نتائج البحث عن (أمير المؤمنين) 50 نتيجة

  • أمير المؤمنين
أمير المؤمنين: لقب سيدنا عمر رضي الله عنه ومَن بعده من الخلفاء.

تحفة الصديق إلى الصديق، من كلام أمير المؤمنين: أبي بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه –

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحفة الصديق إلى الصديق، من كلام أمير المؤمنين: أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -
وهي: مائة كلمة من كلامه.
جمعها: رشيد الدين: محمد بن عبد الجليل الوطواط.
وقد سبق ذكره في: (أنس اللهفان).

أبو حفص عمر بن الخطاب أمير المؤمنين

الإصابة في تمييز الصحابة

‏<br> عمر بْن الخطاب- أمير المؤمنين رضى الله عنه- ابن نقيل بْن عبد العزى بْن رباح بْن عَبْد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بْن كَعْب القرشي العدوي، أَبُو حفص.

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


أمه حنتمة بِنْت هاشم بْن الْمُغِيرَة بْن عَبْد الله بن عمر ابن مخزوم.

وقالت طائفة فِي أم عُمَر: حنتمة بِنْت هِشَام بْن الْمُغِيرَة. ومن قَالَ ذَلِكَ فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أَبِي جهل بْن هِشَام، والحارث بْن هِشَام بْن الْمُغِيرَة، وليس كذلك، وإنما هي ابنة عمهما، فإن هاشم بْن الْمُغِيرَة وهشام بْن الْمُغِيرَة أخوان، فهاشم والد حنتمة أم عُمَر، وهشام والد الْحَارِث وَأَبِي جهل، وهاشم بْن الْمُغِيرَة هَذَا جد عُمَر لأمه، كَانَ يقال له ذو الرّمحين.

سيأتي على حسب الترتيب الجديد للكتاب.



ولد عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة. وَرَوَى أُسَامَة بْن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قَالَ: سمعت عُمَر يَقُول: ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين.

قال الزُّبَيْر: وَكَانَ عُمَر بْن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة فِي الجاهلية، وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب وبين غيرهم بعثوا سفيرا. وإن نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر رضوا بِهِ بعثوه منافرا ومفاخرا.

قال أَبُو عُمَر رحمه الله: ثُمَّ أسلم بعد رجالٍ سبقوه. وَرَوَى ابْنُ مَعِينٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ. قَالَ: أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً.

قال أَبُو عُمَر: فكان إسلامه عزا ظهر بِهِ الإسلام بدعوة النَّبِيّ ﷺ، وهاجر، فهو من المهاجرين الأولين، وشهد بدرا وبيعة الرضوان، وكل مشهد شهده رَسُول اللَّهِ ﷺ، وتوفي رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ عَنْهُ راضٍ، وولي الخلافة بعد أَبِي بَكْر، بويع لَهُ بها يَوْم مات أَبُو بكر رضى الله عنه باستخلافه لَهُ سنة ثلاث عشرة، فسار بأحسن سيرة وأنزل نفسه من مال الله بمنزلة رجلٍ من الناس، وفتح الله لَهُ الفتوح بالشام، والعراق، ومصر، وَهُوَ دون الدواوين فِي العطاء، ورتب الناس فِيهِ على سوابقهم، كَانَ لا يخاف فِي الله لومة لائم، وَهُوَ الَّذِي نور شهر الصوم بصلاة الإشفاع فِيهِ، وأرخ التاريخ من الهجرة الَّذِي بأيدي الناس إِلَى اليوم، وَهُوَ أول من سمى بأمير المؤمنين، لقصة نذكرها هنا إن شاء الله تعالى.



وهو أول من اتخذ الدرة، وَكَانَ نقش خاتمه «كفى بالموت واعظا يَا عُمَر» وَكَانَ آدم شديد الأدمة، طوالا، كث اللحية، أصلع أعسر يسر، يخضب بالحناء والكتم ، وَقَالَ أنس: كَانَ أَبُو بَكْر يخضب بالحناء والكتم، وَكَانَ عُمَر يخضب بالحناء بحتا. قال أَبُو عُمَر: الأكثر أنهما كانا يخضبان.

وقد روي عَنْ مُجَاهِد- إن صح- أن عُمَر بْن الخطاب كَانَ لا يغير شيبته.

هكذا ذكره زر بْن حبيش وغيره، بأنه كَانَ آدم شديد الأدمة وَهُوَ الأكثر عِنْدَ أهل العلم بأيام الناس وسيرهم وأخبارهم ، ووصفه أَبُو رجاء العطاردي، وَكَانَ مغفلا، فَقَالَ: كَانَ عُمَر بْن الخطاب طويلا جسيما أصلع شديد الصلع، أبيض شديد حمرة العينين، فِي عارضه خفة، سبلته كثيرة الشعر فِي أطرافها صهبة.

قَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سالم بن عبد الله بن عمر، عن أَبِيهِ قَالَ: إِنَّما جَاءَتْنَا الأَدَمَةُ مِنْ قِبَلِ أَخْوَالِي بَنِي مَظْعُونٍ، وَكَانَ أَبْيَضُ، لا يَتَزَوَّجُ لِشَهْوَةٍ إِلا لِطَلَبِ الْوَلَدِ، وعاصم بْن عُبَيْد الله لا يحتج بحديثه ولا بحديث الْوَاقِدِيّ.

وزعم الْوَاقِدِيّ أن سمرة عُمَر وأدمته إنما جاءت من أكله الزيت عام الرمادة. وهذا منكر من القول. وأصح مَا فِي هَذَا الباب- والله أعلم- حديث سُفْيَان الثوري، عَنْ عَاصِم بْن بهدلة، عَنْ زر بْن حبيش، قال: رأيت عمر شديد الأدمة.

الكتم- محركة: نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر.

من س. وسيجيء في رواية أخرى.

السبلة- محركة: ما على الشارب من الشعر، أو طرفه، أو مجتمع الشاربين أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها أو مقدمها خاصة (القاموس) .



قال أنس: كَانَ أَبُو بَكْر يخضب بالحناء والكتم، وَكَانَ عُمَر يخضب بالحناء بحتا. قال أَبُو عُمَر: إنهما كانا يخضبان. وقد روي عَنْ مُجَاهِد- إن صح- أن عُمَر بْن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لا يغير شيبه. قال شُعْبَة، عَنْ سماك، عَنْ هِلال بْن عَبْد اللَّهِ: رأيت عُمَر بْن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رجلا آدم ضخما، كأنه من رجال سدوس فِي رجليه روح.

ومن حديث ابْن عُمَر أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم ضرب صدر عمر ابن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حين أسلم ثلاث مرات، وَهُوَ يَقُول: اللَّهمّ أخرج مَا فِي صدره من غل، وأبدله إيمانا- يقولها ثلاثا. ومن حديث ابْن عُمَر أيضا قَالَ:

قَالَ رسول الله ﷺ: أن الله جعل الحق على لسان عُمَر وقلبه، ونزل القرآن بموافقته فِي أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إِبْرَاهِيم. وروي من حديث عقبة بْن عَامِر وَأَبِي هريرة عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لو كَانَ بعدي نبي لكان عُمَر. وَرَوَى سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ كَانَ فِي الأُمَمِ قَبْلَكُم مُحَدِّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. ورواه أَبُو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله.

الأروح: الّذي يتداني عقباه إذا مشى (الإصابة) .



وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابني عبد الله بن عمر، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى رَأَيْتَ الرَّيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْعِلْمُ. ورواه مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كنا نحدث أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت ... وذكر مثله سواء.

وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر- أن رسول الله ﷺ قَالَ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا- أَوْ قَالَ قَصْرًا- وَسَمِعْتُ فِيهِ ضَوْضَأَةً ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُوَ؟ فَقِيلَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَلَوْلا غِيرَتُكَ يَا أَبَا حَفْصٍ لدخلته.

فبكى عمر، أَعَلَيْكَ يَغَارُ؟ أَوْ قَالَ: أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: رَأَيْتُنِي فِي الْمَنَامِ وَالنَّاسُ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا إِلَى كَذَا وَمِنْهَا إِلَى كَذَا، وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ ابن الْخَطَّابِ يَجُرُّ قَمِيصَهُ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الدِّينُ.

هكذا رواه إِبْرَاهِيم بْن سَعْد فيما حدث بِهِ عَنْهُ الطَّيَالِسِيّ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَجَّاجٍ الزَّيَّاتُ الطَّبَرَانِيُّ، حدثنا الحسن بن محمد المدني،

ضوضاة: هكذا في كل الأصول.



حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ وَالنَّاسُ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ إِلَى الثَّدْيِ، وَمِنْهَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عمر ابن الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: الدِّينُ. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير الناس بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْر، ثُمَّ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وقال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مَالِكٍ الدَّارِ قَالَ:

أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا. قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، وَقَالَ: إِيتِ عُمَرَ فَمُرْهُ أَنْ يَسْتَسْقِي لِلنَّاسِ، فَإِنَّهُمْ سَيُسْقَوْنَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيْكَ الْكِيسَ الْكِيسَ. فَأَتَى الرَّجُلُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، مَا آلُو إِلا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، يَا رَبِّ، مَا آلُو إِلا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ وقال ابْن مَسْعُود: مَا زلنا أعزة منذ أسلم عُمَر.

وقال حذيفة: كَانَ علم الناس كلهم قد درس فِي علم عُمَر.

وقال ابْن مَسْعُود: لو وضع علم أحياء العرب فِي كفة ميزان، ووضع علم

الكيس: العقل.



عمر في كفة لرجح علم عمر. لقد كانوا يرون أَنَّهُ ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عُمَر أوثق فِي نفسي من عمل سنة.

وذكر عَبْد الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، قَالَ: لو أن رجلا قَالَ: عُمَر أفضل من أَبِي بكرٍ مَا عنفته، وكذلك لو قَالَ: علي أفضل من أَبِي بَكْر وَعُمَر لم أعنفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله. فذكرت ذَلِكَ لوكيع فأعجبه واشتهاه. قال: يدل على أن أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أفضل من عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سبقه لَهُ إِلَى الإسلام.

وما رَوَى عَنِ النَّبِيّ ﷺ أنه قال: رأيت فِي المنام كأني وزنت بأمتي فرجحت، ثُمَّ وزن أَبُو بَكْر فرجح، ثُمَّ وزن عُمَر فرجح، وفي هَذَا بيان واضح فِي فضله على عُمَر. وقال عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا سابقت أَبَا بَكْر إِلَى خير قط إلا سبقني إِلَيْهِ، ولوددت أني شعرة فِي صدر أَبِي بَكْر.

وذكر سيف بْن عُمَر، عَنْ عُبَيْدَة بْن مُعَتِّب، عَنْ إِبْرَاهِيم النخعي، قال:

أول من ولى شيئا من أمور المسلمين عُمَر بْن الخطاب، ولاه أَبُو بَكْر القضاء، فكان أول قاض فِي الإسلام. وَقَالَ: اقض بين الناس، فإني فِي شغل، وأمر ابْن مَسْعُود بعس المدينة.

وأما القصة التي ذكرت فِي تسمية عُمَر نفسه أمير المؤمنين، فذكر الزُّبَيْر، قَالَ:

قَالَ عُمَر لما ولي: كَانَ أَبُو بَكْر يقال لَهُ خليفة رَسُول اللَّهِ ﷺ، فكيف يقال لي خليفة خليفة رَسُول اللَّهِ، يطول هَذَا! قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة:

أنت أميرنا، ونحن المؤمنون. فأنت أمير المؤمنين. قال: فذاك إذن.



قال أَبُو عُمَر: وأعلى من هَذَا فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا خَلَف بْن قَاسِم، حَدَّثَنَا أبو أحمد ابن الْحُسَيْن بْن جَعْفَر بْن إِبْرَاهِيم، حَدَّثَنَا أَبُو زكريا يَحْيَى بْن أَيُّوب بْن بادي العلاف، حَدَّثَنَا عُمَر بْن خَالِد، حَدَّثَنَا يعقوب بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ أن عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ سأل أَبَا بَكْر بْن سُلَيْمَان بْن أَبِي خيثمة، لأي شيء كَانَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يكتب: من خليفة رَسُول اللَّهِ؟

وَكَانَ عُمَر يكتب: من خليفة أَبِي بَكْر؟ ومن أول من كتب عَبْد اللَّهِ أمير المؤمنين؟ فَقَالَ: حدثتني الشفاء- وكانت من المهاجرات الأول- أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إِلَى عامل العراق أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عَنِ العراق وأهله. فبعث إِلَيْهِ عامل العراق لبيد بْن رَبِيعَة العامري، وعدي بْن حَاتِم الطائي، فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثُمَّ دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بْن الْعَاص، فقالا لَهُ: استأذن لنا على أمير المؤمنين يَا عَمْرو؟ فَقَالَ عَمْرو: أنتما والله أصبتما باسمه، نحن المؤمنون وَهُوَ أميرنا. فوثب عَمْرو، فدخل على عُمَر، فَقَالَ:

السلام عليك يَا أمير المؤمنين. فقال عُمَر: مَا بدا لك فِي هَذَا الاسم؟ يعلم الله لتخرجن مما قلت أو لأفعلن. قال: إن لبيد بْن رَبِيعَة وعدي بْن حَاتِم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثُمَّ دخلا المسجد، وقالا لي: استأذن لنا يَا عَمْرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك، أنت الأمير، ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ.

قال أَبُو عُمَر: وكانت الشفاء جدة أَبِي بَكْر، وروينا من وجوه أن عمر

في ى: نادى وهو تحريف (الاستيعاب ج - م )



ابن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يرمي الجمرة، فأتاه جمر فوقع على صلعته، فأدماه، وثمة رجل من بني لهب، فَقَالَ: أشعر أمير المؤمنين، لا يحج بعدها. قَالَ: ثُمَّ جاء إِلَى الجمرة الثانية، فصاح رجل: يَا خليفة رَسُول اللَّهِ.

فقال: لا يحج أمير المؤمنين بعد عامه هَذَا. فقتل عُمَر بعد رجوعه من الحج.

قال مُحَمَّد بْن حَبِيب: لهب- مكسورة اللام: قبيلة من قبائل الأزد، تعرف فيها العيافة والزجر.

قال أَبُو عُمَر: قتل عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سنة ثلاث وعشرين من ذي الحجة، طعنه أَبُو لؤلؤة فيروز غلام الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة لثلاث بقين من ذي الحجة- هكذا قَالَ الْوَاقِدِيّ. وغيره قَالَ: لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.

وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، قَالَ: قُتِلَ عُمَرُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ لأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَتْ خِلافَتُهُ عَشَرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.

وقال أَبُو نُعَيْم: قتل عُمَر بْن الخطاب يَوْم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا.

أَخْبَرَنَا عبد الوارث، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ:

سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: قَتَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضى الله (ظهر الاستيعاب ج - م )



عَنْهُ، فَطَعَنَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلا، فَمَاتَ سِتَّةٌ، وَقَالَ: فَرَمَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ بُرْنُسًا، ثُمَّ بَرَكَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَجَأَ نَفْسَهُ فَقَتَلَهَا.

ومن أحسن شيء يروى فِي مقتل عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأصحه مَا حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ، قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ، قال: حدثنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عن أبى إسحاق، عن عمرو ابن مَيْمُونَ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ يَوْمَ طُعِنَ، وَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَكُونَ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ إِلا هَيْبَتُهُ، وَكَانَ رَجُلا مَهِيبًا، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَرَضَ لَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ- غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- فَفَاجَأَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَسْتَوِي الصُّفُوفُ، ثُمَّ طَعَنَهُ ثَلاثَ طَعَنَاتٍ، فَسَمِعْتُ عُمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: دُونَكُمُ الْكَلْبَ، فَإِنَّهُ قَتَلَنِي، وَمَاجَ النَّاسُ وَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ، فَجُرِحَ ثَلاثَةُ عَشَرَ رَجُلا، فَانْكَفَأَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ فَاحْتَضَنَهُ، فَمَاجَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ، حَتَّى قَالَ قَائِلٌ: الصَّلاةَ عِبَادَ اللَّهِ، طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى بِنَا بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ : . وإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ : . وَاحْتُمِلَ عُمَرُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، اخْرُجْ فَنَادِ فِي النَّاسِ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: أَعَنْ مَلأٍ مِنْكُمْ هَذَا! فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ:

أَيُّهَا النَّاسُ. أَعَنْ مَلأٍ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله! والله

في أسد الغابة: فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه. وفي ى: وجاء.



مَا عَلِمْنَا وَلا اطَّلَعْنَا. وَقَالَ: ادْعُوا لِيَ الطَّبِيبَ، فَدُعِيَ الطَّبِيبُ، فَقَالَ:

أَيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: النَّبِيذُ، فَسُقِيَ نَبِيذًا، فَخَرَجَ مِنْ بَعْضِ طَعَنَاتِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا دَمُ صَدِيدٍ. قَالَ: اسْقُونِي لَبَنًا، فَخَرَجَ مِنَ الطَّعْنَةِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: لا أَرَى أَنْ تُمْسِيَ، فَمَا كُنْتَ فَاعِلا فَافْعَلْ. وذكر تمام الخبر فِي الشورى، وتقديمه لصهيب فِي الصلاة، وقوله فِي علي عَلَيْهِ السلام:

إن ولوها الأَجْلَح سلك بهم الطريق الأَجْلَح المستقيم- يَعْنِي عليا. وقوله فِي عُثْمَان وغيره. فَقَالَ لَهُ ابْن عُمَر: مَا يمنعك أن تقدم عليا؟ قَالَ: أكره أن أحملها حيا وميتا.

وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ عَامِرِ بن عبد الله ابن الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَدَوْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى السُّوقِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِي، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ- غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- فَقَالَ:

أَلا تُكَلِّمُ مولاي يضع عنى من حراجى! قَالَ: كَمْ خَرَاجُكَ؟ قَالَ: دِينَارٌ.

قَالَ: مَا أَرَى أَنْ أَفْعَلَ، إِنَّكَ لَعَامِلٌ مُحْسِنٌ، وَمَا هَذَا بِكَثِيرٍ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلا تَعْمَلْ لِي رَحًى؟ قَالَ: بَلَى. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ: لأَعْمَلَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ بِهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي قَوْلُهُ.

قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي النِّدَاءِ لِصَلاةِ الصُّبْحِ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى النَّاسِ يُؤْذِنَهُمْ لِلصَّلاةِ.

قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَأَنَا فِي مُصَلايَ وَقَدِ اضْطَجَعَ لَهُ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، فَضَرَبَهُ بِالسِّكِّينِ سِتَّ طَعَنَاتٍ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَهِيَ قَتَلَتْهُ، فَصَاحَ عُمَرُ:

أَيْنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؟ فَقَالُوا: هُوَ ذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: تَقَدَّمْ



فَصَلِّ بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وقرأ في الركعتين ب «قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ» : . وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ : . وَاحْتَمَلُوا عُمَرَ فَأَدْخَلُوهُ مَنْزِلَهُ، فَقَالَ لابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي. قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ:

مَنْ قَتَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالُوا: أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ عُمَرَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّه الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ قَتْلِي بِيَدِ رَجُلٍ يُحَاجِّنِي بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَذَكَرَ الْخَبَرَ فِي الشُّورَى بِتَمَامِهِ.

حَدَّثَنَا خَلَفُ بن قاسم، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا الدُّولابِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِي شَأْنِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مَجُوسِيًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَحَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ أَزْرَقَ نَصْرَانِيًّا، وَجَأَهُ بِسِكِّينٍ لَهُ طَرَفَانِ، فَلَمَّا جُرِحَ عُمَرُ جُرِحَ مَعَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ أُخِذَ، فَلَمَّا أُخِذَ قَتَلَ نَفْسَهُ.

واختلف فِي سن عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْم مات، فقيل: توفي وَهُوَ ابْن ثلاث وستين سنة كسن النَّبِيّ ﷺ وسن أَبِي بَكْر حين توفيا، رَوَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، ومن قول الشعبي. وروى عبيد الله ابن عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً



وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- أَنَّ عُمَرَ قُبِضَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وقال قَتَادَة توفي وَهُوَ ابْن اثنين وخمسين.

وقيل: مات وَهُوَ ابْن ستين. وقيل: مات وَهُوَ ابْن ثلاث وستين.

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا علي بن الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زائدة ابن قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: حدثنا أبو بردة، عن عوف ابن مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ فَرَعَهُمْ، فَهُوَ فَوْقَهُمْ بِثَلاثَةِ أَذْرُعٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: عُمَرُ. قُلْتُ:

لِمَ؟ قَالُوا: لأَنَّ فِيهِ ثَلاثَ خِصَالٍ، إِنَّهُ لا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وَإِنَّهُ خَلِيفَةٌ مُسْتَخْلَفٌ، وَشَهِيدٌ مُسْتَشْهِدٌ. قَالَ: فَأَتَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَصَّهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَدَعَاهُ لِيُبَشِّرَهُ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: اقْصُصْ رُؤْيَاكَ. قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَتُ «خَلِيفَةٌ مُسْتَخْلَفٌ» زَبَرَنِي عُمَرُ، وَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ:

اسْكُتْ، تَقُولُ هَذَا وَأَبُو بَكْرٍ حَيٌّ! قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، وَوَلِيَ عُمَرُ مَرَرْتُ بِالْمَسْجِدِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَ: فَدَعَانِي، وَقَالَ: اقْصُصْ رُؤْيَاكَ، فَقَصَصْتُهَا. فَلَمَّا قُلْتُ: إِنَّهُ لا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَنِي اللَّهُ مِنْهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا قُلْتُ: خَلِيفَةٌ مُسْتَخْلَفٌ. قَالَ: قَدِ اسْتَخْلَفَنِي اللَّهُ، فَسَلْهُ أَنْ يُعِينَنِي عَلَى مَا وَلانِي. فَلَمَّا ذَكَرْتُ: شَهِيدٌ مُسْتَشْهِدٌ قَالَ: أَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ وَأَنَا بَيْنَ أُظْهُرِكُمْ تَغْزُونَ وَلا أَغْزُو! ثُمَّ قَالَ: بَلَى يَأْتِي اللَّهُ بِهَا أَنَّى شَاءَ.

زبرني: منعني واتهرني.



أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ سَيِّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الدَّيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ، وَقَالَ: جَدِيدٌ قَمِيصُكَ أَمْ غَسِيلٌ؟ قَالَ: بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ:

الْبِسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمِتْ شَهِيدًا، وَيَرْزُقُكَ اللَّهُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وروى مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيّ قَالَ: صَلَّى عُمَر على أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حين مات، وصلى صُهَيْب على عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قَالَ فِي انصرافه من حجته التي لم يحج بعدها: الحمد للَّه ولا إله إلا الله، يعطي من يشاء مَا يشاء، لقد كنت بهذا الوادي- يَعْنِي ضجنان - أرعى إبلا للخطاب، وَكَانَ فظا غليظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت، وليس بيني وبين الله أحد أخشاه، ثُمَّ تمثل:

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد

لم تغن عَنْ هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

ولا سُلَيْمَان إذ تجري الرياح لَهُ ... والجن والإنس فيما بينها برد

أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوبٍ إليها وافد يفد

حوض هنالك مورود بلا كذبٍ ... لا بد من ورده يوما كما وردوا

وروينا عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي حين احتضر ورأسه فِي حجر ابنه عبد الله:

ظلوم لنفسي غير أني مُسْلِم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم

ضجنان: جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا، وهو محرك. وابن دريد يسكن جيمه (ياقوت) .



حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ- أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَذَنَ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْجُجْنَ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ- قَالَتْ: فَلَمَّا ارْتَحَلَ مِنَ الْخَطْمَةِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مُتَلَثِّمٌ، فَقَالَ، وَأَنَا أَسْمَعُ:

أَيْنَ كَانَ مَنْزِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ قَائِلٌ- وَأَنَا أَسْمَعُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُهُ، فَأَنَاخَ فِي مَنْزِلِ عُمَرَ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى:

عَلَيْكَ سَلامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ

فَمَنْ يَجْرِ أَوْ يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بواثق فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفَتَّقِ

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِبَعْضِ أَهْلِي: أَعْلِمُونِي مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَذَهَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا فِي مَنَاخِهِ أَحَدًا قَالَتْ عَائِشَةُ: فو الله إِنِّي لأَحْسَبُهُ مِنَ الْجِنِّ. فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ قَالَ النَّاسُ هَذِهِ الأَبْيَاتُ لِلشَّمَّاخِ بْنِ ضِرَارٍ، أَوْ لأَخِيهِ مُزَرِّدٍ.

قال أَبُو عُمَر رحمه الله: كانوا إخوة ثلاثة كلهم شاعر.

وَرَوَى مسعر، عن عبد الملك بن عمير، عن عروة، عن عائشة قالت:

ناحت الجن على عُمَر قبل أن يقتل بثلاث فقالت:

أبعد قتيلٍ بالمدينة أظلمت... لَهُ الأرض تهتز العضاة بأسوق

في أسد الغابة: أصبحت.



جزى الله خيرا من إمامٍ وباركت ... يد الله فِي ذاك الأديم الممزق

فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فِي أكمامها لم تفتق

فما كنت أخشى أن يكون وفاته... بكفى سبتني أزرق العين مطرق

ويروى بكفى سبنت، والسبنتى: النمر الجريء. وقد تمد السبنتاء.

والمطرق: الحنق، قال الملتمس:

فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمّما
*أمير المؤمنين لقب أُطلق على الخلفاء المسلمين منذ عهد عمر بن الخطاب، رضى الله عنه.
وهو ثانى ألقاب الخلفاء بعد لقب الخليفة؛ فعندما تُوفِّى أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، وتولَّى بعده عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لَقَّبه الناس فى بداية خلافته بلقب خليفة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم استقر الأمر على تلقيبه بأمير المؤمنين؛ حتى يُتجنب ثقل توالى لقب خليفة فيقال لمن يخلفه: خليفة خليفة خليفة رسول الله، وهكذا.
ويشير لفظ أمير فى هذا اللقب إلى الولاية العامة للخليفة، كما تدل إضافة لفظ المؤمنين إليه على شمول هذه الدولة لهم.
وقد اقتصر استعمال لقب أمير المؤمنين منذ أن لُقب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - به، حتى نهاية الخلافة على الدلالة على ما يتمتع به الخليفة من مراسيم سياسية وسلطة سياسية وإدارية، كما يرمز لقب أمير المؤمنين إلى القوة الحربية للمسلمين.
وقد لقب بهذا اللقب بعد عمر بن الخطاب عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، رضى الله عنهم، ثم خلفاء بنى أمية، وخلفاء بنى العباس فى بغداد والقاهرة، وسلاطين الموحدين فى المغرب العربى، والفاطميون فى مصر، ثم سلاطين آل عثمان بعد فتح مصر سنة (923هـ = 1517م)، واستمر هذا اللقب يُطلق عليهم إلى أن تحالف الغرب على إسقاط دولة الخلافة سنة (1343هـ = 1924م).
وقد أُطلق لقب أمير المؤمنين مجازًا على عدد من أئمة العلماء، مثل: شعبة بن الحجاج، الذى لُقب بأمير المؤمنين فى رواية الحديث، وسفيان الثورى الذى لُقب بأمير المؤمنين فى الحديث.
أحد الألقاب العظيمة التي أطلقتْ على بعض كبار أئمة هذا العلم الشريف ، وهي واحدة من ألفاظ التوثيق الأعلى ؛ قال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله في (الباعث الحثيث) (ص149: علمية):
(واعلم أنه قد أطلق المحدثون ألقاباً على العلماء بالحديث ؛ فأعلاها "أمير المؤمنين في الحديث" ، وهذا لقب لم يظفر به [إلا] الأفذاذ النوادر الذين هم الأئمة في هذا الشأن ، والمرجع إليهم فيه كشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني ، وفي المتأخرين ابن حجر العسقلاني ؛ رضي الله عنهم جميعاً)(1).
وقد ألف بعض العلماء في جمع أسماء من وُصفوا بهذه العبارة أو لُقِّبوا بها؛ وإليك ما علمتُه من ذلك.
1- جاء في هامش بعض النسخ الخطية لكتاب السخاوي (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر) - كما في (1/65) من مطبوعته -:
(فائدة فيمن يقال له أمير المؤمنين في الحديث: قال الحافظ أبو علي الحسن بن محمد البكري في كتاب (التبيين لذكر من يسمى بأمير المؤمنين)، قال: فأول من تسمى بهذا الاسم ----) إلى آخر ما ذكره ؛ وقد قال في ختامه: (انتهى ملخصاًً من النبراس).
2- للشيخ محمد حبيب الله بن عبد الله الشنقيطي (1295-1363هـ) منظومة تزيد على ثمانين بيتاً ؛ أسماها (هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث) ؛ وهي مطبوعة في جزء لطيف ، طبعتها دار البشاير الإسلامية ، ببيروت ، بتحقيق وتعليق عبدالفتاح أبو غدة ، سنة 1410هـ، في (2) صفحة.
وقيل في نقد هذه المنظومة: (وهو لم يذكر في منظومته إلاّ القليل الذين لم يجاوزا العشرين ، وطار من عصر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين حتى هبط في عصر ابن حجر والسيوطي ، وخفي عليه أمراء المؤمنين في الحديث في تلك المئات المفقودة !).
3- ألف عبدالفتاح أبو غدة كتاباً في ذلك، أسماه (أمراء المؤمنين في الحديث) ؛ طبعه مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب ، سنة (1411هـ) مع كتاب (جواب الحافظ عبد العظيم المنذري عن أسئلة الجرح والتعديل) بتحقيق المؤلف.
4- جمع بعضُ الفضلاء أسماءَ مَن لُقبوا بهذا اللقب في هذه الأبيات:
حمداً لك اللهم ثم صلِّ ... وسلمنْ على إمام الرسْلِ
إليك نظماً حسناً مستوعبا ... من بأمير المؤمنين لُقِّبا
أبو الزناد ، فابن إسحاق ذُكرْ ... فالدَّسْتَوائيُّ ، فشعبةٌ شُهِرْ
لاجرم الثوري ، كابن سلمة ... وقد جثت لمالك مستسلمة
فابن المبارك الرفيعِ الشانِ ... ثم الدَّراوَرْدِيِّ ، والسِّيناني
ولَقِّبِ القطانَ يحيى ، واعدد ... محمدَ بنَ عمرَ بنِ واقِدِ
أبا نُعَيمِ ابنَ دُكَينِ الفضلَ ثم ... هشاما الطَّيالسيَّ العَدْلَ ضُمْ
لابني معين والمديني عَلِيْ ... ففضلُ ذين ظاهرٌ بادٍ جَلِي
أنعِمْ بإسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ ... يليه من تعويلُنا عليهِ
العَلَمُ الطَّوْدُ الأَشَمُّ الماجدُ ... لِذِكْرِه يُقامُ ثم يُقْعَدُ
من تهتفُ السنةُ: لا مُجاريْ ... لحافظِي محمدِ البخاري
ونالها محمدُ الذُّهْلِيُّ ... ثم أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ
والدَّارَقُطْنِيُّ بها جديرُ ... وكيف لا وفَرْيُهُ خطيرُ
وجَدَّ في طِلابِها عبدُالغَنِي ... المقدسيُّ الحنبليُّ المعتني
قُلِّدَها من بعده أبو الوفا ... بسِبْطِ نَجْلِ العَجَمِيِّ عُرِفا
ثم أتت راغمةً من حِلِّها ... ساعيةً قهراً إلى مَحِلِّها
إذ لَثَمَتْ أعتابَ حافظِ البَشَر ... أعني أميرَ المؤمنينَ ابنَ حَجَر
ولَقَّبَ ابنَ الدِّيْبَعِ الشَّيباني ... من ليس في ذا الفن بالمُعَاني
وجاء عبدالله نجلُ سالمِ ... أبلَى فَخَرَّتْ لليدينِ والفَمِ
وأتحفوا محمدَ الصنعاني ... بها ، وما لمن مضى يُداني
فهؤلاء من عليهم نَصُّوا ... والحق أن ليست بهم تَخْتصُّ
إذ غيرهم تحققت فيه الصفة ... معنىً ، كمسلم رُزِقْتَ النَّصَفَة
وإنما ذَكَرتُ من نَصّاً وَلَجْ ... ومن يَزِدْهُم دارياً فلا حَرَجْ
انتهت.
__________
(1) تتمة كلامه: (ثم يليه الحافظ----.
وأدنى من الحافظ درجةً يسمى المحدِّث ----.
ودون هذين من يسمى (المسنِد)
- بكسر النون ؛ وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها ، من غير معرفة بعلومها أو إتقان لها----).
55 - أمير المؤمنين
لقب إسلامى لم يعرف بمعناه المتداول إلا منذ عهد الخلفاء الراشدين فقيل: إن بعض الصحابة دعا "عمر بن الخطاب" ملقبا إياه بلقب "أمير المؤمنين" فاستصوبه الناس ودعوه به. فأريد به رئيس دولة الإسلام.
وكان قواد البعوث يلقبون به فيعنى قائد الجند، ولقَّب الصحابة به "سعد ابن أبى وقاص" وقالوا إنه "أمير المؤمنين"، لأنه كان أميرا على جيش القادسية.
وقيل: إن السبب فى استعمال هذا اللقب دالا على خليفة المسلمين: أن بريدا جاء بخبر الفتح من بعض البلاد التى أرسلت قوات إسلامية لفتحها. ودخل حامل البريد المدينة المنورة وهو يسأل عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: أين أمير المؤمنين؟ وسمعها الصحابة فاستحسنوا هذا اللقب وقالوا: أصبت والله اسمه، إنه والله أمير المؤمنين حقا، فدعوه بذلك، وذهب لقبا توارثه الخلفاء.
ويرى بعض الباحثين أن إطلاق هذه الكلمة على رئيس دولة الإسلام يشير إلى أن المسلمين قد أصبحوا قوة يحسب لها ألف حساب، وأن عمر رضى الله عنه أصبح أميرا لهذه القوة، وإطلاقه على ذلك يتمشى مع عهد الفتوحات الاسلامية لما فى اللفظ من معنى الجمع بين السلطتين: الحربية والادارية.
أضف إلى هذا أن اللقب يمثل تعبيرا دقيقا عن مهمة الخليفة وعن طبيعة السلطة التى خولتها الأمة لحاكمها. بحيث تنتفى عنه شبهة الوراثة لمهمة النبى الدينية المتمثلة فى نزول الوحى عليه، صلى الله عليه وسلم كما تنفى عنه شبهة استبداد الملوك أو تجبر القياصرة أو الأكاسرة على النحو الذى كان معروفا آنئذ.
ومهما يكن من أمرفقد استمر اللقب مستخدما منذ عهد عمر رضى الله عنه حتى العصر العثمانى، إلى جانب ما استخدمه السلاطين والملوك من ألقاب بعد ذلك.
وواضح من كل ما سبق أن كلمات: الإمامة العظمى، والخلافة، وإمرة المؤمنين هى كلمات ثلاث مترادفة تشير جميعها إلى قيادة أو رئاسة الدولة الإسلامية.
أ. د/عبد الله جمال الدين
__________
مراجع الاستزادة:
1 - النظريات السياسية الإسلامية، محمد ضياء الدين الريس: ط7 القاهرة 1979م.
2 - النظم الإسلامية، حسن إبراهيم حسن وعلى إبراهيم. ط4، القاهرة 1970م.
3 - مقدمة ابن خلدون، ابن خلدون: القاهرة 1966م.
4 - الفكر السياسى عند الماوردى، صلاح الدين بسيونى: القاهرة 1983م

أيام السلطان جلال الدنيا والدين أبي الفتح ملكشاه ابن ألب أرسلان يمين أمير المؤمنين

تاريخ دولة آل سلجوق

الفردوس، وهو على حالة من السكر، فغلق دونه الباب، وربط هناك خيله، وأقام هناك يومه وليله. وقال: «لابد لي من الوزير. ولا مهلة في التأخير».
فلما عرف فخر الدولة الحال، قدم السؤال وطلب الاعتزال. فأذن له أن يعتزل، ويلزم المنزل. وخرج إلى كوهرائين توقيع فيه لما عرف محمد بن محمد بن جهير ما عليه جلال الدولة ونظام الملك من المطالبة بصرفه، سأل الإذن في ملازمة داره، إلى أن يكاتبا في أمره، ولم يزل عميد الدولة يستعطف نظام الملك حتى عطف، ويتألف قلبه حتى انقلب إلى ما ألف. وألزمه تقلد منه، وزوج بنته بابنه. وكتب إلى كوهرائين بإعادته إلى الخدمة، وزيادته في الحرمة. وسأل الخليفة الإغضاء عن ذلته، ولما وصل إلى بغداد عزله الخليفة عن خدمته، ونقله إلى منزله عن منزلته. ورتب الوزير أبا شجاع محمد بن الحسين نائبا في الديوان وجلس بغير مخدة، ثم توزر عميد الدولة ابن جهير للخليفة المقتدي في سنة 472 هـ وأفضيت عليه خلع آذنت بتبجيله، وتولى أمين الدولة وابن الموصلايا قراءة توقيع خرج في حقه بتجميله.
قال الإمام عماد الدين محمد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني-رحمه الله-
: ولما كان الكتاب الذي صنفه أنوشروان الوزير عّربته وهذبته، وقد انتهيت في هذا الموضع إلى مفتتحه، وصلت هذه الجملة التي ذكرتها به وجعلتها طريقا إلى دخول بابه، لكني عند انقضاء أيام كل سلطان، أوردت حوادث تجددت في عصره، وأخل أنوشروان بنشر حديثها وذكره. ومن هاهنا يقع بما بدأ به البداية، وتكمل بتعريبه والإعراب عنه العناية.
أيام السلطان جلال الدنيا والدين أبي الفتح ملكشاه ابن ألب أرسلان يمين أمير المؤمنين
قال: عقد لواء سلطنته في أيام أمير المؤمنين القائم بأمر الله-رضى الله عنه-
وعصر خلافته قد قارب انتهاءه، وشارف انقضاءه. ولهج عند وفاته بهذين البيتين:
سلا أمّ عمرو كيف بات أسيرها تفك الأساري حوله وهو موثق
فإن كان مقتولا ففي القتل راحة وإن كان ممنونا عليه فمطلق

ولاية أمير المؤمنين أبي جعفر منصور الراشد بالله بن المسترشد بالله-رضي الله عنهما-

تاريخ دولة آل سلجوق

وهجم على الخليفة جماعة من الباطنية ففتكوا به في سرادقه، وفجعوا الزمان بسيد خلائفه خلائقه. وذلك في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة سنة 529 هـ، فعرف بقرائن الأحوال أن سنجر سير الباطنية لقتله، وما أشنع وأفظع ما أقدم عليه من فعله.

