاَقُ الأَْمَةِ اثْنَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ (1) . وَهَذَا لأَِنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ، وَالْحَيْضَةُ لاَ تَتَجَزَّأُ، فَأُكْمِلَتْ فَصَارَتْ قُرْأَيْنِ. . وَقَدْ أَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا لَفَعَلْتُ. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَحِضْنَ لِصِغَرٍ، أَوْ إِيَاسٍ، وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ وَلَمْ تَحِضْ، فَعِدَّتُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: شَهْرٌ وَنِصْفٌ، عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَلَمْ يَكْمُل الشَّهْرُ الثَّانِي؛ لأَِنَّ الأَْشْهُرَ مُتَجَزِّئَةٌ، فَأَمْكَنَ تَنْصِيفُهَا. وَقِيل: تَكُونُ عِدَّتُهَا شَهْرَيْنِ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقَ؛ لأَِنَّ الأَْشْهُرَ بَدَلٌ مِنَ الْقُرُوءِ، وَعِدَّةُ الَّتِي تَحِيضُ قُرْءَانِ، فَعِدَّةُ الَّتِي لاَ تَحِيضُ شَهْرَانِ. وَقَال مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ: تَكُونُ عِدَّتُهَا ثَلاَثَةَ __________ (1) حديث: " طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان ". سبق تخريجه (ف95) . أَشْهُرٍ، كَالْحُرَّةِ، وَلأَِنَّ الْعِدَّةَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَذَلِكَ مَعْنًى لاَ تَخْتَلِفُ فِيهِ الأَْمَةُ عَنِ الْحُرَّةِ، وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ ثَالِثٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيِّ (1) . حِدَادُ الأَْمَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَسُكْنَاهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ: 100 - يَجِبُ عَلَى الأَْمَةِ الإِْحْدَادُ عَلَى زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى مُدَّةَ عِدَّتِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ مَوْلاَهَا، وَلَيْسَ فِي الإِْحْدَادِ إِبْطَالٌ لِحَقِّهِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا لاَ تُمْنَعُ مِنَ الْخُرُوجِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَهَا فَاتَ حَقُّ السَّيِّدِ فِي اسْتِخْدَامِهَا. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحِدَادُ لِلطَّلاَقِ الْبَائِنِ. وَلَكِنْ تَخْرُجُ فِي الْعِدَّةِ بِخِلاَفِ الْحُرَّةِ. وَحَيْثُ اسْتَحَقَّتِ الأَْمَةُ الْمُزَوَّجَةُ السُّكْنَى فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ (2) . اللِّعَانُ: 101 - إِنْ قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا وَأَحَدُهُمَا أَوْ __________ (1) فتح القدير 3 / 272 - 274، والمغني 7 / 451 - 467، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 194، وروضة الطالبين 8 / 139، 371. (2) فتح القدير 3 / 295، وشرح الأشباه للحموي 2 / 155، وروضة الطالبين 8 / 405، 409. كِلاَهُمَا رَقِيقٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا: فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَنْصُوصَةِ عَنْهُ الَّتِي رَوَاهَا الْجَمَاعَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى صِحَّةِ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَةً. وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالْحَسَنِ، وَرَبِيعَةَ، وَإِسْحَاقَ. وَيُسْتَدَل لِهَذَا الْقَوْل بِعُمُومِ آيَاتِ اللِّعَانِ؛ وَلأَِنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ؛ وَلأَِنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ عَبْدًا يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ، فَيُشْرَعُ اللِّعَانُ طَرِيقًا لَهُ إِلَى نَفْيِ الْوَلَدِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ كِلاَهُمَا مَمْلُوكًا فَلاَ لِعَانَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَحَمَّادٍ، قَالُوا: لأَِنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَالرَّقِيقُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. وَفِي قَوْلٍ لِلْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْمَقْذُوفَةُ أَمَةً فَيَصِحُّ اللِّعَانُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا لإِِسْقَاطِ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ؛ لأَِنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ، وَاللِّعَانُ إِنَّمَا يُشْرَعُ لإِِسْقَاطِ حَدٍّ أَوْ نَفْيِ وَلَدٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ امْتَنَعَ اللِّعَانُ (1) . __________ (1) المغني 7 / 392، وروضة الطالبين 8 / 332، 355، والزرقاني 4 / 187، وفتح القدير 2 / 247. النَّسَبُ: 102 - وَلَدُ الْحُرَّةِ مَنْسُوبٌ إِلَى زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا إِذَا أَتَتْ بِهِ تَامًّا لأَِقَل مُدَّةِ الْحَمْل مِنْ حِينَ عَقَدَ عَلَيْهَا وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، مَا لَمْ يَزِدْ عَنْ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْل مُنْذُ فَارَقَهَا. وَوَلَدُ الأَْمَةِ إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ لاَحِقٌ بِزَوْجِهَا، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحُرَّةِ. فَإِنْ كَانَتِ الأَْمَةُ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الإِْمْكَانِ، فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهَا وَطِئَهَا وَثَبَتَ ذَلِكَ بِاعْتِرَافِهِ، أَوْ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، فَأَتَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِلْحَاقٍ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ، وَلَوْ نَفَاهُ وَأَنْكَرَهُ مَا دَامَ مُقِرًّا بِالْوَطْءِ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ. فَإِنْ نَفَاهُ لَمْ يَنْتِفْ عَنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ فَأَتَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنِ اسْتِبْرَائِهِ لَهَا. وَلاَ لِعَانَ بَيْنَ الأَْمَةِ وَسَيِّدِهَا، وَقِيل: لَهُ اللِّعَانُ لِلنَّفْيِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ (1) وَقَدْ صَارَتِ الأَْمَةُ بِالْوَطْءِ فِرَاشًا. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: حَصِّنُوا هَذِهِ الْوَلاَئِدَ فَلاَ يَطَأُ رَجُلٌ وَلِيدَتَهُ ثُمَّ يُنْكِرُ وَلَدَهَا إِلاَّ أَلْزَمْتُهُ إيَّاهُ وَقَال: مَا بَال __________ (1) حديث: " الولد للفراش ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 292 - ط السلفية) من حديث عائشة. رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلاَئِدَهُمْ ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ، لاَ تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ أَتَاهَا إِلاَّ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَوِ اتْرُكُوا. ثُمَّ إِنْ أَقَرَّ بِالْوَلَدِ فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا إِنْ هَنِئَ بِهِ فَسَكَتَ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: لاَ تَصِيرُ الأَْمَةُ بِالْوَطْءِ فِرَاشًا، وَلاَ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا إِذَا تَرَكَ الاِعْتِرَافَ بِهِ أَوْ سَكَتَ مَا لَمْ يُقِرَّ بِوَلَدِهَا، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَحِقَهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ وَسَائِرُ أَوْلاَدِهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَوْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ فَعَزَل عَنْهَا أَوْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ لَمْ تَكُنْ بِذَلِكَ فِرَاشًا، وَلاَ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا وَقِيل: بَلَى. وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ زِنًا لَمْ يَلْحَقْهُ. وَحَيْثُ لاَ يَلْحَقُ الْوَلَدُ سَيِّدَهَا يَكُونُ عَبْدًا لَهُ، مَا لَمْ يَكُنِ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ (1) . الْحَضَانَةُ: 103 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ لاَ تَثْبُتُ لِلرَّقِيقِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ، وَالْحَضَانَةُ إِنَّمَا تَحْصُل بِتِلْكَ الْمَنَافِعِ. وَلأَِنَّ الْحَضَانَةَ وِلاَيَةٌ، وَلاَ وِلاَيَةَ لِرَقِيقٍ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَتْ أُمُّ الطِّفْل مَمْلُوكَةً وَكَانَ وَلَدُهَا حُرًّا فَحَضَانَتُهُ لِمَنْ يَلِي الأُْمَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ إِنْ كَانَ حُرًّا، وَكَذَا إِنْ كَانَ __________ (1) المغني 9 / 534 - 537، وفتح القدير 3 / 261، 312، 313 و6 / 257 وما بعدها، وفتح الباري 12 / 32 - 36 (ك. فرائض ب17) والزرقاني 4 / 197، 6 / 106، 113، وروضة الطالبين 8 / 440 و12 / 310 وما بعدها. الأَْبُ عَبْدًا فَلاَ حَضَانَةَ لَهُ. قَال صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ: فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ جَازَ؛ لاِنْتِفَاءِ الْمَانِعِ. وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ صُورَةً: وَهِيَ أَنْ تُسَلَّمَ أَمَةٌ لِكَافِرٍ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَحَضَانَتُهُ لَهَا، لأَِنَّهَا فَارِغَةٌ إِذْ يُمْنَعُ سَيِّدُهَا مِنْ قُرْبَانِهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأُْمَّ الرَّقِيقَةَ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْحُرِّ؛ لأَِنَّهَا أُمٌّ مُشْفِقَةٌ فَأَشْبَهَتِ الْحُرَّةَ. قَالُوا: فَإِنْ بِيعَتِ الأَْمَةُ فَنُقِلَتْ كَانَ الأَْبُ أَحَقَّ بِهِ. لَكِنْ قَالُوا: إِنْ تَسَرَّرَ بِهَا الزَّوْجُ بَعْدَ طَلاَقِهَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا، لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ تَتَزَوَّجُ (1) . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا فَسَيِّدُهُ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ مِنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَلَوْ كَانَا حُرَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَصُوَرُ رِقِّهِ مَعَ حُرِّيَّةِ الأُْمِّ مُتَعَدِّدَةٌ، مِنْهَا: أَنْ يُولَدَ مِنْ رَقِيقَةٍ فَتَعْتِقُ هِيَ دُونَ وَلَدِهَا. لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ، لِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا (2) . الرَّضَاعُ: 104 - لِلأَْمَةِ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ تَمْكِينُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ لاَ يَسْتَرْضِعَ الأَْمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا؛ لأَِنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْوَلَدِ لِلنَّقْصِ مِنْ كِفَايَتِهِ وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ __________ (1) المغني 7 / 613، والزرقاني 4 / 264، وكشاف القناع 4 / 235، والقليوبي 4 / 90. (2) فتح القدير 3 / 317. لَهُ إِلَى غَيْرِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، فَلاَ يَجُوزُ كَنَقْصِ الْكَبِيرِ عَنْ كِفَايَتِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي لَبَنِهَا فَضْلٌ عَنْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا فَلِسَيِّدِهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِإِجَارَتِهَا لِلإِْرْضَاعِ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا وَبَقِيَ لَبَنُهَا (1) . الرَّقِيقُ وَالْوَصَايَا: أ - وَصِيَّةُ الرَّقِيقِ: 105 - إِنْ وَصَّى الْعَبْدُ بِمَالٍ ثُمَّ مَاتَ عَلَى الرِّقِّ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ مَال لَهُ بَل مَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ. أَمَّا إِنْ أُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ صَحِيحَةً لأَِنَّ قَوْلَهُ صَحِيحٌ وَأَهْلِيَّتَهُ تَامَّةٌ؛ وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ يَصِحُّ صُدُورُهَا مِمَّنْ لاَ مَال لَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى، الْفَقِيرُ الَّذِي لاَ مَال لَهُ ثُمَّ اسْتَغْنَى. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: تَكُونُ بَاطِلَةً أَيْضًا وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ فِيهِ (2) . ب - الْوَصِيَّةُ لِلرَّقِيقِ: 106 - إِنْ أَوْصَى السَّيِّدُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ صَحَّتِ __________ (1) كشاف القناع 5 / 91، والزرقاني 4 / 259. (2) المغني 6 / 103، وكشاف القناع 4 / 336، والزرقاني 8 / 175، والعناية شرح الهداية بهامش فتح القدير 8 / 434، وروضة الطالبين 6 / 98، والقليوبي على شرح المنهاج 3 / 157. الْوَصِيَّةُ إِجْمَاعًا، بِشَرْطِهَا، وَيَكُونُ تَدْبِيرًا (ر: تَدْبِير) وَإِنْ أَوْصَى السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ، وَتُصْرَفُ جَمِيعُهَا إِلَى عِتْقِ الْعَبْدِ، فَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ عَتَقَ وَاسْتَحَقَّ بَاقِيَهَا بَعْدَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَصِيَّةِ. ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُسْتَسْعَى بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى الرِّقِّ. وَوَجْهُ الصِّحَّةِ: أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ يَتَنَاوَل الْعَبْدَ لأَِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الثُّلُثِ الشَّائِعِ. وَالْوَصِيَّةُ لَهُ بِنَفْسِهِ تَصِحُّ وَيَعْتِقُ، وَمَا فَضَل يَسْتَحِقُّهُ لأَِنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا فَيَمْلِكُ بِالْوَصِيَّةِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَال: أَعْتِقُوا عَبْدِي مِنْ ثُلُثِي وَأَعْطُوهُ مَا فَضَل مِنْهُ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ رَقَبَتِهِ وَمِنْ سَائِرِ التَّرِكَةِ. وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِمُعَيَّنٍ كَثَوْبٍ أَوْ دَارٍ، أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلاً، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ؛ لأَِنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، فَمَا وَصَّى لَهُ بِهِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى لِلْوَرَثَةِ بِمَا يَرِثُونَهُ. وَقَال مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: تَصِحُّ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: الْوَصِيَّةُ لِلرَّقِيقِ بَاطِلَةٌ بِكُل حَالٍ إِلاَّ أَنْ يُوصِيَ بِعِتْقِهِ. أَمَّا إِنْ أَوْصَى بِمَالٍ لِعَبْدِ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ اتِّفَاقًا. ثُمَّ إِنْ عَتَقَ فَالْمَال لَهُ. وَإِنْ بَقِيَ عَلَى الرِّقِّ فَلِلسَّيِّدِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ السَّيِّدِ فِي الْقَبُول عِنْدَ الْجُمْهُورِ لأَِنَّهُ كَسْبٌ، كَالاِحْتِطَابِ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ خِلاَفِ الأَْصَحِّ: يَفْتَقِرُ إِلَى إِذْنِ سَيِّدِهِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (1) . ج - الإِْيصَاءُ إِلَى الرَّقِيقِ: 107 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الإِْيصَاءِ إِلَى الرَّقِيقِ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ الإِْيصَاءِ إِلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَبْدَهُ أَمْ عَبْدَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ تَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَيَاةِ فَصَحَّ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِ كَالْحُرِّ. ثُمَّ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فِي الْقَبُول فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِلَى الرَّقِيقِ بِحَالٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى ابْنِهِ بِالنَّسَبِ فَلاَ يَكُونُ وَصِيًّا عَلَى أَوْلاَدِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّ فِي الإِْيصَاءِ إِلَيْهِ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي إِثْبَاتَ الْوِلاَيَةِ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ، وَهُوَ قَلْبٌ لِلْمَشْرُوعِ. وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ: __________ (1) المغني 6 / 109، 110، وروضة الطالبين 6 / 101، 103 والعناية وحاشية سعدي جلبي على الهداية بهامش تكملة فتح القدير 8 / 51، والزرقاني 8 / 183. يَصِحُّ الإِْيصَاءُ إِلَى عَبْدِ نَفْسِهِ وَلاَ يَصِحُّ إِلَى عَبْدِ غَيْرِهِ (1) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ الإِْيصَاءُ إِلَى الرَّقِيقِ عَلَى أَوْلاَدِ الْمُوصِي إِنْ كَانُوا صِغَارًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ رَشِيدٌ. فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ لِلْكَبِيرِ بَيْعَهُ أَوْ بَيْعَ نَصِيبِهِ مِنْهُ فَيَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ بِالْوِصَايَةِ. أَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَبِيرٌ فَتَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ مُكَلَّفًا مُسْتَبِدًّا بِالتَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ وِلاَيَةٌ، فَإِنَّ الصِّغَارَ وَإِنْ كَانُوا مَالِكِينَ لَهُ لَكِنْ لَمَّا أَقَامَهُ أَبُوهُمْ مَقَامَ نَفْسِهِ صَارَ مُسْتَبِدًّا بِالتَّصَرُّفِ مِثْلَهُ بِلاَ وِلاَيَةٍ لَهُمْ عَلَيْهِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا: لاَ يَصِحُّ الإِْيصَاءُ إِلَى عَبْدِ الْغَيْرِ أَصْلاً، فَلَوْ أَوْصَى إِلَيْهِ ثُمَّ أُعْتِقَ لَمْ يُخْرِجْهُ الْقَاضِي عَنِ الْوِصَايَةِ. أَمَّا إِنْ لَمْ يُعْتِقْ فَيُخْرِجُهُ وَيُبَدِّلُهُ بِغَيْرِهِ. إِرْثُ الرَّقِيقِ: 107 م - الرِّقُّ أَحَدُ مَوَانِعِ الإِْرْثِ، فَالرَّقِيقُ لاَ يَرِثُ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ، لأَِنَّهُ مَمْلُوكٌ يُورَثُ عَنْ مَالِكِهِ فَلاَ يَرِثُ، وَذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُوسٍ أَنَّهُ يَرِثُ، وَيَكُونُ مَا يَرِثُهُ لِسَيِّدِهِ كَسَائِرِ كَسْبِهِ، وَالْمَمْلُوكُ لاَ يُورَثُ لأَِنَّهُ __________ (1) المغني 6 / 138، والزرقاني 8 / 200، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي 3 / 177، وروضة الطالبين 6 / 311، وابن عابدين 5 / 488. لاَ مَال لَهُ، وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا ضَعِيفًا فَإِنَّ مَالَهُ يَئُول لِسَيِّدِهِ اتِّفَاقًا (1) . الرَّقِيقُ وَالتَّبَرُّعَاتُ: 108 - تَجُوزُ الْهِبَةُ مِنَ الرَّقِيقِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لأَِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَإِنْ أَذِنَهُ فِي الْهِبَةِ انْفَكَّ حَجْرُهُ فِيهَا. فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَجُزْ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّقِيقِ أَنْ يَضْمَنَ أَحَدًا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إِيجَابَ مَالِكٍ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ كَالنِّكَاحِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي احْتِمَالٍ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَلاَ ضَرَرَ فِيهِ عَلَى السَّيِّدِ، وَيُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ. فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ أَنْ يَضْمَنَ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ مِنَ الْمَال الَّذِي بِيَدِهِ صَحَّ (2) . قَبُول الرَّقِيقِ لِلتَّبَرُّعَاتِ: 109 - لِلرَّقِيقِ أَنْ يَقْبَل التَّبَرُّعَاتِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ __________ (1) المغني 6 / 266، وروضة الطالبين 6 / 30، والقليوبي 3 / 148. (2) كشاف القناع 4 / 303، المغني 4 / 542، وروضة الطالبين 4 / 242. هَدِيَّةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، لأَِنَّهُ تَحْصِيل مَنْفَعَةٍ كَالاِحْتِشَاشِ وَالاِصْطِيَادِ، وَتَكُونُ لِسَيِّدِهِ لاَ لَهُ. وَلَوْ أَبَى الْعَبْدُ قَبُول الْهِبَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَى قَبُولِهَا (1) . الْحَجْرُ عَلَى الرَّقِيقِ: 110 - الرَّقِيقُ فِي الأَْصْل مَحْجُورٌ عَلَيْهِ شَرْعًا لِحَظِّ سَيِّدِهِ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِ الْمَال، أَوْ يَتَّجِرَ أَوْ يَسْتَأْجِرَ أَوْ يُؤَجِّرَ، وَلَوْ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُونَ إِذْنٍ كَانَ تَصَرُّفُهُ بَاطِلاً أَوْ مَوْقُوفًا، عَلَى الْخِلاَفِ فِي تَصَرُّفِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ. وَقِيل: يَصِحُّ الشِّرَاءُ لأَِنَّ الثَّمَنَ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ. وَإِذَا لَزِمَ الرَّقِيقَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ، كَأَنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ أَوِ اقْتَرَضَ، فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يَتَّبِعُهُ الْغَرِيمُ بِهِ إِذَا عَتَقَ وَأَيْسَرَ، كَالْحُرِّ، وَكَالأَْمَةِ إِذَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِرَقَبَتِهِ كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ فَدَاهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ __________ (1) الزرقاني 3 / 218، وكشاف القناع 4 / 303. فِدَاؤُهُ بِمَا يَزِيدُ عَنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ لِلدَّائِنِ عِوَضَ دَيْنِهِ (1) . الرَّقِيقُ الْمَأْذُونُ: 111 - يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْذَنَ لِرَقِيقِهِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْمُتَاجَرَةِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ؛ لأَِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ كَانَ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِإِذْنِهِ (2) . ثُمَّ قَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الإِْذْنَ يَتَحَدَّدُ بِقَدْرِ مَا أَذِنَ السَّيِّدُ، وَيَنْفَكُّ عَنْهُ حَجْرُهُ بِقَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَيَسْتَمِرُّ الْحَجْرُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالاً يَتَّجِرُ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيَتَّجِرَ فِيهِ، إِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ فِي ذِمَّتِهِ جَازَ. وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ نَوْعًا مِنَ الْمَال يَتَّجِرُ فِيهِ جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الاِتِّجَارُ فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلاَ أَنْ يُؤَجِّرَ مَال التِّجَارَةِ كَدَوَابِّهَا، وَلاَ أَنْ يَتَوَكَّل لإِِنْسَانٍ؛ لأَِنَّ الإِْذْنَ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَتَصَرَّفُ الرَّقِيقُ الْمَأْذُونُ بِالْوَكَالَةِ وَالنِّيَابَةِ عَنْ سَيِّدِهِ. وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَال التِّجَارَةِ - وَلَوْ يَسِيرًا - مَا لَمْ يَعْلَمْ بِرِضَا سَيِّدِهِ __________ (1) المغني 4 / 247 - 249 و5 / 77، والمنهاج وشرح المحلي بحاشية القليوبي 2 / 242، والزرقاني 5 / 302. (2) المغني 5 / 77. بِذَلِكَ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا مِثْل قَوْل الْحَنَفِيَّةِ كَمَا يَأْتِي. قَال الْجُمْهُورُ: وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْذْنِ بِالْقَوْل، فَلَوْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يَتَّجِرُ فَلَمْ يَنْهَهُ لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مَأْذُونًا (1) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّقِيقَ الْمَأْذُونَ يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ فِي مَا هُوَ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ. قَالُوا: وَالإِْذْنُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ إِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ، وَلَيْسَ تَوْكِيلاً أَوْ إِنَابَةً، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ الرَّقِيقُ لِنَفْسِهِ بِمُقْتَضَى أَهْلِيَّتِهِ، فَلاَ يَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ وَلاَ يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ، فَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا صَارَ مَأْذُونًا مُطْلَقًا حَتَّى يُعِيدَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لأَِنَّ الإِْسْقَاطَ لاَ يَتَوَقَّتُ. وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ عَمَّ إِذْنُهُ الأَْنْوَاعَ كُلَّهَا وَلَوْ نَهَاهُ عَنْهَا صَرِيحًا، كَأَنْ قَال: اشْتَرِ الْبَزَّ وَلاَ تَشْتَرِ غَيْرَهُ، فَتَصِحُّ مِنْهُ كُل تِجَارَةٍ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيَثْبُتُ الإِْذْنُ لِلْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ دَلاَلَةً، فَلَوْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي مَا أَرَادَ فَسَكَتَ السَّيِّدُ صَارَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ مَأْذُونًا، إِلاَّ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا قُصِدَ بِهِ مِنَ الإِْذْنِ الاِسْتِخْدَامُ، كَأَنْ يَطْلُبَ مِنْ عَبْدِهِ شِرَاءَ شَيْءٍ لِحَاجَتِهِ، فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِذْنًا فِي التِّجَارَةِ، وَبَيْنَ مَا قُصِدَ بِهِ فَكُّ الْحَجْرِ. قَالُوا: وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيُوَكِّل __________ (1) المغني4 / 249 و5 / 77، 78، وابن عابدين 5 / 99، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 2 / 242 وما بعدها. بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَرْهَنَ وَيَرْتَهِنَ، وَيُعِيرَ الثَّوْبَ وَالدَّابَّةَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَى عَبْدِهِ، وَتُقْبَل الشَّهَادَةُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَوْلاَهُ. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الأَْرْضَ إِجَارَةً أَوْ مُسَاقَاةً أَوْ مُزَارَعَةً، وَيُشَارِكَ عِنَانًا لاَ مُفَاوَضَةً، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَيُؤَجِّرَ، وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ وَيُقِرَّ بِنَحْوِ وَدِيعَةٍ أَوْ غَصْبٍ، وَيُهْدِي طَعَامًا يَسِيرًا بِمَا لاَ يُعَدُّ سَرَفًا، وَأَنْ يُضِيفَ الضِّيَافَةَ الْيَسِيرَةَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ وَلَوْ عَلَى مَالٍ، وَلاَ أَنْ يُقْرِضَ أَوْ يَهَبَ وَلَوْ بِعِوَضٍ، وَلاَ يَكْفُل بِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَلاَ يُصَالِحَ عَنْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ (1) . وَفِي الْهِدَايَةِ: لاَ بَأْسَ بِقَبُول هَدِيَّةِ الْعَبْدِ التَّاجِرِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ بِخِلاَفِ هَدِيَّتِهِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ، اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ بُطْلاَنُهُ لأَِنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِل هَدِيَّةَ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ كَانَ عَبْدًا (2) ، وَقَبِل هَدِيَّةَ بَرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (3) . وَأَجَابَ بَعْضُ __________ (1) الدر المختار وابن عابدين 5 / 99 - 104. (2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية سلمان رضي الله عنه " أخرجه أحمد (5 / 443 - ط الميمنية) من حديث سلمان، وقال الهيثمي في المجمع (9 / 336 - ط القدسي) : " رجاله رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع ". (3) حديث: " قبوله هدية بريرة ". أخرجه البخاري (الفتح 9 / 410 - ط السلفية) من حديث عائشة. الصَّحَابَةِ دَعْوَةَ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَكَانَ عَبْدًا؛ وَلأَِنَّ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ ضَرُورَةً لاَ يَجِدُ التَّاجِرُ مِنْهَا بُدًّا، بِخِلاَفِ نَحْوِ الْكِسْوَةِ وَإِهْدَاءِ الدَّنَانِيرِ فَلاَ ضَرُورَةَ فِيهَا (1) . وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ قَرِيبٌ مِنْ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ السَّيِّدَ إِنْ أَذِنَ لِلْعَبْدِ فِي نَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ، كَالْبُرِّ مَثَلاً كَانَ كَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ بَاقِي الأَْنْوَاعِ لأَِنَّهُ أَقْعَدَهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَدْرُونَ لأَِيِّ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ أَقْعَدَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَسُوغُ لَهُ الإِْقْدَامُ عَلَى غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ. فَإِنْ صَرَّحَ لَهُ بِمَنْعِهِ مِنْ غَيْرِ النَّوْعِ مُنِعَ مِنْهُ أَيْضًا، ثُمَّ إِنْ أَشْهَرَ الْمَنْعَ رَدَّ مَا أَجْرَاهُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيمَا أَشْهَرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِرْهُ مَضَى وَلَمْ يَرُدَّ. قَالُوا: وَكَمَا يَحْصُل الإِْذْنُ بِقَوْلِهِ: أَذِنْتُكَ " وَيَكُونُ إِذْنًا لَهُ مُطْلَقًا، كَذَلِكَ يَحْصُل بِالإِْذْنِ الْحُكْمِيِّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى لَهُ بِضَاعَةً وَوَضَعَهَا بِحَانُوتٍ وَأَقْعَدَهُ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. قَالُوا: وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يَضَعَ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَى شَخْصٍ، أَوْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ الْحَال إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ إِنْ لَمْ تَكْثُرِ الْوَضِيعَةُ، وَلَهُ أَنْ يُضِيفَ الضَّيْفَ لِلاِسْتِئْلاَفِ عَلَى التِّجَارَةِ، وَلَهُ نَحْوُ الضِّيَافَةِ كَالْعَقِيقَةِ لِوَلَدِهِ إِنِ اتَّسَعَ الْمَال وَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ سَيِّدُهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ مَالاً مُضَارَبَةً لِيَعْمَل فِيهِ لأَِنَّهُ مِنَ التِّجَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَتَسَرَّى __________ (1) الهداية وشروحها 8 / 132. وَيَقْبَل الْوَدِيعَةَ وَلاَ يَقْبَل التَّوْكِيل، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يُوهَبُ لَهُ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ لاَ بِصَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا وَلاَ بِهِبَةٍ إِلاَّ هِبَةَ الثَّوَابِ (الْهِبَةُ بِعِوَضٍ) . وَيَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِلإِْفْلاَسِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كَالْحُرِّ (1) . اكْتِسَابُ الرَّقِيقِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ وَالْتِقَاطُهُ: 112 - لِلرَّقِيقِ الاِكْتِسَابُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ كَالاِصْطِيَادِ وَالاِحْتِطَابِ، وَيَكُونُ مَا يُحَصِّلُهُ لِسَيِّدِهِ (2) . وَكَذَا لَوْ وَجَدَ رِكَازًا (3) . وَإِنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلَهُ أَخْذُهَا وَهُوَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالْتِقَاطُهُ صَحِيحٌ، وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ. بِدَلاَلَةِ عُمُومِ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْتِقَاطِ الصَّبِيِّ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ؛ وَلأَِنَّ الاِلْتِقَاطَ تَخْلِيصُ مَالٍ مِنَ الْهَلاَكِ فَجَازَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَالْمَغْصُوبِ. وَإِذَا الْتَقَطَ كَانَتِ اللُّقَطَةُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَإِنْ عَرَّفَهَا حَوْلاً صَحَّ تَعْرِيفُهُ فَإِذَا تَمَّ الْحَوْل مَلَكَهَا سَيِّدُهُ، وَلِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ أَثْنَاءَ الْحَوْل وَيُتَمِّمُ تَعْرِيفَهَا. وَإِنْ تَمَلَّكَهَا الْعَبْدُ أَثْنَاءَ الْحَوْل أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا فِي رَقَبَتِهِ. وَالْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ، لاَ يَصِحُّ __________ (1) شرح الزرقاني 5 / 303. (2) روضة الطالبين 5 / 393، والمغني 5 / 666، وشرح الأشباه 2 / 156. (3) كشاف القناع 2 / 227. الْتِقَاطُ الْعَبْدِ لأَِنَّ اللُّقَطَةَ فِي الْحَوْل أَمَانَةٌ وَوِلاَيَةٌ وَبَعْدَهُ تَمَلُّكٌ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوِلاَيَةِ وَلاَ مِنْ أَهْل الْمِلْكِ (1) . الرَّقِيقُ وَالْجِنَايَاتُ: الْقِصَاصُ بَيْنَ الأَْحْرَارِ وَالرَّقِيقِ: 113 - أ - إِذَا قَتَل الْحُرُّ الْمُسْلِمُ رَقِيقًا فَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بَل يُعَزَّرُ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِل سَيِّدًا لِلرَّقِيقِ أَوْ أَجْنَبِيًّا، لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكٍ (2) . وَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ يُقْتَل حُرٌّ بِعَبْدٍ (3) . وَيُجْلَدُ الْحُرُّ إِذَا قَتَل عَبْدًا مِائَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً قَتَل عَبْدَهُ فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَنَفَاهُ عَامًا وَمَحَا اسْمَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْ مِنَ الْعَطَاءِ (4) ". وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى __________ (1) روضة الطالبين 5 / 393 - 397، والمغني 5 / 666، وكشاف القناع 4 / 225، وجواهر الإكليل1 / 218، وشرح الأشباه 2 / 156. (2) حديث: " لا يقاد مملوك من مالك ". أخرجه الحاكم (4 / 368 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عمر بن الخطاب وضعفه الذهبي. (3) حديث: " لا يقتل حر بعبد ". أخرجه البيهقي (8 / 35 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس، وقال البيهقي: " في هذا الإسناد ضعف ". (4) حديث: " أن رجلاً قتل عبده فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ". ذكره ابن قدامة في المغني (7 / 659 - ط الرياض) وقال: " رواه سعيد والخلال وقال أحمد: ليس بشيء من قبل إسحاق بن أبي فروة ". : {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} (1) وَلأَِنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ فَلاَ يُكَافِئُ الْحُرَّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَل بِالْعَبْدِ - إِلاَّ عَبْدَ نَفْسِهِ فَلاَ يُقْتَل بِهِ، وَكَذَا عَبْدُ وَلَدِهِ - لِعُمُومِ آيَاتِ الْقِصَاصِ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (2) وَقَوْلِهِ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (3) ، وَلِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ نَحْوِ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ (4) . وَقَوْلِهِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ (5) . وَنَقَل ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ النَّخَعِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَل بِعَبْدِ نَفْسِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَتَل عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ (6) . __________ (1) سورة البقرة / 178. (2) سورة البقرة / 178. (3) سورة المائدة / 45. (4) حديث: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ". أخرجه أحمد (2 / 192 - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن عمر، وإسناده حسن. (5) حديث: " النفس بالنفس ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 201 - ط السلفية) من حديث ابن مسعود. (6) المغني 7 / 658، 659، والزرقاني 8 / 3، وجواهر الإكليل 2 / 272، وبداية المجتهد 2 / 364، 372، وحاشية ابن عابدين 5 / 343، 344. وحديث: " من قتل عبده قتلناه ". أخرجه الترمذي (4 / 26 - ط الحلبي) من حديث الحسن عن سمرة، وقال ابن حجر: " الحسن مختلف في سماعه من سمرة "، كذا في التلخيص (3 / 53 - ط شركة الطباعة الفنية) . وَأَمَّا فِي الأَْطْرَافِ فَلاَ يُقْتَصُّ مِنَ الْحُرِّ إِذَا قَطَعَ طَرَفَ رَقِيقٍ. وَنَقَل ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا. وَحَيْثُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فَالْحَقُّ لِلسَّيِّدِ، لَهُ طَلَبُهُ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ. وَحَيْثُ لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، يَجِبُ التَّعْزِيرُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ (1) . 114 - ب - وَأَمَّا إِذَا قَتَل الرَّقِيقُ حُرًّا سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُول سَيِّدَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَل بِهِ اتِّفَاقًا إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُ الْقِصَاصِ، وَذَلِكَ لِعُمُومِ آيَاتِ الْقِصَاصِ، وَلأَِنَّهُ يُقْتَل بِالْعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} (2) فَقَتْلُهُ بِالْحُرِّ أَوْلَى لأَِنَّ الْحُرَّ أَكْمَل مِنَ الْعَبْدِ. وَكَذَا يُؤْخَذُ طَرَفُ الْعَبْدِ بِطَرَفِ الْحُرِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (3) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنَ الْعَبْدِ لِلْحُرِّ فِي الْجِرَاحِ وَالأَْعْضَاءِ، قَال الزَّرْقَانِيُّ: لأَِنَّهُ كَجِنَايَةِ الْيَدِ الشَّلاَّءِ عَلَى الْيَدِ الصَّحِيحَةِ. وَنَقَل ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَيْنِ (4) . __________ (1) المغني 7 / 658، 659، والزرقاني 8 / 3، وجواهر الإكليل 2 / 272، وبداية المجتهد 2 / 364، 372، وحاشية ابن عابدين 5 / 343، 344. (2) سورة البقرة / 178. (3) المغني 7 / 659، والزرقاني 8 / 2، 7. (4) الزرقاني 8 / 14، وبداية المجتهد 2 / 372، وحاشية ابن عابدين 5 / 356، والهداية مع العناية 8 / 355. 115 - ج - وَكَذَلِكَ يُقْتَل الرَّقِيقُ بِالرَّقِيقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، سَوَاءٌ اتَّحَدَتْ قِيمَةُ الْقَاتِل وَقِيمَةُ الْمَقْتُول أَوِ اخْتَلَفَتَا، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ آيَاتِ الْقِصَاصِ، وَبِالنَّصِّ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} (1) وَلأَِنَّ تَفَاوُتَ الْقِيمَةِ فِي الرَّقِيقِ كَتَفَاوُتِ الْفَضَائِل فِي الأَْحْرَارِ، كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَالذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ، فَكَمَا أُهْدِرَ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَ الأَْحْرَارِ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ مَعَ وُجُودِهِ، فَكَذَا تَفَاوُتُ الْقِيَمِ فِي الرَّقِيقِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِصَاصِ أَنْ لاَ تَكُونَ قِيمَةُ الْقَاتِل أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُول. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بَيْنَ الْعَبِيدِ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ وَلاَ جُرْحٍ لأَِنَّهُمْ أَمْوَالٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَجَمَاعَةٍ. وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي الأَْطْرَافِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ - وَقَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُنَ بِالأُْذُنِ} الآْيَةَ (2) . __________ (1) سورة البقرة / 178. (2) سورة المائدة / 45. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ؛ لأَِنَّ الأَْطْرَافَ مِنَ الْعَبِيدِ مَالٌ فَلاَ يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيهَا؛ وَلأَِنَّ التَّسَاوِيَ فِي الأَْطْرَافِ مُعْتَبَرٌ، فَلاَ تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلاَّءِ، وَلاَ كَامِلَةُ الأَْصَابِعِ بِنَاقِصَتِهَا، وَأَطْرَافُ الْعَبِيدِ لاَ تَتَسَاوَى. وَحَيْثُ يَجْرِي الْقِصَاصُ فِي طَرَفِ الْعَبْدِ فَاسْتِيفَاؤُهُ لَهُ وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ (1) . الدِّيَةُ وَالأَْرْشُ: 116 - أ - إِذَا قَتَل الْحُرُّ عَبْدًا، أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ قَطَعَهُ، أَوْ فَعَل ذَلِكَ عَبْدٌ بِعَبْدٍ، خَطَأً، أَوْ عَمْدًا وَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ، ثَبَتَ الْمَال، وَهُوَ فِي الْحُرِّ دِيَةُ النَّفْسِ أَوِ الْعُضْوِ أَوِ الْحُكُومَةِ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي بَابِ الدِّيَاتِ. وَفِي الْعَبْدِ قِيمَتُهُ إِذَا قَتَل، مَهْمَا كَانَتْ، قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَبْلُغُ دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا أَضْعَافًا، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ قَالُوا: لأَِنَّهُ مَالٌ __________ (1) المغني 7 / 660، 761، والزرقاني 8 / 7، وبداية المجتهد 2 / 372، نشر المكتبة التجارية الكبرى، وحاشية ابن عابدين 5 / 356. مُتَقَوِّمٌ أَتْلَفَهُ - سَوَاءٌ عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ - فَيَضْمَنُهُ بِكَمَال قِيمَتِهِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلاَ مَدْخَل لِلتَّغْلِيظِ فِي بَدَل الرَّقِيقِ. اهـ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ ضَمِنَ بِالْجِنَايَةِ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ أَوْ مِثْلَهَا يَنْتَقِصُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْعَبْدِ، إِلاَّ نِصْفَ دِينَارٍ. وَإِنْ ضَمِنَ بِالْيَدِ، بِأَنْ غَصَبَهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَ عَنْ دِيَةٍ أَوْ دِيَاتٍ. وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا بِأَنَّ فِي الْعَبْدِ الآْدَمِيَّةَ وَالْمَالِيَّةَ، وَالآْدَمِيَّةُ أَعْلاَهُمَا، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِإِهْدَارِ الأَْدْنَى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ فِي حَال الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِدَلِيل ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ، وَالْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ، وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنِ الدِّيَةِ فِي قَلِيل الْقِيمَةِ بِالرَّأْيِ، وَتَنْقُصُ فِيمَا زَادَ عَنِ الدِّيَةِ لِنَقْصِ رُتْبَةِ الْعَبْدِ عَنِ الْحُرِّ، وَضَمَانُ الْغَصْبِ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِيَّةِ، فَيَضْمَنُ بِكَامِل قِيمَتِهِ فِي حَالَةِ تَلَفِهِ مَغْصُوبًا إِذِ الْغَصْبُ لاَ يَرِدُ إِلاَّ عَلَى الْمَال. وَإِنَّمَا حَدَّدُوا النَّقْصَ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى بِدِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لأَِثَرٍ وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَنَقَل ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكُوفَةِ قَالُوا: فِي نَفْسِ الْعَبْدِ الدِّيَةُ كَالْحُرِّ، لَكِنْ يُنْقَصُ مِنْهَا شَيْءٌ (1) . الْعَاقِلَةُ وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ: 117 - لاَ تَحْمِل الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ لأَِنَّهُ لاَ عَاقِلَةَ لَهُ. وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَاللَّيْثِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَحَمَّل قِيمَةَ الْعَبْدِ هُوَ الْقَاتِل نَفْسُهُ إِنْ كَانَ حُرًّا وَلَيْسَ عَاقِلَتُهُ وَلَوْ كَانَ الْقَتْل خَطَأً، لِحَدِيثِ: لاَ تَحْمِل الْعَاقِلَةُ لاَ عَمْدًا وَلاَ صُلْحًا وَلاَ اعْتِرَافًا وَلاَ مَا جَنَى الْمَمْلُوكُ (2) وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ الْقِيمَةُ لاَ الدِّيَةُ إِذِ الْعَبْدُ مَالٌ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَوْل عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ: تَحْمِل الْعَاقِلَةُ نَفْسَ الْعَبْدِ كَمَا تَحْمِل الْحُرَّ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلاَ تَحْمِل مَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الْعَبْدِ لأَِنَّ الأَْطْرَافَ __________ (1) المغني 7 / 682، وكشاف القناع 6 / 21، وبداية المجتهد 2 / 378، والزرقاني 8 / 31 و6 / 163، والدسوقي 4 / 268، وروضة الطالبين 9 / 257، 311، والهداية مع العناية وتكملة فتح القدير 8 / 369. (2) حديث: " لا تحمل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك ". أخرجه البيهقي (8 / 104 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس موقوفًا عليه، وإسناده حسن. تُعَامَل كَالْمَال (1) . 