ولاية أمير المؤمنين أبي جعفر منصور الراشد بالله بن المسترشد بالله-رضي الله عنهما-
قال: فوصل الخبر إلى بغداد باستشهاد الخليفة-رضوان الله عليه-يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة 529 هـ، وبويع للراشد بالخلافة، وجلس في منصبها في ذي الحجة، وبقي في دار الإمامية ببغداد قريب تسعة أشهر على إرجاف مزعج للأرجاء، وخوف غالب على الرجاء. حتى تفرغ مسعود إلى شغله، فشمل بيته بيت شمله. وأخرج بدره من بيت شرفه، وأتى على متلده ومطرفه. وسيأتي ذكر ذلك في موضعه.
قال: فأما السلطان مسعود، فإنه بعد حادثة الخليفة بالمراغة، قبحت سمعته، فذكرته الألسن، ونكرته الأعين. فصار يفكر في شيء ينفي عنه الظنة، ويستل به من القلوب السخيمة المستكنّة. حتى سولت له نفسه قتل الأمير دبيس بن صدقة، وكان في القرب منه بمنزلة إنسان عينه الذي بوأه الحدقة. فرأى أنه إذا قتله نسب الناس إليه قتل الخليفة، وأن السلطان لذلك لم يبق عليه. وكان الأمير دبيس المزيدي حضر باركاه السلطان، وهو جالس ينتظر الإذن، فجاءه من ورائه وهو لا يراه بختيار الوشاق، وأبان بسيفه رأسه وأسال على البساط دمه المهراق. وكان بين استشهاد الخليفة وقتل دبيس شهر واحد. وكانت هذه النوبة أيضا شنيعة، والفضيحة فظيعة وشفعت الكبيرة بالكبيرة، وأتبعت الجريرة بالجريرة. فتقرحت القلوب وتحرقت، وأسفت النفوس

عبدالرحمن الناصر يلقب نفسه (أمير المؤمنين) بالأندلس.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

عبدالرحمن الناصر يلقب نفسه (أمير المؤمنين) بالأندلس.
316 - 928 م
رأى الناصر أمير الأندلس أن تكون الدعوة له في مخاطباته والمخاطبات له في جميع ما يجري ذكره فيه، بأمير المؤمنين، فعهد إلى أحمد بن بقيّ القاضي صاحب الصلاة بقرطبة بأن تكون الخطبة يوم الجمعة مستهل ذي الحجة بذلك. ونفذت الكتب إلى العمال فيه، ونسخة الرسالة النافذة في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنا أحق من استوفي حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على أيدينا إدراكه، وسهل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا. والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه! وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه. وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه. فأمر الخطيب بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله. والله المستعان! وكتب يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة 316.

عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمير المؤمنين أبو حفص القرشي العدوي، الفاروق رضي الله عنه

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-عمر بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْن عَبْدِ العُزَّى بْن رياح بْن قُرط بْن رزَاح بْن عديّ بْن كعْب بْن لُؤيّ، أمير المؤمنين، أَبُو حفص، القُرَشي العدوي، الفاروق رضي الله عنه. [المتوفى: 23 ه]
اسْتُشْهِدَ في أواخر ذي الحجة. وأمّه حَنْتَمَة بنت هشام المخزومية أخت أبي جهل. أسلم في السنة السادسة من النُّبُّوة وله سبعٌ وعشرون سنة.
رَوَى عَنْهُ: عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وأبو هُرَيْرَةَ، وعدّه من الصحابة، وعلقمة بْن وقّاص، وقيس بْن أبي حازم، وطارق بْن شهاب، ومولاه أسلم، وزِرّ بْن حُبَيْش، وخلقٌ سواهم.
وعن عبد الله بْن عُمَر، قَالَ: كان أبي أبيض تَعْلُوه حمرةٌ، طُوَالًا، أصْلَع، أشيَب.
وَقَالَ غيره: كان أمْهَق، طوالا، أصلع، آدم، أعْسَرَ يَسِر.
وَقَالَ أَبُو رجاء العُطارديّ: كان طويلًا جسيمًا، شديد الصلع، شديد الحُمْرة، في عارضيه خفة. وسبلته كبيرة وفي أطرافها صهْبة، إذا حَزَبَه أمرٌ فَتَلَها. -[139]-
وَقَالَ سماك بْن حرْب: كان عُمَر أرْوح كأنّه راكب والنّاس يمشون، كأنه من رجال بني سَدُوس. والأروح: الَّذِي يتدانى قدماه إذا مشى.
وَقَالَ أَنْس: كان يخْضِب بالحنّاء.
وَقَالَ سماك: كان عُمَر يسرع في مِشْيَته.
ويُروَى عَنْ عبد الله بْن كعب بْن مالك قَالَ: كان عُمَر يأخذ بيده اليمنى أذُنُه اليُسْرى، ويثب على فرسه فكأنما خُلِقَ على ظهره.
وعن ابن عُمَر وغيره - من وجوهٍ جيّدة - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ أعزّ الإسلام بعمر بْن الخطاب ". وقد ذكرنا إسلامه في " الترجمة النبوية ".
وَقَالَ عِكْرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتّى أسلم عُمَر.
وَقَالَ سعيد بْن جبير: {{وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ}} نزلت في عُمَر خاصّة.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَر.
وَقَالَ شهر بْن حَوْشَب، عَنْ عبد الرحمن بْن غَنم: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ له أَبُو بَكْر وعمر: إنّ النّاس يزيدهم حِرْصًا على الإسلام أن يروا عليك زيًّا حَسَنًا من الدنيا. فَقَالَ: " أَفْعَلُ، وَايْمُ اللَّهِ لو أنّكما تتفقان لي على أمرٍ واحدٍ مَا عصيتُكما في مشورةٍ أبدا ".
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِي وَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَرَوَى نَحْوَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قال الترمذي في حديث أبي سعيد: حديث حسن.
قلت: وكذلك حديث ابن عباس حسن. -[140]-
وعن محمد بْن ثابت البناني، عَنْ أبيه، عَنْ أَنْس نحوه.
وفي " مسند أبي يعلى " من حديث أبي ذر يرفعه: " إن لكل نبي وزيرين، ووزيراي أبوبكر وعمر.
وعن أبي سلمة، عَنْ أبي أرْوَى الدَّوْسيْ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فطلع أَبُو بكر وعمر، فَقَالَ: "
الحمد لله الَّذِي أيَّدني بكما ". تفرّد به عاصم بن عُمَر، وهو ضعيف.
وَقَدْ مَرَّ فِي تَرْجَمَةِ الصِّدِّيقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُقْبِلَيْنِ فَقَالَ: "
هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ " ... الْحَدِيثَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا فَقَالَ: "
هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ القيامة ". إسناده ضعيف.
وَقَالَ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".
وَرَوَاهُ سَالِمٌ أَبُو الْعَلاءِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، وَحَدِيثُ زَائِدَةَ حَسَنٌ.
وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ طَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ: "
هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ ".
وَيُرْوَى نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "
أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ غَضَبَهُ عِزٌّ وجل ورضاه حكم ". المرسل أَصَحُّ، وَبَعْضُهُمْ يَصِلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. -[141]-
وقال محمد بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "
إيهًا يا ابن الخطاب، فوَالذي نفسي بيده مَا لقِيكَ الشيطان سالكًا فجًّا إلَّا سلك فجًّا غير فجِّك ".
وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفْرُقُ مِنْ عُمَرَ ". رَوَاهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ.
وَعَنْهَا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فِي زَفَنِ الْحَبَشَةِ لَمَّا أَتَى عُمَرُ: "
إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ ". صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ حُسَيْنُ بْنِ وَاقِدٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَمَةً سَوْدَاءَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ غَزَاةٍ، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ عِنْدَكَ بِالدُّفِّ، قَالَ: "
إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي " فَضَرَبَتْ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَجَعَلَتْ دُفَّهَا خلفها وهي مقعية. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَفْرُقُ مِنْكَ يَا عُمَرُ ".
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَبْطَأَ خَبَرُ عُمَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَأَتَى امْرَأَةً فِي بَطْنِهَا شَيْطَانٌ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: حَتَّى يَجِيءَ شَيْطَانِي، فَجَاءَ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: تَرَكْتُهُ مُؤْتَزِرًا وَذَاكَ رَجُلٌ لَا يَرَاهُ شَيْطَانٌ إِلَّا خَرَّ لِمَنْخِرَيْهِ، الْمَلَكُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَرُوحُ الْقُدُسِ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ.
وَقَالَ زِرّ: كان ابن مسعود يخطب ويقول: إنّي لأحسب الشيطان يفرق -[142]- من عُمَر أنْ يُحدث حَدَثًا فيردّه، وإنّي لأحسِب عمرَ بين عينيه مَلَكٌ يسدِّده ويقوِّمه.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "
إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ ". رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْهُ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لسان عُمَر.
وَقَالَ أَنْس: قَالَ عُمَر: وافقتُ ربيّ في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي قوله {{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ}}.
وَقَالَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ مِشْرَحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ ".
وَجَاءَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "
إن الله بَاهَى بِأَهْلِ عَرَفَةَ عَامَّةً وَبَاهَى بِعُمَرَ خَاصَّةً ". -[143]-
وَيُرْوَى مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.
وَقَالَ مَعْنٌ الْقَزَّازُ: ثنا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ اللَّيْثِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
الْحَقُّ بَعْدِي مَعَ عُمَرَ حَيْثُ كَانَ ".
وَقَالَ ابْنُ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "
بينا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرَّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: " الْعِلْمَ ".
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ ". قَالُوا: مَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الدِّينَ ".
وَقَالَ أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرَ ".
وَقَالَ أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ قصرا من ذهب فقلت: " لمن هذا "؟ فقيل: لِشَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، فَقِيلَ: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلُهُ. -[144]-
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الجنة، فإذا امرأة توضأ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ". قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ: قال علي رضي الله عنه: بينما أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ طَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ: " هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ ".
هَذَا الْحَدِيثُ سَمِعَهُ الشَّعْبِيُّ مِنَ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَلَهُ طُرُقٌ حَسَنَةٌ عَنْ عَلِيٍّ، مِنْهَا: عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ. وَأَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بن ضمرة. قال الحافظ ابن عَسَاكِرَ: وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قُلْتُ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَجَابِرٍ.
وَقَالَ مُجَالِدٌ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ عَطِيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا لَيَرَوْنَ مَنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا ".
وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَنْ يَمِينِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَسَارِهِ عُمَرُ فَقَالَ: " هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأُمَوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ.
وَقَالَ عليّ رضي الله عنه بالكوفة على منبرها في ملأٍ من النّاس أيّام خلافته: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْر، وخيرُها بعد أبي بكر عُمَر، ولو شئتُ أنْ أسمّي الثالث لَسَمَّيْتُهُ. وهذا متواترٌ عَنْ عليّ رضي الله عنه، فقبّح الله الرافضة. -[145]-
وقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْقَاسِمِ بْنِ كَثِيرٍ، عن قيس الخارفي، قال: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: سَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، وَثَلَّثَ عُمَرُ، ثُمَّ خَبَطَتْنَا فِتْنَةٌ فَكَانَ مَا شَاءَ الله. ورواه شَرِيكٌ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".
وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا دَلَّسَهُ وَأَسْقَطَ مِنْهُ زَائِدَةَ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى رِبْعِيٍّ عَنْ رِبْعِيٍّ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ نَاسٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالُوا: يسعك أن تُوَلِّي علينا عُمَر وأنت ذاهبٌ إلى ربك، فماذا تقول له؟ قَالَ: أقول: وَلَّيْتُ عليهم خيرَهم.
وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أوّل من حيّا عُمَر بأمير المؤمنين المُغيْرة بْن شُعْبة.
وَقَالَ القاسم بْن محمد: قَالَ عُمَر: ليعلم من وُلّي هذا الأمر من بعدي أن سيريده عنه القريبُ والبعيدُ، إنّي لأقاتِل النّاسَ عَنْ نفسي قتالًا، ولو علمت أنّ أحدًا أقوى عليه منّي لكنت أنْ أقْدَمَ فتُضْربَ عُنُقي أحب إليّ مِنْ أنْ ألِيَه.
وعن ابن عباس قَالَ: لمّا ولي عُمَر قيل له: لقد كاد بعض الناس أن يحيد هذا الأمر عنك، قَالَ: وما ذاك؟ قَالَ: يزعمون أنّك فَظٌّ غليظ. قَالَ: -[146]- الحمد لله الَّذِي ملأ قلبي لهم رُحْمًا، وملأ قلوبهم لي رُعبًا.
وَقَالَ الأحنف بْن قيس: سمعت عُمَر يَقُولُ: لَا يحلّ لعمر من مال الله إلَّا حُلَّتَيْنِ: حُلّة للشتاء وحُلّة للصيف، وما حجّ به واعتمر، وقوت أهلي كرجلٍ من قريش ليس بأغناهم، ثُمَّ أنا رجل من المُسْلِمين.
وَقَالَ عُرْوة: حجّ عُمَر بالنّاس إمارته كلّها.
وَقَالَ ابن عُمَر: ما رأيت أحدا قط بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ حين قُبض أجدّ ولا أجود من عُمَر.
وَقَالَ الزُّهْرِيّ: فتح الله الشام كلَّه على عُمَر، والجزيرة ومصر والعراق كلّه، ودوَّن الدواوين قبل أن يموت بعام، وقسّم على النّاس فيْئهم.
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، إِنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلًا كَتَبَ لَهُ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، وَلا يَأْكُلَ نِقْيًا، وَلا يَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلا يُغْلِقَ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ.
وَقَالَ طارق بْن شهاب: إنْ كان الرجل ليحدّث عُمَر بالحديث فيكذبه الكِذْبة فيقول: احبسْ هذه، ثُمَّ يحدّثه بالحديث فيقول: احبسْ هذه، فيقول له: كلّ مَا حدّثتُك حقٌ إلَّا مَا أمرتني أنْ أحبسَهُ.
وَقَالَ ابن مسعود: إذا ذُكر الصالحون فَحَيْهلًا بعمر؛ إنّ عُمَر كان أَعْلَمَنَا بكتاب الله وأفْقَهَنا في دين الله.
وَقَالَ ابن مسعود: لو أنّ عِلْم عُمَر وُضِعَ في كفة ميزان ووُضِعَ عِلْم أحياء الأرض في كفَّةٍ لَرَجَح عِلْمُ عُمَر بعِلْمِهم.
وَقَالَ شمر، عن حُذَيْفة قَالَ: كَانَ علم النَّاس مدسوسا في جحر مَعَ عُمَر.
وَقَالَ ابن عُمَر: تعلّم عمرُ البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا تعلّمها نحر جَزُورًا.
وَقَالَ الَعوّام بْن حَوْشَب: قَالَ معاوية: أمّا أَبُو بكر فلم يرد الدنيا ولم -[147]- تُرِده، وأمّا عُمَر فأرادته الدنيا ولم يُرِدّها، وأمّا نحن فتمرّغْنا فيها ظَهْرًا لبطنٍ.
وَقَالَ عِكْرمة بْن خالد وغيره: إنّ حفصة، وعبد الله، وغيرهما كلّموا عمرَ، فقالوا: لو أكلت طعامًا طيّبًا كان أقوى لك على الحقّ. قَالَ: أكُلُّكُم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قَالَ: قد علمتُ نُصْحَكُم ولكنّي تركت صاحبي على جادّةٍ، فإنْ تركتُ جادَّتهُما لم أُدْرِكْهُما في المنزل.
قَالَ: وأصاب النّاسَ سنةٌ فما أكل عامئذ سمنا ولا سمينا.
وقال ابن أبي مُلَيْكَة: كلّم عُتْبة بْن فرقد عُمَر في طعامه، فَقَالَ: وَيْحَكَ، آكل طيّباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟!
وقال مبارك، عَنِ الحسن: دخل عُمَر على ابنه عاصم وهو يأكل لحمًا، فَقَالَ: مَا هذا؟ قَالَ: قرمنا إليه. قال: أوكلما قَرِمْت إلى شيءٍ أكلتَه! كفى بالمرء سَرَفًا أنْ يأكل كلَّ مَا اشتهى.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أبيه، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِي شَهْوَةُ السَّمَكِ الطَّرِيِّ، قَالَ: وَرَحَّلَ يَرْفَأُ رَاحِلَتَهُ وَسَارَ أَرْبَعًا مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، وَاشْتَرَى مِكْتَلًا فَجَاءَ بِهِ، وَعَمَدَ إِلَى الرَّاحِلَةِ فَغَسَلَهَا، فَأَتَى عُمَرَ فَقَالَ: انْطَلِقْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرَّاحِلَةِ، فَنَظَرَ وَقَالَ: نَسِيتَ أَنْ تَغْسِلَ هَذَا الْعَرَقَ الَّذِي تَحْتَ أُذُنِهَا، عَذَّبْتَ بَهِيمَةً فِي شَهْوَةِ عُمَرَ، لَا واللَّهِ لَا يَذُوقُ عُمَرُ مِكْتَلَكَ.
وَقَالَ قتادة: كان عُمَر يلبس، وهو خليفة، جبة من صوف مرقوعة بعضُها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدِّرَّة يؤدّب النّاس بها، ويمرّ بالنِّكث وَالنَّوَى فيلقطه ويلقيه في منازل النّاس لينتفعوا به.
قال أنس: رأت بين كتِفَيْ عُمَر أربعَ رقاع في قميصه.
وَقَالَ أَبُو عثمان النَّهْديّ: رأيت على عُمَر إزارًا مرقوعًا بأدم.
وَقَالَ عبد الله بْن عامر بْن ربيعة: حججت مع عُمَر، فما ضرب فسطاطا -[148]- ولا خِباء، كان يلقي الكساء والنّطْع على الشجرة ويستظل تحته.
وَقَالَ عبد الله بْن مسلم بْن هُرمز، عَنْ أبي الغادية الشامي قَالَ: قدِم عمرُ الجابية على جملٍ أوْرَقَ تلوح صلعته بالشمس، ليس عليه قَلَنْسُوَة ولا عمامة، قد طبّق رجليه بين شُعبَتَيِ الرحل بلا رِكاب، ووطاؤه كِساء أنبجانيّ من صوف، وهو فراشه إِذَا نزل، وحقيبته محشوة ليفا، وَهِيَ إِذَا نزل وساده، وَعَلَيْهِ قميص من كرابيس قد دَسِم وتخرّق جيبُه، فَقَالَ: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه له فَقَالَ: اغسلوا قميصي وخيّطوه وأعيروني قميصًا، فأُتي بقميص كتَّان، فَقَالَ: مَا هذا؟ قيل: كِتَّان، قَالَ: وما الكَتّان؟ فأخبروه، فنزع قميصه فغسلوه ورقّعوه ولبسه، فَقَالَ له رأس القرية: أنت مَلِك العرب وهذه بلاد لَا تصلُح فيها الإبل. فأُتي ببِرْذَوْن فطرح عليه قطيفة بلا سَرْجٍ ولا رَحْلَ، فلمّا سار هُنَيْهَةً قَالَ: احبسوا، مَا كنت أظنّ النّاسَ يركبون الشيطان، هاتوا جملي.
وَقَالَ المُطَّلب بْن زياد، عَنْ عبد الله بْن عيسى: كان في وجه عُمَر بْن الخطاب خطّان أسودان من البكاء.
وعن الحسن قَالَ: كان عُمَر يمّر بالآية من وِرْده فيسقط حتّى يُعاد منها أيامًا.
وَقَالَ أَنْس: خرجت مع عُمَر فدخل حائطًا فسمعته يَقُولُ وبيني وبينه جدار: عُمَر بْن الخطاب أمير المؤمنين بخ، والله لَتَتَّقِيَنَّ الله بني الخطّاب أو لَيُعَذِّبَنَّكَ.
وَقَالَ عبد الله بْن عامر بْن ربيعة: رأيت عُمَر أخذ تبنة من الأرض، فَقَالَ: يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أَكُ شيئًا، ليت أمّي لم تلِدْني.
وَقَالَ عُبَيْد الله بْن عُمَر بْن حفص: إنّ عُمَر بْن الخطاب حمل قِرْبَةً على عُنُقِه، فقيل له في ذلك، فَقَالَ: إن نفْسي أعجبتني فأردت أن أذلَّها.
وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: شَهِدْتُ جَلُولاءَ فَابْتَعْتُ مِنَ الْمَغْنَمِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ عُرِضْتُ عَلَى النَّارِ فَقِيلَ لَكَ: افْتَدِهِ، أَكُنْتَ مُفْتدِيَّ بِهِ؟ -[149]-
قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا مِنْ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ إِلَّا كُنْتُ مُفْتَدِيكَ مِنْهُ، قَالَ: كَأَنِّي شَاهِدُ النَّاسِ حِينَ تَبَايَعُوا فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَنْتَ كَذَلِكَ، فَكَانَ أَنْ يُرَخِّصُوا عَلَيْكَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ من أن يغلوا عليك، وإني قاسم مسؤول وَأَنَا مُعْطِيكَ أَكْثَرَ مَا رَبِحَ تَاجِرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَكَ رِبْحُ الدِّرْهَمِ دِرْهَمٌ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا التُّجَّارَ فَابْتَاعُوهُ مِنْهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَ إِلَيَّ ثَمَانِينَ أَلْفًا وَبَعَثَ بِالْبَاقِي إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِيَقْسِمَهُ.

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أمير المؤمنين، أبو عمرو، وأبو عبد الله، القرشي الأموي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُميَّة بْن عبد شمس، أمير المؤمنين، أَبُو عمرو، وأبو عبد الله، القُرَشيّ الأمويّ [المتوفى: 35 ه]
رَوَى عَنْ: النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعَنْ الشِّيخَيْن.
قَالَ الدّاني: عرض القرآن على النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعُرِض عليه أَبُو عبد الرحمن السُّلَمِيّ، والمُغِيرَة بْن أبي شهاب، وأبو الأسود، وزر بن حبيش.
رَوَى عَنْهُ بنوه: أبان، وسعيد، وعمرو، ومولاه حُمران، وأنس، وأبو أمامة بْن سهل، والأحنف بْن قيس، وسعيد بْن المسيب، وأبو وائل، وطارق بْن شهاب، وعلقمة، وأبو عبد الرحمن السُّلمي، ومالك ابن أوس بْن الحَدَثان، وخلق سواهم.
أحد السابقين الأوَّلين، وذو النُّورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين. قدِم الجابية مع عُمَر. وتزوج رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل المبعث، فولدت له عبد الله، وبه كان يُكنى، وبابنه عمرو.
وأُمّه أروى بنت كُرَيْز بْن حبيب بْن عبد شمس، وأُمُّها البيضاء بنت عبد المطلب بْن هاشم. فهاجر برُقية إلى الحبشة، وخَلّفه النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - عليها في -[258]- غزوة بدْر ليداويها في مرضها، فَتُوُفِّيَتْ بعد بدْرٍ بليالٍ، وَضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسهمه من بدْر وأجْره، ثمّ زوَّجه بالبنت الأخرى أمّ كلثوم.
ومات ابنه عبد الله، وله ستُّ سنين، سنة أربع من الهجرة.
وكان عثمان - فيما بلغنا - لَا بالطويل ولا بالقصير، حَسَنَ الوجه، كبير اللحية، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد مَا بين المَنْكِبَيْن يخْضِب بالصُّفْرَة، وكان قد شدّ أسنانه بالذَّهَب.
وعن أبي عبد الله مولى شدّاد، قَالَ: رأيت عثمان يخطب، وعليه إزارٌ غليظ ثَمَنُهُ أربعة دراهم، وريطة كوفيّة مُمَشَّقة، ضَرِب اللّحمْ - أي خفيفة - طويل اللحية، حسن الوجه.
وعن عبد الله بْن حَزْم قَالَ: رأيت عثمان، فما رأيت ذَكرًا ولا أُنْثَى أحْسَنَ وَجْهًا منه.
وعن الحسن قال: رأيته وبوجهه نَكَتات جُدَريّ، وإذا شعره قد كسا ذِرَاعَيْه.
وعن السائب قَالَ: رأيته يصفِّر لحيَتَه، فما رأيت شيخًا أجملَ منه.
وعن أبي ثَوْر الفَهْمِيّ، قَالَ: قدِمْتُ على عثمان، فَقَالَ: لقد أختبأت عند ربّي عشْرًا: إنّي لرابع أربعة في الإسلام، وما تعتيت ولا تمنَّيْتُ، ولا وضعت يميني على فَرْجي منذ بايعت بها رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلا مرَّت بي جُمُعَةٌ منذ أسلمتُ إلّا وأنا أُعْتِقُ فيها رقبةً، إلّا أنْ لَا يكون عندي فأُعْتِقُها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط. -[259]-
وعن ابْنِ عُمَر، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إنّا نُشَبِّه عثمان بأبينا إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
وعن عائشة نحوه إنْ صحّا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى عُثْمَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: " يَا عُثْمَانُ هَذَا جِبْرِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ اللَّهَ زَوَّجَكَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ رُقَيَّةَ، وَعَلَى مِثْلِ صُحْبَتِهَا ". أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجه.
ويروى عن أنس أو غيره، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَلَا أَبُو أَيِّمٍ، أَلَا أَخُو أَيِّمٍ يُزَوِّجُ عُثْمَانَ، فَإِنِّي قَدْ زَوَّجْتُهُ ابْنَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهُ وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ ".
وعن الحسن قَالَ: إنّما سُمِّي عثمانُ " ذا النُّورين " لأَنّا لَا نعلم أحدًا أغلق بابه على ابنتي نبيٍّ غيره.
وروى عطيّة، عَنْ أبي سعيد قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رافعًا يديه يدعو لعثمان.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي ثَوْبِهِ، حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: " مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليوم ". رواه أحمد في " مسنده "، وغيره.
وَفِي " مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى "، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ جَهَّزَ -[260]- جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِسَبْعِمِائَةٍ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وَقَالَ خليد، عن الحسن قال: جهز عثمان بسبعمائة وخمسين ناقة، وخمسين فرسًا، يعني في غزوة تبوك.
وَعَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم -: " رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ ".
وَقَالَ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ بَشِيرٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا الْمَاءَ، وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: رُومَةُ، وَكَانَ يَبِيعُ مِنْهَا الْقِرْبَةَ بِمُدٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تَبِيعُهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ "؟ فَقَالَ: لَيْسَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ عَيْنٌ غَيْرهَا، لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَتَجْعَلُ لِي مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَ لَهُ عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ إِنِ اشْتَرَيْتُهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُهَا وَجَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اشترى عثمان مِنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الجنّة مرتين: يوم رومة، ويوم جيش الْعُسْرَةِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كاشفا عن فخذيه، أو سَاقِيهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ تَجْلِسْ لَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَلَمْ تَهِشْ لَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ، قَالَ: " أَلَا اسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ "؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. -[261]-
وَرُوِيَ نَحُوُه مِنْ حَدِيثِ عَلَيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِيِن اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ ".
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي عُثْمَانُ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي حَدِيثِ الْقُفِّ: ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ ".
وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو ذَرٍّ، وَأَنَا أَظُنُّ فِي نَفْسِي أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ مَعْتَبَة لإِنْزَالِهِ إِيَّاهُ بِالرَّبَذَةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ لَهُ عُثْمَانُ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَا تَقُلْ فِي عُثْمَانَ إِلا خَيْرًا، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُ مَنْظَرًا وَشَهِدْتُ مَشْهَدًا لَا أَنْسَاهُ، كُنْتُ الْتَمَسْتُ خَلَوَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأَسْمَعَ مِنْهُ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، قَالَ: فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى حَصَيَاتٍ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سُمِعَ لَهُنَّ حَنِينٌ كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ نَاوَلَهُنَّ أَبَا بَكْرٍ، فَسَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ نَاوَلَهُنَّ عُمَرَ، فَسَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ نَاوَلَهُنَّ عُثْمَانَ فَسَبَّحْنَ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ مِنْهُ، فَوَضَعَهُنَّ فخَرِسْنَ. -[262]-
وَقَالَ سليمان بْن يسار: أخذ جَهْجاه الغفِاريّ عصا عثمان التي كان يتخصَّر بها، فكسرها على رُكْبَتِه، فوقعت في رُكبته الأكِلَة.
وَقَالَ ابن عُمَر: كنّا نقول عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أبو بكر، ثمّ عُمَر، ثمّ عثمان. رواه جماعةٌ عَنِ ابن عُمَر.
وَقَالَ الشَّعْبِيّ: لم يجمع القرآن أحدٌ من الخلفاء من الصحابة غير عثمان، ولقد فارق عليٌّ الدنيا وما جمعه.
وَقَالَ ابن سِيرين: كان أعلمَهَم بالمناسك عثمانُ، وبعده ابن عُمَر.
وَقَالَ رِبْعِيّ، عَنْ حُذَيْفة: قَالَ لي عُمَر بِمنًى: من ترى النّاس يولُّون بعدي؟ قلت: قد نظروا إلى عثمان.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قال: حَجَجْتُ مع عُمَر، فكان الحادي يحدو: إنّ الأمير بعده ابن عفان.
وحججت مع عثمان، فكان الحادي يحدو: إن الأمير بعده عليّ.
وَقَالَ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ الأَقْرَعِ مُؤَذِّنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ دَعَا الأَسْقُفَ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَا فِي كُتُبِكُمْ؟ قَالَ: نَجِدُ صِفَتَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ، وَلا نَجِدُ أَسْمَاءَكُمْ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُنِي؟ قَالَ: قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ: مَا قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ؟ قَالَ: أَمِيرٌ شَدِيدٌ. قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: فَالَّذِي بَعْدِي؟ قَالَ: -[263]- رَجُلٌ صَالِحٌ يُؤْثِرُ أَقْرِبَاءَهُ، قَالَ عُمَرُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفَّانَ، قَالَ: فَالَّذِي مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: صَدَعٌ - وَكَانَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ يَقُولُ: صَدَأٌ - مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ عُمَرُ: وَادَفْرَاهُ وَادَفْرَاهُ، قَالَ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَلَكِنْ تَكُونُ خِلافُتُه فِي هِرَاقَةٍ مِنَ الدِّمَاءِ.
وَقَالَ حمّاد بْن زيد: لئْن قلتُ إنّ عليًّا أفضل من عثمان، لقد قلت إنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خانوا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرو بن عثمان قَالَ: كان نَقْشُ خاتمِ عثمان " آمنت بالذي خلق فَسَوَّى ".
وَقَالَ ابن مسعود حين استُخْلِف عثمان: أَمَّرْنا خيرَ مَن بقي ولم نَأْلُ.
وَقَالَ مُبارك بن فَضَالَةَ، عن الحسن قَالَ: رأيت عثمانَ نائمًا في المسجد، ورداؤه تحت رأسه، فيجيء الرجلُ فيجِلس إليه، ويجيء الرجلُ فيجِلس إليه، كأنّه أحدُهم، وشهِدْتُهُ يأمر في خُطْبته بقتْل الكلاب، وذبْح الحمام.
وعن حكيم بن عباد قال: أوّلُ مُنْكَرٍ ظهر بالمدينة طَيَرانُ الحَمام، وَالرَّمْيُ - يعني بالبُنْدُق - فأمر عثمان رجلًا فقصَّها، وكسر الجلاهقات. -[264]-
وصحّ من وجوهٍ، أنّ عثمان قرأ القرآنَ كلَّه في رَكْعَةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدَّتِهِ، أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ.
وَقَالَ أَنَس: إنّ حُذَيْفَة قدِم على عثمانَ، وكان يغزو مع أهل العراق قِبَل أرمينية، فاجتمع في ذلك الغزوِ أهلُ الشّام، وأهلُ العراق، فتنازعوا في القرآن حتّى سمع حُذَيْفَة من اختلافهم مَا يكْره، فركِب حتّى أتى عثمانَ فَقَالَ: يا أمير المؤمنين أدرِكْ هذه الأمّةَ قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنَّصارَى في الكُتُب. ففزع لذلك عثمان، فأرسل إلى حفْصَة أمّ المؤمنين: أنْ أرسِلي إليّ بالصُّحُف التي جُمِع فيها القرآن، فأرسَلتْ إليه بها، فأمر زيدَ بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية فاكتبوها بلسان قريش، فإنّ القرآنَ إنّما نزل بلسانهم. ففعلوا حتّى كُتِبَت المصاحف، ثمّ ردّ عثمان الصُّحف إلى حَفْصَة، وأرسل إلى كل جُنْد من أجناد المُسْلِمين بمُصْحَفٍ، وأمرهم أن يحرقوا كلّ مُصْحَفٍ يخالف المُصْحَف الَّذِي أرسل إليهم به، فذلك زمانٌ حُرِّقت فيه المَصَاحف بالنّار.
وَقَالَ مُصْعَب بن سعد بن أبي وقّاص: خطب عثمانُ النّاس، فَقَالَ: أيّها النّاس، عَهْدكُمْ بنبيكم بضع عشرة، وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبي، وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعْزِمُ على كلّ رجلٍ منكم كان معه من كتاب الله شيءٌ لما جاء به. فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتّى جمع من ذلك كثيرًا، ثُمَّ -[265]- دخل عثمان، فدعاهم رجلًا رجلًا، فناشدهم: أسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم، فلمّا فرغ من ذلك قَالَ: من أكْتَبُ النّاس؟ قالوا: كَاتِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زيد بن ثابت، قَالَ: فأيّ النّاس أعْرَب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قَالَ عثمان: فَلْيُمْلِ سعيدٌ ولْيَكْتُب زيد، فكتب مَصَاحِفَ ففرَّقها في النّاس.
وَرَوَى رجل، عن سويد بن غفلة قال: قال علي في المصاحف: لولم يَصْنَعْهُ عُثْمَانُ لَصَنَعْتُهُ.
وَقَالَ أَبُو هلال: سمعت الحسن يَقُولُ: عمل عثمان اثنتي عشرة سنة، مَا ينكرون من إمارته شيئا.
وَقَالَ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون مُلْكًا ".
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: " تَهِيجُ فِتْنَةٌ كَالصَّيَاصِي، فَهَذَا وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْحَقِّ ". قَالَ: فَذَهَبْتُ وَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ.
وَرَوَاهُ الْأَشْعَثُ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ مُرَّةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ يُسَارُّ عُثْمَانَ، وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ -[266]- فِيهَا، قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ.
أَبُو سَهْلَةَ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ الْعِجْلِيُّ.
وَقَالَ الجريريّ: حدّثني أَبُو بكر العَدَوِيّ قَالَ: سألت عائشة: هل عهدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أحدٍ من أصحابه عند موته؟ قالت: مَعَاذَ الله إلّا أنَّه سارَّ عثمان، أخبره أنّه مقتولٌ، وأمره أن يكفَّ يده.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَمْزَةَ: سَمِعْتُ أبي يقول: سمعت عليا يقول: الله قُتِلَ عُثْمَانُ وَأَنَا مَعَهُ، قَالَ أَبُو حمزة: فذكرته لابن عباس فقال: صدق، يقول: الله قتل عثمان ويقتلني معه.
قلت: قد كان عليّ يَقُولُ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لتخضبنّ هذه من هذه.
وَقَد رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الشَّرُودِ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {{" وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ "}}.
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَالَ مطرف بن الشَّخَّير: لَقِيتُ عليًّا فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا بطَّأ بِكَ، أحب عثمانَ؟ ثمّ قَالَ: لئن قلت ذاك، لَقَدْ كَانَ أوصَلَنَا لِلرَّحِمِ، وأتْقانا للرَّبّ. -[267]-
وقال سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: لو أنْقَضَّ أُحُد لِما صنعتم بابن عفان لكان حقيقا.
وقال هشام: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، أَصَبْتُمُ اسْمَهُ، وَعُمَرُ الْفَارُوقُ قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَصَبْتُمُ اسْمَهُ، وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ، أُوتِيَ كِفْلَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ، قُتِلَ مَظْلُومًا، أَصَبْتُمُ اسْمَهُ. رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ عبد الله بن شَوْذَب: حدّثني زَهْدَم الجَرْميّ قَالَ: كنت في سَمَرٍ عند ابن عباس فَقَالَ: لأحدِّثنّكم حديثًا: إنّه لما كان من أمر هذا الرجل - يعني عثمان - مَا كان، قلت لعليّ: اعتزلْ هذا الأمر، فوَالله لو كنتَ في جُحْرٍ لأتاك النّاسُ حتّى يبايعوك، فعصاني، وَايْمُ الله لَيَتأَمَّرَنّ عليه معاويةُ، ذلك بأنّ الله يَقُولُ: {{" وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوما فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورا "}}.
وَقَالَ أَبُو قِلابة الجَرْميّ: لمّا بلغ ثُمَامَة بنَ عَدِيّ قتْلُ عثمان - وكان أميرًا على صنعاء - بكى فأطال البكاء، ثمّ قَالَ: هذا حين انتُزعت خلافةُ النُّبوَّة من أُمَّة محمد، فصار مُلْكًا وجَبْرِيّة، مَن غلب على شيءٍ أكله.
وَقَالَ يحيى بن سعيد الأنصاري: قَالَ أَبُو حُميد السَّاعدي - وكان بدْريًا - لما قُتِل عثمان: اللَّهُمَّ إنّ لك عليّ أنْ لَا أضحك حتّى ألقاك. -[268]-
قال قتادة: ولي عثمان اثنتي عشرة سنة، غير اثني عشر يومًا. وكذا قال خليفة بن خيّاط وغيره.
وَقَالَ أَبُو مَعْشر السِّنْديّ: قُتِلَ لثماني عشرة خَلَتْ من ذي الحجّة، يوم الجمعة، زاد غيرُه فَقَالَ: بعد العصر، وَدُفِنَ بالبَقِيع بين العِشاءين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وهو الصّحيح، وقيل: عاش ستًا وثمانين سنة.
وعن عبد الله بن فَرُّوخ قَالَ: شهدْتُه وَدُفِنَ في ثيابه بدمائه، ولم يُغسل، رواه عبد الله بن أحمد في " زيادات المُسْنَد ". وقيل: صلّى عليه مروان، ولم يُغَسّل.
وجاء من رواية الواقديّ: أنّ نائلة خرجت وقد شقَّتْ جيبها وهي تصرخ، ومعها سراج، فَقَالَ جُبَيْر بن مُطْعم: أطْفئي السِّراج لَا يُفْطَن بنا، فقد رأيت الغَوْغَاء، ثمّ انتَهَوْا إلى البقيع، فصلّى عليه جُبَيْر بن مُطْعم، وخلفه أَبُو جَهْم بن حُذَيْفَة، ونيار بن مُكْرَم، وزوجتا عثمان نائلة، وأمُّ البَنين، وهمّا دلَّتاه في حُفْرته على الرجال الذين نزلوا في قبره. ولَحَدوا له وغيَّبوا قبره، وتفرَّقوا.
ويُرْوَى أنّ جُبَيْر بن مُطْعم صلّى عليه في ستّة عشر رجلًا، والأوّل أثبت.
وروي أن نائلة بنت الفرافصة كانت مليحة الثَّغْر، فكَسَرَتْ ثناياها بحجرٍ، وقالت: واللَّهِ لَا يجتليكُنّ أحدٌ بعد عثمان، فلمّا قدِمَتْ على معاوية الشّام، خَطَبَهَا، فأبَتْ. -[269]-
وَقَالَ فيها حسّان بن ثابت:
قتلتم وَلِيَّ الله في جَوْفِ داره ... وجئتم بأمرٍ جائرٍ غير مهتدي
فلا ظفرتْ أيْمانُ قومٍ تعاونوا ... على قتْل عثمانَ الرّشيدِ الْمُسَدَّدِ
وَقَالَ كعب بن مالك:
يا للرِّجال لأمرٍ هاجَ لي حَزَنًا ... لقد عجِبْتُ لمن يبكي على الدِّمَنِ
إنّي رأيت قتيلَ الدّار مُضْطَهدًا ... عثمان يُهْدَى إلى الأجداث في كَفَنٍ
وَقَالَ بعضهم:
لَعَمْر أبيك فلا تكذِبَنْ ... لقد ذهب الخيرُ إلّا قليلا
لقد سفِه النّاسُ في دينهم ... وخلّى ابن عفّان شرًّا طويلا

عبيد الله بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني [أبو عيسى]

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-عُبَيْد الله بْن أمير المؤمنين عُمَر بن الخطاب القُرَشيّ العَدَوِيّ الْمَدَنِيّ [أَبُو عِيسَى] [المتوفى: 37 ه]
وُلِد فِي زمان النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وسمع أَبَاهُ، وعثمان، وَأَرْسَلَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كنيته أَبُو عِيسَى. غزا فِي أيام أَبِيهِ، وأُمُّه أمُّ كُلثوم الخُزاعية.
وعن أسلم، أن عُمَر ضرب ابنه عُبَيْد الله بالدِّرَّة وقال: أَتَكْتَني بأبي عِيسَى، أَوَ كان لعيسى أبّ!.
وقد ذكرنا أنّ عُبَيْد الله لَمَّا قُتِلَ عُمَر أَخَذَ سيفَه وشدَّ على الهُرْمُزان فقتله، وقُتِل جفنية، ولُؤلُؤة بنت أبي لُؤلُؤة، فَلَمَّا بويع عُثْمَان همَّ بقتْله، ثُمَّ عفا عَنْهُ. وكان قد أشار عليٌّ على عُثْمَان بقتله، فَلَمَّا بويع ذهب عبيد الله هاربا منه إِلَى الشام. وكان مقدّم جيش مُعَاوِيَة يوم صِفِّين، فقُتِل يومئذٍ. ويُقال: قتله عمار بْن ياسر، وقيل: رجلٌ من هَمَدان، ورثاه بعضُهم بقصيدة -[321]- مليحة.

ع: علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أمير المؤمنين أبو الحسن القرشي الهاشمي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-ع: عليّ بْن أبي طَالِب - عَبْد مناف - بن عَبْد المطلب بْن هاشم بْن عَبْد مناف. أمير المؤمنين، أَبُو الْحَسَن الْقُرَشِيّ الهاشمي. [المتوفى: 40 ه]
وأمُّه فاطمة بِنْت أسد بْن هاشم بْن عَبْد مناف الهاشمية، وهي بِنْت عم أبي طَالِب، كَانَتْ من المهاجرات، تُوُفيّت فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة.
قَالَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: قُلْتُ لأُمِّي اكْفِي -[351]- فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِقَايَةَ الْمَاءِ وَالذَّهَابَ فِي الْحَاجَةِ، وَتَكْفِيكِ هِيَ الطَّحْنَ وَالْعَجْنَ، وَهَذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ.
روى الكثير عن النّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعُرِض عليه القرآن وأقرأه.
عرض عليه أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمّي، وأبو الأسود الدؤلي، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي ليلى.
وَرَوَى عَنْ عليّ: أَبُو بَكْر، وعمر، وبنوه: الْحَسَن، والحسين، ومحمد، وعمر، وابن عمّه ابن عَبَّاس، وابن الزُّبَيْر، وطائفة من الصحابة، وقيس بْن أبي حازم، وعلقمة بْن قَيْس، وعبيدة السَّلْمَانيّ، ومسروق، وأبو رجاء العُطَارديّ، وخلق كثير.
وكان من السابقين الأوّلين، شهِدَ بدْرًا وما بعدها، وكان يُكنَى أَبَا تُراب أيضًا.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ آلِ مَرْوَانَ اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَدَعَانِي وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتِمَ عَلِيًّا فَأَبَيْتُ، فَقَالَ: أما إذا أبيت فَالْعَنْ أَبَا تُرَابٍ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهُ، إِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ فَقَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاظَنِي، فَخَرَجَ وَلَمْ يَقُلْ عِنْدِي، فَقَالَ لِإِنْسَانٍ: " اذْهَبِ انْظُرْ أَيْنَ هُوَ ". فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ رَاقِدٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح عنه التُّرَابَ وَيَقُولُ: " قُمْ أَبَا تُرَابٍ قُمْ أَبَا تُرَابٍ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وقال أَبُو رجاء العُطارِدِيّ: رَأَيْت عليًّا شيخًا أصلع، كثير الشعر، كأنْما اجتاب إهابَ شاةٍ، رَبْعَةً عظيم البطن، عظيم اللحية. -[352]-
وقال سوادة بْن حَنْظَلة: رَأَيْت عليًّا أصفر اللحية. وعن محمد ابن الحنفية قَالَ: اختضب عليٌّ بالحناء مرّة ثُمَّ تركه.
وعن الشَّعْبِيّ قَالَ: رَأَيْت عليًّا ورأسه ولحيته بيضاء، كأنهما قطن.
وقال الشعبي: رَأَيْت عليًّا أبيض اللحية، مَا رَأَيْت أعظم لحية منه، وفي رأسه زغيبات.
وقال أَبُو إِسْحَاق: رَأَيْته يخطب، وعليه إزار ورداء، أنزع، ضخْم البطْن، أبيض الرأس واللحية.
وعن أبي جَعْفَر الباقر قَالَ: كان عليّ آدمَ، شديد الأدمة، ثقيل العينين، عظيمَهُما، وهو إِلَى القِصَر أقرب.
قال عروة: أسلم عليٌّ وهو ابن ثمانٍ.
وقال الْحَسَن بْن زَيْدُ بْن الْحَسَن: أسلم وهو ابن تسع.
وقال المغيرة: أسلم وله أربع عشرة سنة. رواه جرير عَنْهُ.
وثبت عن ابن عَبَّاس، قَالَ: أول من أسلم عليّ.
وعن مُحَمَّد القُرَظِيّ قَالَ: أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ خَدِيجَةُ، وَأَوَّلُ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ من أظهر الْإِسْلَام، وكان عليّ يَكْتُمُ الْإِسْلَامَ فَرَقًا مِنْ أَبِيهِ، حَتَّى لَقِيَهُ أَبُو طَالِب فقال: أسلمتَ؟ قَالَ: نعم، قَالَ وازِر ابن عمّك وَانْصُرْهُ، وأسلم عليّ قبل أبي بكر. -[353]-
وقال قَتَادَةَ: إنّ عليًّا كان صاحب لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بدْر، وَفِي كل مشهد.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ ". قَالَ عُمَرُ: فَمَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَدَعَا عَلِيًّا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِطُرُقِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ أَبِي يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلَيٌّ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَثِيَابَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، فقلت لأبي: لَوْ سَأَلْتَهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إني أرمد، فتفل في عيني، وقال: " اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ "، فَمَا وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا مُنْذُ يَوْمَئِذٍ.
وَقَالَ جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أُمِّ مُوسَى: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا رَمِدْتُ وَلا صَدَعْتُ مُنْذُ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجْهِي وَتَفَلَ فِي عَيْنِي.
وَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ عَلِيًّا حَمَلَ الْبَابَ عَلَى ظَهْرِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ، حَتَّى صَعِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَفَتَحُوهَا يَعْنِي خَيْبَرَ، وَأَنَّهُمْ جَرُّوهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَحْمِلْهُ إِلا أَرْبَعُونَ رَجُلا. -[354]-
تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْمُطَّلِبِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي " الْمَغَازِي ": حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَايَتِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنَ، خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَطَرَحَ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا عِنْدَ الْحِصْنِ، فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَلْقَاهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ، نَجْهَدُ أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ، فَمَا استطعنا أن نقلبه.
وقال غندر: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْبَرَاءِ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي كَهَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرُ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ". مَيْمُونٌ صَدُوقٌ.
وَقَالَ بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ سَعْدًا فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَنْ أَسُبَّهُ، لِأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول، وخلف عليا في بعض مغازيه، فقال: يا رسول الله، أَتُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ!؟ قَالَ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ -[355]- وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ "، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {{فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ}}، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي ". بُكَيْرٌ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المنذر الحزامي: حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ أَشْهَدُ لَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، وَأَخَذَ بِضَبْعَيْهِ: " أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ مَوْلَاكُمْ "؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عَادَاهُ " ... الْحَدِيثَ.
إِبْرَاهِيمُ هَذَا، قَالَ النَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ.
ويُرْوَى عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَابنته فاطمة: " قد زَوَّجْتُكِ أعظَمَهُمْ حِلْمًا، وأقدَمَهُمْ سِلْمًا، وأكثرهم عِلْمًا "، وروى نحوه جابر الجعفي - وهو متروك - عن ابن بريدة عن أَبِيهِ.
وَقَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَا بُرَيْدَةُ لَا تَقَعَنَّ فِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي ".
وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ ".
وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ". هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. -[356]-
وقال أبو الجواب: حدثنا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجَنَّبَتَيْنِ عَلَى إِحْدَاهُمَا عَلِيٌّ، وَعَلَى الْآخِرَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: " إِذَا كَانَ قِتَالٌ فَعَلِيٌّ عَلَى النَّاسِ "، فَافْتَتَحَ عَلِيٌّ حِصْنًا، فَأَخَذَ جَارِيَةً لِنَفْسِهِ، فَكَتَبَ خَالِدٌ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكِتَابَ قَالَ: " مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ "؟ قُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ.
أَبُو الْجَوَّابِ ثِقَةٌ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْمَعَالِي أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَكُمُ الْفَتْحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ. (ح)، وأخبرنا يحيى بن أبي منصور، وجماعة إجازة قالوا: أخبرنا أبو الفتوح محمد بن علي ابن الجلاجلي؛ قالا: أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَاسِبُ، قال: أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّقُّورِ، قال: حدثنا عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَرَّاحِ إِمْلَاءً سَنَةَ تسع وثمانين وثلاث مائة، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ هو ". رواه ابْنُ مَاجَه عَنْ سُوَيْدٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَرِيكٍ، وَقَالَ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَدِّهِ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْخَصَائِصِ.
وَقَالَ جعفر بن سليمان الضبعي: حدثنا يزيد الرِّشْكِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيًّا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ أو غزو، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - -[357]- قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا رِحَالَهُمْ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَسِيرِهِمْ، فَأَصَابَ عَلِيٌّ جَارِيَةً، فَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَنُخْبِرَنَّهُ، قَالَ: فَقَدِمَتِ السَّرِيَّةُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ بِمَسِيرِهِمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَصَابَ عَلِيٌّ جَارِيَةً، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَقَالَ: صَنَعَ كَذَا وَكَذَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ الثالث كذلك، ثُمَّ الرَّابِعُ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ: " مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ، عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ.
وَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: اشْتَكَى النَّاسُ عَلِيًّا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فينا خطيبا، فقال: " لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن فِي ذَاتِ اللَّهِ - أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". رواه سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ عَمِّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ محمد ابنا كَعْبٍ، عَنْ عَمَّتِهِمَا.
وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَنْ آذَى عَلِيًّا فَقَدْ آذَانِي ".
وَقَالَ فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي الطفيل قال: جمع علي - رضي الله عنه - النَّاسَ فِي الرَّحْبَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَنْشُدُ اللَّهَ كُلَّ امْرِئٍ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ مَا سَمِعَ لَمَّا قَامَ، فَقَامَ نَاسٌ كَثِيرٌ فشهدوا حين أخذه بِيَدِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لِلنَّاسِ: " أَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ من -[358]- وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ " ثُمَّ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سُرَيْحَةَ - أَوْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، شَكَّ شُعْبَةُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ". حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يُصحِّحْهُ لأن شعبة رواه عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ نَحْوِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِنْدَ شُعْبَةَ من طريقين، والأول رواه بُنْدَارٌ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْهُ.
وَقَالَ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ يحيى بن جعدة، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَلِيٍّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ".
وروى نحوه يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن أبي ليلى، أنّه سمع عليًّا يَنْشُدُ النّاس فِي الرَّحبة. وروى نحوه عَبْد الله بْن أَحْمَد فِي مسند أَبِيهِ، من حديث سِمَاك بْن عُبَيْد، عن ابن أبي ليلى، وله طُرُق أخرى ساقها الحافظ ابن عساكر فِي ترجمة عليّ يصدّق بعضها بعضًا.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي هَارُونَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حَجة الوداع فلما أتينا على غدير خم كسح لرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: " الصَّلاةُ جَامِعَةٌ "، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا فَأَخَذَ بِيَدِهِ، وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: " أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى، فقال: " فَإِنَّ هَذَا مَوْلَى مَنْ أَنَا مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ ". فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، -[359]- فَقَالَ: هَنِيئًا لَكَ يَا عَلِيُّ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَغَيْرُهُ، عَنْ عِيسَى بن عمر القارئ، عن السدي قال: حدثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْيَارٌ، فَقَسَّمَهَا، وَتَرَكَ طَيْرًا فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إليك " فَجَاءَ عَلِيٌّ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الطَّيْرِ. وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ عَنْ أَنَسٍ مُتَكَلَّمٌ فِيهَا، وَبَعْضُهَا عَلَى شَرْطِ السُّنَنِ، مَنْ أَجْوَدِهَا حَدِيثُ قَطَنِ بْنِ نسير شيخ مسلم، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَلٌ مَشْوِيٌّ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ الْأَحْمَرُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ النِّسَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ، وَمِنَ الرِّجَالِ عَلِيٌّ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ لِي: أَيُسَبُّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -! قُلْتُ: مَعَاذَ اللَّهِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَنْ سَبَّ عليا فقد سبني ". رواه أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ ".
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إنه لعهد -[360]- النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يَبْغَضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: إن كنا لنعرف المنافقين ببغضهم عليا.
وقال أبو الزبير، عن جابر قال: ما كنا نعرف منافقي هذه الأمة إلا بِبُغْضِهِمْ عَلِيًّا.
قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ - أَحَدُ الضعفاء - حدثنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "
رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَعْتَقَ بِلَالًا. رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، يَقُولُ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تركه الحق وما له من صديق. رحم اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ. رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هذا الوجه.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يَهْلِكَ فِيَّ رَجُلانِ، مُبْغِضٌ مُفْتَرٍ، وَمُحِبٌّ مُطْرٍ.
وَقَالَ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ: حدثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيٌّ فَقَالَ: "
يَا عَائِشَةُ هَذَا سَيِّدُ الْعَرَبِ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتَ سَيِّدَ الْعَرَبِ؟ قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَهَذَا سَيِّدُ الْعَرَبِ ". وَرُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مِثْلُهُ، عَنْ -[361]- عائشة. وهو غريب.

17 - ع: حفصة أم المؤمنين بنت أبي حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

17 - ع: حفصة أم المؤمنين بنت أبي حفص أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. [الوفاة: 41 - 50 ه]
تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَة ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيُرْوَى أنَّهَا وُلِدَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِخَمْسِ سِنِينَ.
لَهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ؛ رَوَى عَنْهَا: أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَحَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ، وشتير بن شَكَلٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَأُمُّهُمَا - أَعْنِي حَفْصَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ - هِيَ زَيْنَبُ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
وَكَانَتْ حَفْصَةُ قَبْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، أَحَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا تَأَيَّمَتْ عَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: لَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ الْيَوْمَ، فَشَكَاهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " تَتَزَوَّجُ حَفْصَةُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عُثْمَانَ، ويتزوج عثمان -[405]- مَنْ هِيَ خَيْرٌ مِنْ حَفْصَةَ ثُمَّ خَطَبَهَا مِنْهُ فَزَوَّجَهُ عُمَرُ، ثُمَّ لَقِيَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تجِدْ عَلِيَّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ ذَكَرَ حَفْصَةَ فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّهُ، فَلَوْ تَرَكَهَا لَتَزَوَّجْتُهَا.
عَفَّانُ وَجَمَاعَةٌ: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قال: أخبرنا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَ حَفْصَةَ، فَأَتَاهَا خَالَاهَا عُثْمَانُ وَقُدَامَةُ ابْنَا مَظْعُونٍ، فَبَكَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا طَلَّقَنِي عَنْ شَبَعٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَتَجَلْبَبَتْ فَقَالَ: "
إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ ".
حَدِيثٌ مرسل قوي الإسناد.
هشيم: أخبرنا حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ أُمِرَ أَنْ يُرَاجِعْهَا.
عَبْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى إِلَى حَفْصَةَ.
مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَفْصَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وَقَالَ: مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِعُمَرَ وَابْنَتَهُ بَعْدَهَا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: "
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُرَاجِعَ حَفْصَةَ رَحْمَةً لِعُمَرَ ". وَفِي رِوَايَةٍ: وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ. رَوَاهُ مُوسَى بن علي بن مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.
تُوُفِّيَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَةَ؛ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ.

84 - سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

84 - سليمان بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب. [الوفاة: 91 - 100 ه]
كان مِنْ خِيَارِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلِيَ الْخِلافَةَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ستٍ وَتِسْعِينَ بَعْدَ الوليد بالعهد المذكور من أبيه.
روى قَلِيلا عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُنَيْدَةَ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَكَانَتْ دَارُهُ مَوْضِعَ سِقَايَةِ جَيْرُونَ، وَلَهُ دَارٌ بَنَاهَا بِدَرْبِ مُحْرِزٍ بِدِمَشْقَ، فَجَعَلَهَا دَارَ الْخِلافَةِ، وَجَعَلَ لَهَا قُبَّةً صَفْرَاءَ كَالْقُبَّةِ الْخَضْرَاءَ الَّتِي بِدَارِ الْخِلافَةِ، وَكَانَ فَصِيحًا مُفَوَّهًا مُؤْثِرًا لِلْعَدْلِ، مُحِبًّا لِلْغَزْوِ، وَجَهَّزَ الْجُيُوشَ مَعَ أَخِيهِ مُسْلِمَةَ لِحِصَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَحَاصَرَهَا مُدَّةً حَتَّى صَالَحُوا عَلَى بِنَاءِ جامع بالقسطنطينية، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتِّينَ.
وَقَالَتِ امْرَأَةٌ: رَأَيْتُهُ أَبْيَضَ عَظِيمَ الْوَجْهِ مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، يَضْرِبُ شَعْرُهُ مِنْكِبَيْهِ، مَا رَأَيْتُ أَجْمَلَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْبَيْعَةَ أَتَتْ سليمان وهو بمشارف الْبَلْقَاءَ، فَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَتَتْهُ الْوُفُودُ فَلَمْ يَرَوْا وِفَادَةً كَانَتْ أَهْيَأُ مِنَ الْوِفَادَةِ إِلَيْهِ، كَانَ يَجْلِسُ فِي قُبَّةٍ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِي الصخرة، وَيَجْلِسُ النَّاسُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ، وَتُقَسَّمُ الأَمْوَالُ وَتُقْضَى الْأَشْغَالُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَلِيَ سُلَيْمَانُ وَهُوَ إِلَى الشَّبَابِ وَالتَّرَفُّهِ مَا هُوَ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز: يا أبا حفص، إنا قد ولينا ما تَرَى، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا بِتَدْبِيرِهِ عِلْمٌ، فَمَا رَأَيْتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَمُرْ بِهِ. فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ عَزَلَ عُمَّالَ الْحَجَّاجِ، وَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ فِي سِجْنِ الْعِرَاقِ، وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُهُ أَنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ قَدْ أُمِيتَتْ فَأَحْيُوهَا وَرُدُّوهَا إِلَى وَقْتِهَا. مَعَ أمورٍ حَسَنَةٍ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ عُمَرَ فِيهَا، فَأَخْبَرَنِي مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ هَمَّ بِالإِقَامَةِ بِبَيْتِ -[1109]- الْمَقْدِسِ وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلا، ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَدَّمْنَا فِي سَنَةِ ثمانٍ وَتِسْعِينَ مِنْ نُزُولِهِ بِقِنَّسْرِينَ مُرَابِطًا.
وَحَجَّ سُلَيْمَانُ فِي خِلافَتِهِ سَنَةَ سبعٍ وَتِسْعِينَ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَجَّ سُلَيْمَانُ، فَرَأَى النَّاسَ بِالْمَوْسِمِ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمَا تَرَى هَذَا الْخَلْقَ الَّذِي لا يُحْصِي عَددَهُمْ إِلا اللَّهُ وَلا يَسَعُ رِزْقَهُمْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَؤُلاءِ الْيَوْمَ رَعِيَّتُكَ، وَهُمْ غَدًا خُصَمَاؤُكَ. فَبَكَى سُلَيْمَانَ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَخْطُبُنَا كُلَّ جُمُعَةٍ، لا يَدَعُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى رَحِيلٍ، لَمْ تَمْضِ بِهِمْ نِيَّةٌ وَلَمْ تَطْمَئِنَّ لَهُمْ دَارٌ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، لا يَدُومُ نَعِيمُهَا وَلا تُؤْمَنُ فجائعها، وَلا يُتَّقَى مِنْ شَرِّ أَهْلِهَا. ثُمَّ يَقْرَأُ: {{أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ}} {{ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ}} {{مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}}.
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، افْتَتَحَ خِلَافَتَهُ بِإِحْيَائِهِ الصَّلاةَ لمواقيتها، وَاخْتَتَمَهَا بِاسْتِخْلافِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْغِنَاءِ. وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الأَكَلَةِ الْمَذْكُورِينَ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغِلابِيُّ، وليس بثقة، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَكَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعِينَ دَجَاجَةً تُشْوَى لَهُ عَلَى النَّارِ عَلَى صِفَةِ الْكَبَابِ، وَأَكَلَ أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ كُلْوَةً بِشُحُومِهَا وَثَمَانِينَ جَرْدَقَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ حَجَّ فَأَتَى الطَّائِفَ، فَأَكَلَ سَبْعِينَ رُمَّانَةً وَخَرُوفًا وَسِتَّ دَجَاجَاتٍ، وَأُتِيَ بِمَكُّوكِ زَبِيبٍ طَائِفِيٍّ، فَأَكَلَهُ أَجْمَعَ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَكُولا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يحيى: حدثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي بَيْتٍ أَخْضَرَ عَلَى وِطَاءٍ أخضر عليه -[1110]- ثِيَابٌ خُضْرٌ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَأَعْجَبَهُ شَبَابُهُ وَجَمَالُهُ، فَقَالَ: كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صِدِّيقًا، وَكَانَ عُمَرُ فَارُوقًا، وَكَانَ عُثْمَانُ حَيِيًّا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ حَلِيمًا، وَكَانَ يَزِيدُ صَبُورًا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَائِسًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا، وَأَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ. فَمَا دَارَ عَلَيْهِ الشَّهْرُ حَتَّى مَاتَ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ، فَلَمَّا نَزَلَ بِمَرْجِ دَابِقٍ حُم وَفَشَتِ الْحُمَّى فِي عَسْكَرِهِ، فَنَادَى بعض خَدَمِهِ فَجَاءَتْ بِطِسْتٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. قَالَ: فَأَيْنَ فُلانَةُ؟ قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. فَمَا ذَكَرَ أَحَدًا إِلا قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. فَالْتَفَتَ إِلَى خَالِهِ الْوَلِيدِ بْنِ الْقَعْقَاعِ الْعَبْسِيِّ وَقَالَ:
قَرِّبْ وَضُوءَكَ يَا وَلِيدُ فَإِنَّمَا ... هَذِي الْحَيَاةُ تَعِلَّةٌ وَمَتَاعُ
فَقَالَ الْوَلِيدُ:
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكِ فِي حَيَاتِكَ صَالِحًا ... فَالدَّهْرُ فِيهِ فُرْقَةٌ وَجَمَاعُ
وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ.
وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: عَرَضَتْ لِسُلَيْمَانَ سَعْلَةٌ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَنَزَلَ وَهُوَ مَحْمُومٌ، فَمَا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى حَتَّى دُفِنَ.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ الْكِنَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ سُلَيْمَانُ بِدَابِقٍ قَالَ لِرَجَاءِ بْنِ حَيَوَةَ: مَنْ لِهَذَا الأَمْرِ بَعْدِي، أَسْتَخْلِفُ ابْنِي؟ قَالَ: ابْنُكَ غَائِبٌ، قَالَ: فَابْنِي الآخَرُ، قَالَ: صَغِيرٌ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَتَخَوَّفُ إِخْوَتِي لا يَرْضَوْنَ. قَالَ: فَوَلِّ عُمَرَ، وَمِنْ بَعْدِهِ يَزِيدُ بْنُ عبد الملك، وتكتب كتابا وتختم عليه، وادعوهم إِلَى بَيْعَتِهِ مَخْتُومًا. قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتَ؛ ائْتِنِي بقرطاس، فَدَعَا بِقِرْطَاسٍ فَكَتَبَ فِيهِ الْعَهْدَ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَجَاءٍ وَقَالَ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَلْيُبَايِعُوا عَلَى مَا فِيهِ مَخْتُومًا، فَخَرَجَ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا لِمَنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، قَالُوا: وَمَنْ فِيهِ؟ قَالَ: هُوَ مَخْتُومٌ، لا تُخْبَرُونَ بِمَنْ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ. قَالُوا: لا نُبَايِعُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ الشُّرْطَةِ وَالْحَرَسِ، فَاجْمَعِ النَّاسَ وَمُرْهُمْ بِالْبَيْعَةِ، فَمَنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَفَعَلَ، قَالَ: فَبَايَعُوهُ عَلَى مَا فِيهِ. قَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيَوَةَ: فَبَيْنَا أَنَا رَاجِعٌ -[1111]- إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةَ مَوْكِبٍ، فَإِذَا هِشَامٌ، فَقَالَ لِي: يَا رَجَاءُ، قَدْ عَلِمْتُ مَوْقِعَكَ مِنَّا، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَزَالَهَا عَنِّي، فَإِنْ يَكُنْ قَدْ عَدَلَهَا عَنِّي فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفس حتى أنظر، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ! لا يَكُونُ ذَا أَبَدًا. قَالَ: فَأَدَارَنِي وَلاحَانِي، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً خَلْفِي، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ لِي: يَا رَجَاءُ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَمْرٌ كَبِيرٌ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَهَا إِلَيَّ وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نَفْسٌ لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ! قَالَ: وَثَقُلَ سُلَيْمَانُ، فَلَمَّا مَاتَ أَجْلَسْتُهُ مَجْلِسَهُ وَأَسْنَدْتُهُ وَهَيَّأْتُهُ وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَصْبَحَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: أَصْبَحَ سَاكِنًا، وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ وَتُبَايِعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَدَخَلُوا وَأَنَا قَائِمٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا دَنَوْا قُلْتُ: إِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ أخذت الكتاب من عنده وتقدمت إليهم وَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَبَايَعُوا وَبَسَطُوا أَيْدِيهِمْ. فَلَمَّا بَايَعْتُهُمْ وَفَرَغْتُ قُلْتُ: آجَرَكُمُ اللَّهُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالُوا: فَمَنْ؟ فَفَتَحْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ الْعَهْدُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا سَمِعُوا: " وَبَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ " كَأَنَّهُمْ تَرَاجَعُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ عُمَرُ، فَطَلَبُوهُ فَإِذَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَوْهُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَعُقِرَ بِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ النُّهُوضَ حَتَّى أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ، فَدَنَوْا بِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ وَأَصْعَدُوهُ، فَجَلَسَ طَوِيلا لا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَجَاءٌ: أَلا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُونَهُ، فَنَهَضَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ رَجُلًا رَجُلًا وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَصَعَدَ إِلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ قَالَ: يَقُولُ هِشَامٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَال عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، حِينَ صَارَ يَلِي هَذَا الأَمْرَ أَنَا وَأَنْتَ. ثم قام فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، وَإِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ إِنْ هُمْ أَطَاعُوا كَمَا أَطَعْتُمْ فَأَنَا وَالِيكُمْ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَلَسْتُ لَكُمْ بوالٍ. ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: مَرْكَبُ الْخَلِيفَةِ. قَالَ: لا حَاجَةَ لِي فِيهِ، ائْتُونِي بِدَابَّتِي، فَأَتَوْهُ بِدَابَّتِهِ فَانْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ فَكَتَبَ بِيَدِهِ إِلَى عُمَّالِ الأَمْصَارِ. -[1112]-
قَالَ رَجَاءٌ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَضْعُفُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ صُنْعَهُ فِي الْكِتَابِ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَقْوَى.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ: صَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي عَاشِرِ صَفَرٍ سَنَةَ تسعٍ وَتِسْعِينَ.
قَالَ الْهَيْثَمُ وَجَمَاعَةٌ: عَاشَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَاشَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: تِسْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً، وَخِلافَتُهُ سَنَتَانِ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.

68 - زيد بن الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الهاشمي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

68 - زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ، [الوفاة: 101 - 110 ه]
وَالِدُ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ.
سَمِعَ: أَبَاهُ، وَابْنَ عَبَّاسٍ،
وَعَنْهُ: ابْنُهُ حَسَنٌ وَالِدُ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ، وَأَبُو مَعْشَرٍ السِّنْدِيُّ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي حَقِّهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ الْحَسَنِ شَرِيفُ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَدُّوا إِلَيْهِ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعِنْهُ يَا هَذَا عَلَى مَا اسْتَعَانَكَ عَلَيْهِ.
وَلِزَيْدٍ وفادةٌ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. -[48]-
قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ نَجِيحٌ: رَأَيْتُهُ أَتَى الْجُمْعَةَ مِنْ ثَمَانِيَةِ أميالٍ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَقِيلَ: كَانَ النَّاسُ يُعجَبُونَ مِنْ عِظَمِ خِلْقَتِهِ.
وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَزَلَهُ عَنْ صَدَقَاتِ آل عليّ.
مَاتَ بِالْبَطْحَاءِ عَلَى سِتَّةِ أميالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَيَّعَهُ الْخَلْقُ، وَكَانَ جَوَّادًا مُمَدَّحًا، عَاشَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَلَّمَا رَوَى.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إِلَى زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ يَسْأَلُهُ أَنْ يُبَايِعَ لابْنِهِ، وَيَخْلَعَ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ وِلايَةِ الْعَهْدِ، فَفَرَّقَ زَيْدٌ، وَأَجَابَ الْوَلِيدَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ سُلَيْمَانُ، وَجَدَ كِتَابَ زَيْدٍ بِذَلِكَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ: ادْعُ زَيْدًا فَأَقْرِئْهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَإِنْ عَرَفَهُ فَاكْتُبْ إِلَيَّ، وَإِنْ هُوَ نَكَلَ فَحَلِّفْهُ، قَالَ: فَخَافَ اللَّهَ وَاعْتَرَفَ، وَبِذَلِكَ أَشَارَ عَلَيْهِ الْقَاسِمُ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ، فَكَانَ جَوَابُ سُلَيْمَانَ أَنِ اضْرِبْهُ مِائَةَ سوطٍ وَدَرِّعْهُ عَبَاءَةً وَمَشِّهِ حَافِيًا، قَالَ: فَحَبَسَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّسُولَ فِي عَسْكَرِ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ: حَتَّى أُكَلِّمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ، وَمَرِضَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ مَاتَ، فخرّق عُمَرُ الْكِتَابَ.
وَلِلشُّعَرَاءِ فِي زيدٍ مَدَائِحُ.