118 - ب - وَأَمَّا أُرُوشُ جِرَاحِ الْعَبْدِ وَأَعْضَائِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ (هُوَ قَدِيمُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ) وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، قَوَّاهَا ابْنُ قُدَامَةَ إِلَى أَنَّ السَّيِّدَ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْجَانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا، فَلَمَّا قَطَعَ يَدَهُ أَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً أَوْ غَيْرَهَا صَارَتْ قِيمَتُهُ ثَمَانَمِائَةٍ فَإِنَّ الأَْرْشَ يَكُونُ مِائَتَيْنِ، وَلَوْ جَبَّهُ وَخَصَاهُ فَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ أَوْ زَادَتْ، فَلاَ شَيْءَ لِلسَّيِّدِ. وَاحْتَجُّوا لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ، فَيُجْرَى فِي ضَمَانِ الإِْتْلاَفِ فِيهِ عَلَى قَاعِدَةِ إِتْلاَفِ الأَْمْوَال الأُْخْرَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ جِنَايَةٍ لَيْسَ لَهَا فِي الْحُرِّ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَيَكُونُ أَرْشُهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبَيْنَ جِنَايَةٍ لَهَا فِي الْحُرِّ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا، فَيَكُونُ أَرْشُهَا بِنِسْبَةِ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا فَقَطَعَ يَدَهُ فَفِيهَا خَمْسُمِائَةٍ، أَوْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَفِيهِ قِيمَتُهُ كَامِلَةٌ، مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ، وَلَوْ جَبَّهُ ثُمَّ خَصَاهُ فَفِيهِ قِيمَتُهُ مَرَّتَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِيَّتِهِ لِلسَّيِّدِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ __________ (1) المغني 7 / 775، وروضة الطالبين 9 / 359، والزرقاني 8 / 44، وتكملة فتح القدير مع الهداية 8 / 413. فِي مِثْل الْحَالَةِ الأَْخِيرَةِ: لَهُ قِيمَتُهُ كَامِلَةً لِلْجَبِّ، وَقِيمَتُهُ بَعْدَ الْجَبِّ لِلْخِصَاءِ. وَاحْتُجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى التَّقْدِيرِ فِي الْحُرِّ، لأَِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمَالٍ مِنْ كُل وَجْهٍ، بِدَلِيل أَنَّ فِي قَتْلِهِ الْقِصَاصَ وَالْكَفَّارَةَ بِخِلاَفِ سَائِرِ الأَْمْوَال (1) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اعْتِبَارِ التَّقْدِيرِ بِالنِّسْبَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَوْل الثَّانِي، لَكِنْ قَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُزَادُ عَنْ دِيَةِ مِثْل ذَلِكَ الْعُضْوِ مِنَ الْحُرِّ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَفِيهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، كَدِيَةِ الْحُرِّ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَهْمَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ، فَإِنَّ أَرْشَ يَدِهِ خَمْسَةُ آلاَفٍ إِلاَّ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ لاَ يُزَادُ عَلَيْهَا. قَالُوا: لأَِنَّ الْيَدَ مِنَ الآْدَمِيِّ نِصْفُهُ فَتُعْتَبَرُ بِكُلِّهِ، وَيَنْقُصُ هَذَا الْمِقْدَارُ إِظْهَارًا لاِنْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْحُرِّ. وَكُل مَا يُقَدَّرُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ فَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لأَِنَّ الْقِيمَةَ فِي الْعَبْدِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ إِذْ هُوَ بَدَل الدَّمِ. قَالُوا: وَمَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ فَقَدْ فَوَّتَ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ شَاءَ الْوَلِيُّ دَفَعَ عَبْدَهُ إِلَى الْجَانِي وَأَخَذَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَلاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ __________ (1) المغني 8 / 60، وكشاف القناع 6 / 22، وشرح المنهاج 4 / 144، 145، وروضة الطالبين 9 / 312. النُّقْصَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَال الصَّاحِبَانِ: بَل يَكُونُ لَهُ إِنْ أَمْسَكَهُ أَخْذُ مَا نَقَصَهُ (1) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى التَّفْرِيقِ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ جِرَاحَاتِ الْعَبْدِ وَبَيْنَ قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ عُضْوٍ، فَفِي الْجِرَاحَاتِ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِي الْحُرِّ يَضْمَنُ بِنِسْبَتِهَا مِنْ كَامِل قِيمَتِهِ، فَفِي الْجَائِفَةِ أَوِ الآْمَّةِ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشُرِ قِيمَتِهِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ عُشُرُ قِيمَتِهِ وَنِصْفُ عُشُرِهَا. وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجِرَاحِ وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ مُقَدَّرٌ، يُقَدَّرُ نَقْصُ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَيُدْفَعُ كَامِلاً مَهْمَا بَلَغَ. فَإِنْ بَرِئَ بِلاَ شَيْنٍ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ سِوَى الأَْدَبِ فِي الْعَمْدِ. وَكَذَا قَطْعُ الأَْعْضَاءِ فِيهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (2) . وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ مَتْنِ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الأَْعْضَاءِ بِنِسْبَتِهَا مِنَ الْقِيمَةِ (3) . الْجِنَايَةُ عَلَى جَنِينِ الأَْمَةِ: 119 - لَوْ جَنَى عَلَى أَمَةٍ فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، وَكَانَ مَحْكُومًا بِرِقِّهِ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ عَلَى __________ (1) الهداية وتكملة فتح القدير 8 / 370، 374. (2) المدونة 6 / 333، والمغني لابن قدامة 8 / 60، والزرقاني 8 / 37، 35 و6 / 147. (3) الدسوقي 4 / 271، والحطاب 6 / 261، والزرقاني 8 / 35، والفواكه الدواني 2 / 272، والعدوي على كفاية الطالب 2 / 283. مَا تَقَدَّمَ. أَمَّا إِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا بَعْدَ تَخَلُّقِهِ أَوْ نَفْخِ الرُّوحِ، فَفِيهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عُشُرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ أُنْثَى فَفِيهِ عُشُرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَفِيهِ نِصْفُ عُشُرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ (1) . جِنَايَاتُ الرَّقِيقِ: 120 - إِنْ كَانَ الْقَاتِل رَقِيقًا فَمَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ مِنَ الْمَال سَوَاءٌ أَكَانَ دِيَةَ نَفْسِ حُرٍّ أَوْ طَرَفَهُ، أَوْ قِيمَةَ عَبْدٍ أَوْ قِيمَةَ طَرَفِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَلَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، أَوْ كَانَتْ خَطَأً فَعُفِيَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَجِبُ فِي رَقَبَتِهِ، وَلاَ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَلاَ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ وَهَكَذَا جَمِيعُ الدُّيُونِ الَّتِي تَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الإِْتْلاَفَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ بِالتِّجَارَةِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ. وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَالُوا: وَلَمْ تَتَعَلَّقْ هَذِهِ الدُّيُونُ بِذِمَّتِهِ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِلْغَائِهَا أَوْ تَأْخِيرِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجْنِ، __________ (1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين 5 / 378، وبداية المجتهد 2 / 380 وفيه بعض اختلاف عما ذكره الدر عن أبي حنيفة. فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ لأَِنَّ الضَّمَانَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ كَالْقِصَاصِ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ. ثُمَّ إنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي أَوْ أَقَل، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ أَوْ يُسَلِّمَ الْعَبْدَ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ لِلْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ دَفَعَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَقَدْ تَأَدَّى الْحَقُّ، وَإِنْ سَلَّمَ الْعَبْدَ فَقَدْ أَدَّى الْمَحَل الَّذِي تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِهِ، وَحَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرَ مِنَ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ أَدَّاهَا، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَالْخِيَارُ إِلَى السَّيِّدِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْعَبْدِ إِنْ أَدَّى الأَْرْشَ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الأَْرْشُ إِنْ سَلَّمَ الْعَبْدَ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ مَا لَمْ يَفْدِهِ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ فَيَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِذَا مَنَعَ تَسْلِيمَهُ لِلْبَيْعِ لَزِمَهُ جَمِيعُ الأَْرْشِ لِتَفْوِيتِهِ ذَلِكَ (1) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةَ خَطَأٍ بِقَتْل نَفْسٍ قِيل لِمَوْلاَهُ: إِمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ بَدَلَهَا أَوْ __________ (1) المغني 7 / 781 و4 / 248، وكشاف القناع 6 / 34، 473، والزرقاني 8 / 5، وروضة الطالبين 9 / 362، وشرح المنهاج 4 / 158. تَفْدِيَهُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: إِذَا جَنَى الْعَبْدُ فَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ. وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الآْدَمِيِّ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ أَنْ تَتَبَاعَدَ عَنِ الْجَانِي تَحَرُّزًا عَنِ اسْتِئْصَالِهِ وَالإِْجْحَافِ بِهِ، إِذْ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْجِنَايَةَ، وَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي إِذَا كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ، وَالسَّيِّدُ عَاقِلَةُ عَبْدِهِ؛ لأَِنَّ الْعَبْدَ يَسْتَنْصِرُ بِهِ - وَالأَْصْل فِي الْعَاقِلَةِ النُّصْرَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنِ الإِْهْدَارِ. وَهَذَا عِنْدَهُمْ بِخِلاَفِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَال لأَِنَّ الْعَوَاقِل لاَ تَحْمِل الْمَال. وَالْوَاجِبُ الأَْصْلِيُّ مِنَ الأَْمْرَيْنِ عِنْدَهُمْ دَفْعُ الْعَبْدِ الْجَانِي إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَل الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْل إِلَى الأَْمْرِ الثَّانِي وَهُوَ الْفِدَاءُ بِالأَْرْشِ. قَالُوا: فَإِنْ دَفَعَهُ مَالِكُهُ مَلَكَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِأَرْشِهَا، وَكُلٌّ مِنَ الأَْمْرَيْنِ يَلْزَمُ حَالاً، أَمَّا الدَّفْعُ فَلأَِنَّ التَّأْجِيل فِي الأَْعْيَانِ بَاطِلٌ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلأَِنَّهُ جُعِل بَدَلاً، فَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ فَيَجِبُ حَالاً. وَأَيُّهُمَا اخْتَارَهُ وَفَعَلَهُ فَلاَ شَيْءَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ غَيْرُهُ. فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ بَطَل حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَل الْحَقِّ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْفِدَاءَ لَمْ يَبْرَأْ لِتَحَوُّل الْحَقِّ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَوْلَى. وَالاِخْتِيَارُ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْل، وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْل فَلَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْجِنَايَةِ لَزِمَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ وَكَذَا كُل مَا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، كَأَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ أَوْ يَهَبَهُ أَوْ يُدَبِّرَهُ، أَوْ يَسْتَوْلِدَ الأَْمَةَ الثَّيِّبَ، أَوْ يَطَأَ الْبِكْرَ. وَأَمَّا إِذَا قَتَل الْعَبْدُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَالْوَاجِبُ عِنْدَهُمُ الْقِصَاصُ كَمَا تَقَدَّمَ (1) . الْكَفَّارَةُ فِي قَتْل الرَّقِيقِ: 121 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِي قَتْل الرَّقِيقِ - بِالإِْضَافَةِ إِلَى قِيمَتِهِ الْوَاجِبَةِ لِسَيِّدِهِ - الْكَفَّارَةَ وَلَوْ قَتَل عَبْدَ نَفْسِهِ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ كَذَلِكَ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (2) . الآْيَةَ، وَلأَِنَّهُ مُؤْمِنٌ فَأَشْبَهَ الْحُرَّ، وَهِيَ كَكَفَّارَةِ قَتْل الْحُرِّ سَوَاءٌ، عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ (ر: كَفَّارَة) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ كَفَّارَةٌ فِي قَتْل الْعَبْدِ لأَِنَّهُ مَالٌ، وَيُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، فَلاَ كَفَّارَةَ فِيهِ، كَمَا لاَ كَفَّارَةَ فِي إِتْلاَفِ سَائِرِ الْمُمْتَلَكَاتِ. وَالتَّكْفِيرُ مَعَ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَحُكْمُ الرَّقِيقِ فِي التَّكْفِيرِ إِذَا قَتَل حُرًّا أَوْ عَبْدًا حُكْمُ الْحُرِّ مِنْ حَيْثُ أَصْل التَّكْفِيرِ (3) . __________ (1) الهداية 8 / 355 - 360 وتكملة فتح القدير. (2) سورة النساء / 92. (3) المغني 8 / 93، وجواهر الإكليل 2 / 272، والقليوبي وعميرة 4 / 162. وَأَمَّا مَا يُكَفِّرُ بِهِ الْعَبْدُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. غَصْبُ الرَّقِيقِ: 122 - مَنْ غَصَبَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْغَصْبِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ (ر: غَصْب) . وَذَلِكَ لأَِنَّ الرَّقِيقَ مَالٌ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ غَصْبِ سَائِرِ الأَْمْوَال مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً لَمْ تَثْبُتْ يَدُهُ عَلَى بُضْعِهَا وَهُوَ الْجِمَاعُ، فَيَصِحُّ تَزْوِيجُ السَّيِّدِ لَهَا، وَلاَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَهْرَهَا لَوْ حَبَسَهَا عَنِ النِّكَاحِ حَتَّى فَاتَ نِكَاحُهَا بِالْكِبَرِ. وَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الْغَصْبِ فَهُوَ زِنًا لأَِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ وَلاَ مِلْكَ يَمِينِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشُرُوطِهِ، وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَاوِعَةً اتِّفَاقًا. أَمَّا إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ مَهْرَ لَهَا، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ (1) . وَقَال الْبُخَارِيُّ: وَلَيْسَ فِي الأَْمَةِ الثَّيِّبِ فِي قَضَاءِ الأَْئِمَّةِ غُرْمٌ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ الْمَهْرُ وَيَكُونُ لِسَيِّدِهَا __________ (1) حديث: " نهى عن مهر البغي ". أخرجه مسلم (3 / 1198 - ط الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري. لأَِنَّهُ حَقُّهُ، فَلاَ يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا (1) . الرَّقِيقُ وَالْحُدُودُ: حَدُّ الزِّنَا: 123 - إِذَا زَنَى الرَّقِيقُ يُجْلَدُ خَمْسِينَ جَلْدَةً ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلاَ يُرْجَمُ، اتِّفَاقًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (2) فَيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إِلَى الْجَلْدِ دُونَ الرَّجْمِ لِوَجْهَيْنِ: أَنَّ الْجَلْدَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ دُونَ الرَّجْمِ، وَأَنَّ الرَّجْمَ لاَ يَتَنَصَّفُ بَل الَّذِي يَتَنَصَّفُ هُوَ الْجَلْدُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عَنِ الأَْمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنُ فَقَال إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ (3) وَالْعَبْدُ كَالأَْمَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ. قَال عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، __________ (1) المغني 5 / 247، 248، وكشاف القناع 4 / 77، 97، والقليوبي 3 / 33، 