196 - ع: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أمير المؤمنين أبو حفص القرشي الأموي رضي الله عنه وأرضاه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

196 - ع: عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْن عَبْد شمسٍ بْن عَبْد مَناف بْن قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو حفصٍ الْقُرَشِيُّ الأُمَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. [الوفاة: 101 - 110 ه]
وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتِّينَ، عام تُوُفِّيَ مُعَاويَة أو بعده بسنة، وَأُمُّهُ هِيَ أُمُّ عَاصِمِ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. -[116]-
رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَأَنَسَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب، وابن قارظ، وأرسل عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَخَوْلَةَ بِنْتِ حُكَيْمٍ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ، وَطَائِفَةٍ.
وَعَنْهُ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُ شُيُوخِهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَمُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاءِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، وَوَلَدَاهُ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَكَانَتْ خِلافَتُهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ شهراً، كأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه.
قَالَ الْخُرَيْبِيُّ: وُلِدَ عَامَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْخُطَبِيُّ: رَأَيْتُ صِفَتَهُ فِي كتابٍ: أَبْيَضَ، رَقِيقَ الْوَجْهِ، جَمِيلا، نَحِيفَ الْجِسْمِ، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرٌ حافر دابة، فلذلك سُمِّيَ أَشَجُّ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَدْ وَخَطَّهُ الشَّيْبُ.
قَالَ ثَرْوَانُ مَوْلَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّهُ دَخَلَ إِلَى إِصْطَبْلِ أَبِيهِ وَهُوَ غُلامٌ، فَضَرَبَهُ فَرَسُهُ فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ أَبُوهُ يَمْسَحُ عَنْهُ الدَّمَ وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ أَشَجَّ بَنِي أُمَيَّةَ إِنَّكَ لَسَعِيدٌ، رَوَاهُ ضَمْرَةُ عَنْهُ.
نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَكَى وَهُوَ غُلامٌ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: مَا يُبْكِيكَ: قَالَ: ذكرت الْمَوْتِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَهُوَ غلامٌ صَغِيرٌ، فَبَكَتْ أُمُّهُ.
سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ أَمِيرَ مِصْرَ بَعَثَ ابْنَهُ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَتَأَدَّبُ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَى صَالِحِ بْنِ كيسان يَتَعَاهَدَهُ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَسْمَعُ مِنْهُ الْعِلْمَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ يَنْتَقِصُ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ: مَتَى بَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ سَخَطَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ بَعْدَ أن -[117]- رَضِيَ عَنْهُمْ! فَفَهِمَ، وَقَالَ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ لا أَعُودُ.
وَقَالَ غَيْرَهُ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، طَلَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى دِمَشْقَ، فَزَوَّجُوهُ بِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَكَانَ الَّذِينَ يَعِيبُونَ عُمَرَ مِنْ حُسَّادِهِ لا يَعِيبُونَهُ إِلا بِالإِفْرَاطِ فِي التَّنَعُّمِ وَالاخْتِيَالِ فِي الْمِشْيَةِ، هَذَا قَبْلَ الإِمَرَةِ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْوَلِيدُ الْخِلافَةَ، أَمَّرَ عُمَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَوُلِيَهَا مِنْ سَنَةِ ستٍّ وَثَمَانِينَ، إِلَى سَنَةِ ثلاثٍ وَتِسْعِينَ، وَعُزِلَ، فَقَدِمَ الشَّامَ، ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ عَزَمَ على أن يخلع أَخَاهُ سُلَيْمَانَ مِنَ الْعَهْدِ وَأَنْ يَجْعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَلَدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْوَلِيدِ، فَأَطَاعَهُ كثيرٌ مِنَ الأَشْرَافِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَصَمَّمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَامْتَنَعَ، فَطَيَّنَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
قَالَ أبو زرعة عبد الأحد بن الليث القتباني: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَتَى فَتَيَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالُوا: إِنَّ أَبَانَا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالا عِنْدَ عَمِّنَا حُمَيْدٍ الأَمَجِيِّ، فَأَحْضَرَهُ عُمَرُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْقَائِلُ:
حُمَيْدٌ الَّذِي أمجٌ دَارُهُ ... أَخُو الْخَمْرِ ذُو الشَّيْبَةِ الأَصْلَعُ
أَتَاهُ الْمَشِيبُ عَلَى شُرْبِهَا ... فَكَانَ كَرِيمًا فَلَمْ يَنْزَعُ
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَرَانِي إِلا حَادُّكَ، أَقْرَرْتُ بِشُرْبِهَا، وَأَنَّكَ لَنْ تَنْزَعَ عَنْهَا، قَالَ: أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ؟ أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: {{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ}} قَالَ: أَوْلَى لَكَ يَا حُمَيْدُ، مَا أَرَاكَ إِلا قَدْ أُفْلِتَّ، وَيْحَكَ يَا حُمَيْدُ، كَانَ أَبُوكَ رَجُلا صَالِحًا وَأَنْتَ رَجُلُ سوءٍ، قَالَ: أصلحك الله، وَأَيُّنَا يُشْبِهُ أَبَاهُ، كَانَ أَبُوكَ رَجُلَ سوءٍ، وأنت رجلٌ صالحٌ، قَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاهُمْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالا عِنْدَكَ، قَالَ: صَدَقُوا، وَأَحْضَرَهُ بِخَتْمِ أَبِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُمْ مَاتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَكُنْتُ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِي، وَهَذَا مَالُهُمْ، قَالَ: مَا أحدٌ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْكَ، فَامْتَنَعَ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إمامٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْفَتَى، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عُمَرَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: فَكَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، -[118]- وَيُخَفِّفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، رَوَاهُ الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمُلائِيُّ: سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: هُوَ نَجِيبُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الْعُلَمَاءُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَلامِذَةً.
أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَبَكَى، ثُمّ قَالَ: يَا مُزَاحِمُ أَتَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ؟
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمَرْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْلَةً فَقَالَ: كُلُّ مَا حُدِّثْتُ اللَّيْلَةَ قَدْ سَمِعْتُهُ، وَلَكِنَّكَ حَفِظْتَ ونسيت.
قال عبد العزيز بن الماجشون: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يَا آلِ عُمَرَ، كُنَّا نَتَحَدَّثُ، وَفِي لَفْظٍ: يَزْعَمُ النَّاسُ، أَنَّ الدُّنْيَا لا تَنْقَضِي حَتَّى يَلِي رجلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِ عُمَرَ، قَالَ: فَكَانَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِوَجْهِهِ شَامَةٌ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ هُوَ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أُمُّهُ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عمر.
قال التّرمذيّ في تاريخه: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عُثْمَانُ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ لاحِقٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَلَدِي رَجُلا بِوَجْهِهِ شينٌ يَلِي، فَيَمْلَأُ الأَرْضَ عَدْلا، قَالَ نَافِعٌ: فَلا أَحْسِبُهُ إِلا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ -[119]- يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الَّذِي مِنْ وَلَدِ عُمَرَ فِي وَجْهِهِ علامةٌ، يَمْلَأُ الأَرْضَ عدلاً.
أيوب بن محمد بن الوزّان، ومحمد بن عبد العزيز قالا: حدثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ رِيَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الصَّلاةِ، وشيخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا الشيخٌ جافٍ، فَلَمَّا صَلَّى وَدَخَلَ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَ الله الأمير، من الشيخ الذي كان يتّكئ عَلَى يَدِكَ؟ قَالَ: يَا رِيَاحُ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَحْسِبُكَ إِلا رَجُلا صَالِحًا، ذاك أخي الخضر، أتاني فأعلمني أنّي سَأَلِي أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنِّي سَأَعْدِلُ فِيهَا، رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ هَزَّانَ بن سعيد قال: حَدَّثَنِي رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ قَالَ: لَمَا ثَقُلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رَآنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الدَّارِ فَقَالَ: يَا رَجَاءُ، أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تُذَكِّرَنِي أَوْ تُشِيرَ بِي، فَوَاللَّهِ مَا أَقْدَرُ عَلَى هَذَا الأَمْرِ، فَانْتَهَرْتُهُ وَقُلْتُ: إِنَّكَ لحريصٌ عَلَى الْخِلافَةِ، أَتَطْمَعُ أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِكَ، فَاسْتَحْيَا، وَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي سُلَيْمَانُ: يَا رَجَاءُ، مَنْ تَرَى لِهَذَا الأَمْرِ؟ قُلْتُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّكَ قادمٌ عَلَى رَبِّكَ وَسَائِلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، وَمَا صَنَعْتَ فِيهِ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قُلْتُ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِعَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَيَّ، وَإِلَى الْوَلِيدِ فِي ابْنَيْ عَاتِكَةٌ، أَيُّهُمَا بَقِيَ؟ قُلْتُ تَجْعَلُهُ مِنْ بَعْدِهِ، قَالَ: أَصَبْتَ، هَاتِ صَحِيفَةً، فَكَتَبَ عَهْدَ عُمَرَ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ دَعَوْتُ رِجَالا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: عَهْدِي فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مَعَ رَجَاءٍ، اشْهَدُوا وَاخْتُمُوا الصَّحِيفَةَ، فَمَا لَبَثَ أَنْ مَاتَ، فَكَفَفْتُ النِّسَاءَ عَنِ الصِّيَاحِ، وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَكُنْ مُنْذُ اشْتَكَى أَسْكَنَ مِنْهُ السَّاعَةَ، قالوا لله الحمد.
الوليد بن المسلم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانٍ الْكِنَانِيِّ قَالَ: لما مرض -[120]- سُلَيْمَانُ بِدَابِقٍ، قَالَ لِرَجَاءِ بْنِ حَيَوَةَ: مَنْ للأمر بَعْدِي، أَسْتَخْلِفُ ابْنِي؟ قَالَ: ابْنُكَ غَائِبٌ، قَالَ: فَالآخَرُ، قَالَ: صَغِيرٌ، قَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَخْلِفَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَتَخَوَّفُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: وَلِّ عُمَرَ، وَمِنْ بَعْدِهِ يَزِيدَ، وَاخْتُمِ الْكِتَابَ، وَتَدْعُوهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِ مَخْتُومًا، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتَ، ائْتِنِي بِقِرْطَاسٍ، فَدَعَا بقرطاسٍ، وَكَتَبَ الْعَهْدَ، وَدَفَعَهُ إِلَى رَجَاءٍ، وَقَالَ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَلْيُبَايِعُوا عَلَى مَا فِيهِ مَخْتُومًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعُوا، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ الْحَرَسِ وَالشُّرَطِ فَاجْمَعِ النَّاسَ وَمُرْهُمْ بِالْبَيْعَةِ، فَمَنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَفَعَلَ، فَبَايَعُوا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، قَالَ رَجَاءٌ: فَبَيْنَا أَنَا رَاجِعٌ إِذَا بِمَوْكِبِ هِشَامٍ، فَقَالَ: تَعْلَمُ مَوْقِعَكَ مِنَّا، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ صَنَعَ شَيْئًا مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَزَالَهَا عَنِّي، فَإِنْ يَكُنْ عَدَلَهَا عَنِّي فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفسٌ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، لا يَكُونَ ذَا أَبَدًا، فأدارني وألاصني، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، فَانْصَرَفَ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ، إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً خَلْفِي، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ لِي: يَا رَجَاءُ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي أمرٌ كَبِيرٌ أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ جَعَلَهَا إِلَيَّ، وَلَسْتُ أَقُومُ بِهَذَا الشَّأْنِ، فَأَعْلِمْنِي مَا دَامَ فِي الأَمْرِ نفسٌ، لَعَلِّي أَتَخَلَّصُ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَسْتَكْتِمُنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا أُطْلِعَكَ عَلَيْهِ! فأدارني وألاصني، فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، وَثَقُلَ سُلَيْمَانُ، وَحُجِبَ النَّاسُ، فَلَمَّا مَاتَ أَجْلَسْتُهُ وَسَنَّدْتُهُ وَهَيَّأْتُهُ، وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: كَيْفَ أَصْبَحَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: أَصْبَحَ سَاكِنًا، وَقَدْ أَحَبَّ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ وَتُبَايِعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَذِنْتُ لِلنَّاسِ، فَدَخَلُوا، وَقُمْتُ عِنْدَهُ، فَقُلْتُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْ عِنْدِهِ، وتقدمت إليهم، وَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَبَايَعُوا وَبَسَطُوا أيديهم، فلما بايعهم وَفَرَغْتُ، قُلْتُ لَهُمْ: آجَرَكُمُ اللَّهُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالُوا: فَمَنْ؟ فَفَتَحْتُ الْكِتَابَ، فَإِذَا عُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا قَرَأُوا: بَعْدَهُ يَزِيدُ، فَكَأَنَّهُمْ تَرَاجَعُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ عُمَرُ؟ فَطَلَبُوهُ، فَإِذَا هُوَ فِي -[121]- الْمَسْجِدِ، فَأَتَوْا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، فَعُقِرَ بِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ النُّهُوضَ، حَتَّى أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ فَأَصْعَدُوهُ الْمِنْبَرَ، فَجَلَسَ طَوِيلا لا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَجَاءُ جَالِسِينَ، قَالَ: أَلا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُونَهُ فَنَهَضُوا إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ رَجُلا رَجُلا، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِمْ، فَصَعَدَ إِلَيْهِ هِشَامٌ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ قَالَ: يَقُولُ هِشَامٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَال عُمَرُ: إِنَّا للَّهِ حِينَ صَارَ يَلِي هَذَا الأَمْرَ أَنَا وَأَنْتَ، ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَسْتُ بقاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بمبتدعٍ، وَلَكِنِّي متبعٌ، وَإِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَمْصَارِ إِنْ أَطَاعُوا كَمَا أَطَعْتُمْ فَأَنَا وَالِيكُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَلَسْتُ لَكُمْ بوالٍ، ثُمَّ نَزَلَ يَمْشِي، فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ مَرْكَبُ الْخِلافَةِ، قَالَ: لا ائْتُونِي بِدَابَّتِي، ثُمَّ إِنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ فِي الأَمْصَارِ، قَالَ رَجَاءٌ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَضْعُفُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ صُنْعَهُ فِي الْكِتَابِ عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَقْوَى.
قَالَ عُمَرُ بْنُ مُهَاجِرٍ: صَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُ: وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ عَاشِرُ صَفَرٍ سَنَةَ تسعٍ وتسعين.
قُلْتُ: وَكَانَ عُمَرُ فِي خِلافَةِ سُلَيْمَانَ كَالْوَزِيرِ له.
أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان، قال: حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ دَابِقَ، وَكَانَ مُجْتَمَعَ غَزْوِ الناس: فمات سليمان، وكان رجاء صاحب أمره ومشورته، فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِمَوْتِهِ، وَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ كِتَابًا وَعَهِدَ عَهْدًا وَمَاتَ، أَفَسَامِعُونَ أَنْتُمْ مُطِيعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: نَسْمَعُ وَنُطِيعُ إِنْ كَانَ فِيهِ اسْتِخْلافُ رجلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: فَجَذَبَهُ النَّاسُ حَتَّى سَقَطَ وَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالَ رَجَاءٌ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَقَالَ عمر: والله إن هذا لأمر مَا سَأَلْتُهُ اللَّهَ قَطُّ.
وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ عُمَرُ عَنْ قَبْرِ سُلَيْمَانَ، قَدَّمُوا لَهُ مَرَاكِبَ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ:
فَلَوْلا التُّقَى ثُمَّ النُّهَى خشْيَةَ الرَّدَى ... لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الصِّبَى كُلَّ زَاجِرِ
قَضَى مَا قَضَى فيما مضى ثُمَّ لا تُرَى ... لَهُ صبوةٌ أُخْرَى اللَّيَالِي الغوابر -[122]-
لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَدِّمُوا بَغْلَتِي.
خَالِدُ بن مرداس: حدثنا الْحَكَمُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ جَاءَهُ أَصْحَابُ الْمَرَاكِبِ يَسْأَلُونَهُ الْعُلُوفَةَ وَرِزْقَ خَدَمِها، قَالَ: ابْعَثْ بِهَا إِلَى أَمْصَارِ الشَّامِ يَبِيعُونَهَا فِيمَنْ يَزِيدُ، وَاجْعَلْ أَثْمَانَهَا فِي مَالِ اللَّهِ، تَكْفِينِي بَغْلَتِي هَذِهِ الشَّهْبَاءُ.
سفيان بن وكيع: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن ذر أن مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ إذ رجع من جنازة سليمان: ما لي أَرَاكَ مُغْتَمًّا؟ قَالَ: لَمِثْلُ مَا أَنَا فِيهِ فَلْيُغْتَمُّ، لَيْسَ أحدٌ مِنَ الأُمَّةِ إِلا وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أُوصِلَ إِلَيْهِ حَقَّهُ غَيْرَ كاتبٍ إِلَيَّ فِيهِ، وَلا طَالِبَهُ مِنِّي.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، أَنَّ عُمَرَ بن عبد العزيز لما استخلف قام في النَّاسِ، فَحَمَدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا كِتَابَ بَعْدَ الْقُرْآنِ، ولا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلا وَإِنِّي لَسْتُ بقاضٍ، وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، وَلَكِنِّي متبعٌ، إِنَّ الرَّجُلَ الْهَارِبَ مِنَ الإِمَامِ الظَّالِمِ لَيْسَ بظالمٍ، أَلا لا طَاعَةَ لمخلوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. رَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سليمان، عن عبيد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِيهِ: لَسْتُ بخيرٍ مِنْ أحدٍ مِنْكُمْ، وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلا.
أَيُّوبُ بن سويد الرملي: حدثنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، يَكْتُبُ إِلَيْهِ بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الصَّدَقَاتِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالَّذِي سَأَلَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ إِنْ عَمِلْتَ بِمِثْلِ عَمَلِ عُمَرَ فِي زَمَانِهِ وَرِجَالِهِ فِي مِثْلِ زَمَانِكَ وَرِجَالِكَ، كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا مِنْ عُمَرَ. -[123]-
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَإِذَا رَجُلانِ يَخْتَصِمَانِ، وَأَنْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَالِسٌ، فَقَالَ لَكَ: يَا عُمَرُ إِذَا عَمِلْتَ فَاعْمَلْ بِعَمَلِ هَذَيْنِ، لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتَ هَذَا؟ فَحَلَفَ لَهُ، فَبَكَى.
وَرُوِيَتْ مِنْ وجهٍ آخَرَ، وَأَنَّ الرَّائِيَ عُمَرَ نَفْسَهُ.
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ الله كان يتعاهد الناس بنبيٍ بعد نبي، إن اللَّهَ تَعَاهَدَ النَّاسَ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا اسْتُخْلِفَ بَكَى، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانُ أَتَخْشَى عَلَيَّ؟ قَالَ: كَيْفَ حُبُّكَ لِلدِّرْهَمِ؟ قَالَ: لا أُحِبُّهُ، قَالَ: لا تَخَفْ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُعِينُكَ.
جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، قال: جمع عمر بن عبد العزيز بني مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ فَدَكٌ ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا، فَأَبَى، فَكَانَتْ كذلك حياة أبي بكر وعمر، قَالَ: ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ، لَيْسَ لِي بحقٍ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ إِنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَدَأَ بِلُحْمَتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَأَخَذَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَسَمَّى أَمْوَالَهُمْ مَظَالِمَ، فَفَزَعَتْ بَنُو أُمَيَّةَ إِلَى عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مَرْوَانَ، فَأَتَتْهُ لَيْلا، فَأَنْزَلَهَا عَنْ دَابَّتِهَا، فَلَمَّا أَخَذَتْ مَجْلِسَهَا قَالَ: يَا عَمَّةُ أَنْتِ أَوْلَى بِالْكَلامِ فَتَكَلَّمِي، قَالَتْ: تَكَلَّمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيَّهُ رَحْمَةً، ثُمَّ اخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، فَقَبَضَهُ -[124]- اللَّهُ، وَتَرَكَ لَهُمْ نَهْرًا شُرْبُهُمْ سواءٌ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَتَرَكَ النَّهْرَ عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ وُلِّيَ عُمَرُ فَعَمِلَ عَمَلَ صَاحبِهِ، ثُمَّ لم يزل النهر يشتق مِنْهُ يَزِيدُ، وَمَرْوَانُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَالْوَلِيدُ، وَسُلَيْمَانُ، حَتَّى أَفْضَى الأَمْرُ إِلَيَّ، وَقَدْ يَبِسَ النَّهْرُ الأَعْظَمُ، وَلَنْ يُرْوَى أَصْحَابُ النَّهْرِ الأَعْظَمِ حَتَّى يَعُودَ النَّهْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: حَسْبُكَ قَدْ أَرَدْتُ كَلامَكَ وَمُذَاكَرَتَكَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَقَالَتُكَ هَذِهِ، فَلَسْتُ بذاكرةٍ لَكَ شَيْئًا، فَرَجَعْت إِلَيْهِمْ فَأَبْلَغَتْهُمْ كَلامَهُ.
هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: حدثنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: لَوْ أَقَمْتُ فِيكُمْ خَمْسِينَ عَامًا مَا اسْتَكْمَلْتُ فِيكُمُ الْعَدْلَ، إِنِّي لَأُرِيدُ الأَمْرَ فَأَخَافُ أَنْ لا تَحْمِلَهُ قُلُوبُكُمْ، فَأُخْرِجُ معه طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، فَإِنْ أَنْكَرَتْ قُلُوبُكُمْ هَذَا سَكَنَتْ إِلَى هَذَا.
ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إبراهيم بن ميسرة، قال: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: هُوَ الْمَهْدِيُّ؟ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: هُوَ مهديٌّ وَلَيْسَ بِهِ، إنه لم يستكمل الْعَدْلَ كُلَّهُ.
ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الطَّلَاءِ قَالَ: نَهَى عَنْه إِمَامُ هُدًى. يَعْنِي: عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: الْخُلَفَاءُ خَمْسَةً: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بن عياش نحوه.
ابن وهب: حدثني ابن زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلَ يَجِيءُ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ، فَيَقُولُ: اجْعَلُوا هَذَا حَيْثُ تَرَوْنَ، فَمَا يَبْرَحُ حَتَّى يَرْجِعَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، قَدْ أَغْنَى عُمَرُ النَّاسَ.
سَعِيدُ بن عامر: حدثنا جُوَيْرِيَةُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَثْنَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ بَقِيَ لَنَا مَا احْتَجْنَا بَعْدُ إِلَى أحدٍ.
إِبْرَاهِيمُ الْجَوْزَجَانِيُّ: حدثنا محمد بن الحسن الأسدي قال: حدثنا عمر بن ذر، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، قال: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ امْرَأَةُ -[125]- عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مُصَلاهُ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِه، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ألشيءٍ حَدَثَ؟ قَالَ: يَا فَاطِمَةُ إِنِّي تَقَلَّدْتُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَهَا وَأَحْمَرَهَا، فَتَفَكَّرْتُ فِي الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْعَارِي الْمَجْهُودِ، وَالْمَظْلُومِ الْمَقْهُورِ، وَالْغَرِيبِ الأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي الْعِيَالِ الْكَثِيرِ، وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ الأَرْضِ وَأَطْرَافِ الْبِلادِ فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي سَائِلِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ لا تثبت لي حجةٌ، فبكيت.
الفريابي: حدثنا الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز كان جَالِسًا فِي بَيْتِهِ، وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: تُحِبُّونَ أَنْ أُوَلِّيَ كُلَّ رجلٍ مِنْكُمْ جُنْدًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: لِمَ تَعْرِضْ عَلَيْنَا مَا لا تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: تَرَوْنَ بِسَاطِي هَذَا، إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بِلًى وفناءٍ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُدَنِّسُوهُ بِأَرْجُلِكُمْ، فَكَيْفَ أُوَلِّيكُمْ دَيْنِي، أُوَلِّيكُمْ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبْشَارَهُمْ، هَيْهَاتَ لَكُمْ هيهات! فقالوا له: لم، أما لنا قرابة؟ أَمَا لَنَا حَقٌّ؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ وَأَقْصَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدِي فِي هَذَا الأَمْرِ إِلا سَوَاءَ، إِلا رَجُلا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَبَسَهُ عني طول شقته.
حماد بن سلمة: أخبرنا حميد قال: أمل علي الْحَسَنُ رِسَالَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَبْلَغَ، ثُمَّ شَكَا الْحَاجَةَ وَالْعِيَالَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لا تُهَجِّنْ هَذَا الْكِتَابَ بِالْمَسْأَلَةِ، اكْتُبْ هَذَا فِي غَيْرِ ذَا، قَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَأَمَرَ بِعَطَائِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ اكْتُبْ إِلَيْهِ فِي الْمَشُورَةِ فَإِنَّ أَبَا قِلابَةَ قَالَ: كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ، فَمَا مَنَعَهُ ذَلِكَ أَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْمَشُورَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَكَتَبَ بِالْمَشُورَةِ، فَأَبْلَغَ فِيهَا أَيْضًا.
أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاقِبَ رَجُلا حَبَسَهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَاقَبَهُ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَعْجَلَ فِي أَوَّلِ غَضَبِهِ.
مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ الْحِمْصِيُّ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَلَّى بِهُمُ الْجُمْعَةَ، ثُمَّ جَلَسَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مَرْقُوعُ الْجَيْبِ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ، فَلَوْ -[126]- لَبِسْتَ، فَنَكَّسَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أُفَضِّلُ الْقَصْدَ عِنْدَ الْجِدَّةِ، وَأُفَضِّلُ الْعَفْوَ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ.
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ نَفْسِي نفسٌ تواقةٌ، لَمْ تُعْطَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلا تَاقَتْ إِلَى مَا هُوَ أفضل منه، فلما أعطيت ما لا شيء فوقه في الدنيا، تاقت نفسي إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ سَعِيدٌ: يُرِيدُ الْجَنَّةَ.
حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ: النَّاسُ يَقُولُونَ: إِنِّي زاهدٌ، إِنَّمَا الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي أَتَتْهُ الدُّنْيَا فَتَرَكَهَا.
الَفِسَوِيُّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هشام بن يحيى، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قال: دعاني المنصور، فقال: كَمْ كَانَتْ غَلَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلافَةُ؟ قُلْتُ: خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: كَمْ كَانَتْ غَلَّتُهُ يَوْمَ مَاتَ؟ قُلْتُ: مَا زَالَ يَرُدُّهَا حَتَّى كَانَتْ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فَإِذَا عَلَيْهِ قميصٌ وسخٌ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، وَهِيَ أُخْتُ مُسْلِمَةَ: اغْسِلُوا قَمِيصَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: نَفْعَلُ، ثُمَّ عُدْتُ فَإِذَا الْقَمِيصُ عَلَى حَالِهِ، فَقُلْتُ لَهَا! فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لَهُ قميصٌ غَيْرُهُ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: كَانَتْ نَفَقَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى زَوْجَتِهِ فَقَالَ: عِنْدَكِ دِرْهَمٌ نَشْتَرِي بِهِ عِنَبًا؟ قَالَتْ: لا، أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لا تَقْدِرُ عَلَى دِرْهَمٍ! قَالَ: هَذَا أَهْوَنُ مِنْ مُعَالَجَةِ الْأَغْلَالِ فِي جهنم.
يحيى بن معين: حدثنا مروان بن معاوية: قال: حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكَاهِلِيُّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَلْبِسُ الْفَرْوَةَ الْكُبُلَ، وَكَانَ -[127]- سِرَاجُ بَيْتَهُ عَلَى ثَلاثِ قَصَبَاتٍ، فَوْقَهُنَّ طِينٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ غُلامَهَ أَنْ يُسَخِّنَ لَهُ مَاءً، فَانْطَلَقَ فَسَخَّنَ قُمْقُمًا فِي مَطْبَخِ الْعَامَّةِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ بِدِرْهَمٍ حَطَبًا يَضَعَهُ فِي المطبخ.
ابن المبارك في " الزهد ": أخبرنا إبراهيم بن نشيط، قال: حدثنا سليمان بن حميد، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهَا: أَخْبِرِينِي عَنْ عُمَرَ، قَالَتْ: مَا اغْتَسَلَ مِنْ جنابةٍ مُنْذُ اسْتُخْلِفَ.
يَحْيَى بْنُ حمزة: حدثنا عمرو من مُهَاجِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُسْرِجُ عَلَيْهِ الشَّمْعَةَ مَا كَانَ فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ أَطْفَأَهَا، ثُمَّ أسرج عليه سراجه.
خالد بن مرداس: حدثنا الحكم بن عمر قَالَ: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَلاثُمِائَةُ حرسيٌ، وَثَلاثُمِائَةُ شُرَطِيٍّ، فَشَهِدْتُهُ يَقُولُ لِحَرَسِهِ: إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ بِالْقَدَرِ حَاجِزًا، وَبِالأَجَلِ حَارِسًا، مَنْ أَقَامَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَلْحَقْ بِأَهْلِهِ.
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ قَالَ: اشْتَهَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تُفَّاحًا، فَأَهْدَى لَهُ رجلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ تُفَّاحًا، فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ رِيحَهُ وَأَحْسَنَهُ، ارْفَعْهُ يَا غُلامُ لِلَّذِي أَتَى بِهِ، وَأَقْرِئْ فُلانًا السَّلامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ هَدِيَّتَكَ وَقَعَتْ عِنْدَنَا بِحَيْثُ نُحِبُّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ابْنُ عَمِّكَ ورجلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَقَدْ بَلَغَكَ أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّ الْهَدِيَّةَ كَانَتِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً، وَهِيَ الْيَوْمِ لَنَا رشوةٌ.
ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ لِي رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: مَا أَكْمَلَ مُرُوءَةَ أَبِيكَ، سَمُرْتُ عِنْدَهُ ذَاتَ ليلةٍ فَعَشِي السِّرَاجُ، فَقَالَ لِي: مَا تَرَى السِّرَاجَ قَدْ عَشِيَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَإِلَى جَانِبِه وَصِيفٌ رَاقِدٌ، قُلْتُ: أَلا أُنَبِّهُهُ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: أَفَلا أَقُومُ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ اسْتِخْدَامُهُ ضَيْفَهُ، فَقَامَ إِلَى -[128]- بَطَّةِ الزَّيْتِ وَأَصْلَحَ السِّرَاجَ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: قُمْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَجَعْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ رَجَاءٍ أَبِي الْمِقْدَامِ الرَّمْلِيِّ، عَنْ نُعَيْمٍ كَاتِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كثيرٍ مِنَ الكلام مخافة المباهاة.
سليمان بن حرب: حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا المغيرة بن حكيم: قال: قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ امْرَأَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنَّهُ يَكُونُ فِي النَّاسِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ صَلاةً وَصِيَامًا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَشَدَّ فَرَقًا مِنْ رَبِّهِ مِنْ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ قَعَدَ فِي مَسْجِدِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنُهُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، فَلا يَزَالُ يَدْعُو رَافِعًا يَدَيْهِ يَبْكِي حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنُهُ.
رَوَى مِثْلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، وَزَادَ: يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْلَةِ أَجْمَعَ.
هِشَامُ بْنُ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: لَوْ حَلَفْتُ لَصَدَقْتُ، مَا رَأَيْتُ أَزْهَدَ وَلا أَخْوَفَ لِلَّهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز.
أبو جعفر النفيلي: حدثنا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٌّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَانَ لا يَكَادُ يَبْكِي، إِنَّمَا هُوَ يَنْتَفِضُ أَبَدًا، كَأَنَّ عَلَيْهِ حُزْنُ الْخَلْقِ.
الْفَسَوِيُّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يحيى، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: حَدِّثْنِي، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثًا بَكَى مِنْهُ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ عَلِمْتُ لَحَدَّثْتُكَ حَدِيثًا أَلْيَنَ مِنْهُ، قَالَ: يَا مَيْمُونُ، إِنَّا نَأْكُلُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْعَدَسَ، وَهِيَ مَا علمت، مرقةٌ للقلب مغزرةٌ لِلدَّمْعَةِ، مذلةٌ لِلْجَسَدِ.
عَنْ: عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ كُلَّ ليلةٍ الفقهاء، -[129]- فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ، ثُمَّ يَبْكُونَ، حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جَنَازَةً.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَغَيْرِهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ إِذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ اضْطَرَبَتْ أَوْصَالُهُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَرْطَأَةُ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ جَعَلْتَ عَلَى طَعَامِكَ أَمِينًا لا تُغْتَالُ، وَحَرَسًا إِذَا صَلَّيْتَ، وَتَنَحَّ عَنِ الطَّاعُونَ؛ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ إِنِّي أَخَافُ يَوْمًا دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فلا تؤمن خوفي.
روى علي بن أبي حملة، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: لَقِيَنِي يَهُودِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَيَلِي، ثُمَّ لَقِيَنِي آخِرَ وِلايَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: صَاحِبُكَ قَدْ سُقِيَ فَمُرْهُ فَلْيَتَدَارَكْ، فَأَعْلَمْتُ عُمَرَ، فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، مَا أَعْلَمَهُ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ السَّاعَةَ الَّتِي سُقِيتُ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ شِفَائِي أَنْ أمسح شحمة أذني أو أوتي بطيبٍ فَارْفَعْهُ إِلَى أَنْفِي مَا فَعَلْتُ. رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ ضَمْرَةَ عَنْهُ، وَلَكِنَّ بَعْضُهُمْ قَالَ: عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ، بَدَلَ الْوَلِيدِ.
مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ مُشْكَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيَّ؟ قُلْتُ: يَقُولُونَ مَسْحُورٌ، قَالَ: مَا أَنَا بمسحورٍ، ثُمَّ دَعَا غُلامًا لَهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُسْقِينِي السُّمَّ؟ قَالَ: أَلْفُ دينارٍ أُعْطِيتُهَا، عَلَى أَنْ أُعْتَقَ، قَالَ: هَاتِهَا، فَجَاءَ بِهَا، فَأَلْقَاهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ لا يَرَاكَ أَحَدٌ.
قُلْتُ: كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ قَدْ تَبَرَّمَتْ بِعُمَرَ، لِكَوْنِهِ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَانْتَزَعَ كَثِيرًا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا قَدْ غَصَبُوهُ، وَكَانَ قَدْ أَهْمَلَ التَّحَرُّزَ، فَسَقَوْهُ السُّمَّ.
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَبُوكَ عِنْدَ مَوْتِهِ؟ فَقَالَ: كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَنَا، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَاصِمٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَكُنَّا أُغَيْلِمَةً، فَجِئْنَا كَالْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ وَالْمُوَدِّعِينَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَرَكْتَ وَلَدَكَ لَيْسَ لَهُمْ مالٌ، وَلَمْ تُؤْوِهِمْ إِلَى أَحَدٍ! فَقَالَ: مَا كُنْتُ لَأُعْطِيَهُمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَمَا كُنْتُ لِآخُذَ مِنْهُمْ حَقًّا هُوَ لَهُمْ، وَإِنَّ وَلِيِّي فِيهِمُ اللَّهُ الذي -[130]- يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ أَحَدُ رَجُلَيْنِ، رجلٌ صَالِحٌ أَوْ فَاسِقٌ، وَقِيلَ إِنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ خَالُهُمْ مُسْلِمَةُ.
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ، فَإِنْ مُتَّ دفنت في موضع القبر الرابع، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: وَاللَّهِ لِأَنْ يُعَذِّبَنِي اللَّهُ بِكُلِّ عَذَابٍ إِلا النَّارَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنِّي أَنِّي أَرَانِي لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَهْلا. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ مِثْلَهُ.
جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بن حكيم قال: قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَلِكِ: كُنْتُ أَسْمَعُ عُمَرَ فِي مَرَضِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَخْفِ عَلَيْهِمْ أَمْرِي وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: أَلا أَخْرُجُ عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَمْ تَنَمْ، فَخَرَجْتُ عَنْهُ، فَجَعَلْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: {{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}} [القصص] مِرَارًا، ثُمَّ أَطْرَقَ فَلَبِثَ طَوِيلا لا يُسْمَعُ لَهُ حسٌ، فَقُلْتُ لِوَصِيفٍ: وَيْحَكَ انْظُرْ، فَلَمَّا دَخَلَ صَاحَ، فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُهُ مَيِّتًا، قَدْ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ، وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى فِيهِ. وَالأُخْرَى عَلَى عَيْنَيْهِ.
هِلالُ بْنُ الْعَلاءِ الرقي: حدثنا أبي، قال: حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: لَمَّا احْتَضَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: اخْرُجُوا عَنِّي، فَقَعَدَ مُسْلِمَةُ، وَفَاطِمَةُ عَلَى الْبَابِ فَسَمِعُوهُ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِهَذِهِ الْوُجُوهِ، لَيْسَتْ بِوُجُوهِ إنسٍ وَلا جانٍ، ثُمَّ قَالَ: {{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ}} [القصص 83] الآيَةَ، ثُمَّ هَدَأَ الصَّوْتُ، فَقَالَ مُسْلِمَةُ لِفَاطِمَةَ: قَدْ قُبِضَ صَاحِبُكِ، فَدَخَلُوا فَوَجَدُوهُ قَدْ قُبِضَ.
رَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ خَالِدٍ الرَّبَعِيِّ قَالَ: إِنَّا نجد في التوراة أن السماوات وَالأَرْضَ تَبْكِي عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أربعين صَبَاحًا.
جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَاتَ خَيْرُ النَّاسِ.
سُلَيْمَانُ بن عمر بن الأقطع: حدثنا أَبُو أُمَيَّةَ الْخَصِيُّ غُلامُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِدِينَارَيْنِ إِلَى أَهْلِ الدَّيْرِ، فَقَالَ: -[131]- إِنْ بِعْتُمُونِي مَوْضِعَ قَبْرِي، وَإِلا تَحَوَّلْتُ عَنْكُمْ.
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ صَالِحَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ سَأَلَ عَنْ قَبْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُهُ، حَتَّى دُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَقَالَ: قَبْرُ الصِّدِّيقِ تُرِيدُونَ؟ هُوَ فِي تِلْكَ الْمَزْرَعَةِ.
مُحَمَّدُ بن سعد في " الطبقات " وغيره: أخبرنا عباد بن عمرو الواشحي: قال: حدثنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، لَقِيتُهُ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ فَاضِلا خَيِّرًا، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نُسَوِّي التُّرَابَ عَلَى قَبْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِذْ سَقَطَ علينا كتابٌ رق مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمانٌ مِنَ اللَّهِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ النَّارِ.
الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْقَحْذَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، بِدَيْرِ سَمْعَانَ، مِنْ أَعْمَالِ حِمْصٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ

274 - يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، أبو خالد الأموي الدمشقي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

274 - يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو خَالِدٍ الأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ. [الوفاة: 101 - 110 ه]
وَلِيَ الْخِلافَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بعهدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، مَعْقُودٌ فِي تَوْلِيَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ.
قَالَ سَعِيد بْن عفير: كَانَ جسيما أبيض مدور الوجه أفقم لم يشب.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: بيَّنَّا نَحْنُ عِنْدَ مكحول، إذ أقبل يزيد -[181]- ابْن عَبْد الملك، فهممنا أن نوسع لَهُ، فَقَالَ مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس، يتعلم التواضع.
أَبُو ضمرة، عَن مُحَمَّدً بن موسى بن عبد الله بن يسار قَالَ: إني لجالس فِي مسجد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد حج يزيد بْن عَبْد الملك قبل أن يكون خليفة، فجلس مع المقبري، وابن أبي العتاب، إذ جاء أَبُو عَبْد الله القراظ، فوقف عَلَيْهِ فَقَالَ: أنت يزيد بْن عَبْد الملك؟ فالتفت يزيد إلى الشيخين فَقَالَ: أمجنونٌ هذا! فذكروا لَهُ فضله وصلاحه وقالوا: هذا أَبُو عَبْد الله القراظ صاحب أَبِي هُرَيْرَةَ، حتى رق لَهُ ولان، فَقَالَ: نعم أَنَا يزيد، فقال له: ما أجملك، إنك لتشبه أباك إن وليت من أمر النَّاس شيئا، فاستوص بأهل المدينة خيرا، فأشهد عَلَى أبي هُرَيْرَةَ لحدثني عَن حبه وحبي صاحب هذا البيت، وأشار إلى الحجرة: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - خرج إلى ناحية من المدينة، يقال لها: بيوت السقيا، وخرجت معه، فاستقبل القبلة ورفع يديه فَقَالَ: " إن إِبْرَاهِيم خليلك دعاك لأهل مكة، وأنا نبيك ورسولك أدعوك لأهل المدينة، اللَّهُمَّ بارك لهم فِي مدهم وصاعهم وقليلهم وكثيرهم، ضعفي ما باركت لأهل مكة، اللهم ارزقهم من ها هنا وها هنا، وأشار إلى نواحي الأرض كلها، اللهم من أرادهم بسوءٍ فأذبه كَمَا يذوب الملح فِي الماء ". ثُمَّ التفت إلى الشيخين فَقَالَ: ما تقولان؟ قالا: حديثٌ معروفٌ مرويٌ، وقد سمعنا أيضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ: " من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين هذين ". وأشار كل واحدٍ منهما إلى قلبه.
رَوَاهُ ابن أَبِي خيثمة فِي تاريخه عَن الحزامي عنه. -[182]-
قال ابن وهب: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما توفي عمر بن عَبْد العزيز وولى يزيد قَالَ: سيروا بسيرة عُمَر بْن عَبْد العزيز، قَالَ: فأتى بأربعين شيخا فشهدوا لَهُ: ما عَلَى الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج بن حسان التيمي، قال: حدثنا سليم بْن بشير قَالَ: كتب عُمَر بْن عَبْد العزيز إلى يزيد بْن عَبْد الملك حين احتضر: سلامٌ عليك، أما بعد، فإني لا أراني إلا لما بي، فالله، الله فِي أمة محمدٍ فإنك تدع الدُّنْيَا لمن لا يحمدك، وتفضي إلى من لا يعذرك، والسلام.
قَالَ الزبير بْن بكار: حدثنا هارون الفروي، قال: حدثني موسى بن جعفر بن أبي كثير، وابن الماجشون قالا: لَمَّا مات عُمَر بْن عَبْد العزيز قَالَ يزيد: والله ما عُمَر بأحوج إلى الله مني، فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عُمَر، فَقَالَت حبابة لخصي لَهُ كَانَ صاحب أمره: ويحك قربني منه حَيْثُ يسمع كلامي، ولك عشرة آلاف درهم، ففعلوا، فلما مر يزيد بِهَا قَالَتْ:
بكيت الصبا جهدا فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى فِي البكاء وأسعدا
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا
والشعر للأحوص، فلما سمعها قَالَ: ويحك قل لصاحب الشرط يصلي بالناس.
وقَالَ يوما: والله إني لأشتهي أن أخلو بِهَا فلا أرى غيرها، فأمر ببستانٍ لَهُ فهيئ، وأمر حاجبه أن لا يعلمه بأحدٍ، قَالَ: فبينما هُوَ معها أسر شيء بِهَا، إذ حذفها بحبة رمانٍ أو بعنبة، وهي تضحك، فوقعت فِي فيها، فشرقت فماتت، فأقامت عنده فِي البيت حتى جيفت أو كادت، واغتم لَهَا، وأقام أياما، ثُمَّ إنه خرج إلى قبرها فَقَالَ:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا ... فباليأس أسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليلٍ زارني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
ثُمَّ رجع، فما خرج من منزله إلا عَلَى النعش.
قَالَ الهيثم بْن عمران العنسي: مات يزيد بْن عَبْد الملك بسواد الأردن، مرض بطرفٍ من السل.
وقَالَ أَبُو مسهر: مات يزيد بإربد. -[183]-
وقَالَ غير واحد: مات لخمسٍ بقين من شعبان سنة خمسٍ ومائة، وكانت خلافته أربع سنين وشهرا.

147 - عبد الله السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس الهاشمي العباسي أمير المؤمنين،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

147 - عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، [الوفاة: 131 - 140 ه]
أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ.
قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَبِدَوْلَتِهِ تَفَرَّقَتِ الْجَمَاعَةُ، وَخَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ مَا بَيْنَ تاهرت وطنجة إلى بلاد السودان وجميع مَمْلَكَةَ الأَنْدَلُسِ، وَخَرَجَ بِهَذِهِ الْبِلادِ مِنْ تَغْلِبَ عَلَيْهَا وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ.
وَكَانَ شَابًّا طَوِيلا، أَبْيَضَ مَلِيحَ الْوَجْهِ وَاللِّحْيَةِ. وُلِدَ بِالْحُمَيَّمَةِ مِنْ -[682]- نَاحِيَةِ الْبَلْقَاءِ وَنَشَأ بِهَا وَبُويِعَ بِالْكُوفَةِ، وَأُمُّهُ رائطة الحارثية.
حَدَّثَ عَنْ: إبراهيم بن محمد الإمام، وَهُوَ أَخُوهُ.
رَوَى عَنْهُ: عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ.
وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ الْمَنْصُورِ. مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ.
رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبة، وقتيبة، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَخْرُجْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي عِنْدَ انْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَانِ وَظُهُورٍ مِنَ الْفِتَنِ يُقَالُ لَهُ: السَّفَّاحُ، فَيَكُونُ إِعْطَاؤُهُ الْمَالَ حَثْيًا "، وَرَوَاهُ الْعُطَارِدِيُّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ ".
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ السَّفَّاحُ أَبْيَضَ طَوِالا أَقْنَى ذَا شَعْرَةٍ جَعْدَةٍ، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، مَاتَ بِالْجُدَرِي.
قال عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَيْشِيُّ: قَالَ أَبِي: سَمِعْتُ الأَشْيَاخَ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَفْضَتِ الْخِلافَةُ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أَكْثَرُ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ وَلا أَفْضَلُ عابداً وناسكاً منهم بالحميمة.
وقال الصولي: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَ السَّفَّاحِ وَهُوَ أَحْشَدُ مَا يَكُونُ بِبَنِي هَاشِمٍ وَالشِّيعَةِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ وَمَعَهُ مُصْحَفٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِنَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ، فَأَشْفَقَ النَّاسُ مِنْ أَنْ يَعْجَلَ السَّفَّاحُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلا يُرِيدُونَ ذَلِكَ فِي شَيْخِ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ يَعْيَا بِجَوَابِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ غَيْرَ مُنْزَعِجٍ، فَقَالَ: إِنَّ جَدَّكَ عَلِيًّا كَانَ خَيْرًا مِنِّي وَأَعْدَلَ، وَلِيَ هَذَا الأَمْرَ فَأَعْطِي جَدَّيْكَ الحسن والحسين وكانا خَيْرًا مِنْكَ شَيْئًا وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَهُ، فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ فَقَدْ أَنْصَفْتُكَ، وَإِنْ كُنْتُ زِدْتُكَ فَمَا هَذَا جَزَائِي مِنْكَ، قَالَ: فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا وَانْصَرَفَ وَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ جَوَابِهِ لَهُ. -[683]-
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجَمَاعَةٌ: عَاشَ السَّفَّاحُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ سَنَةً وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِينَ.
وَأَمَّا خَلِيفَةُ، فَقَالَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَقَالَ الْخَطْبِيُّ: مَوْلِدُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ.

313 - عيسى بن موسى، هو ولي عهد أمير المؤمنين، الأمير أبو موسى، عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

313 - عِيسَى بْنُ مُوسَى، هُوَ وَلِيُّ عَهْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الأَمِيرُ أَبُو مُوسَى، عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ. [الوفاة: 161 - 170 ه]
مَوْلِدُهُ وَمَرْبَاهُ بِالْحُمَيِّمَةِ مِنْ نَوَاحِي الْبَلْقَاءِ بِالشَّامِ، فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَمِائَةٍ.
كَانَ أَحَدَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَلَمَّا احْتُضِرَ السَّفَّاحُ، كَتَبَ لَهُ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ الْمَنْصُورِ، فَكَانَ ذَا عَظَمَةٍ وَجَلالَةٍ، وَهُوَ الَّذِي انْتُدِبَ لِقِتَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَلِقِتَالِ أَخِيهِ حَتَّى ظَفِرَ بِهِمَا، وَتَوَطَّدَ مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ، بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا تَمَكَّنَ، أَقْبَلَ عَلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى أَلْزَمَهُ بِتَقْدِيمِ ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ عَلَى نَفْسِهِ فِي وِلايَةِ الْعَهْدِ، وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ مُدَّةً.
وَكَانَ مُوسَى وَالِدُ هَذَا قَدْ تُوُفِّيَ شَابًّا فِي الْغَزْوِ بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ، فَنَشَأَ عِيسَى فِي كِفَالَةِ جَدِّهِ مُحَمَّدٍ الإِمَامِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا أَخَّرَ عِيسَى بْنَ مُوسَى فِي الْعَهْدِ، مَرَّ فِي مَوْكِبِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ مَاجِنٌ فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكُونَ غَدًا فَصَارَ بَعْدَ غَدٍ.
وَحَكَى نِفْطَوَيْهِ فِي تَارِيخِهِ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا قَدَّمَ ابْنَهُ المهدي فِي وِلايَةِ الْعَهْدِ قَالَ مُخَنَّثٌ هَذَا اللَّفْظَ.
وقد بذل المنصور لعيسى أموالا عظيمة حَتَّى نَزَلَ عَنْ مَنْصِبِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَهْدِيَّ لما استخلف لم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى خلعه من ولاية العهد بعده لولده موسى ابن الْمَهْدِيِّ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَوَادِثِ.
تُوُفِّيَ عِيسَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.

362 - المهدي: أمير المؤمنين، أبو عبد الله محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب العباسي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

362 - الْمَهْدِيُّ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ ابن الْخَلِيفَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْعَبَّاسِيُّ، [الوفاة: 161 - 170 ه]
الْخَلِيفَةُ الثَّالِثُ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ.
مَوْلِدُهُ بِإِيذَجَ فِي سَنَةِ سبع وعشرين ومائة.
وقال الخطبي: وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، وَأُمُّهُ أُمُّ مُوسَى بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيَّةُ.
وَكَانَ جَوَّادًا، مُمَدَّحًا، مَلِيحَ الشَّكْلِ، مُحَبَّبًا إِلَى الرَّعِيَّةِ، قَصَّابًا لِلزَّنَادِقَةِ.
رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَعَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ.
حَدَّثَ عَنْهُ: يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عبد الله الرقاشي، وأبو سفيان سعيد بْنُ يَحْيَى الْحِمْيَرِيُّ.
وَمَا عَلِمْتُ قِيلَ فِيهِ جَرْحًا، وَلا تَوْثِيقًا.
وَقَدْ رَوَى مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا الْمَهْدِيُّ، فَجَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقُلْتُ لِلْمَهْدِيِّ: نَأْثُرُهُ عَنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
هَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ، لكن ما عملت أَحَدًا احْتَجَّ بِالْمَهْدِيِّ وَلا بِأَبِيهِ فِي الأَحْكَامِ.
تَفَرَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ - وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ - قَالَ: حدثنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَصِلَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: " الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ عَمِّي ".
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ -[501]- زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَرْفُوعًا: " الْمَهْدِيُّ يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي ". صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَمِنَ الْمَنَاكِيرِ الْوَاهِيَاتِ خَبَرُ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " مِنَّا الْمَنْصُورُ، وَمِنَّا السَّفَّاحُ، وَالْمَهْدِيُّ " إِسْنَادُهُ صَالِحٌ.
وَلَمَّا شَبَّ الْمَهْدِيُّ أَمَّرَهُ أَبُوهُ عَلَى طَبَرِسْتَانَ وَمَا يَلِيهَا، وَعَلَى الرَّيِّ، وَتَأَدَّبَ وَجَالَسَ الْعُلَمَاءَ، وَتَمَيَّزَ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَاهُ غَرِمَ أَمْوَالا عَظِيمَةً وَتَحَيَّلَ حَتَّى اسْتَنْزَلَ وَلِيَّ الْعَهْدِ وَلَدَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى عَنِ الْمَنْصِبِ، وَوَلاهُ الْمَهْدِيَّ، فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُورُ بِظَاهِرِ مَكَّةَ قَبْلَ الْحَجِّ قَامَ بِأَخْذِ الْبَيْعَةَ الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ الْحَاجِبُ، وَأَسْرَعَ بِالْخَبَرِ إِلَى الْمَهْدِيِّ مَوْلاهُ مَنَارَةُ الْبَرْبَرِيُّ وَهُوَ بِبَغْدَادَ، فَكَتَمَ الأَمْرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، وَنَعَى إِلَيْهِمُ المنصور.
قال ابن أبي الدينا: كَانَ أَسْمَرَ، مُضْطَرِبَ الْخَلْقِ، عَلَى عَيْنِهِ نُكْتَةُ بَيَاضٍ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ: كَانَ أَسْمَرَ طَوِيلا جَعْدًا، فَأَوَّلُ مَنْ هَنَّأَ الْمَهْدِيَّ بِالْخِلافَةِ وَعَزَّاهُ أَبُو دُلامَةَ، وَأَجَادَ:
عَيْنَايَ وَاحِدَةٌ تُرَى مَسْرُورَةً ... بِأَمِيرِهَا جذلى، وأخرى تذرف
تبكي وتضحك تارة ويسوؤها ... ما أنكرت ويسرها ما تعرف
فيسوؤها موت الخليفة محرما ... وَيَسُرُّهَا أَنْ قَامَ هَذَا الأَرْأَفُ
مَا إِنْ رَأَيْتُ كَمَا رَأَيْتُ وَلا أَرَى ... شَعْرًا أُسَرِّحُهُ وآخر ينتف
هلك الخليفة، يَالِ دين مُحَمَّدٍ ... وَأَتَاكُمْ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ يَخْلُفُ
أَهْدَى لِهَذَا اللَّهُ فَضْلَ خِلافَةٍ ... وَلِذَاكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ تُزَخْرَفُ
وَمِنْ خُطْبَةِ الْمَهْدِيِّ:
إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدٌ دُعِيَ فَأَجَابَ، وَأُمِرَ فَأَطَاعَ، وَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: وَقَدْ بَكَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ فِرَاقِ الأَحِبَّةِ، وَلَقَدْ فَارَقْتُ عظيما، -[502]- وَقُلِّدْتُ جَسِيمًا، فَعِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِهِ أَسْتَعِينُ عَلَى خِلافَةِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ الْمَهْدِيِّ: " اللَّهُ ثِقَةُ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ يُؤْمِنُ ".
وَرَوَى أَبُو الْعَيْنَاءِ، عَنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، أَنَّ الْمَهْدِيَّ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ: أَسِرُّوا مِثْلَ مَا تُعْلِنُونَ مِنْ طَاعَتِنَا نَهَبْكُمُ الْعَافِيَةَ، وَتُحَمَّدُوا الْعَاقِبَةَ، وَاخْفِضُوا جَنَاحَ الطَّاعَةِ لِمَنْ نَشَرَ مَعْدِلَتَهُ فِيكُمْ، وَطَوَى الإِصْرَ عَنْكُمْ، وَأَهَالَ عَلَيْكُمُ السَّلامَةَ مِنْ حَيْثُ رَآهُ اللَّهُ مُقَدِّمًا ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَأُفْنِيَنَّ عُمْرِي بَيْنَ عُقُوبَتِكُمْ، وَالإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ.
قَالَ مَسْلَمَة: فَرَأَيْتُ وُجُوهَ النَّاسِ تُشْرِقُ فَرَحًا.
قَالَ نِفْطَوَيْهِ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَنْصُورِيُّ قَالَ: لَمَّا حَصَلَتِ الْخَزَائِنُ فِي يَدِ الْمَهْدِيِّ، أَخَذَ فِي رَدِّ الْمَظَالِمِ، فَأَخْرَجَ أَكْثَرَ الذَّخَائِرِ فَفَرَّقَهَا، وَبَرَّ أَهْلَهُ وَمَوَالِيَهُ.
قُلْتُ: كَانَ أَبُوهُ جَمَعَ مِنَ الأَمْوَالِ مَا لا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وَكَانَ مِسِّيكًا. فَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ قَالَ: مَاتَ الْمَنْصُورُ وَفِي بَيْتِ المال مائة ألف أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسِتُّونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ الْمَهْدِيُّ وَأَنْفَقَهُ، وَكَانَتْ نَفَقَةُ الْمَنْصُورِ مَا يَجِيئُهُ مِنْ مَالِ الشَّرَاةِ نَحْوَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فِي السَّنَةِ.
قُلْتُ: وَزْنُ ذَلِكَ الْمَالِ بِالْقِنْطَارِ الدمشقي ألفا قِنْطَارٍ وَسِتُّمِائَةِ قِنْطَارٍ وَسَبْعُونَ، وَإِذَا صُرِفَ بِهَا ذَهَبٌ مِصْرِيٌّ، جَاءَ أَزْيَدَ مِنْ مِائَةِ قِنْطَارٍ وَسَبْعِينَ قِنْطَارًا.
وَعَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَهْدِيِّ بِالرَّصَافَةِ فَقُلْتُ: احْمِلْ قَوْلِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ أَحْمَلُهُمْ لغلظة النصيحة فيه، وجدير بمن له قرابة برسول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرِثَ أَخْلاقَهُ وَيَأْتَمَّ بِهَدْيِهِ، وَقَدْ وَرَّثَكَ اللَّهُ مِنْ فَهْمِ الْعِلْمِ وَإِنَارَةِ الْحُجَّةِ مِيرَاثًا قَطَعَ بِهِ عُذْرَكَ، فَمَهْمَا ادَّعَيْتَ مِنْ حُجَّةٍ، أَوْ رَكِبْتَ مِنْ شُبْهَةٍ لَمْ يَصِحَّ لَكَ بُرْهَانٌ مِنَ اللَّهِ فِيهَا، حَلَّ بِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ بِقَدْرِ مَا تَجَاهَلْتَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَقْدَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ شُبَهِ الْبَاطِلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصْمُ مَنْ خَالَفَهُ، وَأَثْبَتُ النَّاسِ قَدَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آخِذُهُمْ -[503]- بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَمِثْلُكَ لا يُكَابِرُ بِتَجْرِيدِ الْمَعْصِيَةِ، لَكِنْ بِمِثْلِ الإِسَاءَةِ إِحْسَانًا، وَيَشْهَدُ لَهُ عَلَيْهَا خونة العلماء، فبهذه الحبالة تصيدت الدينا نُظَرَاءَكَ، فَأَحْسِنِ الْحَمْلَ، فَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ وَعَظَكَ الأَدَاءَ.
قِيلَ: قَبَّلَ رَجُلٌ يَدَ الْمَهْدِيِّ وَقَالَ: يَدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ بِالتَّقْبِيلِ لِعُلُوِّهَا بِالْمَكَارِمِ، وَطَهَارَتِهَا مِنَ المآثم، وإنك ليوسفي الْعَفْوِ، إِسْمَاعِيلِيُّ الصِّدْقِ، شُعَيْبِيُّ الرِّفْقِ، فَمَنْ أَرَادَكَ بِسُوءٍ جَعَلَهُ اللَّهُ طَرِيدَ خَوْفِكَ، حَصِيدَ سَيْفِكَ، وأثنى عليه بالشجاعة، فقال: وما لي لا أَكُونُ شُجَاعًا وَمَا خِفْتُ أَحَدًا إِلا الله.
وروى ابن أبي الدينا: أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَتَبَ إِلَى الأَمْصَارِ يَزْجُرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِي شَيْءٍ منها.
وعن يوسف الصائغ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ الْمَهْدِيُّ رَفَعَ أَهْلُ الْبِدَعِ رؤوسهم، وَأَخَذُوا فِي الْجَدَلِ، فَأَمَرَ أَنْ يُمْنَعَ النَّاسُ مِنَ الْكَلامِ، وَأَنْ لا يُخَاضَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، فَانْقَمَعُوا.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ: سَمِعْتُ سَلْمًا الْحَاجِبَ يَقُولُ: هَاجَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ، فَخِفْنَا أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ، وَطَلَبْتُ الْمَهْدِيَّ فِي الإِيوَانِ فَلَمْ أَجِدْهُ، ثُمَّ سَمِعْتُ حَرَكَةً فِي بَيْتٍ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ عَلَى التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُشَمِّتْ بِنَا أَعْدَاءَنَا مِنَ الأُمَمِ، وَلا تَفْجَعْ بِنَا نَبِيَّنَا، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ الْعَامَّةَ بِذَنْبِي فَهِذِهِ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، فَمَا أَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى انْجَلَتْ.
عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ الْمَهْدِيَّ قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُرِ الْمُؤَذِّنَ لا يُقِيمُ حَتَّى أَتَوَضَّأَ، فَأَمَرَ بِهِ فَتَعَجَّبُوا مِنْ أَخْلاقِ الْمَهْدِيِّ.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ: الْمَهْدِيَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلائِكَتِهِ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ".
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ شَتَمَنِي وَقَذَفَ أُمِّي، فَإِمَّا أَمَرْتَنِي أَنْ أُحلله، وَإِمّا عَوَّضْتَنِي فَاسْتَغْفَرْتَ لَهُ. قَالَ: وَلِمَ شَتَمَكَ؟ قَالَ: شَتَمْتُ عَدُوَّهُ بِحَضْرَتِهِ فَغَضِبَ له، قَالَ: وَمَنْ عَدُوُّهُ؟ قَالَ: -[504]- إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ أَمَسُّ بِهِ رَحِمًا، وَأَوْجَبُ عَلَيْهِ حَقًّا، فَإِنْ كَانَ شَتَمَكَ كَمَا زَعَمْتَ فَعَنْ رَحِمِهِ ذَبَّ، وَعَنْ عِرْضِهِ دَفَعَ، وَمَا أَسَاءَ مَنِ انْتَصَرَ لابْنِ عَمِّهِ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ عَدُوًّا لَهُ، قَالَ: لَمْ يَنْتَصِرْ لِلْعَدَاوَةِ بَلْ لِلرَّحِمِ، فَأَسْكَتَ الرَّجُلَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيُوَلِّي قَالَ: لَعَلَّكَ أَرَدْتَ أَمْرًا فَجَعَلْتَ هَذَا ذَرِيعَةً، قَالَ: نَعَمْ، فَتَبَسَّمَ وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ رَجُلٌ شَرِيفٌ، فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْتَهِي إِلَى غَايَةِ شُكْرِكَ إِلا وَجَدْتُ وَرَاءَهَا غاية من معروفك، فما عَجْزُ النَّاسِ عَنْ بُلُوغِهِ، فَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِ، فِي كَلامٍ ذَكَرَهُ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنِ الرَّبِيعِ، أَنَّ الْمَنْصُورَ يَوْمًا فَتَحَ خِزَانَةً مِمَّا قَبَضَ مِنْ خَزَائِنِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَأَحْصَى فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عِدْلٍ خَزٍّ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا ثَوْبًا فَقَالَ لِي: اقْطَعْ لِي جُبَّةً، وَلِمُحَمَّدٍ جبة، فقلت: لا يجيء مِنْهُ هَذَا، قَالَ: اقْطَعْ لِي جُبَّةً وَقَلَنْسُوَةً، وَبَخِلَ أَنْ يُخْرِجَ ثَوْبًا آخَرَ لِلْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا أَفْضَتِ الْخِلافَةُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، أَمَرَ بِتِلْكَ الْخِزَانَةِ بِعَيْنِهَا، فَفُرِّقَتْ عَلَى الْمَوَالِي وَالْخَدَمِ.
الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي " النَّسَبِ ": حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: لَمَّا جَلَسَ الْمَهْدِيُّ لِأَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَأَجَازَهُمْ، كَانَ فِيمَنْ صَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ، فَأَجَازَهُ وَكَسَاهُ فَقَالَ: وَصَلَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلَنِي فِدَاكَ، فَقَدْ وَصَلْتَ الرَّحِمَ، وَرَدَدْتَ الظِّلامَةَ، وَعِنْدِي بِنْتُ عَمٍّ لِي أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، غَدَوْتُ الْيَوْمَ وَأَنَا لَهَا مُغَاضِبٌ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ لِلصُّلْحِ بَيْنَنَا مَوْضِعًا فَافْعَلْ، فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ ثَوْبًا فَقَالَ: تَرَى هَذَا يُصْلِحُ مَا بَيْنَكُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ قُلْتَ لا، مَا زِلْتُ أَزِيدُكَ إلى الليل.
أبو زرعة الدمشقي: حدثنا أبي، قال: حدثنا أَبُو خُلَيْدٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: قَالَ لِي الْمَهْدِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَكَ دَارٌ؟ قُلْتُ: لا وَاللَّهِ، فَأَمَرَ لِي بِثَلاثَةِ آلافِ دينار. -[505]-
الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حدَّثنَا عَمِّي قَالَ: كَانَ الْمَهْدِيُّ أَعْطَى بَكَّارًا الأَخْنَسِيَّ بِدَارِهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ الَّتِي عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَأَبَى وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَبِيعَ جِوَارَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَرَ لَهُ بأربعة آلافٍ، وَقَالَ: دَعُوهُ وَدَارَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمَاجِشُونِ لَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ أَنْشَدَهُ:
وَلِلنَّاسِ بَدْرٌ فِي السَّمَاءِ يَرَوْنَهُ ... وَأَنْتَ لَنَا بَدْرٌ عَلَى الأَرْضِ مُقْمِرُ
فَبِاللَّهِ يَا بدر السماء وضوءه ... تراك تكافي عُشْرَ مَالَكَ أُضْمِرُ؟
وَمَا الْبَدْرُ إِلا دُونَ وَجْهِكَ فِي الدُّجَى ... يَغِيبُ فَتَبْدُو حِينَ غَابَ فَتُقْمِرُ
وَمَا نَظَرَتْ عَيْنِي إِلَى الْبَدْرِ طَالِعًا ... وَأَنْتَ تَمْشِي فِي الثِّيَابِ فَتُسْحِرُ
وَأَنْشَدَهُ مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ:
رَمَى الْبَيْنُ مِنْ قَلْبِي السَّوَادَ فَأَوْجَعَا ... وَصَاحَ فَصِيحَ بِالرَّحِيلِ فَأَسْمَعَا
وَغَرَّدَ حَادِي الرَّكْبِ، وَانْشَقَّتِ الْعَصَا ... وَأَصْبَحْتُ مَسْلُوبَ الْفُؤَادِ مُفْجَعًا
كَفَى حُزْنًا مِنْ حَادِثِ الدَّهْرِ إنني ... أرى البين لا أَسْتَطِيعُ لِلْبَيْنِ مَدْفَعًا
وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ الْبَيْنِ بِالْبَيْنِ جَاهِلا ... فَيَا لَكَ بَيْنٌ مَا أَمَرَّ وَأَفْظَعَا
وَأَنْشَدَهُ أَبُو السَّائِبِ، وَغَيْرُهُ، فَقَالَ المهدي: لَأُغْنِيَنَّكُمْ فَأَجَازَهُمْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ، هَذِهِ رَوَاهَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الماجشون.
قال نِفْطَوَيْهِ: انْقَطَعَ الْمَهْدِيُّ عَنْ خَاصَّتِهِ فِي الصَّيْدِ، فَنَزَلَ يَبُولُ وَدَفَعَ إِلَى أَعْرَابِيٍّ فَرَسَهُ، فَاقْتَلَعَ مِنْ حِلْيَةِ السَّرْجَ، ثُمَّ تَلاحَقَتِ الْخَيْلُ فَأَحَاطَتْ بِهِ، فَهَرَبَ الأَعْرَابِيُّ، فَأَمَرَهُمْ بِرَدِّهِ، وَخَافَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: خُذُوا مَا أَخَذْنَا وَدَعُونَا نَذْهَبُ إِلَى خِزْيِ اللَّهِ وَنَارِهِ، فَصَاحَ بِهِ الْمَهْدِيُّ: تَعَالَ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَ فَرَسِكَ، فَضَحِكُوا وَقَالُوا: وَيْلُكَ، قُلْ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أو هذا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ أَرْضَاهُ هَذَا مِنِّي مَا يُرْضِينِي ذَلِكَ فِيهِ، وَلَكِنْ جَعَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ فِدَاءَهُ، وَجَعَلَنِي فِدَاءَهُمَا، فَضَحِكَ الْمَهْدِيُّ، وَطَابَ لَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بعشرة آلاف. -[506]-
وَحَكَى ابْنُ الأنبَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ أَنَّ الْمَهْدِيَّ أَعْطَى رَجُلا مَرَّةً مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ قَدْ شَكَا أَنَّ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
أَبُو حُذَافَةَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ، حَدَّثَنِي حَسَنٌ الْوَصِيفُ حَاجِبُ الْمَهْدِيِّ قَالَ: كُنَّا بِزُبَالَةَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَنَا عَاشِقٌ، فَدَعَا بِهِ فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: أَبُو مَيَّاسٍ، قَالَ: مَنْ عَشِيقَتُكَ؟ قَالَ: بِنْتُ عَمِّي. وَقَدْ أَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا، قَالَ: لَعَلَّهُ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا؟ قَالَ: لا، أَنَا أَكْثَرُ مِنْهُ مَالا، قَالَ: فَمَا الْقِصَّةُ؟ قَالَ: أَدْنِ مِنِّي رَأْسَكَ، قَالَ: فَضَحِكَ الْمَهْدِيُّ وَأَصْغَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي هَجِينٌ، قَالَ: لَيْسَ يَضُرُّكَ ذَاكَ، إِخْوَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُهُمْ هُجُنٌ - يَعْنِي أَوْلادَ إِمَاءٍ - يَا غُلامُ: عَلَيَّ بِعَمِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَإِذَا أَشْبَهُ خَلْقٍ بِأَبِي مَيَّاسٍ كَأَنَّهُمَا بَاقِلاةٌ فُلِقَتْ، فَقَالَ: لِمَ لا تُزَوِّجُ أَبَا مَيَّاسٍ وَلَهُ أَدَبٌ وَأَنْتَ عَمُّهُ؟ قَالَ: إِنَّهُ هَجِينٌ، قَالَ: فَإِخْوَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلَدُهُ أَكْثَرُهُمْ هُجُنٌ، فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُنْقِصُهُ، زَوِّجْهُ، فَقَدْ أَصْدَقْتُهَا عَنْهُ عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا فَأَنْشَدَ:
ابْتَعْتُ ظَبْيةً بِالْغَلاءِ، وَإِنَّمَا ... يُعْطَى الْغَلاءُ بِمِثْلِهَا أَمْثَالِي
وَتَرَكْتُ أَسْوَاقَ الْقِبَاحِ لِأَهْلِهَا ... إِنَّ الْقِبَاحَ وَإِنْ رَخُصْنَ غَوَالِي
قَالَ الزُّبَيْرُ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ الْخَيَّاطُ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الْخَيَّاطِ الْمَكِّيُّ الشَّاعِرُ عَلَى الْمَهْدِيِّ وَقَدْ مَدَحَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا قَبَضَهَا فَرَّقَهَا عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ:
أَخَذْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الْغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
فَلا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى ... أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي
فَنُمِيَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَعْطَاهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ دِينَارًا.
وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ لَمَّا أَنْشَدَ الْمَهْدِيَّ قَصِيدَتَهُ السَّائِرَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا:
صَحَا بَعْدَ جَهْلٍ وَاسْتَرَاحَتْ عَوَاذِلُهُ.
قَالَ: وَيْلُكَ، كَمْ بَيْتٍ هِيَ؟ قَالَ: سَبْعُونَ بَيْتًا، قَالَ: لَكَ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفًا. -[507]-
وَفِيهَا:
كَفَاكُمْ بِعَبَّاسٍ أَبِي الْفَضْلِ وَالِدًا ... فَمَا مِنْ أَبٍ إِلا أَبُو الْفَضْلِ فَاضِلُهُ
كَانَ أمير المؤمنين محمدا ... أبا جَعْفَرٍ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُحَاوِلُهُ
إِلَيْكَ قَصَرْنَا النِّصْفَ مِنْ صَلَوَاتِنَا ... مَسِيرَةَ شَهْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ نُوَاصِلُهُ
فَلا نَحْنُ نَخْشَى أَنْ يَخِيبَ مَسِيرُنَا ... إِلَيْكَ وَلَكِنْ أَهْنَأُ الْبِرِّ عَاجِلُهُ
فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: عَجِّلُوهَا لَهُ.
الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَانَ مُسْتَهْتِرًا بِالْخَيْزُرَانِ، لا يَكَادُ يُفَارِقُهَا فِي مَجْلِسٍ يَلْهُو بِهِ.
عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ قَالَ: كَانَتْ لِلْمَهْدِيِّ جَارِيَةٌ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَتْ شَدِيدَةَ الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَتَغْتَاظُ، وَتُؤْذِيهِ، فقال فيها:
أَرَى مَاءً وَبِي عَطَشٌ شَدِيدٌ ... وَلَكِنْ لا سَبِيلَ إِلَى الْوُرُودِ
أَرَاحَ اللَّهُ مِنْ بَدَنِي فُؤَادِي ... وَعَجَّلَ بِي إِلَى دَارِ الْخُلُودِ
أَمَا يَكْفِيكِ أَنَّكِ تَمْلِكِينِي ... وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدِي؟
وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي وَرِجْلِي ... لَقُلْتُ مِنَ الرِّضَا: أَحْسَنْتِ زِيدِي
وَالْمَهْدِيُّ كَغَيْرِهِ مِنْ عُمُومِ الْخَلائِفِ وَالْمُلُوكِ، لَهُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، كَانَ مُنْهَمِكًا فِي اللَّذَّاتِ وَاللَّهْوِ وَالْصَيْدِ، وَلَكِنَّهُ مُسْلِمٌ خَائِفٌ مِنَ اللَّهِ، قَدْ تَتَّبَعَ الزَّنَادِقَةَ وَأَبَادَ خَلْقًا مِنْهُمْ. فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عطاء بْنُ مُقَدَّمٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ الْمَهْدِيَّ قَالَ لابنِهِ الْهَادِي يَوْمًا وَقَدْ قُدِّمَ إِلَيْهِ زِنْدِيقٌ فَاسْتَتَابَهُ فَلَمْ يَتُبْ فَضَرَبَ عُنُقَهُ: يَا بُنَيَّ إِنْ وُلِّيتَ فَتَجَرَّدْ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ - يَعْنِي أَصْحَابَ مَانِي - فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى ظَاهِرٍ حَسَنٍ؛ كَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ، وَالزُّهْدِ، وَالْعَمَلِ لِلآخِرَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرِجُونَ النَّاسَ إِلَى تَحْرِيمِ اللُّحُومِ، وَمَسِّ الْمَاءِ لِلتَّطَهُّرِ، وَتَرْكِ قَتْلِ الْهَوَامِّ تَحَرُّجًا وَتَأَثُّمًا، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا إِلَى عِبَادَةِ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالآخَرُ الظُّلْمَةُ، ثُمَّ يُبِيحُونَ نِكَاحَ الأُخْتِ وَالْبِنْتِ، وَالْغُسْلَ بِالْبَوْلِ، فَجَرِّدْ فِيهِمُ السَّيْفَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ جَدَّكَ الْعَبَّاسَ فِي الْمَنَامِ فَقَلَّدَنِي سَيْفَيْنِ، وَأَمَرَنِي بِقَتْلِ أَصْحَابِ الاثْنَيْنِ.
-[508]-
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَسَّمَ الْمَهْدِيُّ قَسْمًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَأَصَابَ مَشْيَخَةَ بَنِي هَاشِمٍ أَكْثَرُهُمْ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ دِينَارًا، وَأَقَلُّ مَنْ أَصَابَهُ مِنَ الْقِسْمَةِ مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ مَوَالِيهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَكَانَ عِدَّةُ الَّذِينَ أَخَذُوا ثَمَانِينَ أَلْفَ إِنْسَانٍ.
عَنْ: عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ الأَمِيرِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ الْمَهْدِيِّ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا اسْتَيْقَظَ بَاكِيًا، رَأَى كَأَنَّ شَيْخًا يَقُولُ لَهُ:
كَأَنَّنِي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ ... وَأَوْحَشَ مِنْهُ رُكْنُهُ وَمَنَازِلُهُ
وَصَارَ عَمِيدُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ ... وَمُلْكٍ إِلَى قَبْرٍ عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ
فَلَمْ يَبْقَ إلا ذكره وحديثه ... تنادي بليل معولات حلائله
تزود من الدينا فإنك ميت ... وإنك مسؤول فَمَا أَنْتَ قَائِلُهُ
قَالَ الْفَلاسُ: مَلَكَ الْمَهْدِيُّ عشر سنين وشهرا ونصف، وَمَاتَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وستين ومائة.
قالوا: ومات بماسبذان، وعاش ثَلاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَعَقَدَ بِالأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لابْنَيْهِ مُوسَى الْهَادِي، ثُمَّ هَارُونَ الرَّشِيدِ.

155 - 4 م متابعة: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العدوي العمري المدني،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

155 - 4 م متابعة: عبد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيُّ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ، [الوفاة: 171 - 180 ه]
أَحَدُ -[664]- أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَاصِمٍ وَأَبِي بَكْرٍ.
رَوَى عَنْ: سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَنَافِعٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، وَوُهَيْبِ بْنِ كَيْسَانَ، وَأَخِيهِ، وَطَائِفَةٍ.
وَعَنْهُ: وَكِيعٌ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَإِسْحَاقُ الْفَرَوِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الأُوَيْسِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو مُصْعَبٍ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ.
وَكَانَ رَجُلا صَالِحًا عَالِمًا خَيِّرًا صَالِحَ الْحَدِيثِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: صُوَيْلِحٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: ضَعِيفٌ.
وَقَالَ الْفَلاسُ: كَانَ يَحْيَى لا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ يُحَدِّثُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلا صَالِحًا، كَانَ يُسْأَلُ فِي حَيَاةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَدِيثِ فَيَقُولُ: أَمَّا وَأَبُو عُثْمَانَ حَيٌّ فَلا، يُرِيدُ عُبَيْدَ اللَّهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَزِيدُ فِي الأَسَانِيدِ وَيُخَالِفُ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ".
وَبِهِ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ ".
قلت: وروى ابن ماجة عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَهْلَ قباء كانوا -[665]- يَجْمَعُونَ. وَبِهِ روى ابن ماجة مَرْفُوعًا قَالَ: " لا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلالَ ".
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَسَاكِرَ قال: أنبأنا عبد البر الهمذاني قال: أخبرنا أبو الخير الباغبان قال: أخبرنا أبو عمرو بن مندة قال: أخبرنا الحسن بن يوة قال: أخبرنا أحمد بن محمد اللنباني قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثنا الفضل بن سهل قال: حدثنا موسى بن هلال قال: حدثنا عَبْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: " من زار قبري فقد وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي ".
تَفَرَّدَ بِهِ مُوسَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ وَلا يتابع عليه، حدثنا مطين قال: حدثنا جعفر بن محمد البزوري قال: حدثنا مُوسَى بْنُ هِلالٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر، فذكره.
أخبرنا أبو الحسن الهاشمي قال: أخبرنا ابن روزبة قال: أخبرنا أبو الوقت قال: أخبرنا أبو إسماعيل الأنصاري قال: أخبرنا أبو الحسين ابن العالي قال: حدثنا بشر بن أحمد قال: حدثنا ابن ناجية قال: حدثنا عبيد بن محمد الوراق قال: حدثنا مُوسَى بْنُ هِلالٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي ".
وَرَوَاهُ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيُّ عَنْ عُبَيْدٍ مِثْلَهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَفِي الْبَابِ الأَخْبَارِ اللَّيِّنَةِ مِمَّا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًا، لِأَنَّ مَا فِي رُوَاتِهَا مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ، -[666]- وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ أَجْوَدِهَا إِسْنَادًا مَا صَحَّ عن وكيع قال: حدثنا ابْنُ عَوْنٍ وَغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَسْوَدَ بْنِ ميمون، عن هارون بن أبي قزعة، عَنْ حَاطِبٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي ".
وَقَالَ الطَّيَالِسِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ ": حدثني سوار بن ميمون العبدي قال: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ زَارَ قَبْرِي - أَوْ قَالَ: مَنْ زَارَنِي - كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا. . . " الْحَدِيثَ.
وَقَدْ أَفْرَدْتُ أَحَادِيثَ الزِّيَارَةِ فِي جُزْءٍ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لا يَبْلُغُ حَدِيثُهُ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لا بَأْسَ بِهِ فِي رِوَايَاتِهِ، وَلا يَلْحَقُ أَخَاهُ.
قُلْتُ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.

148 - العباس بن الحسن بن عبيد الله بن عباس ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أبو الفضل العلوي المدني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

148 - العباس بن الحسن بْن عُبَيْد الله بْن عَبَّاس ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أبو الفضل العلويُّ المدنيُّ. [الوفاة: 191 - 200 ه]
قِدم بغدادَ في دولة الرشيد وبقي في صحبته، ثمّ صحِب بعده ولدَه المأمون. وكان شاعرًا بليغًا مفوّهًا حتّى قِيلَ: إنّه أشعر آل أبي طَالِب كلّهم.

296 - الأمين أمير المؤمنين، أبو عبد الله محمد ابن الرشيد هارون ابن المهدي محمد ابن المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

296 - الأمين أمير المؤمنين، أبو عبد الله محمد ابْن الرشيد هارون ابْن المهديّ محمد ابْن المنصور عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ العباسيُّ البغداديُّ. [الوفاة: 191 - 200 ه]
كَانَ وُلّي عهد أَبِيهِ، فولي الخلافة بعد موت أَبِيهِ، وكان مِن أحسن الشباب صورة، أبيض، طويلا، جميلا، ذا قوّة مُفْرِطة، وبطْش وشجاعة معروفة، وفصاحة، وأدب، وفضيلة، وبلاغة، لكن كان سيئ التدبير، كثير التبذير، ضعيف الرأي، أرعن، لا يصلُح للإمارة.
ومن شدّته قِيلَ: إنّه قتل مرة أسدا بيديه، وهذا شيء عجيب.
وَوَرَد أنّه كتب بخطّهِ رُقعة إلى طاهر بْن الحسين فيها: يا طاهر، ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقّنا، فكان جزاؤه عندنا إلا السيف، فانظر لنفسك أو دَعْ، قَالَ: فلم يزل طاهر يتبيّن موقع الرُّقعة منه.
قلت: وكان طاهر قد انتُدب لحربه مِن جهة أخيه المأمون، فكتب لَهُ هذه الورقة، وهي غاية في التخذيل؛ لأنه لوّح فيها بأبي مُسْلِم، وأمثاله الذين بذلوا -[1202]- نفوسهم في النُّصْحِ، فكان مآلُهُم إلى القتل.
قَالَ المسعوديّ: إلى وقتنا هذا، ما وُلّي الخلافة هاشمي ابن هاشمية، سوى علي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ومحمد بْن زُبَيْدة، يعني الأمين.
وقد مر في الحوادث دولة الأمين وحروبه وما صار إِليْهِ.
وكنّاه بعضهم أبا موسى.
عاش سبْعًا وعشرين سنة. وآخر أمره خُلِع ثمّ أُسِر وقُتِل صبرًا في المحرَّم سنة ثمانٍ وتسعين ومائة بظاهر بغداد، وطيف برأسه.
الصولي: حدثنا أبو العيناء: قال: حدَّثني محمد بْن عَمْرو الرُّوميّ قَالَ: خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه، فجلس يبكي، وجعل الأمين يمسح الدم عَنْ وجهه ثمّ قَالَ:
ضربوا قُرَّةَ عيني ... مِن أجلي ضربوه
أخذ الله لقلبي ... مِن أُناسٍ احرقوه
قَالَ: ولم يؤاته طبعه لزيادة، فأحضر عَبْد الله بْن أيّوب التَّيْميّ الشّاعر، وقال لَهُ: قلَّ عليهما، فقال:
ما لمن أهوى شَبيهُ ... فَبِهِ الدنيا تتيهُ
وَصْلُهُ حُلْوٌ ولكن ... هجرهُ مُرٌّ كريهُ
مَنْ رَأَى الناسُ لَهُ ... فضلا عليهم حَسَدوهُ
مثل ما قد حسد القا ... ئم بالمُلْك أَخُوهُ
فقال الأمين: أحسنَت والله، بحياتي، يا عبّاسيّ أنظر، فإنْ كَانَ جاء عَلَى ظهر فأوقره لَهُ، وإن كَانَ جاء في زورق فأوقره له. قال: فأوقر له ثلاثة أبغل دراهم.
وقيل: إنّ سليمان بْن منصور رفع إلى الأمين أنّ أبا نواس هجاه، فقال: يا عمّ أأقتله بعد قوله:
أهدي الثَّناء إلى الأمينِ محمدٍ ... ما بعده بتجارةٍ متربَّصُ
صَدَقَ الثَّناءُ عَلَى الأمين محمدٍ ... ومِن الثناء تكذب وتخرص -[1203]-
قد يَنْقُصُ البدرُ المنيرُ إذا اسْتَوَى ... وبهاءُ نورِ محمدٍ ما ينقُصُ
وإذا بُنوا المنصورِ عُدّ حَصَاهُم ... فمحمدٌ ياقوتُها المتخلَّصُ
فغضب سليمان، فقال الأمين: فكيف يا عمّ أعمل بقوله، وأنشده أبياتًا أخَر، ثمّ أبياتًا، ثمّ أرضى سليمان بحبْس أَبِي نُواس.
وكانت خلافته أربع سنين وأيامًا.

331 - الرشيد هارون، أمير المؤمنين أبو جعفر بن محمد المهدي ابن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

331 - الرشيد هارون، أمير المؤمنين أبو جعفر بْن محمد المهديّ ابن المنصور أَبِي جعفر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عبد الله بن عباس، العبّاسيُّ البغداديُّ. [الوفاة: 191 - 200 ه]
استُخْلِف بعهدٍ مِن أبيه سنة سبعين ومائة عند موت أخيه الهادي.
حَدَّثَ عَنْ: أَبِيهِ، وجدّه المنصور، ومبارك بن فضالة.
رَوَى عَنْهُ: ابنه المأمون وغيره.
وكان من أميز الخلفاء وأجل ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحج كما قيل فيه:
فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ ... فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ
مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة، وأمه أم ولد، واسمها الخَيْزُران.
وكان أبيض طويلا جميلا مليحًا، مُسمَّنًا، فصيحًا، لَهُ نظر في العِلْم والآداب، وقد وَخَطَه الشَّيْب. أغزاه والده أرضَ الروم وهو ابن خمس عشرة سنة.
وبلغني أنّه كَانَ يصلّي في خلافته في اليوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدّق كلَّ يوم مِن صُلْب ماله بألف درهم، فالله أعلم.
وكان يحبّ العِلْم وأهله، ويُعظَّم حُرُمات الإسلام، ويبغض المِراء في الدّين والكلام في معارضة النَّصّ، وكان يبكي عَلَى نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيّما إذا وُعِظ. وكان يحبّ المديح ويُجيز عليه الأموال الجليلة، وله شعرٌ يروق.
دخل عَليْهِ مرّةً ابن السّمّاك الواعظ، فبالَغَ في احترامه، فقال لَهُ ابن السّمّاك: تواضُعك في شرفك أشرفُ مِن شَرَفك. ثمّ وعظه فأبكاه، وقد وعظه -[1224]- الفُضَيْل بْن عياض حتى جعل يشهق بالبكاء، وكان هُوَ أتى بنفسه إلى بيت الفُضَيْل.
ومن محاسنه أنّه لمّا بلغه موتُ ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يُعَزُّوه في ابن المبارك.
قَالَ نِفْطَوَيْه في تاريخه: حكى بعض أصحاب الرّشيد أنّ الرشيد كَانَ يصلّي في اليوم مائة ركعة، لم يتركها إلا لِعلّة، وكان يقتفي آثار جدّه أَبِي جعفر، إلا في الحرص.
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ: مَا ذَكَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ إِلا قَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي. وَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَى ثم أقتل " فبكى حتى انتحب.
عن خُرَّزاذ القائد قَالَ: كنت عند الرشيد، فدخل أبو معاوية الضّرير وعنده رَجُل مِن وجوه قريش، فذكر أبو معاوية حديث: " احتجّ آدمُ وموسى "، فقال الْقُرَشِيّ: فأين لِقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النَّطْع والسيّف، زنديق يطعن في حديث النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فما زال أبو معاوية يُسَكَّنه ويقول: يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة، حتّى سكن.
وعن أَبِي معاوية قَالَ: أكلت مَعَ الرشيد يومًا، ثمّ صَبَّ عَلَى يديّ رجلٌ لا أعرفه. ثمّ قَالَ الرشيد: تدري مِن يصبّ عليك؟ قلت: لا. قَالَ: أَنَا، إجلالا للعِلم.
وقال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذّكِر مِن ثلاثة؛ الفُضَيْل بْن عِياض، والرشيد، وآخر.
وقال عُبَيْد الله القَواريريّ: لمّا لقي الرشيد فضيلا قَالَ لَهُ: يا حَسَن الوجه، أنت المسؤول عن هذه الأمة، حدثنا ليث، عَنْ مجاهد: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) قَالَ: الْوُصَلُ التي كانت بينهم في الدنيا. فجعل هارون يبكي ويشهق.
قَالَ الأصمعيّ: قَالَ لي الرشيد: يا أصمعيّ، ما أغفلك عنّا وأجفاك لنا؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما ألاقَتْني بلادٌ بعدك حتّى أتيتك. فسكتَ، فلمّا -[1225]- تفرّق الناسُ قَالَ: اجلس، فلم يبق سوى الغلمان، فقال: ما ألاقتني؟ فقال الأصمعيّ:
كفاك كفّ ما تُليق بدرهم ... جودًا وأخرى تُعْطِ بالسّيف الدّما
فقال: أحسنتَ، وهكذا فكنْ، وقَّرْنا في المَلأ وعَلَّمْنا في الخلاء. وأمر لي بخمسة آلاف دينار. رواها أبو حاتم عَنْهُ.
قَالَ الثعالبيّ في كتاب " لطائف المعارف ": قَالَ الصُّوليّ: خَلَف الرشيد مائة ألف ألف دينار. قَالَ الثعالبيّ: وحكى غيره أنّ الرشيد خَلَف مِن الأثاث والعين والورق والجوهر والدّوابّ ما قيمته مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
وفي " مروج " المسعوديّ قَالَ: رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القُلْزُم ممّا يلي الفَرَما، فقال لَهُ يحيى بْن خَالِد البرمكيّ: كَانَ يختطف الرومُ الناسَ مِن المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز، فتركه.
وَرُوِيَ عَنْ إسحاق المَوْصِليّ أنّ الرشيد أجازه مرّة بمائتي ألف درهم.
وعن العبّاس بْن الأحنف أنّ الرشيد قال في حظية له:
أَمَا يَكْفِيكِ أَنَّكِ تَمْلِكِينِي ... وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدِي
وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي وَرِجْلِي ... لَقُلْتُ مِن الهوى: أحسنت، زِيدي
قَالَ عَبْد الرّزّاق بْن همّام: كنتُ مَعَ الفُضَيْل بمكّة، فمرّ هارون فقال فُضَيْل: النّاسُ يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أمورًا عظامًا.
قَالَ الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره؛ وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بْن أَبِي حفصة، ونديمه العبّاس بْن محمد عمّ أَبِيهِ، وحاجبه الفضل بْن الربيع أَتْيَه الناسِ وأعظمهم، ومغّنيه إبراهيم المَوْصِليّ، وزوجته زُبَيدة.
ويُروَى أنّ الرشيد أعطى سُفْيان بْن عُيَيْنَة مرّة مائة ألف.
وأخبار الرشيد يطول شرحها، ومحاسنه جَمَّة، وله أخبار في الّلهْو واللَّذّات المحظورة والغناء، والله يسامحه.
قَالَ أبو محمد بْن حزم: أُراه كَانَ لا يشرب النّبيذ المختلف فيه إلا الخمر -[1226]- المتَّفق عَلَى تحريمها، ثمّ جاهر بها جهارًا قبيحًا.
قلت: تُوُفّي في الغزو بمدينة طُوس مِن خُراسان في ثالث شهر جُمَادَى الآخرة سنة ثلاثٍ وتسعين ومائة، وصلّي عَليْهِ ابنه صالح، ودُفِن بطوس، رحمه الله. عاش خمسًا وأربعين سنة.

274 - علية بنت أمير المؤمنين المهدي، أخت الرشيد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

274 - علية بنت أمير المؤمنين المهديّ، أخت الرشيد. [الوفاة: 201 - 210 ه]
اشتريت أمها مكنونة للمهدي بمائة ألف درهم، فأولدها علية في سنة ستين ومائة، وكانت عُلَيَّة من أحسن النساء وأظرفهن وأعقلهن، ذات صيانة وأدب بارع.
تزوجها موسى بْن عيسى بْن موسى بْن محمد العبّاسيّ، وكان الرشيد يبالغ في إكرامها واحترامها.
ولها ديوان شعر معروف بين الأدباء، عاشت خمسين سنة، وتوفيت في حدود العشر ومائتين.

376 - محمد ابن الرضا علي ابن الكاظم موسى ابن الصادق جعفر ابن الباقر محمد ابن زين العابدين علي ابن الشهيد الحسين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أبو جعفر الهاشمي الحسيني، كان يلقب بالجواد، وبالقانع، وبالمرتضى.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

376 - محمد ابن الرضا علي ابن الكاظم موسى ابن الصادق جعفر ابن الباقر محمد ابن زين العابدين علي ابن الشهيد الحسين ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أبو جعفر الهاشمي الحسيني، كان يلقب بالجواد، وبالقانع، وبالمرتضى. [الوفاة: 211 - 220 ه]
كان من سروات آل بيت النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، زوجه المأمون بابنته. وكان يبعث إليه إلى المدينة في العام أكثر من ألف ألف درهم، فلما مات المأمون، وفد هو -[447]- وزوجته عَلَى المعتصم فأكرمه وأجلّه.
وتُوُفّي ببغداد في آخر سنة عشرين شابّا طرِيًّا له خمسٌ وعشرون سنة.
وكان أحد الموصوفين بالسّخاء، ولذلك لُقِّب بالجواد.
وقبره عند قبر جدّه موسى.
وقيل: تُوُفّي في آخر سنة تسع عشرة، رحمه الله ورضي عنه.
وهو أحد الأئمة الاثنى عشر الذين تدّعي الشِّيعة فيهم العِصمة.
وكان مولده في سنة خمسٍ وتسعين ومائة.
ولما تُوُفّي حُمِلت زوجته أمُّ الفضل إلى دار عمّها المعتصم.

411 - محمد المعتصم بالله، أمير المؤمنين، أبو إسحاق بن هارون الرشيد ابن المهدي، الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

411 - محمد المعتصم بالله، أمير المؤمنين، أبو إسحاق بن هارون الرشيد ابن المهديّ، الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 221 - 230 ه]
وُلِدَ سنة ثمانين ومائة، وأُمَّه أمُّ ولد اسمُها ماردة.
رَوَى عَنْ: أبيه، وَعَنْ: أخيه المأمون.
رَوَى عَنْهُ: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون.
وبويع بعد المأمون بعَهْدٍ منه إليه في رابع عشر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين.
وكان أبيض، أصْهب اللحية طويلها، رَبْع القامة، مُشْرب الَّلون، ذا شجاعة وقوّة وهمّة عالية. وكانت خلافته ثمانية أعوام وثمانية أشهر، وكان عُرْيًا من العِلْم؛ فروى الصُّوليّ عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشميّ قال: كان مع المعتصم غلام في الكُتّاب يتعلّم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد، مات غلامك. قال: نعم يا سيّدي، واستراح من -[693]- الكُتّاب. فقال: وإن الكتّاب لَيَبْلغ منك هذا؟! دعوه؛ لا تعلّموه. قال: فكان يكتب ويقرأ قراءةً ضعيفة.
قال خليفة: حجّ بالنّاس أبو إسحاق ابن الرشيد سنة مائتين.
وقال الصولي: حدثنا عون بن محمد قال: رأيت المعتصم أوّل رَكْبةٍ رَكِبها ببغداد وهو خليفة حين قدِم من الشّام، وذلك أوّل يومٍ من رمضان سنة ثمان عشرة، وأحمد بن أبي دُؤَاد يُسايره، وهو مُقْبل عليه.
وقال أبو الفضل الرِّياشيّ: كتب ملك الروم - لعنه الله - إلى المعتصم يتهدّده، فأمرَ بجوابه، فلمّا قُرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمّا بعد، فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عُقْبَى الدار.
وقال أبو بكر الخطيب وغيره: غزا المعتصم بلاد الروم سنة ثلاثٍ وعشرين، فأنكى في العدّو نكايةً عظيمة، ونصَب على عَمّورِية المجانيق، وفتحها، وقتل ثلاثين ألفًا، وسبى مثلهم، وكان في سَبْيه ستّون بِطْريقًا، ثمّ أحرق عَمُّورِية.
قال خليفة: وفي هذه السنة أُتِيَ ببابَك الخُّرْميّ أسيرًا، فأمر بقطع أربعته وصلبه.
قلت: كان من أَهْيب الخلفاء وأعظمهم، لولا ما شان سُؤْددَه بامتحان العلماء بخلْق القرآن، نسأل الله السّلامة.
قال نفطويه: للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمّن، فإنه كان ثامن الخلفاء من بني العبّاس، ومَلَك ثمان سنين وثمانية أشهر، وفتح ثمانية فتوح؛ بلاد بابَك على يد الأفشين، وفتح عَمُّورِية بنفسه، والزُّطّ بعجيف، وبحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشّاري، وفتح مصر. وقتل ثمانية أعداء؛ بابَك، وباطيش، ومازَيار، ورئيس الزّنادقة، والأفشين، -[694]- وعُجَيْفًا، وقارون، وقائد الرافضة. وإنّما فتح مصر قبل خلافته.
وزاد غير نَفْطَوَيْه إنّه خَلّف من الذَّهب ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدّراهم مثلها. وقيل: ثمانية عشر ألف ألف، ومن الخيل ثمانين ألف فَرَس، وثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، وقيل: بل بلغ عدد غلمانه التُّرْك ثمانية عشر ألفًا.
وعن أحمد بن أبي دُؤاد قال: استخرجت من المعتصم في حَفر نهر الشّاش ألفي ألف، غير أنّه كان إذا غضب لا يُبالي من قتلَ.
وقال إسحاق المَوْصِليّ: دخلت عليه وعنده قَيْنَةٌ تغني، فقال: كيف تراها؟ قلت: تقهر الغناء برفق، وتجليه برِفْق، وتخرج من الشيء إلى أحسن منه، وفي صوتها شجى وشذور أحسن من در على النحور. فقال: صفتك لها أحسن منها ومن غنائها، خذها لك. فامتنعت لعلمي محبته لها، فوصلني بمقدار قيمتها.
وبَلَغَنا أنّ المعتصم لمّا تجهّز لغزو عَمُّورِيَة حكم المنّجمون أنّ ذلك طالَع نَحْس، وأنّه يُكْسَر، فكان من ظَفْرِه ونَصْرِه ما لم يَخْفَ، وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي قصيدته البديعة:
السَّيفُ أصدق إنباءً من الكُتُبِ ... في حَدّهِ الحَدُّ بين الْجِدّ والَّلعبِ
منها:
والعلم في شهب الأرماح لامعةً ... بين الخَمِيسَيْن لا في السَّبْعةِ الشُّهُبِ
أين الرواية أمّ أين النّجومُ وما ... صاغوه من زُخْرُفٍ فيها ومن كذِبِ
تخرُّصًا وأحاديثًا مُلَفْقَةً ... ليست بنَبْع إذا عُدَّت ولا غَرَبِ
وعن أحمد بن أبي دُؤَاد قال: كان المعتصم يُخرج ساعده إليّ ويقول: يا أبا عبد الله، عُضّ ساعدي بأكثر قوّتك. فأقول: ما تَطِيب نفسي. فيقول: إنه لا يضرني. فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسِنّة، فضلًا عن الأسنان.
وانصرف يومًا من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منتظما -[695]- بالخِيَم، فيها الْجُنْد، فإذا امرأة تبكي وتقول: ابني ابني. وإذا بعض الْجُنْد قد أخذ ولدها، فدعاه المعتصم، وأمره بردّ ابنها عليها، فأبى، فاستدناه، فدنا منه، فقبض عليه بيده، فسمعتُ صوت عظامه، ثمّ أطلقه فسقط، وأمر بإخراج الصّبيّ إلى أمّه.
وقال أحمد بن أبي طاهر: ذكر أحمد بن أبي دُؤَاد المعتصم يومًا، فأسهب في ذِكْرِه، وأطنب في وصْفه، وذكر من سعة أخلاقه ورضيّ أفعاله، وقال: كثيرًا ما كنتُ أُزامله في سفره.
قال أبو بكر الخطيب: ولكَثْرة عسكر المعتصم وضِيق بغداد عنه بنى سُرّ من رأى، وانتقل إليها فسكنها بعسكره، وسُمّيت العسكر، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وعن عليّ بن يحيى المنجّم قال: استتمّ عِدّة غلمان المعتصم الأتراك بضعة عشر ألفًا، وعُلِّق له خمسون ألف مِخْلاة، وذَلَّل العدَوّ بالنّواحي.
فيقال: إنه قال في مرض موته: {{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}}.
وقال المسعودي: وَزَرَ له ابن الزّيّات إلى آخر أيّامه، وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عليّ بن الْجَعْد قال: لمّا احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة، حَتّى صمت.
قال: وحدَّثني شيخ من قُريش أنّه جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلّق. قال: وكان أصهب اللحية جدا، طويلها.
قلت: وللمعتصم شعرٌ لا بأس به، وكلمات فصيحة.
قال نَفْطَوَيْه: فممّا يُرْوَى من كلامه: إذا شُغلت الألباب بالأداب، والعقول بالتعليم، تنبّهَت النفوس على محمود أمرها، وأبرز التّحريك حقائقها. -[696]-
قال نَفْطَوَيْه: وحُدِّثت أنّه كان من أشدّ النّاس بطْشًا، وأنّه جعل زَنْد رجلٍ بين إصبعيه فكسره.
وقال عبد الله بن حمدون النّديم، عن أبيه، سمع المعتصم يقول: عاقل عاقل مرّتين أحمق.
وقال إسحاق بن إبراهيم الأمير: واللهِ ما رأيت كالمعتصم رجلًا؛ لقد رأيته يملي كتابا، ويقرأ كتابا، ويعقد بيده، وإنّه لَيُنْشِدُ شعر أبي خِراش الهُذَليّ:
حَمِدتُ إلهِي بعد عُرْوَة إذ نجا ... خِراشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بعضِ
بلى إنّها تَعْفُو الكلوم، وإنما ... نوكل بالأدنى، وإنْ جلّ ما يمضي
ولم أدرِ من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سل عن ماجد محض
مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلةً بقِيَت من ربيع الأوّل سنة سبْعٍ وعشرين، وله سبْعٍ وأربعون سنة وسبعة أشهر.
قلت: فهذا يدلُ على أنّ مولده قبل سنة ثمانين بأشهُر، ودُفِنَ بسُرّ مَنْ رأي، وصلّى ابنه الواثق عليه.
ومِن أحسن ما سُمِع مِن المعتصم قوله إنْ صحّ عنه: اللهمّ إنّك تعلم أنّي أخافك من قِبَلي ولا أخافك من قِبَلك، وأرجوك من قِبَلك ولا أرجوك من قِبَلي.

466 - هارون الواثق بالله أبو جعفر، وقيل: أبو القاسم. أمير المؤمنين، ولد المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

466 - هارون الواثق بالله أَبُو جَعْفَر، وقيل: أَبُو القاسم. أمير المؤمنين، ولد المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بْن الرشيد هارون بْن المهديّ محمد بْن المنصور الهاشمي العباسيّ. [الوفاة: 231 - 240 ه]
وأُمُّه روميّة اسمها قراطيس، أدركت دولته.
ولي الأمر بعهدٍ من أَبِيهِ. ونقل إِسْمَاعِيل الخطبيّ أنّه وُلِدَ لَعشْرٍ بقين من شَعْبَان سنة ست وتسعين ومائة.
وقال يَحْيَى بْن أكثم: ما أحسَنَ أحدٌ إلى آل أَبِي طالب ما أحسن إليهم الواثق؛ ما مات وفيهم فقير.
وقال حمدون بْن إِسْمَاعِيل: كَانَ الواثق مليح الشِّعْر، وكان يُحبُّ خادمًا أُهْدِيّ لَهُ من مصر، فأغضبه الواثق يومًا، ثُمَّ إنه سمعه يَقُولُ لبعض الخَدَم: واللهِ إنّه لَيَرُوم أن أكلّمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق:
يا ذا الَّذِي بعذابي ظلّ مفتخرًا ... ما أنت إلّا مليكٌ جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجازينا عَلَى قَدَرٍ ... وإنْ أُفِقْ منه يومًا ما فسوف ترى
قَالَ الخطيب: كَانَ أَحْمَد بْن أَبِي دُؤاد قد استولى عَلَى الواثق وحمله -[951]- عَلَى التشدُّد فِي المحنة. ودعا النّاس إلى القول بِخلْق القرآن. ويُقال: إنّ الواثق رجع عن ذلك القول قبل موته.
وقال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إِبْرَاهِيم بْن أسباط بْن السَّكَن قَالَ: حُمِلَ رجلٌ فيمَن حُمِلَ، مُكَبَّلٌ بالحديد من بلاده، فأُدْخِلَ. فقال ابن أَبِي دُؤاد: تقولُ أَوْ أقول؟ قَالَ: هذا أوّل جوركم. أخرجتم النّاس من بلادهم، ودعوتموهم إلى شيء. لا، بل أقول. قَالَ: قُلْ. والواثق جالس. فقال: أخبرني عَنْ هذا الرأي الَّذِي دَعْوتُم النّاس إِلَيْهِ، أَعَلِمَهُ رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فلم يدعُ النَّاس إِلَيْهِ، أم شيء لم يَعْلَمْه؟ قَالَ: عَلِمَه. قَالَ: فكانَ يسعه أن لا يدعو النّاس إِلَيْهِ، وأنتم لا يسعكم. قَالَ: فبُهِتُوا. قَالَ: فاستضحك الواثق، وقام قابضًا عَلَى فمه، ودخل بيتًا ومدَّ رِجْليه وهو يَقُولُ: وَسِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أن يسكت عنه ولا يسعنا. فأمر أن يُعْطَى ثلاث مائة دينار، وأن يُردّ إلى بلده.
وعن طاهر بْن خَلَف: سمعتُ المهتدي بالله ابن الواثق يَقُولُ: كَانَ أَبِي إذا أراد أن يقتل رجلًا أَحْضَرَنا. فأُتِيَ بشيخ مخضوب مقيَّد، وقال أَبِي: ائذنوا لابن أَبِي دُؤاد وأصحابه. وأُدْخِلَ الشيخ فقال: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لا سلَم اللَّه عليك. قَالَ: بئس ما أدَّبك مؤدِّبُك. قَالَ اللَّه تعالى: " {{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ ردوها}} ".
قلت: هذه حكاية مُنْكرَة، ورُواتُها مَجاهيل، لكن نسوقها.
قَالَ: فقال ابن أَبِي دُؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلِّم. فقال لَهُ: كلِّمْهُ. فقال: يا شيخ ما تقولُ فِي القرآن؟ قَالَ: لِمَ تنصفني، ولي السؤال. قَالَ: سَلْ يا شيخ قَالَ: ما تقولُ فِي القرآن؟ قَالَ: مخلوق. قَالَ: هذا شيء عَلِمَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بَكْر وعمر والخلفاء، أم شيء لَم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله، شيء لَم يعلموهُ أَعَلِمْتَه أنت؟ قَالَ: فَخَجِل وقال: أقِلْنِي. قَالَ: والمسألةُ بِحالِها؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: شيء علمه رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: علمه. قال: علمه ولم يدع إليه الناس؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفلا وسِعَك ما وسِعَه ووسع الخلفاء بعده. فقام أبي فدخل الخلْوة، واستلقى وهو يَقُولُ: شيء لَم يعلمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا أَبُو بَكْرٍ، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ، عَلِمْته أنت؟ سبحان اللَّه؛ عَلِمُوه ولَم يدْعوا النّاس إِلَيْهِ، أفلا وسِعَك ما وسِعَهم؟ ثُمَّ أمر برفع قيود الشيخ، وأمر -[952]- له بأربع مائة دينار، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولَم يمتحن بعدها أحدًا.
وروى نحوًا من هذه الواقعة أَحْمَد بْن السِّنْديّ الحداد، عَنْ أَحْمَد بْن الممتنع، عَنْ صالِح بْن عليّ الهاشمي المنصوري، عن المهتدي بالله، قَالَ صالِح: حضرته وقد جلسَ للمتظلّمين، فنظرتُ إلى القَصَص تُقرأ عَلَيْهِ من أولّها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع عليها، ويختمها، فيسُرّني ذَلِكَ. وجعلت أنظر إِلَيْهِ، ففطِنَ، ونظر إليّ، فغضضت عَنْهُ، حتى كَانَ ذَلِكَ منه ومنّي مرارًا. فقال لي: يا صَالِح فِي نفسك شيء تحب أن تقوله؟ قلت: نعم. فلما انقضى المجلسُ أُدْخِلْتُ مجلسه فقالَ: تَقُولُ ما دار في نفسك أو أقوله؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين ما ترى. قَالَ: أقولُ: إنَّه قد استحسنتَ ما رأيتَ منّا فقلت: أيَّ خليفة خليفتنا، إن لَم يكن يَقُولُ القرآن مخلوق. فوردَ عَلَى قلبي أمرٌ عظيم، ثُمَّ قلت: يا نفس هَلْ تموتين قبل أجَلِك؟ فقلتُ: نعم. فأطرق ثُمَّ قَالَ: اسمع منّي، فَوَاللَّهِ لتسمعنّ الحقّ. فسُرّي عنّي وقلت: ومَن أولى بالحقّ منك وأنت خليفة ربّ العالمين، وابن عمّ سيد المرسلين؟ قَالَ: ما زلت أقول القرآن مخلوق صَدْرًا من خلافة الواثق، حتى أقدم شيخا من أذنة مقيدًا، وهو جميل حسَن الشَّيْبَة. فرأيتُ الواثق قد استحيا منه ورَقّ لَهُ. فما زال يُدْنيه حتَّى قرُبَ منه وجلسَ، فقال: ناظِر ابنَ أَبِي دُؤاد. فقال: يا أمير المؤمنين إنّه يَضْعُف عَنِ المناظرة. فغضبَ وقال: أبو عبد الله يضعف عَنْ مناظرتِكَ أنتَ؟ قَالَ: هَوِّن عليك، وائذن لي فِي مناظرته. فقال: ما دعوناك إلا لِهذا. فقال: احفظ عليّ وعليه، ثُمَّ قَالَ: يا أَحْمَد أخبرني عَنْ مقالتك هذه، هي مقالة واجبة فِي عقد الدّين، فلا يكون الدِّين كاملًا حتى يُقال فِيهِ بِما قلت؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأخبرني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثه اللَّه، هَلْ سَتَر شيئًا مِمّا أُمِرَ بِهِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فدَعا إلى مقالتِك هذه؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال: أخبرني عَنِ اللَّه تعالى حين قَالَ: {{الْيَوْمَ أكملت لكم دينكم}}. أكان الله هو الصادق في إكمال الدين، أو أنتَ الصّادق فِي نُقْصَانه، حتّى يُقال بِمقالتِكَ هذه؟ فسكت. فقال الشيخ: اثنتان. قَالَ الواثق: نعم. فقال: أخبرني عَنْ مقالتك هذه، أعَلِمَها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أم جَهِلَها؟ قَالَ: عَلِمَها. قَالَ: فدعا النّاسَ إليْهَا؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاثة. قَالَ: نعم. قال: فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ عَلِمها أن يُمسك عنها، ولَم يُطالب بها -[953]- أمته؟ قَالَ: نعم. قَالَ: واتسع لأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نعم. فأعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين قد قدَّمْتُ القول أنّ أَحْمَد يصبو ويضعُف عَنِ المناظرة. يا أمير المؤمنين إنْ لَمْ يتَّسع لك من الإمساك عَنْ هذه المقالة ما زعم هذا أَنَّهُ اتسع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ولأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فلا وسَّع اللَّه عليك. قَالَ الواثق: نعم كذا هُوَ. اقطعوا قيد الشيخ. فلمّا قطعوهُ ضرب الشيخ بيده في القيد فأخذه، فقال الواثق: لم أخذته؟ قال: لأنِّي نويتُ أن أتقدَّم إلى مَن أوصي له، إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كَفَني، حتى أخاصم بِهِ هذا الظّالِم عِنْدَ اللَّه يوم القيامة وأقول: يا رب لِمَ قيدني وروَّع أهلي؟ ثُمَّ بكى فبكى الواثق وبكينا. ثُمَّ سأله الواثق أن يجعله فِي حِلّ، وأمر لَهُ بصلة فقال: لا حاجة لي بِها.
قَالَ المهتدي بالله: فرجعت عَنْ هذه المقالة، وأظنّ أنّ الواثق رجعَ عنها من يومئذ.
وقال إِبْرَاهِيم نِفْطَوَيْه: حدَّثَنِي حامد بْن العبّاس، عَنْ رَجُل عَنِ المهتدي بالله، أنّ الواثق مات وقد تاب عَنِ القول بِخلْق القرآن.
وكان الواثق وافر الأدب. بَلَغَنَا أنّ جارية غنته بشعر العَرْجيّ:
أَظَلُومُ إنّ مُصَابَكُم رجُلًا ... ردَّ السّلامَ تَحيَّةً ظُلْمُ
فَمِن الحاضرين من صَوَّب نصْبَ رجُلًا، ومنهم من قَالَ: صوابها: رجل. فقالت: هكذا لقنني المازني. فطلب المازنيّ، فلمّا مثُل بين يدي الواثق، قَالَ: مِمّن الرجل؟ قَالَ: من بني مازن. قَالَ: أي الموازن، أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلتُ: مازن ربيعة. فكلّمني حينئذ بلغة قومي، فقال: با اسمك. لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهتُ أن أواجهه بِمَكرٍ، فقلتُ: بَكْر يا أمير المؤمنين. ففطِنَ لَها وأعجبته. فقال: ما تقول في هذا البيت. قلت: الوجه النصب. لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيدي يعارضني، قلت: هو بمنزلة إن ضربكم رجلا ظُلْمٌ. فالرجل مفعول مُصَابكم، والدليل عَلَيْهِ أن الكلام مُعلق، إلى أن تَقُولُ ظُلْمٌ فيتمّ. فأعجب الواثق، وأمر لي بألف دينار.
قَالَ ابن أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ الواثق أبيض، تعلوهُ صُفْرة، حسنَ اللحية، فِي عينيه نكتة. -[954]-
وقال زُرقان بْن أَبِي دُؤاد: لَمَّا احتضر الواثق جعل يردِّد هذين البيتين:
الموتُ فِيهِ جميعُ الخلْقِ مُشْتَركٌ ... لا سُوقَةٌ منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يُغْنِي عَنِ الأملاك ما مَلَكوا
ثُمَّ أمر بالبُسُط فطُويت، وألصق خدّه بالأرض، وجعل يَقُولُ: يا من لا يزول ملكه، ارْحَم من قد زَال مُلْكُه.
روى أَحْمَد بْن محمد الواثقي أمير البصرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كنتُ أحد من مرّض الواثق فِي عِلته، إذ لحقته غشيةٌ، فما شككنا أَنَّهُ مات. فقال بعضنا لبعض: تقدموا. فما جَسَر أحدٌ، فتقدَّمت أَنَا، فلمّا صرتُ عِنْدَ رأسه، وأردتُ أن أضعَ يدي عَلَى أنفه، لِحقَتْه إفَاقَةٌ، ففتح عينيه، فكدتُ أموتُ فزِعًا، من أن يراني قد مشيت إلى غير رُتْبتي، فرجعتُ إلى خَلْف، فتعلقت قبيعة سيفي بالعَتَبة، فعثرت عَلَى سيفي فاندقّ، وكاد أن يدخل فِي لحمي. فسلمتُ وخرجتُ، فاستدعيت سيفًا، وجئتُ فوقفتُ ساعة، فتلف الواثق تَلَفًا لم يُشك فِيهِ. فشددت لحيته وغمَّضْتُه وسجَّيْتُه، وجاء الفراشون، فأخذوا ما تحته يردوه إلى الخزائن؛ لأنه مثبت عليهم، وتُرِكَ وحده فِي البيت. فقال لي أَحْمَد بْن أَبِي دُؤاد القاضي: إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، وأحب أن تحفظه حتى أن يُدْفن، فأنتَ من أخصّهم بِهِ فِي حياتي. فرددت باب المجلس، وجلستُ عِنْدَ الباب، فحَسَسْتُ بعد ساعة بحركة فِي البيت أفزعتني، فدخلت، فإذا بِجرذون قد جاء فاستل عينه فأكلها، فقلت: لا إله إلا اللَّه، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندقّ سيفي هيبة لَهَا. قَالَ: وجاءوا فغسلوه، وأخبرت ابن أَبِي دُؤاد الخبر. قَالَ: والجرذون دابَة أكبر من اليربوع.
كانت خلافة الواثق خمس سنين، وثلاثة أشهر ونصف. ومات بسُرَّ منْ رَأَى، يوم الأربعاء، لست بقين من ذي الحجة، من سنة اثنتين وثلاثين، وبويع بعده المتوكل.