41، وفتح القدير 7 / 390، 392، والعناية 7 / 371، والدر المختار وابن عابدين 5 / 130، والزرقاني 6 / 151. (2) سورة النساء / 25. (3) حديث: " إذا زنت فاجلدوها ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 162 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1329 - ط الحلبي) . مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ (1) . السَّرِقَةُ: الْمَمْلُوكُ السَّارِقُ: 124 - ذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سَرَقَ الْمَمْلُوكُ مَا فِيهِ الْحَدُّ وَتَمَّتْ شُرُوطُ الْحَدِّ وَجَبَ قَطْعُهُ، لِعُمُومِ آيَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَنَحَرُوهَا، فَأَمَرَ بِهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ. ثُمَّ قَال عُمَرُ: وَاَللَّهِ إِنِّي لأََرَاكَ تُجِيعُهُمْ، وَلَكِنْ لأَُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ. ثُمَّ قَال لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟ قَال: أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَال: أَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ عِنْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَطَعَهُ (2) . وَإِنْ سَرَقَ الرَّقِيقُ مَال سَيِّدِهِ أَوْ مَال رَقِيقٍ آخَرَ لِسَيِّدِهِ لَمْ يُقْطَعْ لِخَبَرِ عُمَرَ: عَبْدُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ؛ وَلِشُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ الْعَبْدَ وَمَا مَلَكَتْ يَدَاهُ لِسَيِّدِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِسَرِقَتِهِ مِمَّنْ لَوْ سَرَقَ مِنْهُ السَّيِّدُ لَمْ يُقْطَعْ، وَذَلِكَ كَزَوْجِ __________ (1) مقالة علي: " يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد ". أخرجها مسلم (3 / 1330 - ط الحلبي) . (2) المغني 8 / 267، 268، وابن عابدين 3 / 192، والزرقاني 8 / 92. السَّيِّدَةِ أَوْ زَوْجَةِ السَّيِّدِ، أَوْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ بِنْتِهِ (1) . حَدُّ الْقَذْفِ: أ - إِيقَاعُ الْحَدِّ عَلَى الرَّقِيقِ إِذَا قَذَفَ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً: 125 - إِذَا قَذَفَ الرَّقِيقُ الْمُكَلَّفُ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً بِالزِّنَا وَلَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِجْمَاعًا إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهُ لِعُمُومِ آيَةِ الْقَذْفِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَدُّ الْقَذْفِ الْجَلْدَ فَهُوَ يَتَنَصَّفُ، فَوَجَبَ تَنْصِيفُهُ، كَحَدِّ الْجَلْدِ فِي الزِّنَا، وَقَدْ قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ إِذَا قَذَفَ إِلاَّ أَرْبَعِينَ (2) . ب - قَذْفُ الرَّقِيقِ: 126 - مَنْ قَذَفَ رَقِيقًا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ سَيِّدَ الرَّقِيقِ أَوْ غَيْرَ سَيِّدِهِ. __________ (1) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 4 / 188، وروضة الطالبين 10 / 12، وابن عابدين 3 / 202، والدسوقي 4 / 345، والزرقاني 8 / 106، 108، وكشاف القناع 6 / 141. (2) المغني 8 / 219، وشرح المنهاج 4 / 184، روضة الطالبين 8 / 321، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 3 / 167، والزرقاني 8 / 88. وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَنْ قَذَفَ أَمَةً حَامِلاً مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زِنًا. وَدَلِيل عَدَمِ حَدِّ قَاذِفِ الرَّقِيقِ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (1) فَجَعَلَتِ الآْيَةُ: الْحَدَّ لِقَاذِفِ الْمُحْصَنَةِ، وَشَرْطُ الإِْحْصَانِ الْحُرِّيَّةُ (2) . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَال جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَال (3) . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ كَانَ لِلَّهِ فِي ظَهْرِهِ حَدٌّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (4) قَال ابْنُ حَجَرٍ: فَدَل الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الآْخِرَةِ (5) . وَحَيْثُ انْتَفَى الْحَدُّ شُرِعَ التَّعْزِيرُ (6) ، وَلِلْعَبْدِ إِنْ قَذَفَهُ سَيِّدُهُ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ __________ (1) سورة النور / 4. (2) المغني 8 / 216، والزرقاني 8 / 85، 86. (3) حديث: " من قذف مملوكه وهو بريء ". أخرجه البخاري (الفتح 12 / 185 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1282 - ط الحلبي) واللفظ للبخاري. (4) حديث: " من قذف مملوكه كان لله. . . " أورده ابن حجر في الفتح (12 / 185 - ط السلفية) وعزاه إلى النسائي، وسكت عليه. (5) فتح الباري 12 / 185 (ك الحدود - ب 45 قذف العبيد) . (6) كشف القناع 6 / 104، 105، والدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 3 / 168. لِيُعَزِّرَهُ، وَالْحَقُّ فِي الْعَفْوِ لِلْعَبْدِ لاَ لِلسَّيِّدِ، فَإِنْ مَاتَ فَلِلسَّيِّدِ الْمُطَالَبَةُ (1) . حَدُّ شُرْبِ الْمُسْكِرِ: 127 - يُحَدُّ الرَّقِيقُ إِذَا شَرِبَ الْمُسْكِرَ بِالتَّفْصِيل الَّذِي يُذْكَرُ فِي حَدِّ الْحُرِّ، إِلاَّ أَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، فَمَنْ قَال: إِنَّ الْحُرَّ يُحَدُّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً جَعَل حَدَّ الْعَبْدِ أَرْبَعِينَ، وَمَنْ قَال حَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ قَال: إِنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ عِشْرُونَ جَلْدَةً (2) . الرَّقِيقُ وَالْوِلاَيَاتُ: 128 - الرَّقِيقُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْوِلاَيَاتِ، مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ؛ لأَِنَّ الرِّقَّ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ سَبَبُهُ فِي الأَْصْل الْكُفْرُ؛ وَلأَِنَّ الرَّقِيقَ مُوَلًّى عَلَيْهِ مَشْغُولٌ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ وَتَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ فَلاَ يَكُونُ وَالِيًا. قَال ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَةَ الْعُظْمَى لاَ تَكُونُ فِي الْعَبِيدِ إِذَا كَانَ بِطَرِيقِ الاِخْتِيَارِ. قَال ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ أَنْ نَقَل ذَلِكَ: أَمَّا لَوْ تَغَلَّبَ عَبْدٌ حَقِيقَةً بِطَرِيقِ الشَّوْكَةِ فَإِنَّ طَاعَتَهُ تَجِبُ إِخْمَادًا لِلْفِتْنَةِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ. اهـ. __________ (1) روضة الطالبين 8 / 327، 10 / 105. (2) بدائع الصنائع 7 / 40، رد المختار 3 / 164، والزرقاني 8 / 113، مغني المحتاج 4 / 189، والمغني 8 / 316، وكشاف القناع 6 / 118. قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَمَّا لَوِ اسْتُعْمِل الْعَبْدُ عَلَى إِمَارَةِ بَلَدٍ مَثَلاً وَجَبَتْ طَاعَتُهُ. وَحُمِل عَلَى ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِل عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ. (1) وَفُسِّرَ اسْتِعْمَال الْعَبْدِ فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يُجْعَل عَامِلاً فَيُؤَمَّرُ إِمَارَةً عَامَّةً عَلَى بَلَدٍ مَثَلاً، أَوْ يُوَلَّى فِيهَا وِلاَيَةً خَاصَّةً كَإِمَامَةِ الصَّلاَةِ، أَوْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ أَوْ مُبَاشَرَةِ الْحَرْبِ (2) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْعَبْدُ لاَ يَلِي أَمْرًا عَامًّا، إِلاَّ نِيَابَةً عَنِ الإِْمَامِ الأَْعْظَمِ فَلَهُ نَصْبُ الْقَاضِي نِيَابَةً عَنِ السُّلْطَانِ وَلَكِنْ لاَ يَقْضِي هُوَ (3) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يُوَلَّى تَقْرِيرَ الْفَيْءِ وَلاَ جِبَايَةَ أَمْوَالِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِهَا. وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَجُوزُ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا لِنَقْصِهِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: الْعَبْدُ لاَ يَكُونُ قَاضِيًا، وَلاَ قَاسِمًا، وَلاَ مُقَوِّمًا، وَلاَ قَائِفًا وَلاَ مُتَرْجِمًا، وَلاَ كَاتِبَ حَاكِمٍ، وَلاَ أَمِينًا لِحَاكِمٍ، __________ (1) حديث: " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي ". أخرجه البخاري (الفتح 13 / 121 - ط السلفية) . (2) فتح الباري 13 / 122 (ك الأحكام ب4: السمع والطاعة للإمام) . (3) شرح الأشباه 2 / 153. وَلاَ وَلِيًّا فِي نِكَاحٍ أَوْ قَوَدٍ، وَأَضَافَ ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلاَ مُزَكِّيًا عَلاَنِيَةً، وَلاَ عَاشِرًا، وَأَضَافَ السُّيُوطِيُّ: وَلاَ خَارِصًا، وَلاَ يَكُونُ عَامِلاً فِي الزَّكَاةِ إِلاَّ إِذَا عَيَّنَ لَهُ الإِْمَامُ قَوْمًا يَأْخُذُ مِنْهُمْ قَدْرًا مُعَيَّنًا (1) . شَهَادَةُ الرَّقِيقِ: 128 م - مِنْ شَرْطِ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْعَبْدِ. قَال عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ: لأَِنَّ الْمُخَاطَبَ بِالآْيَةِ (يَعْنِي آيَةَ الدَّيْنِ) الأَْحْرَارَ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (2) وَإِنَّمَا يُرْتَضَى الأَْحْرَارُ، قَال: وَأَيْضًا نُفُوذُ الْقَوْل عَلَى الْغَيْرِ نَوْعُ وِلاَيَةٍ. يَعْنِي وَالرَّقِيقُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمَال ابْنُ الْهُمَامِ إِلَى قَبُول شَهَادَتِهِ لأَِنَّ عَدَمَ وِلاَيَتِهِ هُوَ لِحَقِّ الْمَوْلَى لاَ لِنَقْصٍ فِي الْعَبْدِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ عَلَى الأَْحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ الْهُمَامِ عَنْ أَنَسٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِلاَّ أَنَّ ابْنَ الْهُمَامِ قَال إِنَّ عَلِيًّا __________ (1) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 4 / 296، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 193، 195، وجواهر الإكليل 2 / 221، وشرح الأشباه 2 / 153، والمغني 9 / 39، والدر المختار وابن عابدين 4 / 299، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 21. (2) سورة البقرة / 282. كَانَ يَقُول: تُقْبَل عَلَى الْعَبِيدِ دُونَ الأَْحْرَارِ. وَمِمَّنْ نُقِل عَنْهُ قَبُول شَهَادَةِ الْعَبِيدِ عُرْوَةُ وَشُرَيْحٌ وَإِيَاسٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَال أَنَسٌ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ. وَوَجَّهَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنْ رِجَالِنَا فَدَخَل فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} (1) وَلأَِنَّهُ إِنْ كَانَ عَدْلاً غَيْرَ مُتَّهَمٍ تُقْبَل رِوَايَتُهُ وَفُتْيَاهُ وَأَخْبَارُهُ الدِّينِيَّةُ، فَتُقْبَل شَهَادَتُهُ كَالْحُرِّ، وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ تَعْتَمِدُ الْمُرُوءَةَ، وَالْعَبِيدُ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُمُ الأُْمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالأَْتْقِيَاءُ. وَلأَِنَّ مَنْ أُعْتِقَ مِنْهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ اتِّفَاقًا، وَالْحُرِّيَّةُ لاَ تُغَيِّرُ طَبْعًا وَلاَ تُحْدِثُ عِلْمًا وَلاَ مُرُوءَةً (2) . وَأَمَّا شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي الْحُدُودِ فَلاَ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالاِخْتِلاَفُ فِي قَبُول رِوَايَتِهِ فِي الأَْمْوَال يُورِثُ شُبْهَةً. وَأَمَّا فِي الْقِصَاصِ فَتُقْبَل شَهَادَتُهُ عِنْدَهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَأَشْبَهَ الأَْمْوَال. قَالُوا: وَتُقْبَل شَهَادَةُ الأَْمَةِ فِيمَا تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ __________ (1) سورة البقرة / 282. (2) الدر وحاشية ابن عابدين 4 / 370، والمغني 9 / 195، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة 4 / 318، وفتح القدير 6 / 28، وجواهر الإكليل 2 / 232. الْحُرَّةِ، وَذَلِكَ فِي الْمَال (1) . وَهَذَا إِنْ شَهِدَ الْعَبْدُ أَوِ الأَْمَةُ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ. أَمَّا لَوْ شَهِدَ لِسَيِّدِهِ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ اتِّفَاقًا لأَِنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَال سَيِّدِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَلاَ يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْهُ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ، كَالاِبْنِ مَعَ أَبِيهِ. وَكَذَا لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ اتِّفَاقًا كَمَا لاَ يُقْبَل قَضَاؤُهُ لَهُ لأَِنَّ مَال الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ فِي الْمَال. وَكَذَا لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ بِنِكَاحٍ، وَلاَ لأَِمَتِهِ بِطَلاَقٍ لأَِنَّ فِي طَلاَقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَإِبَاحَتَهَا لِلسَّيِّدِ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعٌ لَهُ (2) . وَبَعْضُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا شَهَادَةَ الْعَبْدِ اسْتَثْنَوْا الشَّهَادَةَ عَلَى رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. فَقَالُوا: تُقْبَل شَهَادَةُ الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ عَلَى ذَلِكَ كَالأَْحْرَارِ لأَِنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ فَأَشْبَهَ رِوَايَةَ الأَْخْبَارِ، وَلِهَذَا لاَ يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ (3) . رِوَايَةُ الْعَبْدِ وَأَخْبَارُهُ: 129 - رِوَايَةُ الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ لِلْحَدِيثِ وَأَخْبَارُهُمَا مَقْبُولَةٌ اتِّفَاقًا حَتَّى فِي أُمُورِ الدِّينِ كَالْقِبْلَةِ، __________ (1) المغني 9 / 196، وفتح الباري 5 / 267، وروضة الطالبين 11 / 234. (2) المغني 9 / 193، والقليوبي 4 / 303. (3) فتح الباري 5 / 257، وروضة الطالبين 2 / 345، وفتح القدير 2 / 59. وَالطَّهَارَةِ، أَوِ النَّجَاسَةِ، وَكَحِل اللَّحْمِ وَحُرْمَتِهِ إِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ وَاسِعٌ بِخِلاَفِ الشَّهَادَةِ (1) . وَيُقْبَل قَوْل الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ فِي الْهَدِيَّةِ وَالإِْذْنِ، لأَِنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ عَادَةً عَلَى أَيْدِي هَؤُلاَءِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُمْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْحَرَجِ، حَتَّى لَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَالَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ: بَعَثَنِي مَوْلاَيَ هَدِيَّةً إِلَيْكَ، وَسِعَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ مَا إِذَا أَخْبَرَتْ بِإِهْدَاءِ الْمَوْلَى غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهَا (2) . وَقَال النَّوَوِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: يُقْبَل تَعْدِيل الْعَبْدِ الْعَارِفِ. وَنَقَل السُّيُوطِيُّ مِثْل ذَلِكَ عَنِ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ وَالرَّازِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيِّ (3) . الرَّقِيقُ وَالْجِهَادُ: 130 - الْجِهَادُ لاَ يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَايِعُ الْحُرَّ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، وَيُبَايِعُ الْعَبْدَ عَلَى الإِْسْلاَمِ دُونَ الْجِهَادِ (4) . وَلأَِنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ __________ (1) روضة الطالبين 11 / 294. (2) الهداية وفتح القدير والعناية 8 / 84، 86. (3) تدريب الراوي ص 213، 214، المدينة المنورة ط المكتبة العلمية محمد نمنكاني، 1379 هـ. (4) حديث: " كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد ". يؤخذ من حديث جابر بن عبد الله: جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بعنيه، فاشتر مَسَافَةٍ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْحَجِّ (1) . وَقَال النَّوَوِيُّ: لاَ جِهَادَ عَلَى رَقِيقٍ وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ، إِذْ لَيْسَ الْقِتَال مِنْ الاِسْتِخْدَامِ الْمُسْتَحَقِّ لِلسَّيِّدِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِهِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَى رُوحِهِ إِذَا لَمْ نُوجِبِ الدَّفْعَ عَنِ الْغَيْرِ، بَل السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ كَالأَْجْنَبِيِّ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِصْحَابُهُ فِي سَفَرِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ لِيَخْدُمَهُ وَيَسُوسَ دَوَابَّهُ. اهـ (2) . لَكِنْ إِنْ فَاجَأَ الْعَدُوُّ بَلَدًا بِنُزُولِهِ عَلَيْهَا بَغْتَةً، فَيَلْزَمُ كُل أَحَدٍ بِهِ طَاقَةٌ عَلَى الْقِتَال الْخُرُوجُ لِدَفْعِ الْعَدُوِّ حَتَّى الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنِ الزَّوْجُ أَوِ السَّيِّدُ، وَكَذَا يَلْزَمُ الْخُرُوجُ الصَّبِيَّ وَالْمُطِيقَ لِلْقِتَال، وَمِنْ هُنَا قَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْهَمُ لِهَؤُلاَءِ مِمَّا يُغْنَمُ مِنَ الْعَدُوِّ فِي هَذِهِ الْحَال، لِكَوْنِ الْقِتَال وَاجِبًا عَلَيْهِمْ (3) . وَلاَ يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ إِذَا حَضَرَ الْوَقْعَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى عُمَيْرٌ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ أَنَّهُ قَال: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي، فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أَنَا __________ (1) المغني 8 / 347، وروضة الطالبين 10 / 214. (2) روضة الطالبين 10 / 210. (3) الزرقاني والبناني 3 / 1110. أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ (1) الْمَتَاعِ (2) . وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَمْلُوكُ وَالْمَرْأَةُ يَحْذِيَانِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ: يُسْهَمُ لِلْعَبِيدِ كَالأَْحْرَارِ، لِمَا رَوَى الأَْسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ شَهِدَ فَتْحَ الْقَادِسِيَّةِ عَبِيدٌ فَضُرِبَتْ لَهُمْ سِهَامُهُمْ، وَلأَِنَّ حُرْمَةَ الْعَبْدِ فِي الدِّينِ كَحُرْمَةِ الْحُرِّ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْقَوْل الأَْوَّل أَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ الْعَبِيدُ بِالاِغْتِنَامِ قُسِمَتْ عَلَيْهِمُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ تَخْمِيسِهَا (3) . وَلَوْ قَتَل الْعَبْدُ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (4) . وَلَوْ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ رَقِيقِ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ إِلَيْنَا مُسْلِمًا مُرَاغِمًا لَهُمْ فَهُوَ حُرٌّ إِنْ فَارَقَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً لَمْ تُرَدَّ عَلَى سَيِّدِهَا وَلاَ زَوْجِهَا وَتَكُونُ حُرَّةً؛ لأَِنَّهَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا بِقَهْرِهَا لَهُمْ عَلَى نَفْسِهَا (5) . __________ (1) الخرثّي: أردأ الغنيمة. (2) حديث عمير مولى أبي اللحم: " شهدت خيبر مع سادتي. . " أخرجه أبو داود (3 / 171 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (4 / 127 - ط الحلبي) والسياق لأبي داود، ورواية الترمذي مختصرة، وقال: " حديث حسن صحيح ". (3) المغني 8 / 411، وروضة الطالبين 6 / 370، 371. (4) روضة الطالبين 6 / 374. (5) روضة الطالبين 10 / 342. حَقُّ الْعَبِيدِ فِي الْفَيْءِ: 131 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ الْيَوْمَ خِلاَفًا فِي أَنَّ الْعَبِيدَ لاَ حَقَّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ. اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قَال: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ لَهُ فِي هَذَا الْمَال نَصِيبٌ إِلاَّ الْعَبِيدَ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ (1) . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ وَأَدْخَل فِيهِ الْعَبِيدَ. . فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاضَل بَيْنَهُمْ وَأَخْرَجَ الْعَبِيدَ، فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ سَوَّى بَيْنَهُمْ وَأَخْرَجَ الْعَبِيدَ (2) . وَمِنْ هُنَا قَال النَّوَوِيُّ: لاَ تُثْبَتُ فِي الدِّيوَانِ أَسْمَاءُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّمَا هُمْ تَبَعٌ لِلْمُقَاتِل، يُعْطِي لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُثْبَتُ فِي الدِّيوَانِ أَسْمَاءُ الرِّجَال الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْغَزْوِ (3) . نَظَرُ الْعَبْدِ إِلَى سَيِّدَتِهِ: 132 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَوْرَةَ الْحُرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَبْدِهَا لاَ تَخْتَلِفُ عَنْ عَوْرَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الرِّجَال الأَْجَانِبِ، وَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَكِنْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَدْخُل الْعَبْدُ عَلَى مَوْلاَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ (4) . __________ (1) المغني 6 / 414. (2) المغني 6 / 416. (3) روضة الطالبين 6 / 362. (4) الفتاوى الخانية 3 / 407. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: عَبْدُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا عَلَى الأَْصَحِّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَال النَّوَوِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (1) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ (2) } . وَحَدِيثَ: إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلاَمُكِ (3) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ مَوْلاَتِهِ الرَّأْسَ وَالرَّقَبَةَ وَالذِّرَاعَ وَالسَّاقَ، وَلاَ يَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا فِي السَّفَرِ (4) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ (5) . وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ: فَقَالُوا: إِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ مَنْظَرٌ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَرَى مِنْ سَيِّدَتِهِ مَا عَدَا وَجْهَهَا، فَإِنْ كَانَ وَغْدًا (أَيْ بِخِلاَفِ ذَلِكَ) جَازَ أَنْ يَرَى مِنْهَا مَا يَرَاهُ الْمَحْرَمُ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا (6) . __________ (1) روضة الطالبين 7 / 23. (2) سورة الأحزاب / 55. (3) حديث: " إنما هو أبوك وغلامك ". أخرجه أبو داود (4 / 359 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس بن مالك، وإسناده صحيح. (4) كشاف القناع 2 / 395، 5 / 12. (5) حديث: " سفر المرأة مع عبدها ضيعة ". أورده الهيثمي في المجمع (3 / 214 - ط القدسي) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه بزيع بن عبد الرحمن، وضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات. (6) الزرقاني والبناني بهامشه 3 / 221. ذَبِيحَةُ الرَّقِيقِ وَتَضْحِيَتُهُ: 133 - يَمْلِكُ الرَّقِيقُ أَنْ يَذْبَحَ، وَذَبِيحَتُهُ حَلاَلٌ، لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسِلَعٍ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: كُلُوهَا (1) . قَال عُبَيْدُ اللَّهِ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ رَوَى عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتَهُ أَيْ مِنْ حَيْثُ هِيَ امْرَأَةٌ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يُكْرَهُ ذَبْحُ الْمَرْأَةِ الأُْضْحِيَّةَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ (2) . (ر: ذَبَائِح) . قَال النَّوَوِيُّ: وَالْعَبْدُ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّضْحِيَةُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ، وَقَعَتِ التَّضْحِيَةُ عَنِ السَّيِّدِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِالتَّمْلِيكِ وَإِذْنِ السَّيِّدِ وَقَعَتِ التَّضْحِيَةُ عَنِ الْعَبْدِ (3) . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ مَسْأَلَةِ مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. __________ (1) حديث: " إن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 482، 9 / 632 - ط السلفية) . (2) فتح الباري 4 / 482، 9 / 632، وكشاف القناع 6 / 204. (3) روضة الطالبين 3 / 201. النَّوْعُ الثَّانِي أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ الْمُشْتَرَكِ 134 - قَدْ يَكُونُ الرَّقِيقُ مَمْلُوكًا لأَِكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَيَنْشَأُ الاِشْتِرَاكُ كَمَا فِي سَائِرِ الأَْمْوَال، نَحْوُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ شَخْصَانِ فَأَكْثَرُ، أَوْ يَرِثَاهُ أَوْ يَقْبَلاَهُ هِبَةً أَوْ وَصِيَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَوْ أَنْ يَبِيعَ السَّيِّدُ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ. وَقَدْ يَشْتَرِي الشُّرَكَاءُ فِي شَرِكَةِ الْعُقُودِ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ، فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا أَيْضًا. وَأَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْمُشْتَرَكِ هِيَ أَحْكَامُ الرَّقِيقِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لأَِنَّهُ قِنٌّ مِثْلُهُ، لَكِنْ يَخْتَصُّ الرَّقِيقُ الْمُشْتَرَكُ بِأَحْكَامٍ تَقْتَضِيهَا الشَّرِكَةُ مِنْهَا: 135 - لَيْسَ لأَِيِّ الشَّرِيكَيْنِ أَوِ الشُّرَكَاءِ وَطْءُ الأَْمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ؛ لأَِنَّ الْوَطْءَ لاَ يَحِل إِلاَّ أَنْ يَمْلِكَهَا الْوَاطِئُ مِلْكًا تَامًّا (ر: تَسَرٍّ) لَكِنْ إِنْ وَطِئَهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فَيُعَزَّرُ وَلاَ يُحَدُّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ إِجْمَاعًا، إِلاَّ مَا نُقِل عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنْ لَمْ تَلِدْ مِنْهُ كَانَ لَهُمْ بِقَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ فِيهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْل وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَضْمَنُ لِشُرَكَائِهِ قِيمَةَ أَنْصِبَائِهِمْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِمْ، فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا. وَيَكُونُ وَلَدُهُ حُرًّا، وَاخْتُلِفَ هَل يَلْزَمُهُ لِشُرَكَائِهِ قِيمَةُ نَصِيبِهِمْ مِنْهُ أَمْ لاَ. (1) وَأَمَّا فِي النَّظَرِ وَالْعَوْرَةِ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، بِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ مَعَ سَيِّدَتِهِ كَالأَْجْنَبِيِّ، وَالأَْمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ مَعَ سَيِّدِهَا كَالْمَحْرَمِ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (2) . 136 - وَمِنْهَا أَنَّ الإِْنْفَاقَ عَلَى الرَّقِيقِ الْمُشْتَرَكِ وَاجِبٌ عَلَى الشُّرَكَاءِ جَمِيعًا بِنِسْبَةِ أَنْصِبَائِهِمْ فِي مِلْكِيَّتِهِ، وَكَذَا فِطْرَتُهُ (3) . 137 - وَمِنْهَا الْوِلاَيَةُ عَلَى الرَّقِيقِ الْمُشْتَرَكِ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمَالِكِينَ، فَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ أَمَةً فَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الآْخَرِينَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَأَتَّى تَزْوِيجُ نَصِيبِهِ وَحْدَهُ. ثُمَّ إِنِ اشْتَجَرَ الْمَالِكُونَ فِي تَزْوِيجِهَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ وِلاَيَةُ تَزْوِيجِهَا؛ لأَِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِمُكَلَّفٍ رَشِيدٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ لاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِ لأَِحَدٍ، وَهَذَا بِخِلاَفِ أَوْلِيَاءِ الْحُرَّةِ إِنِ اشْتَجَرُوا (4) . وَالاِشْتِجَارُ فِي شُؤُونِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ فِي تَزْوِيجِهِ، أَوِ الإِْذْنِ لَهُ بِتِجَارَةٍ، أَوْ عَمَلٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ فِي نَصَبٍ وَلاَ يَرْضَى مِنْهُ الْمُشْتَرِكُونَ غَالِبًا، لاِخْتِلاَفِ أَهْوَائِهِمْ __________ (1) المغني 9 / 352، 353، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي 3 / 210. (2) شرح المنهاج 3 / 210. (3) كشاف القناع 2 / 250. (4) كشاف القناع5 / 52. وَإِرَادَاتِهِمْ، وَلِذَا ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَل بِهِ لِلْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ فَقَال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَل يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَل أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (1) } . وَقُرِئَ فِي السَّبْعِ (سَالِمًا لِرَجُلٍ) . وَالْمُهَايَأَةُ طَرِيقَةٌ لِتَقْلِيل نِزَاعِ الشُّرَكَاءِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ كَمَا يَأْتِي. 138 - وَمِنْهَا الاِنْتِفَاعُ بِالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَاسْتِخْدَامُهُ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِطُرُقٍ مِنْهَا، الْمُهَايَأَةُ عَلَى الاِسْتِخْدَامِ فِي الزَّمَانِ، بِأَنْ يَسْتَخْدِمَهُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ فِيهِ، فَإِذَا تَهَايَآهُ اخْتَصَّ كُلٌّ مِنَ الشُّرَكَاءِ بِنَفَقَتِهِ الْعَامَّةِ وَكَسْبِهِ الْعَامِّ فِي مُدَّتِهِ لِيَحْصُل مَقْصُودُ الْقِسْمَةِ. أَمَّا النَّفَقَاتُ النَّادِرَةُ كَأُجْرَةِ الْحَجَّامِ وَالطَّبِيبِ وَالأَْكْسَابِ النَّادِرَةِ كَاللُّقَطَةِ وَالْهِبَةِ وَالرِّكَازِ، أَيْ إِذَا وَجَدَهُ الْعَبْدُ فَلاَ يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ هُوَ فِي نَوْبَتِهِ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً كَالنَّفَقَةِ الْعَامَّةِ وَالْكَسْبِ الْعَامِّ (2) . وَكَذَا تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ فِي خِدْمَةِ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ عِنْدَ __________ (1) سورة الزمر / 29. (2) روضة الطالبين 11 / 219، وشرح المنهاج 3 / 117، وكشاف القناع 