119 - جعفر المتوكل على الله. أمير المؤمنين أبو الفضل ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

119 - جعفر المتوكّل على الله. أمير المؤمنين أبو الفضل ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العبّاسيّ البَغْداديُّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]
وُلِدَ سنة خمسٍ ومائتين، وبُويع فِي ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين بعد الواثق. وقيل: بل وُلِدَ سنة سبْعٍ ومائتين.
حكي عن أبيه، ويحيى بْن أكثم.
وَعَنْهُ: علي بن الجهم الشاعر، وغيره.
وكان أسمر، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب. وأمه أمّ ولد اسمها: شُجاع.
قال خليفة: استخلف المتوكّل، فأظهر السنة، وتكلم بها فِي مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة، وَبَسَطَها ونصر أهلها، يعني محنة خلْق القرآن.
وقد قدِم دمشق فِي صفر سنة أربعٍ وأربعين وعزم على المُقام بها وأعجبته، ونقل دواوين المُلْك إليها. وأمر بالبناء بها. وأمر للأتراك بما أرضاهم من الأموال، وبنى قصرا كبيرًا بدَارَيّا من جهة المِزَّة.
قال عليّ بْن الْجَهْم: كانت للمتوكّل جُمّة إلى شحمة أُذُنَيه كأبيه وعمّه.
وقال ابن أبي الدّنيا: أمّ المتوكّل أم ولد اسمُها شجاع.
وقال الفَسَويّ: بُويع له لستٍّ بقين من ذي الحجة، وخرج من دمشق المتوكّل بعد إقامة شهرين وأيّام، ورجع إلى سامرّاء دار ملكه على طريق الفُرات، وعرّج من الأنبار. وقيل: إنّ إسرائيل بْن زكريّا الطبيب نعتَ له دمشق، وأنها توافق مزاجَه وتُذْهِبُ عَنْهُ العِلَل التي تَعْرِض له فِي الصَّيْف بالعراق.
وقال خليفة: حجّ المتوكّل بالنّاس قبل الخلافة -[1098]- فِي سنة سبْعٍ وعشرين.
وكان إبراهيم بْن محمد التيَّمِيُّ قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز فِي ردّ مظالم بني أُميّة، والمتوكّل فِي مَحْو البِدَع وإظهار السنة.
وقال يزيد بْن محمد المهلَّبيّ: قال لي المتوكّل: يا مُهَلَّبيّ، إنّ الخلفاء كانت تتصعَّب على النّاس ليطيعوهم، وأنا ألين لهم ليحبّوني ويُطيعوني.
وحكى الأعسم أنّ عليّ بْن الْجَهْم دخل على المتوكّل وبيده دِرَّتان يقلِّبهما، فأنشده قصيدةً له يقول فيها:
وإذا مررت ببئر عر ... وة فاسْقني من مائها
قال: فَدَحَا إليَّ بالدرّة، فقلَّبتها، فقال: تستنقص بها! وهي والله خيرٌ من مائة ألف. قلت: لا والله، ولكنّي فكّرت فِي أبياتٍ أعملها آخذ بها الأخرى. فقال: قل. فأنشأت أقول:
بِسُرّ مَن رَأَى إمامٌ عدْلٌ ... تغرف من بحره البحارُ
يُرْجَى ويُخْشَى لكلّ خَطْب ... كأنّه جنّةٌ ونارُ
المُلْكُ فِيهِ وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... عليه كِلتاهما تغارُ
لم تأتِ منه اليمينُ شيئا ... إلا أتت مثلها اليسار
قال: فدحاها إلي وقال: خُذْها، لَا بارَكَ اللَّه لك فِيها.
قَالَ الخطيب أبو بَكْر: ورُويت هذه الأبيات للبُحْتَريّ فِي المتوكّل.
وعن مروان بْن أبي الْجَنُوب أنّه مدح المتوكّل، فأمر له بمائة ألفٍ وعشرين ألفًا، وبخمسين ثوبًا.
وقال علي بْن الْجَهْم: كان المتوكّل مشغوفًا بقبيحةٍ لا يصبر عَنْها، فوقفت له يومًا، وقد كَتَبَتْ على خدّها بالغالية جَعْفَر. فتأمّلها ثُمَّ أنشأ يقول:
وكاتبةٍ فِي الخد بالمِسْك جعفرًا ... بنفسي مَحَطُّ المِسْكِ من حيثُ أثَّرا -[1099]-
لَئِنْ أَوْدَعَتْ سطرًا من المِسْك خدَّها ... لقد أَوْدَعَتْ قلبي من الحبّ أَسْطُرا
قد ورد عن المتوكل شيء من النصب.
ويقال: إنّه سلَّم عليه بالخلافة ثمانيةٌ كلّ واحد منهم أبوه خليفة: منصور ابن المهدي، والعباس ابن الهادي، وأبو أحمد ابن الرشيد، وعبد الله ابن الأمين، وموسى ابن المأمون، وأحمد ابن المعتصم، ومحمد ابن الواثق، وابنه المنتصر ابن المتوكّل، وكان جوادًا ممدحًا؛ ويقال: ما أعطى خليفةٌ شاعرًا ما أعطى المتوكل.
وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب:
فأمْسِك نَدَى كفّيك عنّي ولا تزِد ... فقد خِفْت أن أطغى وأن أتجبّرا
فقال: لا أُمْسِك حَتَّى يُغرقك جُودي.
وقد بايع بولاية العهد ولَده المنتصر، ثُمَّ إنّه أراد أن يعزله ويولّي المعتزّ أخاه لمحبّته لأمّه قبيحة، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى. وكان يُحضِره مجالس العامّة، ويحطّ منزلته ويتهدّده، ويشتمه ويتوعَّده.
واتّفق أن التُّرْك انحرفوا عن المتوكّل لكونه صادَر وصِيفًا وبُغا، وجرت أمور، فاتّفق الأتراك مع المنتصر على قتل أَبِيهِ. فدخل عليه خمسةٌ فِي جوف اللّيل وهو فِي مجلس لَهْوه فِي خامس شوّال، فقتلوه سنة سبَعٍ وأربعين.
وورد أنّ بعضهم رآه فِي النّومِ، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قَالَ: غفر لي بقليل من السنة أَحْيَيَتُها.
وقد كان المتوكّل منهمكًا فِي اللَّذّات والشُّرْب، فلعلّه رُحِمَ بالسنة، ولم يصح عنه النصب.
قال المسعودي: حدثنا ابن عرفة النحوي، قال: حدثنا المبرّد قال: قال المتوكّل لأبي الْحَسَن علي بْن محمد بْن علي بْن مُوسَى بْن جَعْفَر الصّادق: ما يقول ولدُ أبيك فِي الْعَبَّاس؟ قال: ما تقولُ يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله طاعة نبيه على خلُقه، وافترض طاعته على نبيّه.
وكان قد سُعي بأبي الْحَسَن إلى المتوكًل، وإنّ فِي منزله سلاحًا وكتبًا من أهل قُمّ، ومِن نيّته التَّوَثُّب. فكبس بيته ليلا، فوُجِد فِي بيتٍ عليه مدرّعة صوف، متوجّه إلى ربّه يقوم بآيات، فَأُخِذ كهيئته إلى المتوكل وهو يشرب، فأعظمه وأجلسه إلى جانبه -[1100]- وناوله الكأس فقال: ما خامر لحمي ودمي قطّ، فاعفِني منه، فأعفاه وقال: أنشِدْني شِعْرًا. فأنشده:
باتوا على قُلَل الأجبالَ تحرسهم ... غُلْبُ الرجال ولم تنفعهم القلل
الأبيات، فبكى والله المتوكّل طويلا، وأمَر برفع الشّراب، وقال: يا أبا الحسن لقد لينت منا قلوبًا قاسية. أعليك دَيْنٌ؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فأمَر له بها وردّه مكرَّمًا.
قتلة المتوكل.
حكى المسعوديّ أنّ بُغا الصّغير دعا بباغِر التُّركيّ، وكان باغر أهوج مِقْدامًا، فكلَّمه واختبره فِي أشياء، فوجده مُسارِعًا إليها، فقال: يا باغر هذا المنتصر قد صحّ عندي أنّه عامِلٌ على قتْلي، وأريد أن تقتله، فكيف قلبك؟ ففكّر طويلا ثُمَّ قال: هذا لا شيء، كيف نقتله وأبوه، يعني المتوكّل باقٍ، إذا يقتلكم أَبُوهُ. قال: فما الرأي عندك؟ قال: نبدأ بالأب. قال: ويْحك، وتفعل؟ قال: نعم، وهو الصّواب. قال: انظر ما تقول. وردّد عليه، فوجده ثابتًا، ثُمَّ قال له: فادخل أنت على أثري فإن قتلتُه وإلا فاقتُلْني وضَعْ سيفَك عليَّ وقُلْ: أراد أن يقتل مولاه. فتمّ التّدبير لبُغا فِي قتل المتوكّل.
حدَّث البُحْتُريّ قال: اجتمعنا فِي مجلس المتوكّل، فَذُكِر له سيف هِنْديّ، فبعث إلى اليمن فاشْتُرَى له بعشرة آلاف وأُتي به فأعجبه، ثُمَّ قال للفتح: ابغِني غلامًا أدفع إليه هذا السّيف لا يفارقْني به. فأقبل باغر التُّرْكيّ، فقال الفتح بْن خاقان: هذا موصوف بالشّجاعة والبسالة فدفع المتوكّل إليه السِّيف وزاد فِي أرزاقه، فوالله ما انتضى ذلك السّيف إلى ليلة ضربه به باغر. فلقد رَأَيْت من المتوكّل فِي اللّيلة التي قُتِل فيها عَجَبًا. تذاكَرْنا الكِبْر، فأخذ يذمُّه ويتبرّأ منه. ثُمَّ سجد وعفَّر وجهه بالتّراب، ونثر من التّراب على رأسه ولِحْيَته وقال: إنّما أَنَا عَبْدٌ. فتطيّرت له من التّراب. ثُمَّ جلس للشُّرْب، وعمل فِيهِ النّبيذ، وَغَنَّى صوتًا أعجبّه فبكى، فتطيّرت من بكائه. فإنّا فِي ذلك إذ بَعَثَتْ إليه قبيحة بخلُعة استَعْمَلَتْها له دُرَاعة حمراء خَزّ، ومُطْرَف خز، فلبسها، ثم تحرك فيه، فانشق فلفه، وقال: اذهبوا به ليكون كَفَني. فقلت: إنّا لله، انقضت والله المدّة، وسكر المتوكّل سكرًا شديدًا، ومضى من اللّيل ثلاثُ -[1101]- ساعات، إذ أقبل باغر ومعه عشرة متلثمين تبرق أسيافهم فهجموا علينا، وقصدوا المتوكّل. وصعِد باغر وآخر إلى السّرير، فصاح الفتح: ويلكم مولاكم. وتهارب الغلْمان والْجُلَساء والنُّدَماء على وجوههم، وبقي الفتح وحده، فما رَأَيْت أقوى نَفْسًا منه بقي يمانعهم، فسمعتُ صيحة المتوكّل وقد ضربه باغَر بالسّيف المذكور على عاتقه، فَقَدَّه إلى خاصِرته، وبعج الفتح آخرٌ بالسّيف، فأخرجه من ظهره، وهو صابر لا يزول، ثُمَّ طرح نفسه على المتوكّل، فماتا فلفا في بساط، وبقيا في تلك الليلة وعامّة النهار، ثُمَّ دُفِنا معًا.
وكان بُغا الصغير قد استوحش من المتوكّل لكلامٍ لَحِقَه منه. وكان المنتصر يتألف الأتراك لا سيّما مَن يبعده أَبُوهُ.
قال المسعوديّ: ونُقِل فِي قِتْلته غير ما ذكرنا. قال: وأنفق المتوكّل - فيما قيل - على الهارونيّ والْجَوْسَق والْجَعْفَريّ أكثر من مائتي ألف ألف دِرهم. ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئ الجميع؛ ومات وفي بيت المال أربعة آلاف ألف دينار، وسبعة آلاف دِرهم. ولا يُعلمُ أحدٌ متقدّم فِي جِدٍّ أو هَزْل إلا وقد حظي بدولته، ووصل إليه نصيب وافرٌ مِن المال.
ذكر محمد بْن أبي عَوْن قال: حضرت مجلس المتوكّل وعنده محمد بْن عبد الله بْن طاهر، فغمز المتوكّل مملوكًا مليحًا أن يسقى الْحُسَيْن بْن الضّحّاك الخليع كأسًا ويحييه بتُفّاحة عنبر. ففعل، فأنشأ الخليع يقول:
وكالدرة البيضاء حيا بعنبر ... من الورد يسعى في قراطق كالوردِ
له عَبَثاتٌ عند كلّ تحيّة ... بعينيه تستدعي الخَليَّ إلى الوجْدِ
تمّنيتُ أن أُسْقَى بكفّيه شُرْبةً ... تُذَكّرُني ما قد نسِيتُ من العهد
سقى اللَّه دَهْرًا لم أبِتْ فِيهِ ساعةً ... من الدَّهْرِ إلا من حبيبٍ على وعدِ
فقال المتوكل: أحسنت والله؛ يعطى لكل بيت ألف دينار.
ولما قتل رثته الشعراء، فمن ذلك قول يزيد المهلبي:
جاءت مَنيته والعينُ هاجعة ... هلا أَتَتْهُ المَنَايا والقنا قِصَدُ
خليفة لم يَنَلْ ما ناله أحدٌ ... ولم يُصَغْ مثله روحٌ ولا جَسَدٌ -[1102]-
قال علي بْن الجهم: أهدى ابن طاهر إلى المتوكل وصائف عدة فيها محبوبة، وكانت شاعرة عالمة بصنوف من العلم عوادة، فحلت من المتوكل محلا يفوق الوصف. فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير، فدخلت عليه يوما للمنادمة، فأمر بهتك الستر، وأمر القيان، فأقبلن يرفلن فِي الحلى والحلل. وأقبلت محبوبة فِي ثياب بيض، فجلست منكسرة، فقال: غن، فاعتلت. فأقسم عليها. وأمر بالعود فوضع فِي حجرها، فغنت ارتجالا على العود:
أيّ عَيْشٍ يلذّ لي ... لا أرى فِيهِ جعفرا
ملِك قد رَأَيُتُه ... فِي نجيعٍ معُفرا
كل مَن كان ذا خَبَا ... لٍ وسُقْمٍ فقد بَرَا
غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترا
لاشترته بما حوت ... ـه يداها لتُقْبرا
فغضب وأمر بها فسحبت، فكان آخر العهد بها.
وبويع المنتصر بالله ابن المتوكل صبيحتئذ بالقصر الجعفري، وسنه ثلاث وعشرون سنة.

403 - محمد المنتصر بالله، أمير المؤمنين أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد بن هارون الهاشمي العباسي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

403 - محمد المنتصر بالله، أمير المؤمنين أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد بن هارون الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]-[1217]-
وأمه أم ولد روميّة اسمها حَبَشِيّة، وكان أَعْيَن، أقنى، أسمر، مليح الوجه، مَضَبَّرا، رَبْعَةً، جسيما، كبير البْطن، مليحا، مَهِيبا.
ولمّا قُتل أَبُوهُ دخل عليه قاضي القُضاة جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الهاشميّ، فقيل له: بايع. فقال: وأين أمير المؤمنين المتوكًل على اللَّه؟ فقال: قتله الفتح بْن خاقان. قال: وما فُعِل بالفتح؟ قال: قتله بُغا. قال: فأنت وليّ الدّم وصاحب الثّأر. فبايعه، وبايعه الوزير والكبار. ثُمَّ صالح المنتصر بالله إخوته من ميراثهم على أربعة عشر ألف ألف درهم. ثُمَّ نفى عمّه عليّا من سامّراء إلى بغداد، ووكّل به.
وكان المنتصر وافر العقل، راغبا فِي الخير، قليل الظُّلْم، محسنا إلى العلويّين، وَصُولا لهم. وقيل: إنّه كان يقول: يا بُغا أَيْنَ أَبِي؟ مَن قَتَلَ أبي؟ ويسبّ الأتراك ويقول: هؤلاء قَتَلَة الخلفاء. فقال بُغا الصغير للذين قتلوا المتوكًل: ما لكم عند هذا رزق. فعملوا عليه وهمّوا به، فعجزوا عَنْهُ لأنّه كان مَهِيبًا شجاعا فطنا محترزا، فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طَيْفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه. فأشار بفَصْده، ثُمَّ فَصَده بريشةٍ مسمومة فمات. فيقال: إنّ ابن طَيْفُور نسي ومرض، فأمر غلامه يفصده بتلك الرّيشة، فمات أيضًا.
وقال بعض النّاس: بل حصل للمنتصر مرض فِي أُنْثَيَيْه، فمات فِي ثلاث ليالٍ، وقيل: مات بالخوانيق. وقيل: بل سُمّ فِي كُمِّثْراة بإبرة.
وجاء عَنْهُ أنّه قال في مرضه: ذهبت يا أماه مني الدّنيا والآخرة، عاجلتُ أَبِي فعُوجلت. وكان يُتَّهم بقتل أَبِيهِ.
وزر له أحمد بْن الخصيب أحد الظِّلَمَة.
وقال المسعوديّ: أزال المنتصر عن آل أبي طَالِب ما كانوا فِيه من الخوف والمحنة بمنْعهم من زيارة قبر الْحَسَين.
كان أبوه المتوكًل قد أمر بهدْم القبر، وأن يعاقب مَن وُجد هناك. فلمّا ولي المنتصر أمر بالكفّ عن آل أبي طَالِب وردّ فَدَك على آل الْحُسَيْن، فقال البُحْتُريّ:
وإنّ عليّا لأَوْلَى بكم ... وأزْكى يدًا عندكم من عمر -[1218]-
وكل له فضله والحجو ... ل يوم التّراهن دُون الغُرَرْ
وقال يزيد المهلَّبيّ:
ولقد بَرَرْتَ الطّالبيّةَ بعدما ... ذُمّوا زمانًا بعدها وزمانًا
ورَدَدْتَ أُلْفَة هاشم فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا
ثم إن المنتصر خلع أخويه: المعتزّ، وإبراهيم من ولاية العهد الَّذِي عقد لهم المتوكًل بعده.
ومن كلام المنتصر لما عفا عن الشّاري الخارجيّ المُكَنَّى بأبي العَمَرَّد: لَذَّة العفْو أعذب من لَذّة التَشفّي، وأقبح فعالِ المقتدر الانتقام.
قال المسعوديّ: وقد كان المنتصر أظهر الإنصاف فِي الرّعيّة، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبته.
وقال عليّ بْن يحيى المنجّم: ما رَأَيْت مثل المنتصر ولا أكرم أفعالا بغير تبجُّح منه. لقد رآني مغمومًا فسألني فَوَرَّيْت، فاستحلفني، فذكرت إضاقة لحِقتني فِي شراء ضيعة، فوصلني بعشرين ألفًا.
قلت: وحاصل الأمر أنّه لم يُمَتَّع بالخلافة، وهلك بعد أشهر معدودة. فإنّه ولي بعد عيد الفِطْر، ومات في خامس ربيع الآخر، وعاش ستّا وعشرين سنة، سامحه الله تعالى.
ذكر عليّ بْن يحيى المنجّم أنّ المنتصر جلس مجلسًا للهو، فرأى فِي بعض البُسُط دائرةً فيها فارس، عليه تاج، وحوله كتابة فارسيّة، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظر فيها فقطب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها. فألح عليه، فقال: مكتوب: أنا شيروية بْن كسرى بْن هرمز، قتلت أَبِي، فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر. فتغير وجه المنتصر وقام.
وقال جَعْفَر بْن عبد الواحد: قال لي المنتصر: يا جَعْفَر، لقد عوجلت، فما أسمع بأذني ولا أبصر بعيني. قاله في مرضه.

421 - محمد المعتز بالله، أمير المؤمنين أبو عبد الله. وقيل: اسمه الزبير ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد بالله هارون الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

421 - محمد المعتزّ بالله، أمير المؤمنين أبو عبد الله. وقيل: اسمه الزبير ابن المتوكّلُ عَلَى الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرّشيد بالله هارون الهاشميّ العباسيّ. [الوفاة: 251 - 260 ه]
وُلِد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ولم يَلِ الخلَافة قبله أحد أصغر منه. وكان أبيض جميلَا مُشْربًا بالحُمْرة، حَسَن الجسم، بديع الحُسْن.
قَالَ عَلِيّ بْن حَرْب الطّائيّ، وهو أحد شيوخ المعتزّ باللَّه فِي الحديث: دخلت على المعتز فما رأيت خليقة أحسن منه.
وأُمُّه أم وُلِد رومية. بويع عند عزل المستعين سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ابن تسع عشرة سنة، فِي أول السنة.
فلمّا كَانَ فِي رجب خلع أخاه المؤيدّ بالله من ولَاية العهد، وكتب بذلك إلى الآفاق. فلم يلبث المؤيد إلَا أيّامًا حتى مات. وخشي المعتزّ باللَّه أنْ يتحدث عَنْهُ أنّه قتله أو احتال عَلَيْهِ، فأحضر القُضاة حتى شاهدوه وليس بِهِ أثر. فالله أعلم.
وأمّا نفْطَوَيْه فقال: كَانَت خلَافته أربعٍ سنين وستة أشهر وأربعة عشر يومًا، منها بعد خلْع المستعين ثلَاث سنين وستة أشهر وثلَاثة وعشرين يومًا. ومات عَنْ أربعٍ وعشرين سنة.
وقال غيره: مات عَنْ ثلَاثٍ وعشرين سنة.
وكان المعتزّ باللَّه مستَضْعَفًا مَعَ الأتراك، فاتفق أنّ جماعة مِن كبارهم أتوْه وقالوا: يا أمير المؤمنين أَعْطِنا أرزاقنا لنقتل صالح بْن وصيف. وكان المعتزّ يخافه، فطلب من أمّه مالَا لينفقه فيهم، فأبتْ عَلَيْهِ وشحَّت نفسها، ولم يكن بقي فِي بيت الأموال شيء، فاجتمع الأتراك حينئذ واتفقوا عَلَى خلعه، -[170]- ووافقهم صالح بن وصيف وباكباك ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح وجاؤوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتز أنْ أخرج إلينا، فبعث يَقُولُ: قد شربت دواء وأنا ضعيف. فهجم عَلَيْهِ جماعة فجرّوا برِجْله وضربوه بالدبابيس، وأقاموه فِي الشمس فِي يوم صائف، فبقي المسكين يرفع قدمًا ويضع أخرى، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك. ثمّ أحضروا القاضي ابن أَبِي الشّوارب والشُّهود، وخلعوه. ثمّ أحضروا من بغداد إلى دار الخلَافة، وهي يومئذ سامراء، محمد ابن الواثق، وكان المعتزّ قد أبعده إلى بغداد. فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه، ولقبوه المهتدي باللَّه، رحمه اللَّه، فلقد كان من خيار الخلائف، ولكنّه لم يتمكّن أيضًا مِن الأمر. ثمّ إنّ الملأ أخذوا المعتزّ باللَّه بعد خمس ليالٍ من خلْعه، فأدخلوه الحمّام، فلمّا تغسل عطش وطلب الماء، فمنعوه حتى هلك وهو يطلب ماء. ثمّ أُخرج وهو ميت عطشًا، فسقوه ماءً بثلج، فشربه وسقط ميتًا. وذلك فِي شَعْبان سنة خمس وخمسين ومائتين

513 - محمد المهتدي بالله، الخليفة الصالح أمير المؤمنين أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله ابن الواثق بالله هارون ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

513 - محمد المهتدي بالله، الخليفة الصّالح أمير المؤمنين أَبُو إِسْحَاق، وقيل: أبو عبد الله ابن الواثق بالله هارون ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 251 - 260 ه]
وُلِد فِي خلَافة جدِّه سنة بضع عشرة ومائتين، وبُويع بالخلَافة لِلَيْلَةٍ بقيت مِن رجب سنة خمسٍ وخمسين، وله بضعٌ وثلَاثون سنة. وما قبِلَ بيعة أحدٍ حتّى أُتِيَ بالمعتز بالله، فلمّا رآه قام لَهُ وسلَّم عَلَى المعتزّ بالخلَافة، وجلس بين يديه. فجيء بالشُّهُود، فشهدوا عَلِيّ المعتزّ أنّه عاجز عَنِ الخلَافة، فاعترفَ بذلك ومدَّ يدَه فبايع المهتدي بالله، وهو ابن عمّه، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس وقال: لَا يجتمع سيفان فِي غَمْد. وتمثَّل بقول أَبِي ذُؤيب:
تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالدا ... وهل يُجمع السَّيفان وَيْحكِ فِي غَمْد؟.
وكان المهتدي بالله أسمر رقيقًا، مليح الوجْه، ورِعًا، متعبّدًا، عادلَا، قويًّا فِي أمر الله، بطلا شجاعًا، لكنّه لم يجد ناصرًا ولا مُعينًا عَلَى الخير.
قَالَ أَبُو بَكْر الخطيب: قَالَ أَبُو مُوسَى العبّاسيّ: لم يزل صائمًا منذ ولي إلى إن قُتِل.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس هاشم بْن القاسم: كنتُ بحضرة المهتدي عشيّةً فِي رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست. فتقدَّم فصلّى بنا، ودعا -[200]- بالطعام. فأحضر طبق خلاف وعليه رغف مِنَ الخُبْز النّقيّ، وفيه آنية فيها ملح وخل وزيت. فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانًا أنه سيؤتى بطعام. فنظر إلي وقال: ألم تك صائمًا؟ قلت: بلي. قَالَ: أَفَلَسْت عازمًا عَلَى الصَّوم؟ قلت: بلى، كيف لَا وهو رمضان. قَالَ: فكُلْ واستْوفِ، فليس هاهنا مِنَ الطعام غير ما ترى.
فعجِبْتُ ثمّ قلت: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قد أسبغ اللَّه نعمته عليك. فقال: إنّ الأمر لَعَلَى ما وصفت، ولكني فكّرتُ فِي أنّه كَانَ فِي بني أُمّية عُمَر بْن عَبْد العزيز، وكان مِنَ التَّقلُّل والتَّقَشُّف عَلَى ما بلغك، فغرتُ عَلَى بني هاشم، فأخذت نفسي بما رَأَيْت.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو النضر المروزي: قال: قَالَ لي جعْفَر بْن عَبْد الواحد: ذاكرتُ " المهتدي " بشيء، فقلت لَهُ: كَانَ أَحْمَد بْن حنبل يَقُولُ بِهِ، ولكنّه كَانَ يُخَالَف. كأني أشرتُ إلى من مضى من آبائه. فقال: رحم اللَّه أَحْمَد بْن حنبل، والله لو جازَ لي أن أتبرأ من أَبِي لتبرّأت منه. ثمّ قَالَ لي: تكلَّم بالحقّ وقُلْ بِهِ، فإنّ الرجل لَيَتَكلَّم بالحقّ فيَنْبل فِي عيني.
وقال ابن عرفة النَّحْويّ: حدَّثني بعض الهاشميين أَنَّهُ وجد للمهتدي سفَطٌ فِيهِ جُبّة صُوف وكِساء كَانَ يلبسه باللّيل ويصلّي فِيهِ. وكان قد اطَّرَح الملَاهي، وحرَّم الغناء. وحَسَمَ أصحاب السُّلْطان عَنِ الظُّلْم. وكان شديد الإشراف عَلَى أمر الدّواوين يجلس بنفسه، ويجلس الكُتّاب بين يديه فيعملون الحساب. وكان لَا يخل بالجلوس الخميس والاثنين. وقد ضرب جماعة مِنَ الرؤساء. ونفى جعْفَر بْن محمود إلى بغداد، وكرِه مكانه لأنّه نُسِبَ عنده إلى الرّفْض.
وأقبل مُوسَى بْن بُغَا مِنَ الرِّيّ يريد سامرّاء، فكرِه المهتدي مكانَه، وبعثَ إِلَيْهِ بعبد الصَّمد بْن مُوسَى الهاشميّ يأمره بالرجوع، فلم يفعل.
وحبس المهتدي الْحَسَن بْن محمد بْن أَبِي الشوارب، وولّى عَبْد الرَّحْمَن بْن نائل البصْريّ قضاء القُضاة، وانتهب منزل الكَرْخيّ.
وحجّ بالنّاس فِي خلَافته عَلَى بْن الْحَسَين بْن إِسْمَاعِيل الهاشميّ.
قلت: ذكرنا فِي الحوادث خروج الأتراك عَلَى المهتدي بالله، وكيف حاربهم بنفسه وجُرح. ثمّ أسروه وخلعوه، ثمّ قتلوه إلى رحمة اللَّه فِي رجب -[201]- سنة ست وخمسين، وكانت خلَافته سنة إلَا خمسة عشر يومًا، وقام بعده المعتمد عَلَى اللَّه.

190 - الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

190 - الحسن بن يحيى بن الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. [الوفاة: 261 - 270 ه]
توفي بالكوفة سنة ثمان وستين.
وكان شريفا صاحب قعدد.