6 / 374. الْحَنَفِيَّةِ فِي الزَّمَانِ اتِّفَاقًا لِلضَّرُورَةِ، وَقَالُوا: يُقْرَعُ فِي الْبِدَايَةِ، أَيْ يُعَيَّنُ بِالْقُرْعَةِ مِنْ يَكُونُ لَهُ الْيَوْمُ الأَْوَّل مِنَ الْخِدْمَةِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ عَبْدَانِ بَيْنَ اثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يَتَهَايَآ عَلَى الْخِدْمَةِ فِيهِمَا، عَلَى أَنْ يَخْدُمَ هَذَا الشَّرِيكَ هَذَا الْعَبْدُ، وَالآْخَرَ الآْخَرُ. وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَبْرًا إِذَا طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ قَلَّمَا تَتَفَاوَتُ بِخِلاَفِ الأَْعْيَانِ. قَالُوا: وَلَوْ تَهَايَآ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ كُل عَبْدٍ عَلَى مَنْ يَأْخُذُهُ جَازَ اسْتِحْسَانًا لِلْمُسَامَحَةِ فِي إِطْعَامِ الْمَمَالِيكِ بِخِلاَفِ شَرْطِ الْكِسْوَةِ فَإِنَّهَا لاَ يُسَامَحُ فِيهَا. وَأَمَّا التَّهَايُؤُ فِي اسْتِغْلاَل الْعَبْدِ الْوَاحِدِ فَقَدْ مَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ، بِخِلاَفِ التَّهَايُؤِ فِي اسْتِغْلاَل الدَّارِ مَثَلاً، قَالُوا: لأَِنَّ الاِسْتِغْلاَل إِنَّمَا يَكُونُ بِالاِسْتِعْمَال، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَمَلَهُ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي لاَ يَكُونُ كَمَا كَانَ فِي الزَّمَانِ الأَْوَّل. فَلَوْ فَعَلاَ فَزَادَتِ الْغَلَّةُ لأَِحَدِهِمَا عَنِ الآْخَرِ يَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ لِيَتَحَقَّقَ التَّعْدِيل، وَلأَِنَّ الْغَلَّةَ يُمْكِنُ بِهِ قِسْمَتُهَا فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى التَّهَايُؤِ فِيهَا، بِخِلاَفِ الْخِدْمَةِ، وَأَمَّا فِي الْعَبْدَيْنِ فِي الاِسْتِغْلاَل فَجَائِزٌ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الإِْفْرَازِ وَالتَّمْيِيزِ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَأَى أَنَّ الْمَنْعَ فِي صُورَةِ الْعَبْدَيْنِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَلأَِنَّ التَّفَاوُتَ فِي الاِسْتِغْلاَل يَكْثُرُ؛ وَلأَِنَّ الظَّاهِرَ التَّسَامُحُ فِي الْخِدْمَةِ وَالاِسْتِقْصَاءُ فِي الاِسْتِغْلاَل (1) . وَكَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ تَهَايُؤُ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ وَتَهَايُؤُ الْعَبْدَيْنِ (عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) عَلَى سَبِيل الاِنْتِفَاعِ وَالاِسْتِخْدَامِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ وَالْعَبْدَيْنِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِغْلاَل. وَحَيْثُ جَازَ قَيَّدُوا بِأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عِنْدَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَوْمًا فَأَكْثَرَ إِلَى شَهْرٍ لاَ أَكْثَرَ، ثُمَّ يَكُونُ عِنْدَ الآْخَرِ كَذَلِكَ (2) . النَّوْعُ الثَّالِثُ الرَّقِيقُ الْمُبَعَّضُ وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ رَقِيقٌ وَبَعْضُهُ حُرٌّ. وَيَنْشَأُ التَّبْعِيضُ فِي الرَّقِيقِ فِي صُوَرٍ، مِنْهَا: 139 - أ - أَنْ يُعْتِقَ مَالِكُ الرَّقِيقِ جُزْءًا مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ شَائِعًا كَرُبُعِهِ، أَوْ مُعَيَّنًا كَيَدِهِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَا أَعْتَقَهُ يَكُونُ حُرًّا، وَمَا لَمْ يُعْتِقْهُ يَبْقَى عَلَى الرِّقِّ، وَيُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ جُزْئِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ، كَالْمُكَاتَبِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُرَدُّ إِلَى الرِّقِّ لَوْ عَجَزَ عَنِ الأَْدَاءِ، وَمَا لَمْ يُؤَدِّ فَهُوَ مُبَعَّضٌ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ مُعَيَّنًا كَيَدِهِ أَوْ شَائِعًا كَرُبُعِهِ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ فَيَعْتِقُ كُلُّهُ، قَالُوا: __________ (1) الهداية وشروحها 8 / 29 - 32. (2) الزرقاني والبناني 6 / 194. لأَِنَّ زَوَال الرِّقِّ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَقِيَاسًا عَلَى سِرَايَةِ الْعِتْقِ فِيمَا لَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي الْعَبْدِ، كَمَا يَأْتِي (وَانْظُرْ: تَبْعِيض ف 40) . وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ الْمُعْتِقُ غَيْرَ سَفِيهٍ (1) . ب - أَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ، فَإِنَّ بَاقِيَهُ يَبْقَى رَقِيقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا، وَلِشَرِيكِ الْمُعْتِقِ إِمَّا أَنْ يُحَرِّرَ نَصِيبَهُ، أَوْ يُدَبِّرَهُ، أَوْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ إِنْ كَانَ الْعِتْقُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي تَحْصِيل قِيمَةِ بَاقِيهِ لِيَتَحَرَّرَ، فَإِنِ امْتَنَعَ آجَرَهُ جَبْرًا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الصَّاحِبَانِ، إِلَى أَنَّ الشَّرِيكَ إِنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَكَانَ مُوسِرًا سَرَى الْعِتْقُ إِلَى الْبَاقِي فَصَارَ كُل الْعَبْدِ حُرًّا، وَيَكُونُ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِالْعِتْقِ قِيمَةُ أَنْصِبَاءِ شُرَكَائِهِ، وَالْوَلاَءُ لَهُ دُونَهُمْ، فَإِنْ أَعْتَقَ الثَّانِيَ بَعْدَ الأَْوَّل وَقَبْل أَخْذِ الْقِيمَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ لِلثَّانِي عِتْقٌ، لأَِنَّ الْعَبْدَ قَدْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقِ الأَْوَّل. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ آخَرَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَعْتِقُ بِعِتْقِ الأَْوَّل مَا لَمْ يَأْخُذِ الْقِيمَةَ، أَمَّا قَبْل أَخْذِ الْقِيمَةِ فَبَاقِي الْعَبْدِ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْعِتْقِ، وَلاَ يَنْفُذُ بِغَيْرِهِ. __________ (1) ابن عابدين 3 / 15، وشرح المنهاج 4 / 351، وروضة الطالبين 12 / 110، والزرقاني 8 / 132. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلشَّافِعِيِّ: إِنَّ الْعِتْقَ مُرَاعًى، فَإِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ عَتَقَ مِنْ حِينَ أَعْتَقَ الأَْوَّل نَصِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَتَقَ. أَمَّا إِنْ كَانَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مُعْسِرًا فَلاَ يَسْرِي الْعِتْقُ، وَيَكُونُ الْعَبْدُ مُبَعَّضًا. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ (1) . وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (2) . (وَانْظُرْ تَبْعِيض ف 41) . وَعَلَى مِثْل هَذَا التَّفْصِيل مَا لَوْ عَتَقَ عَلَى الْمَالِكِ سَهْمُهُ مِنْ عَبْدٍ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، كَمَنْ مَلَكَ سَهْمًا مِنْ ذِي مَحْرَمٍ بِاخْتِيَارِهِ، أَمَّا إِنْ مَلَكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَمَنْ وَرِثَ جُزْءًا مِنِ ابْنِهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلاَ يَسْرِي إِلَى بَاقِيهِ اتِّفَاقًا، بَل يَبْقَى مُبَعَّضًا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَا يُتْلِفُ بِهِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ (3) . ج - أَنْ تَلِدَ الْمُبَعَّضَةُ وَلَدًا مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا، فَمُقْتَضَى تَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ لأُِمِّهِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ أَنْ __________ (1) حديث: " من أعتق شركًا له في عبد فكان له. . . " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 151 - ط السلفية) ومسلم (2 / 1139 - ط الحلبي) من حديث ابن عمر. (2) المغني 9 / 334 - 338، وابن عابدين 3 / 15، 16 والزرقاني 8 / 132، وشرح المنهاج 4 / 352. (3) المغني 9 / 355، وشرح المنهاج 4 / 354. يَكُونَ وَلَدُهَا مُبَعَّضًا كَذَلِكَ (1) . د - وَلَدُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ وَطْءِ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ، فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (2) هـ - أَنْ يَضْرِبَ الإِْمَامُ الرِّقَّ عَلَى بَعْضِ الأَْسِيرِ لِعِتْقِ بَعْضِهِ، فَيَكُونُ مُبَعَّضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ (3) . وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ صُوَرًا أُخْرَى نَادِرَةً. أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْمُبَعَّضِ: 140 - لَمَّا كَانَ الْمُبَعَّضُ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ شَبِيهًا بِالرَّقِيقِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ وَجْهٍ؛ لأَِنَّ سَيِّدَهُ لاَ يَمْلِكُ كُلَّهُ بَل يَمْلِكُ جُزْءًا مِنْهُ، وَشَبِيهًا بِالْحُرِّ مِنْ وَجْهٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدَ لأَِحَدٍ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ الْحُرِّ مِنْهُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ أَحْكَامَ الْمُبَعَّضِ كَأَحْكَامِ الْقِنِّ فِيمَا عَدَا وَطْءَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ الْمُبَعَّضَةَ فَلاَ يَجُوزُ (4) . وَفِي تُحْفَةِ الطُّلاَّبِ لِزَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُبَعَّضَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ كَالْقِنِّ، وَفِي بَعْضِهَا كَالْحُرِّ، وَفِي بَعْضٍ آخَرَ هُوَ كَالْحُرِّ __________ (1) الأشباه للسيوطي 199. (2) الأشباه للسيوطي 199. (3) الأشباه للسيوطي 200، والدر المختار 3 / 15. (4) الزرقاني 8 / 135، 4 / 260. وَكَالْعَبْدِ بِاعْتِبَارَيْنِ (1) . وَبِاسْتِقْرَاءِ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ كَالشَّافِعِيَّةِ وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ. التَّصَرُّفُ فِيهِ: 141 - لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْجُزْءِ الْمَمْلُوكِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَالْمُشْتَرَكِ، فَلَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ، أَوْ يَقِفَهُ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ رَهْنَ الْمَشَاعِ أَوْ وَقْفَهُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُبَاعُ الْمُبَعَّضُ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِيَأْخُذَ قِيمَةَ بَاقِيهِ مِنْ أُجْرَتِهِ (2) . كَسْبُ الْمُبَعَّضِ 142 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَعَّضَ لَوْ كَسَبَ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ كَالاِحْتِشَاشِ وَالاِحْتِطَابِ وَالاِلْتِقَاطِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، فَلِسَيِّدِهِ نِسْبَةُ مِلْكِهِ فِيهِ، وَالْبَاقِي لَهُ، كَمَا فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ سَيِّدِهِ، عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَسَائِل الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ (3) . __________ (1) شرح المنهاج بحاشية القليوبي 2 / 270، وابن عابدين 3 / 15. (2) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب 2 / 530 - 532. (3) شرح المنهاج 3 / 117، وروضة الطالبين 11 / 219، وكشاف القناع 6 / 374. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَعَّضَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ كُلِّهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَةَ بَاقِيهِ الْمَمْلُوكِ مِنْ مَكَاسِبِهِ أَوْ يَعْتِقَ (1) . الْحُدُودُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُبَعَّضِ: 143 - لاَ يُرْجَمُ الْمُبَعَّضُ فِي الزِّنَا لِعَدَمِ تَمَامِ إِحْصَانِهِ، وَحَدُّ الْمُبَعَّضِ كَحَدِّ الرَّقِيقِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، فَهُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ فِي الزِّنَا، وَالْقَذْفِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُحَدُّ بِنِسْبَةِ حُرِّيَّتِهِ وَرِقِّهِ، فَالْمُنَصَّفُ يُجْلَدُ فِي الزِّنَا خَمْسًا وَسَبْعِينَ جَلْدَةً، وَلاَ يُحَدُّ قَاذِفُ الْمُبَعَّضِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا لاَ يُحَدُّ قَاذِفُ الرَّقِيقِ، بَل يُعَزَّرُ (2) . وَلاَ يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مَال سَيِّدِهِ، كَمَا لاَ يُقْطَعُ سَيِّدُهُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَال الْمُبَعَّضِ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِمَّا مَلَكَهُ الْمُبَعَّضُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. جِنَايَاتُ الْمُبَعَّضِ: 144 - لَوْ قَتَل الْمُبَعَّضُ حُرًّا فَيَجِبُ الْقِصَاصُ إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهُ؛ لأَِنَّهُ يُقْتَل بِالْحُرِّ الْحُرُّ الْكَامِل الْحُرِّيَّةِ، فَلأََنْ يُقْتَل بِهِ الْمُبَعَّضُ الَّذِي حُرِّيَّتُهُ نَاقِصَةٌ أَوْلَى. __________ (1) ابن عابدين 3 / 15. (2) الشرقاوي على شرح التحرير 2 / 530 القاهرة، مصطفى الحلبي 1360 هـ، والأشباه ص 198، وكشاف القناع 6 / 93. وَلَوْ قَتَل الْمُبَعَّضُ مُبَعَّضًا آخَرَ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقْتَل جُزْءُ الرِّقِّ بِجُزْءِ الرِّقِّ، بَل يُقْتَل جَمِيعُهُ بِجَمِيعِهِ حُرِّيَّةً وَرِقًّا شَائِعًا، فَلَوْ قُتِل بِهِ يَلْزَمُ قَتْل جُزْءِ حُرِّيَّةٍ بِجُزْءِ رِقٍّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (1) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ إِنْ لَمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِل عَلَى حُرِّيَّةِ الْمَقْتُول، بِأَنْ كَانَتْ بِقَدْرِهَا أَوْ أَقَل؛ لأَِنَّ الْمَقْتُول حِينَئِذٍ مُسَاوٍ لِلْقَاتِل أَوْ يَزِيدُ عَنْهُ حُرِّيَّةً، فَلَمْ يَفْضُل الْقَاتِل الْمَقْتُول بِشَيْءٍ، فَلاَ يَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَتَل الْحُرُّ مُبَعَّضًا لَمْ يُقْتَل بِهِ عِنْدَ مَنْ لاَ يَقْتُل الْحُرَّ بِالْعَبْدِ - وَهُمْ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ - لِنَقْصِهِ بِرِقِّ بَعْضِهِ، وَكَذَا لَوْ قَتَل الْمُبَعَّضُ قِنًّا لَمْ يُقْتَل بِهِ، وَلَوْ قَتَل الْقِنُّ مُبَعَّضًا قُتِل بِهِ. (2) أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلَوْ قَتَل الْمُبَعَّضُ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَ تَرَكَ مَالاً يَفِي بِبَاقِي قِيمَتِهِ فَهُوَ حُرٌّ وَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَلاَ قِصَاصَ لِلاِخْتِلاَفِ فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ كُلُّهُ أَوْ لاَ، فَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ جَهْل الْمُسْتَحِقِّ، إِذْ هُوَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدَ أَوِ الْقَرِيبَ (3) . __________ (1) الأشباه ص 197. (2) شرح المنهاج 4 / 106، وشرح الشرقاوي على شرح التحرير 2 / 531. (3) ابن عابدين 3 / 15. الدِّيَاتُ 145 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَعَّضَ إِذَا قَتَل وَوَجَبَ ضَمَانُهُ، فَإِنَّ فِيهِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِنِسْبَةِ حُرِّيَّتِهِ، وَمِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ كُلُّهُ رَقِيقًا بِنِسْبَةِ رِقِّهِ. فَمُبَعَّضٌ نِصْفُهُ حُرٌّ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَنِصْفُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا، فِي مَال الْجَانِي (1) . وَإِنْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ فَرُبُعُ الدِّيَةِ وَرُبُعُ الْقِيمَةِ، وَكُلُّهَا فِي مَال الْجَانِي. وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا لاَ مُقَدَّرَ لَهُ يُقَوَّمُ كُلُّهُ رَقِيقًا سَلِيمًا بِلاَ جُرْحٍ، ثُمَّ رَقِيقًا وَبِهِ الْجُرْحُ، وَيَضْمَنُ الْجَانِي النَّقْصَ، لَكِنْ يَكُونُ نِصْفُ ذَلِكَ النَّقْصِ (أَيْ فِي الرَّقِيقِ الْمُنَصَّفِ) دِيَةً (أَيْ أَرْشًا) لِجُزْئِهِ الْحُرِّ. وَالنِّصْفُ الآْخَرُ قِيمَةً لِمَا نَقَصَ مِنْ جُزْئِهِ الرَّقِيقِ (2) . إِرْثُ مَال الْمُبَعَّضِ عَنْهُ: 146 - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْمُبَعَّضَ لاَ يُورَثُ عَنْهُ مَالُهُ بَل يَكُونُ كُل مَا تَرَكَهُ لِمَالِكِ جُزْئِهِ الْمَمْلُوكِ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْقَدِيمِ: يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَال. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْجَدِيدِ - وَهُوَ الأَْظْهَرُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ __________ (1) القليوبي 4 / 145، والشرقاوي 2 / 532، وكشاف القناع 6 / 22. (2) القليوبي 4 / 145. وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَاَلَّذِي كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ مِثْل أَنْ يَكُونَ قَدْ وَرِثَ شَيْئًا عَنْ قَرِيبٍ لَهُ مَثَلاً؛ لأَِنَّهُ لاَ يَرِثُ إِلاَّ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، أَوْ يَكُونَ قَدْ هَايَأَ سَيِّدَهُ فَكَسَبَ ذَلِكَ الْمَال فِي الأَْيَّامِ الْمُخَصَّصَةِ لَهُ (أَيْ لِلْمُبَعَّضِ) أَوْ كَانَ قَدْ قَاسَمَ سَيِّدَهُ قَبْل الْمَوْتِ وَأَخَذَ السَّيِّدُ حَقَّهُ، فَيَكُونُ الَّذِي بَقِيَ لِجُزْئِهِ الْحُرِّ. قَالُوا: فَيُورَثُ عَنْهُ ذَلِكَ، يَرِثُهُ قَرِيبُهُ وَزَوْجَتُهُ وَمُعْتَقُهُ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، وَلاَ قَاسَمَ سَيِّدَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَمَا تَرَكَهُ مِنَ الْمَال يَكُونُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، فَلِسَيِّدِهِ بِنِسْبَةِ مِلْكِهِ. وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ (1) . إِرْثُ الْمُبَعَّضِ مِنْ غَيْرِهِ: 147 - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، إِلَى أَنَّ الْمُبَعَّضَ كَالْقِنِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، فَلاَ يَرِثُ، كَمَا لاَ يُورَثُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَكَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الأَْصْحَابُ: لاَ يَرِثُ الْمُبَعَّضُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَغَيْرِهِمْ شَيْئًا، وَلاَ يَحْجُبُ أَحَدًا مِنَ الْوَرَثَةِ (2) . __________ (1) ابن عابدين 5 / 489، والزرقاني 8 / 227، 135، وشرح المنهاج 3 / 148، والروضة 6 / 30، والمغني 6 / 269، والعذب الفائض 1 / 24. (2) بيّن صاحب العذب الفائض طريقة العمل وضرب أمثلة أخرى فليرجع إليه من أراد التوسع. وَقَال أَحْمَدُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ: يَرِثُ، وَيَحْجُبُ بِقَدْرِ جُزْئِهِ الْحُرِّ، فَجُزْؤُهُ الْحُرُّ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الأَْحْرَارِ، وَجُزْؤُهُ الْمَمْلُوكُ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الْعَبِيدِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ: يَرِثُ وَيُورَثُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ (1) . وَمَثَّل لَهُ فِي الْعَذْبِ الْفَائِضِ بِامْرَأَةٍ مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ، وَأَخٍ شَقِيقٍ حُرَّيْنِ، وَابْنٍ لَهَا نِصْفُهُ حُرٌّ، فَيَكُونُ لِلاِبْنِ الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ، وَهُوَ نِصْفُ مَا يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ كَامِل الْحُرِّيَّةِ، وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ كَذَلِكَ، وَلِلأَْخِ الرُّبُعُ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ الاِبْنُ رَقِيقًا كَانَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلأَْخِ النِّصْفُ وَلاَ شَيْءَ لِلاِبْنِ، وَلَوْ كَانَ كَامِل الْحُرِّيَّةِ كَانَ لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ وَالْبَاقِي لِلاِبْنِ وَهُوَ نِصْفٌ وَرُبُعٌ، وَلاَ شَيْءَ لِلأَْخِ، فَيَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمْ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ فِي مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ وَجَابِرٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: هُوَ كَالْحُرِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ فَيَرِثُ وَيَحْجُبُ كَالْحُرِّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هُوَ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ حُرٌّ مَدْيُونٌ - أَيْ لأَِنَّهُ __________ (1) حديث ابن عباس: " في العبد يعتق بعضه " أورده ابن قدامة في المغني (6 / 270 - ط الرياض) وعزاه إلى عبد الله بن أحمد، وفيه انقطاع في سنده. يُسْتَسْعَى فِي فِكَاكِ بَاقِيهِ - فَيَرِثُ وَيَحْجُبُ (1) . انْقِضَاءُ الرِّقِّ: 148 - يَنْقَضِي الرِّقُّ فِي الرَّقِيقِ بِأُمُورٍ: الأَْوَّل: أَنْ يُعْتِقَهُ مَالِكُهُ، سَوَاءٌ بَادَرَ بِعِتْقِهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ عِتْقُهُ عَلَى مَالٍ يَلْتَزِمُهُ الْعَبْدُ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ (ر: عِتْق) . الثَّانِي: أَنْ يَعْتِقَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ السَّيِّدُ، أَوْ خَصَاهُ، أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ، وَكَمَا لَوْ وَلَدَتِ الأَْمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ (ر: اسْتِيلاَد) وَكَمَا لَوِ اشْتَرَى الرَّجُل قَرِيبَهُ. الثَّالِثُ: أَنْ يُوصِيَ بِعِتْقِهِ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. الرَّابِعُ: أَنْ يُدَبِّرَهُ: أَيْ يُعَلِّقَ السَّيِّدُ عِتْقَ الْعَبْدِ عَلَى مَوْتِهِ أَيْ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ يَكُونُ الْعَبْدُ عَتِيقًا، وَكَذَا لَوْ كَاتَبَهُ وَأَدَّى الْكِتَابَةَ (ر: تَدْبِير، عِتْق) . __________ (1) شرح المنهاج 3 / 148، والروضة 6 / 30، والعذب الفائض 1 / 23، 24، والمغني 6 / 269 وما بعدها، والزرقاني 8 / 227، 135، وابن عابدين 5 / 489، 3 / 15. رَقْم التَّعْرِيفِ: 1 - لُغَةً: الرَّقْمُ فِي الأَْصْل مَصْدَرٌ، يُقَال: رَقَمْتُ الثَّوْبَ رَقْمًا أَيْ وَشَّيْتُهُ، فَهُوَ مَرْقُومٌ، وَرَقَمْتُ الْكِتَابَ: كَتَبْتُهُ فَهُوَ مَرْقُومٌ. وَالرَّقْمُ: الْخَطُّ وَالْكِتَابَةُ وَالْخَتْمُ. وَالرَّقْمُ: خَزٌّ مُوَشًّى، وَكُل ثَوْبٍ وُشِّيَ فَهُوَ رَقْمٌ. وَرَقَمْتُ الشَّيْءَ: أَعْلَمْتُهُ بِعَلاَمَةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ كَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا (1) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَلاَمَةٌ يُعْرَفُ بِهَا مِقْدَارُ مَا يَقَعُ بِهِ الْبَيْعُ، أَوْ هُوَ الثَّمَنُ الْمَكْتُوبُ عَلَى الثَّوْبِ (2) . وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ (3) أَيْ مَا يُكْتَبُ عَلَى الثِّيَابِ مِنْ أَثْمَانِهَا لِتَقَعَ الْمُرَابَحَةُ عَلَيْهِ، أَوْ يَغْتَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي. __________ (1) لسان العرب والمصباح المنير والمقاييس في اللغة 2 / 425. (2) كشاف اصطلاحات الفنون 3 / 590، وابن عابدين 4 / 29، والمغني 4 / 207، والمجموع 9 / 323 - 324 تحقيق المطيعي، والموسوعة 7 / 70، 8 / 79. (3) حديث: " كان يزيد في الرقم " أورده ابن الأثير في النهاية (2 / 253 - ط الحلبي) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَرْنَامَجُ: 2 - الْبَرْنَامَجُ: الْوَرَقَةُ الْجَامِعَةُ لِلْحِسَابِ، وَهُوَ مُعَرَّبُ (برنامه) . وَفِي الْمُغْرِبِ: هِيَ النُّسْخَةُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا عَدَدُ الثِّيَابِ وَالأَْمْتِعَةِ وَأَنْوَاعِهَا الْمَبْعُوثِ بِهَا مِنْ إِنْسَانٍ لآِخَرَ، فَتِلْكَ النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا مِقْدَارُ الْمَبْعُوثِ هِيَ الْبَرْنَامَجُ (1) . وَنَصَّ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْبَرْنَامَجَ هُوَ الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ أَوْصَافُ مَا فِي الْعَدْل مِنَ الثِّيَابِ الْمَبِيعَةِ لِتُشْتَرَى عَلَى تِلْكَ الصَّنْعَةِ لِلضَّرُورَةِ (2) . ب - الأُْنْمُوذَجُ: 3 - الأُْنْمُوذَجُ: مَا يَدُل عَلَى صِفَةِ الشَّيْءِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَفِي لُغَةٍ: نَمُوذَجٌ، قَال الصَّغَانِيُّ: النَّمُوذَجُ: مِثَال الشَّيْءِ الَّذِي يُعْمَل عَلَيْهِ (3) . ج - النَّقْشُ، وَالْوَشْيُ، وَالنَّمْنَمَةُ، وَالتَّزْوِيقُ: 4 - هَذِهِ الأَْلْفَاظُ تَكَادُ تَكُونُ مُتَّفِقَةَ الْمَعْنَى وَهِيَ تَشْتَرِكُ مَعَ (الرَّقْمِ) فِي مَعْنَى التَّجْمِيل، وَالتَّزْيِينِ (4) . __________ (1) تاج العروس والمغرب مادة (برنامج) . (2) الدسوقي 3 / 24. (3) المصباح المنير. (4) لسان العرب المواد (زوق - نقش - نمنم - وشي) . مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّقْمِ مِنْ أَحْكَامٍ: الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ: 5 - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْعِلْمُ بِالثَّمَنِ، فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مَرْقُومًا عَلَى السِّلْعَةِ (أَيْ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا) ، وَتَمَّ الْبَيْعُ بِالرَّقْمِ بِأَنْ قَال الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، أَيْ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ مَرْقُومٌ عَلَيْهَا. فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَالِمَيْنِ بِقَدْرِهِ صَحَّ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقٍ. وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَاهِلاً وَتَمَّ الْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ وَافْتَرَقَا فَسَدَ الْبَيْعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ) وَذَلِكَ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ، وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ، نَظِيرُهُ مَا لَوْ قَال: بِعْتُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُل صَاعٍ بِدِرْهَمٍ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَتْ جُمْلَةُ الثَّمَنِ فِي الْحَال مَجْهُولَةً، لَكِنْ قَال النَّوَوِيُّ عَمَّا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ: هَذَا ضَعِيفٌ شَاذٌّ. وَإِنْ عَلِمَ الْجَاهِل بِالثَّمَنِ - قَدْرَ الرَّقْمِ - فِي الْمَجْلِسِ (أَيْ قَبْل الاِفْتِرَاقِ) فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ كَانَ هُوَ جَهَالَةُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ زَالَتْ فِي الْمَجْلِسِ، وَيَصِيرُ كَتَأْخِيرِ الْقَبُول إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَهُوَ مَفْهُومُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ جَهَالَةٍ تَمَكَّنَتْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَهِيَ جَهَالَةُ الثَّمَنِ بِسَبَبِ الرَّقْمِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْقِمَارِ لِلْخَطَرِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ كَذَا وَكَذَا لأَِنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يُبَيِّنَ الْبَائِعُ قَدْرَ الرَّقْمِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل. لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْعِلْمِ فِي الْمَجْلِسِ لَكِنْ بِعَقْدٍ آخَرَ هُوَ التَّعَاطِي أَوِ التَّرَاضِي. وَعَنْ هَذَا قَال شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: وَإِنْ عَلِمَ بِالرَّقْمِ فِي الْمَجْلِسِ لاَ يَنْقَلِبُ ذَلِكَ الْعَقْدُ جَائِزًا، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ دَائِمًا عَلَى الرِّضَا فَرَضِيَ بِهِ الْمُشْتَرِي يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا عَقْدَ ابْتِدَاءٍ بِالتَّرَاضِي (1) . وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ (ثَمَن ج 15 ص 35) الرَّقْمُ بِمَعْنَى النَّقْشِ وَالتَّصْوِيرِ: 6 - الأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ __________ (1) ابن عابدين 4 / 11 - 12، 29، وفتح القدير مع الكفاية والعناية 5 / 472 - 473 - 474، وبدائع الصنائع 5 / 158، والدسوقي 3 / 15 - 16، والمجموع 9 / 323 - 324 تحقيق المطيعي، والمغني 4 / 207، 211، والإنصاف 4 / 310 والاختيارات الفقهية لابن تيمية ص 121. ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَدْخُل عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا، فَقَال: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، فَأَتَاهَا عَلِيٌّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قَال: تُرْسِلِي بِهِ إِلَى فُلاَنٍ، أَهْل بَيْتٍ فِيهِمْ حَاجَةٌ (1) . قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَا لِي وَلِلرَّقْمِ (2) . وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ صَاحِبِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ قَال بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ بَعْدُ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، قَال: فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيِّ رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَْوَّل؟ فَقَال عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَال: إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ (3) . __________ (1) حديث ابن عمر: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 228 - ط السلفية) . (2) فتح الباري 5 / 228 - 229 وينظر 10 / 384 وما بعدها. (3) صحيح مسلم بشرح النووي 14 / 85، والأبي 5 / 394 وحديث: " إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ". أخرجه مسلم (3 / 1665 - ط الحلبي) . أَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّصْوِيرُ وَالاِسْتِعْمَال فَيُنْظَرُ فِي بَحْثِ تَصْوِير (12 / 92) وَمُصْطَلَحِ (نَقْش) . |
لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)
|
قال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة سريج بن يونس: (وذكر الدارقطني في كتاب (التصحيف) أنه حدث بحديث فصحف في اسم منه فذكر ذلك لداود بن رشيد فقال: ليس سريج من جمازات المحامل).
قال الدكتور قاسم علي سعد في (مباحث في علم الجرح والتعديل) (ص77): (والجمز هو العدو ، والجمازات نوع من الأبعرة القوية ، تسميها العرب بذلك ، فيكون معنى قول داود (ليس من جمازات المحامل) أي ليس من الابعرة التي تعدو والتي تحمل المحامل ، أي ليس بالقوي ). |