9 - أحمد المعتمد على الله، أبو العباس أمير المؤمنين ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

9 - أَحْمَد المعتمد على الله، أبو الْعَبَّاس أمير المؤمنين ابنُ المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي. [الوفاة: 271 - 280 ه]
وُلِدَ سنة تسع وعشرين ومائتين بسر من رأي، وأمه رومية اسمها فتيان.
قال ابن أبي الدُّنيا: كان أسمر رقيق اللون، أعين، خفيفًا، لطيف اللحية، جميلًا. وُلِدَ فِي أول سنة تسعٍ، ومات ليلة الإثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين فجاءة ببغداد. وحمل فدفن بسامراء. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، والصواب: وثلاثة أيام.
قلت: استخلف بعد المهتدي بالله، وقد سار بنفسه لحرب يعقوب بْن اللَّيْث الصّفّار. فالتقاه بقرب دير العاقول، فنصر عليه، وهزم جيش الصّفّار أقبح هزيمة سنة اثنتين وستين. -[479]-
وقِيلَ: كان المعتمد مربوعًا نحيفًا. فَلَمَّا استخلف سمن وأسرع إليه الشيب.
مات بالقصر الحسني مع الندماء والمطربين، أكل فِي ذلك اليوم رؤوس الجداء، ومات في اليوم الثاني فجاءة. فَقِيلَ: إنّه سم فِي الرؤوس. ومات معه من أكل منها. وقيل: بل نام فغُمّ فِي بساط. وقِيلَ: سموه فِي كأس. فدخل عليه إِسْمَاعِيل القاضي وجماعة شهود، فلم يروا به أثرًا.
وكان منهمكا على اللذات. فاستولى أخوه الموفَّق على الأمور وقوي عليه، وانقهر معه المعتمد. ثُمَّ مات المعتمد وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه، من جهة المعتضد أيضًا ابنِ الموفَّق.
وكانت عريب جارية المعتمد قد وصلها أموال جزيلة من المعتمد، ولها فِيهِ مدائح.
وكان يتعانى المسكر ويعربد على الندماء.
واستخلف بعده المعتضد ابن الموفَّق.

46 - أحمد المعتضد بالله أمير المؤمنين أبو العباس ابن ولي العهد أبي أحمد طلحة الموفق بالله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

46 - أَحْمَد المُعْتَضِد بالله أمير المؤمنين أبو العَبَّاس ابن ولي العهد أبي أَحْمَد طلحة الموفق بالله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد الهاشمي العباسي. [الوفاة: 281 - 290 ه]
ولد في ذي القِعْدَة سنة اثنتين وأربعين ومائتين في دولة جده. وقدم دمشق سنة إحدى وسبعين لحرب خُمَارَوَيْه الطولوني؛ فالتقوا على حمص، فهزمهم أبو العَبَّاس. ثُمَّ دخل دمشق ومر بباب البريد، فالتفت فوقف ينظر إلى الجامع، فَقَالَ: أي شيء هَذَا؟ قَالُوا: الجامع. ثُمَّ نزل بظاهر دمشق بمحلة الراهب أيامًا، وسار فالتقى خُمَارَوَيْه عند الرملة.
واستخلف بعد عمه المعتمد في رجب سنة تسعٍ وسبعين وكان ملكًا شجاعًا مهيبًا، أسمر نحيفًا، معتدل الخلق، ظاهر الجبروت، وافر العقل، شديد الوطأة، من أفراد خلفاء بني العباس. كان يقدم على الأسد وحده لشجاعته.
قَالَ المسعودي: كان المُعْتَضِد قليل الرحمة؛ قِيلَ إِنَّهُ كان إِذَا غضب على قائد أمر بأن يحفر له حفيرة ويُلقى فيها، ويُطم عليه. قَالَ: وكان ذا سياسة عظيمة.
وعن عبد الله بن حمدون أن المُعْتَضِد تصيد فنزل إلى جانب مقثأة وأنا معه. فصاح الناطور، فَقَالَ: عَليّ به. فأُحضر فسأله، فَقَالَ: ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها. فجيء بهم فضربت أعناقهم في المقثأة من الغد. فكلمني بعد مدة، وَقَالَ: أصدقني فيما ينكر عَليّ النَّاس؟ قُلْتُ: الدماء. قَالَ: والله ما سفكت دمًا حرامًا منذ وليت. قُلْتُ: فلم قتلت أَحْمَد بن الطيب؟ قَالَ: دعاني إلى الإلحاد. قُلْتُ: فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة؟ قَالَ: والله ما قتلتهم، وإنما -[677]- قتلت لصوصًا قد قتلوا، وأوهمت أَنَّهُم هم.
وَقَالَ البَيْهَقِيّ، عن الحاكم، عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه، عن ابن سريج، عن إسْمَاعِيل القاضي قَالَ: دخلت على المُعْتَضِد، وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه روم، فنظرت إليهم، فرآني المُعْتَضِد أتأملهم، فَلَمَّا أردت القيام أشار إليَّ ثُمَّ قَالَ: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرامٍ قط. ودخلتُ مرة، فدفع إليَّ كتابا، فنظرت فيه، فَإِذَا قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنذيق. فَقَالَ: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قُلْتُ: بلى، ولكن من أباح المُسكر لم يبح المُتعة. ومن أباح المتعة لم يُبح الغناء. وما من عالم إِلا له زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه. فأمر بالكتاب فأُحرق.
وَقَالَ أبو علي المحسن التنوخي عن أبيه: بلغني عن المُعْتَضِد أَنَّهُ كان جالسًا في بيتٍ يُبنى له، فرأى في جملتهم أسود منكر الخلقة يصعد على السلالم درجتين درجتين، ويحمل ضعف ما يحملونه، فأنكر أمره، فأحضره وسأله عن سبب ذَلِكَ، فتلجلج. وكلمه ابن حمدون فيه وقال: من هَذَا حَتَّى صرفت فكرك إليه؟ قَالَ: قد وقع في خلدي أمر ما أحسبه باطلًا. ثُمَّ أمر به فضرب مائة، وتهدده بالقتل ودعا بالنطع والسيف، فَقَالَ: لي الأمان؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: أنا أعمل في أتون الآجر، فأتى عَليّ منذ شهور رجل في وسطه هميان، فتبعته. فجلس بين الآجر ولا يعلم بي، فحل هميانه وأخرج دنانير، فوثبت عليه وسددت فاه، وكتفته وألقيته في الأتون، والدنانير معي يقوى بها قلبي، فاستحضرها فَإِذَا على الهميان اسم صاحبه، فأمر فنودي في البلد، فجاءت امرأة فَقَالَتْ: هُوَ زوجي، ولي منه طفل. فسلم الذهب إليها، وَهُوَ ألف دينار، وضرب عنق الأسود.
قَالَ: وبلغني عن المُعْتَضِد أَنَّهُ قام في الليل فرأى بعض الغلمان المردان قد وثب على غلام أمرد، ثُمَّ دب على أربعة حَتَّى اندسّ بين الغلمان فجاء المعتضد فوضع يده على فؤاد واحد واحد حَتَّى وضع يده على ذَلِكَ الفاعل، فَإِذَا به يخفق، فوكزه برجله فجلس، فقتله. -[678]-
قَالَ: وبلغنا عنه أَنَّ خادمًا له أتاه فأخبره أَنَّ صيادًا أخرج شبكته، وَهُوَ يراه، فثقلت، فجذبها، وَإِذَا فيها جراب، فظنه مالًا، ففتحه فإذا فيه آجر، وبين الآجر كف مخضوبة بحناء. فأحضر الْجُراب. فهال ذَلِكَ المُعْتَضِد، فأمر الصياد، فعاود طرح الشبكة، فخرج جرابٌ آخر فيه رجل. فَقَالَ: معي في بلدي من يقتل إنسانًا ويقطع أعضاءه ولا أعلم به؟ ما هَذَا مُلك. فلم يُفطر يومه، ثُمَّ أحضر ثقةً له وأعطاه الجراب وَقَالَ: طُف به على من يعمل الجرب ببغداد لمن باعه. فغاب الرجل وجاء، فذكر أَنَّهُ عرف بائعه بسوق يَحْيَى، وأنه اشترى منه عطار جرابًا. فذهب إليه فَقَالَ: نعم، اشترى مني فلان الهاشمي عشرة جرب، وَهُوَ ظالم من أولاد المهدي. وذكر طرفا من أخباره إلى أن قَالَ: يكفيك أَنَّهُ كان يعشق جارية مغنية لإنسان، فاكتراها منه، وادعى أنها هربت. فَلَمَّا سَمِعَ المُعْتَضِد سجد لله شكرًا، وأحضر الهاشمي، فأخرج إليه اليد والرجل، فامتقع لونه واعترف. فأمر المُعْتَضِد بدفع ثمن الجارية إلى صاحبها، ثُمَّ سجن الهاشمي. فيقال إنه قتله.
قال التنوخي: وحدثنا أبو محمد بن سليمان قال: حدثني أبو جعفر بن حمدون؛ قال: حَدَّثَنِي عبد الله بن أَحْمَد بن حمدون قال: كنت قد حلفت لا أعقل مالًا من القمار، ومهما حصل صرفته في ثمن شمع أو نبيذ أَوْ خدر مغنية. فقمرت المُعْتَضِد يومًا سبعين ألفًا، فنهض يصلي سنة العصر، فجلست أفكر وأندم على اليمين، فَلَمَّا سلّم قَالَ: في أي شيء فكرت؟ فما زال بي حَتَّى أخبرته. فَقَالَ: وعندك أني أعطيك سبعين ألفًا في القمار؟ قلت له: فتضغوا؟ قَالَ: نعم، قم ولا تفكر في هَذَا. ثُمَّ قام يصلي، فندمت ولُمت نفسي لكوني أعلمته، فَلَمَّا فرغ من صلاته قَالَ: أصدقني عن الفكر الثاني؛ فصدقته. فَقَالَ: أما القمار فقد قُلْتُ إني ضغوت، ولكن أهب لك من مالي سبعين ألفًا. فقبلت يده وقبضت المال.
وَقَالَ ابن المحسن التنوخي، عن أبيه: رأيت المُعْتَضِد وعليه قباء اصفر، وكنت صبيًا، وكان خرج إلى قتال وصيف بطرسوس. -[679]-
وعن خفيف السَّمَرْقَنْدِيّ قَالَ: خرجت مع المُعْتَضِد للصيد، وقد انقطع عنا العسكر، فخرج علينا أسد فَقَالَ: يا خفيف أفيك خير؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: ولا تُمسك فرسي؟ قُلْتُ: بلى. فنزل وتحزم وسل سيفه وقصد الأسد، فقصده الأسد، فتلقاه المُعْتَضِد بسيفه قطع يده، فتشاغل الأسد بها، فضربه فلق هامته، ومسح بسيفه في صوفه وركب. قَالَ: وصحبته إلى أن مات، فما سمعته يذكر ذَلِكَ لقلة احتفاله بما صنع.
قُلْتُ: وكان المُعْتَضِد يبخل ويجمع المال. وقد ولي حرب الزنج وظفر بهم. وفي أيامه سكنت الفتن لفرط هيبته.
وكان غلامه بدر على شرطته، وعبيد الله بن سُلَيْمَان على وزارته، وَمحمد بن شاه على حرسه. وكانت أيامه أيامًا طيبة كثيرة الأمن والرخاء. وكان قد أسقط المكوس، ونشر العدل، ورفع الظلم عن الرعية.
وكان يُسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملك بني العَبَّاس، وكان قد خلق وضعف وكاد يزول. وكان في اضطراب بين من وقت موت المتوكل.
وبلغنا أَنَّهُ أنشأ قصرًا أنفق عليه أربع مائة ألف دينار. وكان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع، وعدم الحمية بحيث أَنَّهُ أكل في علته زيتونًا وسمكًا.
ومن عجيب ما ذكر المسعودي إن صح قَالَ: شكوا في موت المعتضد، فتقدم الطبيب فجس نبضه، ففتح عينه ورفس الطبيب برجله فدحاه أذرعًا، فمات الطبيب. ثُمَّ مات المُعْتَضِد من ساعته.
وعن وصيف الخادم قَالَ: سَمِعْتُ المُعْتَضِد يَقُولُ عند موته:
تَمَتَّع من الدُّنْيَا فَإِنَّك لا تبقى ...
وَخُذْ صفوها ما إن صفت ودع الرَّنْقا
ولا تأمننَّ الدَّهْر إني أمنتُهُ ... فلم يُبق لي حالًا ولم يَرْع لي حقّا
قتلت صناديدَ الرِّجال فلم أدَعْ ... عدوًا، ولم أُمهل على ظِنة خلقا
وأخليتُ دُور المُلك من كلِّ بازلٍ ... وشتَّتُّهم غربًا ومزَّقْتُهم شرقا
فَلَمَّا بلغتُ النَّجم عِزًّا ورِفعةً ... ودانت رقابُ الخلقِ أجمعٍ لي رقّا
رماني الرَّدَى سهمًا فأخمد جمرتي ... فها أنذا في حفرتي عاجلاً ملقى -[680]-
فأفسدت دُنْياي وديني سفاهةً ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى
فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى نعمة لله أم ناره ألقى؟
وَقَالَ الصُّولي: ومن شِعْر المُعْتَضِد:
يا لاحظي بالفتور والدعج ... وقاتلي بالدلال والغنج
أشكو إليك الذي لقيت من ال ... وجد، فهل لي إليك من فرج؟
حللت بالظُرْف والجمال من النَّا ... س محل العُيُونِ والمُهَج
ذكر المُعْتَضِد من "تاريخ الخطبي":
قَالَ: كان أبو العَبَّاس محبوسًا، فَلَمَّا اشتدت علة أبيه الموفق عمد غلمان أبي العباس فأخرجوه بلا إذن، وأدخلوه إليه، فَلَمَّا رآه أيقن بالموت. قَالَ: فبلغني أَنَّهُ قَالَ: لهذا اليوم خبأتك، وفوض الأمور إليه. وضم إليه الجيش، وخلع عليه قبل موته بثلاثة أيام.
قَالَ: وكان أبو العَبَّاس شهما جلدًا رجلًا بازلًا، موصوفًا بالرُّجلة والجزالة، قد لقي الحروب وعُرف فضله، فقام بالأمر أحسن قيام، وهابه النَّاس ورهبوه أعظم رهبة. وعقد له المعتمد العقد أَنَّهُ مكان أبيه، وأجرى أمره عَلَى ما كَانَ أَبُوهُ الموفق بالله، رسمه في ذَلِكَ، ودعي له بولاية العهد على المنابر. وجعل المعتمد ولده جميعًا تحت يد أبي العَبَّاس. ثُمَّ جلس المعتمد مجلسًا عامًا، أشهد فيه على نفسه بخلع ولده المفوض إلى الله جعفر من ولاية العهد، وإفراد المُعْتَضِد أبي العَبَّاس بالعهد في المحرّم سنة تسعٍ وسبعين، وَتُوُفِّي في رجب من السنة يعني المعتمد فَقِيلَ: إِنَّهُ غُمّ في بساط حَتَّى مات.
قَالَ: وكانت خلافة المعتضد تسع سنين وتسعة أشهر وأيامًا. وكان أسمر نحيفًا، معتدل الخلق، أقنى الأنف، إلى الطول ما هُوَ، في مقدم لحيته امتداد، وفي مقدم رأسه شامة بيضاء، تعلوه هيبة شديدة. رأيته في خلافته.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عرفة: تُوُفِّي المُعْتَضِد يوم الإثنين لثمانٍ بقين من ربيع الآخر سنة تسعٍ وثمانين، ودفن في حجرة الرُّخام. وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي.
قلت: وبويع بعده ابنه المُكْتَفِي بالله عَليّ بن أَحْمَد، وأبطل كثيرًا من مظالم أبيه؛ ورثاه الأمير عبد الله بن المعتز الهاشمي بهذه الأبيات: -[681]-
يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالطاهرية مقصى الدار منفردا
أين الجيوش التي قد كنت تسحبُها؟ ... أين الكنوزُ التي أحصيتُها عددا
أين السريرُ الذي قد كنت تملؤُه ... مَهَابةً، مَنْ رأتْهُ عينُهُ ارْتَعَدا؟
أين الأعادي الأُولي ذللت مصعبهم؟ ... أين الليوث التي صيرتها بعدا
أين الجياد التي حجَّلتها بدمٍ ... وكنَّ يحملن منك الضَّيغم الأسدا
أين الرِّماح التي غذَّيْتها مُهَجًا؟ ... مُذْ مِتَّ ما وردت قلبا ولا كبدا
أين الجنان التي تجري جَدَاولُها ... ويستجيب إليها الطائر الغردا
أين الوصائفُ كالغزلان رائحةً؟ ... يسحبن من حُلَلِ مَوْشِيّةٍ جُدُدا
أين الملاهي؟ وأين الراح تحسبها ... ياقوتةً كُسيت من فِضَّةٍ زردا؟
أين الْوُثُوبُ إلى الأعداء مُبْتَغيًا ... صلاح مُلك بني العَبَّاس إِذْ فَسَدا؟
ما زِلْتَ تقسر منهم كل قَسْوَرَةٍ ... وتَخْبطُ العالي الجبار مُعْتَمِدا
ثم انقضيت فلا عين ولا أثر ... حَتَّى كأنك يومًا لم تكن أحدا

301 - علي المكتفي بالله. أمير المؤمنين أبو محمد ابن الخليفة المعتضد بالله أبي العباس أحمد ابن الموفق أبي أحمد طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

301 - عليّ المكتفي بالله. أمير المؤمنين أبو محمد ابن الخليفة المعتضد بالله أبي العباس أحمد ابن الموفق أبي أحمد طلحة ابن الخليفة المتوكّل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد العبّاسيّ. [الوفاة: 291 - 300 ه]
وُلِد سنة أربعٍ وستّين ومائتين، وكان يُضْرَب المثل بحُسْنه في زمانه. كان معتدل القامة، دُرّيّ اللون، أسود الشَّعر، حَسَن اللّحْية، جميل الصُّورة.
بُويع بالخلافة عند موت والده في جُمَادَى الأولى سنة تسعٍ وثمانين، فكانت أيّامة ستّة أعوام ونصفًا. أخذ له أبوه الْبَيْعَةَ في مرضه، ونهض بأعبائها الوزير أبو الحسين القاسم بن عُبَيْد الله.
ومات شابًّا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين بويع بعده أخوه جعفر المقتدر، وقد دخل في أربع عشرة سنة، بتفويض المكتفي إليه في مرضه، بعد أن سأل وصحّ عنده أنه قد احتلم.
وذكر أبو منصور الثَّعالبي قَالَ: حكى إبراهيم بن نوح أنّ الّذي خلّفه المكتفي، مما جمعه هو وأبوه: مائة ألف ألف دينار عَيْن، وأمتعة وعقار وأواني، فكان من تلك الأمتعة، ثلاثٌ وستُّون ألف ثَوْب.

458 - جعفر أبو الفضل المقتدر بالله، أمير المؤمنين ابن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

458 - جعفر أبو الفضل المقتدر باللَّه، أمير المؤمنين ابن المعتضد باللَّه أَبِي العبّاس أحمد بْن أبي أحمد طلحة ابن المتوكّل عَلَى اللَّه العبّاسيّ. [المتوفى: 320 هـ]
بُويع بعد أخيه المكتفي باللَّه عليّ في سنة خمس وتسعين ومائتين، وسِنُّه ثلاث عشرة سنة، ولم يَلِ أمرَ الأَمّة قبله أحدٌ أصغر منه، ولهذا انخرم النظام في أيّامه، وجرت أشياء قد ذكرنا بعضها في الوقائع، وقُتل في شوّال من السنة كما شرحنا.
وقد خُلِع في أوائل خلافته، وبويع لعبد اللَّه بْن المعتزّ، فلم يتم الأمر، وقُتِل ابن المعتّز، وأُعيدَ إلى الخلافة، ثمّ خُلِعَ في سنة سبْعٍ عشرة، وكتب خطّه لهم بخلع نفسه، وبايعوا أخاه القاهر باللَّه محمداً، ثمّ بعد ثلاثة أيّام أُعيد المقتدر، وجددت لَهُ البيعة.
وكان ربعة جميل الوجه، أبيض، مشربًا حُمْرة، قد عاجَلَه الشَّيْب بعارضيه، وكان لَهُ يوم قُتِل ثمان وثلاثون سنة.
قَالَ المحسّن التّنُوخيّ: كَانَ جيّد العقل، صحيح الرّأي، ولكنه كان مُؤْثِرًا للشَّهوات، لقد سَمِعْتُ أبا الحَسَن عليّ بْن عيسى يَقُولُ: ما هو إلّا أنّ -[369]- يترك هذا الرجل، يعني المقتدر، النبيذ خمسة أيّام، فكان ربّما يكون في أصالة الرأي كالمأمون والمعتضد، وكان قتله في شوّال، رماه بربريُّ بحربةٍ فقتله في موكبه.
وقد ولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي، والمتقي، والمطيع، وهكذا اتفق للمتوكل؛ قُتِل وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: المنتصر، والمعتّز، والمعتمد، وفي أولاد الرشيد ثلاثة وُلّوا الأمرَ: الأمين، والمأمون، والمعتصم، وأمّا عَبْد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة، ولا نظير لذلك إلّا في الملوك، فإن الملك العادل ولي السّلطنَة من أولاده بدمشق أربعة وهم: المعظم، والأشرف، والكامل، والصالح إسماعيل.

458 - محمد، وقيل: أحمد، أبو إسحاق أمير المؤمنين الراضي بالله ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

458 - محمد، وقيل: أحمد، أبو إسحاق أمير المؤمنين الراضي بالله ابن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفّق [المتوفى: 329 هـ]
ولي العهد ابن المتوكل.
ولد سنة سبع وتسعين ومائتين. وأُمُّهُ أمةٌ روميّة. وكان قصيرًا أسمر نحيفًا، في وجهه طول. بويع بالأمر بعد عمه القاهر لما سملوا القاهر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
قال الخطيب أبو بكر: وللراضي فضائل منها أنه آخر خليفة له شعرٌ مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين منهم.
ومن شعره:
كل صفوٍ إلى كدر ... كل أمنٍ إلى حذر
ومصير الشباب للمو ... ت فيه أو الكبر
دَرَّ دَرُّ المشيب من ... واعظٍ يُنذِرُ البشر
أيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغَرَر -[580]-
أين من كان قبلنا ... ذهب الشخص والأثر
رب فاغفر لي الخطيـ ... ـئة يا خير من غفر
توفي في ربيع الأول، وله اثنتان وثلاثون سنة.

96 - إبراهيم بن جعفر بن أحمد، أمير المؤمنين المتقي لله أبو إسحاق ابن المقتدر الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

96 - إبراهيم بن جعفر بن أحمد، أمير المؤمنين المتَّقي لله أبو إسحاق ابن المقتدر الهاشميُّ العباسيُّ. [المتوفى: 333 هـ]
ولُد سنة سبعٍ وتسعين ومائتين، واستخلف سنة تسعٍ وعشرين وثلاثمائة بعد أخيه الراضي بالله. فولي الخلافة إلى هذه السنة. ثمّ إنهم خلعوه وَسَمُلوا عينيه، وبقي في قيد الحياة إلى أن مات في شعبان سنة سبعٍ وخمسين وثلاثمائة.
وكان حَسَن الجسم، أبيض مُشْربًا حُمْرة، أشقر الشَّعر بجُعُودة، أشهل العينين، كثّ اللحْية. وكان فيه دين وصلاح وكثرة صلاة وصيام، ولا يشرب الخمر.
وقد تقدم ذكر الراضي بالله.

138 - عبد الله أمير المؤمنين الخليفة المستكفي بالله ابن الخليفة المكتفي بالله علي ابن المعتضد أحمد ابن الموفق العباسي، أبو القاسم.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

138 - عبد الله أمير المؤمنين الخليفة المستكفي بالله ابن الخليفة المكتفي بالله علي ابن المعتضد أحمد ابن الموَّفق العبَّاسيُّ، أبو القاسم. [المتوفى: 334 هـ]
بُويع عند خلع المَّتقيّ لله في صفر سنة ثلاثٍ وثلاثين. وقُبض عليه في جُمَادى الآخرة هذه السنة، سنة أربعٍ. وسُملت عيناه، وسُجن.
وَتُوُفِّيّ بعد ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين في السجن عن ستّ وأربعين سنة.
وكان أبيض جميلًا، ربعةً من الرجال، خفيف العارضين، أكْحل، أقنْى، ابنُ أمةٍ. وبايعوا بعده المطيع لله الفضل ابن المقتدر بالله.

294 - محمد القاهر بالله أمير المؤمنين أبو منصور ابن المعتضد بالله أحمد بن طلحة ابن المتوكل على الله.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

294 - محمد القاهر بالله أمير المؤمنين أبو منصور ابن المعتضد بالله أحمد بن طلحة ابن المتوكّل على اللَّه. [المتوفى: 339 هـ]
استُخْلِف سنة عشرين عند قتل المقتدر، وخلعوه في جُمَادَى الأوّلى سنة اثنتين وعشرين، وسُمِلت عيناه فَسَالتا. وحَبسوه مدّةً ثمّ أهملوه وسيبّوه. ومات في هذا العام في جمادى الأولى.
وكان ربعة أسمر، أصْهب الشَّعْر، طويل الأنف. ذكرتُ من سيرته شيئًا في الحوادث.

371 - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، الناصر لدين الله أبو المطرف صاحب الأندلس، الملقب أمير المؤمنين بالأندلس.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

371 - عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني، الناصر لدين الله أبو المطرف صاحب الأندلس، الملقَّب أمير المؤمنين بالأندلس. [المتوفى: 350 هـ]
بقي فِي الإمرة خمسين سنة، وقام بعده ولده الحَكَم. وقد ذكرنا من أخباره فِي الحوادث.
وكان أَبُوهُ قد قتله أخوه المُطَرِّف فِي صدر دولة أبيهما. وخلف ابنه عَبْد الرَّحْمَن هذا ابن عشرين يومًا. وتوفي جدّه عَبْد اللَّه الأمير فِي سنة ثلاث مائة، فولي عَبْد الرَّحْمَن الأمر بعد جدُّه. وكان ذَلِكَ من غرائب الوجود، لأنّه كَانَ شابًّا وبالحضرة أكابر من أعمامه وأعمام أَبِيهِ. وتقدَّم هُوَ، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، فاستقام لَهُ الأمر، وابتني مدينة الزَّهْراء. وقسم الخراج -[892]- أثلاثًا؛ ثلثا للجند وثُلُثًا يدّخره فِي النوائب، وثُلُثًا للنَّفقة فِي الزهراء، فجاءت من أحسن مدينةٍ على وجه الأرض. واتخذ لسطح العُليّة الصغرى التي عَلَى الصرح قراميد ذهب وفضة، وأنفق عليها أموالًا هائلة، وجعل سقفها صفراء فاقعةً إلى بيضاء ناصعة، تَسلُب الأبصار بلَمَعَانها، وجلس فِيهَا مسرورًا فرحًا، فدخل عَلِيّه القاضي أَبُو الحَكَم منذر بْن سعَيِد البلوطي، رحمه اللَّه، حزينًا، فقال: هَلْ رأيتَ ملكًا قبلي فَعَل مثل هذا؟ فبكي القاضي وقال: والله ما ظننتُ أنّ الشّيطان يبلغ منك هذا مَعَ ما آتاك اللَّه من الفضل، حتى أنزلك منازل الكافرين. فاقشعر من قوله، وقال: وكيف أنزلني منازل الكافرين؟ قَالَ: ألَيْسَ اللَّه يَقُولُ: {{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فضةٍ}}، وتلا الآية كلَّها. فوجم عَبْد الرَّحْمَن ونكس رأسًه مليا ودموعُه تسيل عَلِيّ لِحْيته خشوعًا لله، وقال: جزاك اللَّه خيرًا، فالذي قلته الحقّ. وقام يستغفر اللَّه، وأمر بنقض السَّقْف الَّذِي للقُبّة.
وكان كَلِفًا بعمارة بلاده، وإقامة معالمها، وإنباط مياهها، وتخليد الآثار الغريبة الدّالّة عَلَى قوة مُلْكة.
وقد استفرغ الوسعَ فِي إتقان قصور الزهراء وزخرفتها. وقد أصابهم قحطٌ، وأراد النّاس الاستسقاء، فجاء عَبْد الرَّحْمَن الناصر رسولٌ من القاضي منذر بْن سعَيِد، رحمه الله، يحركه للخروج، فقال الرَّسُول لبعض الخدم: يا ليت شِعْري ما الَّذِي يصنعه الأمير؟ فقال: ما رَأَيْته أخشع لله منه فِي يومنا هذا، وأنّه منفردٌ بنفسه، لابسٌ أخشن ثيابه، يبكي ويعترف بذنوبه، وهو يَقُولُ: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعُذّب الرّعيّة من أجلي وأنت أحكم الحاكمين، لن يفوتك شيء منّي. فتهلّل وجه القاضي لمّا بلغه هذا، وقال: يا غلام أحمل الممْطَر معك، فقد إذِن اللَّه بسُقْيانا. إذا خشع جبار الأرض رحم جبّار السّماء. فخرج، وكان كما قَالَ.
وكان عبد الرحمن يرجع إلى دين متين وحسن خلق. وكان فِيهِ دُعابة. وكان مَهيبًا شجاعًا صارمًا، ولم يتسمَّ أحدٌ بأمير المؤمنين من أجداده. إنّما يُخطب لَهُم بالإمارة فقط. فلمّا كَانَ سنة سبع عشرة وثلاث مائة، وبلغه -[893]- ضعف الخلافة بالعراق، وظهور الشيعة بالقيروان، وهم بنو عُبّيْد الباطنية، تسميّ بأمير المؤمنين.
تُوُفّي في أوائل رمضان، وكانت حشمته وأُبَّهَتُهُ أعظم بكثيرٍ من خلفاء زمانه الذين بالعراق. وكان الوزير أَبُو مروان أَحْمَد بْن عَبْد الملك بْن شُهيد الأشجعي الأندلُسيّ مَعَ جلالته وزيره.
ولقد نقل بعد المؤرخين - أظنه أَبَا مروان بْن حيّان - أنّ ابن شُهَيْد قدَّم مرّةً للخليفة الناصر تقدمة تتجاوز الوصف، وهي هذه: من المال خمس مائة ألف دينار، ومن التبّرْ أربع مائة رطل برطْلهم، ومن سبائك الفضة مائتا بدرة، ومن العود الهندي اثنا عشر رطلًا، ومن العود الصنفي مائة وثمانون رطلًا، ومن العود الأشباه مائة رطل، ومن المسك مائة أُوقية واثنتا عشر أوقية، ومن العنبر الأشهب خمس مائة أُوقية، ومن الكافور ثلاث مائة أُوقيّة، ومن الثّياب ثلاثون شُقَّة، ومن الفراء عشرة من جلود الفنك، وستة سُرادقات عراقية، وثمانية وأربعون ملحفةً بغدادية لزينة الخيل من الحرير المرقوم بالذهب، وثلاثون شقة لسروج الهيئات، وعشرة قناطير سمّور، وأربعة آلاف رطل حرير مغزول، وألف رطل حرير بلا غزل، وثلاثون بساطًا، البساط عشرون ذراعًا، وخمسة عشر نخًا من معمول الخزّ، وألف ترس سلطانيّة، وثمان مائة من تخافيف التّزّيين يوم العرض، ومائة ألف سهم، وخمسة عشر فَرَسًا فائقة، وعشرون بغلًا مسرَّجة بمراكب الخلافة. ومن الخيل العتاق مائة رأس، ومن الغلمان أربعون وصيفًا وعشرون جارية. ومن التقدمة كتاب ضيعتين من خيار ملكه، ومن الخشب عشرون ألف عود تساوي خمسين ألف دينار. فولاه الوزارة، ولقّبه ذا الوزارتين.
وابتدأ الناصر فِي إنشاء مدينة الزهراء فِي سنة خمسٍ وعشرين وثلاث مائة، فأنفق عليها من الأموال ما لا يحصى، وأصعَد الماء إلى ذروتها، ومات ولم يُتمها، فأتمّها ابنه المستنصر. وجامعُها من أحسن المساجد لَهُ منارة عظيمة لا نظير لها، ومنبره من أعظم المنابر، لم يعمل مثله فِي الآفاق. وعدّة أبواب قصر الزَّهراء المصفّحة بالنحاس والحديد المنقوش، عَلَى ما نقل ابن حيّان، خمسة عشر ألف باب، والعهدة عليه.

208 - إبراهيم بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفق، المتقي لله أمير المؤمنين أبو إسحاق.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

208 - إبراهيم بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أحمد بن الموفّق، المتّقي لله أمير المؤمنين أبو إسحاق. [المتوفى: 357 هـ]
توفي في السجن في شعبان، وقد ذكرناه في سنة ثلاثٍ وثلاثين، عامَ خلعوه وسَمَلُوا عينيه، وبقي إلى هذا العام كالميت.

125 - الفضل، أبو القاسم أمير المؤمنين المطيع لله ابن المقتدر جعفر ابن المعتضد العباسي الهاشمي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

125 - الفضل، أبو القاسم أمير المؤمنين المُطِيع لله ابن المقتدر جعفر ابن المعتضد العبّاسي الهاشمي. [المتوفى: 364 هـ]
ولي الخلافة بعد المُسْتَكْفي، وأُمُه أمّ ولد اسمها مَشْغَلَة، أدركت خلافته. بويع في سنة أربعٍ وثلاثين، ومولده في أوّل سنة إحدى وثلاثمائة.
قال ابن شاهين: وخلع نفسه غير مُكَره فيما صحّ عندي في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وستّين، ونزل عن الأمر لولده أبي بكر عبد الكريم، ولقّبوه " الطائع لله " وسنّ أبي بكر يومئذ ثمان وأربعون سنة. ثم إنّ الطائع خرج إلى واسط ومعه أبوه فمات في المحرّم سنة أربعٍ وستيّن.
أنبأنا المسلم بن محمد، قال: أخبرنا أبو اليمن الكندي، قال: أخبرنا أبو منصور الشيباني، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: حدثني محمد بن يوسف القطان، قال: سمعت أبا الفضل التميمي، قال: سمعت المطيع لله، قال: سمعت شيخي ابن منيع، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذُلّ.

90 - عبد الكريم - هو أمير المؤمنين - الطائع لله ابن المطيع لله الفضل ابن المقتدر جعفر ابن المعتضد، يكنى أبا بكر،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

90 - عَبْد الكريم - هُوَ أمير المؤمنين - الطائع لله ابْن المطيع لله الفضل ابْن المقتدر جَعْفَر ابْن المعتضد، يُكْنَى أَبَا بَكْر، [المتوفى: 393 هـ]
وأُمُّهُ أَمَة.
قَالَ أَبُو عَلِيّ بْن شاذان: تقلد الطائع لله الخلافة فِي ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وقبضوا عَلَيْهِ فِي شعبان سنة إحدى وثمانين، وبقي إلى هذه السنة، فتوفي فيها. قَالَ: ورأيته رجلا مرْبُوعًا، كبير الْأنف، أبيض أشقر. -[728]-
قَالَ أَبُو الفرج بْن الْجَوْزِي: ولما وُلِّي الطائع ركب وعليه البُرْدَة، ومعه الجيش، وبين يديه سُبُكْتِكين، فِي تاسع عشر ذي القعدة، وخلع من الغد عَلَى سُبُكْتِكين خِلَعَ السّلطنة، وعقد لَهُ اللواء، ولقّبه " نصر الدولة "، وحضر عيد الْأضحى، فركب الطائع إلى المصلَّى، وعليه قباء وعمامة، وخطب خطبة خفيفة، بعد أن صلّى بالنّاس، ثم إنّ عزّ الدولة أدخل يده فِي إقطاع سُبُكْتِكين، فجمع سُبُكْتِكين الْأتراك الذين ببغداد، ودعاهم إلى طاعته، فأجابوه، وراسل أبا إسحاق معز الدولة يعلمه بالحال ويطعمه أن يعقد لَهُ الْأمر، فاستشار أمَّه، فمنعته، فصار إليها من بغداد جماعة، وصوبوا لها محاربة سبكتكين فحاربوه فقهرهم، واستولى عَلَى ما كَانَ ببغداد لعزّ الدّولة، وثارت العامة تنصر سُبُكْتِكين، فبعث إلى عزّ الدولة يَقُولُ: إنّ الْأمر قد خرج عَنْ يدك، فأفرج لي عن واسط وبغداد، ليكونا لي، ويكون لك الْأهواز والبصْرة، ودع الحرب. وكتب عزّ الدولة إلى عَضُد الدولة يستنجده، فتوانى، وصار الناس حزبين، وأهل التشيع ينادون بشعار عز الدولة، والسنة والديلم ينادون بشعار سُبُكْتِكين، واتّصلت الحروب، وسُفِكَت الدماء، وكُبِسَتْ الدُّور، وأُحْرِق الكَرْخ حريقًا ثانيا.
وكان الطائع شديد الحيل، قوياً، في خلقه حدة. خلعه بهاء الدولة ابن عضد الدولة بإشارة الْأمراء ومعونتهم. ثم كَانَ فِي دار عند القادر باللَّه مُكَرَّمًا مُحْتَرَمًا، إلى أن مات ليلة عيد الفِطْر، وصلّى عَلَيْهِ القادر باللَّه، وكبّر عَلَيْهِ خمْسًا، وحُمل إلى الرَّصافة، وشيّعه الْأكابر والخَدَم، ورثاه الشريف الرّضِيُّ بقصيدة.
وقَالَ أبو حفص بن شاهين: خلع المطيع لله نفسه غير مكره، فيما صحّ عندي، ووُلّي ابنه الطائع، وسنُّه يوم وُلّي ثلاثة وأربعون سنة.
قلت: فيكون عمره ثلاثًا وسبعين سنة. وقد ذكرنا أنه ولي بعده لما خلعوه القادر بالله أحمد.

52 - أحمد بن إسحاق بن جعفر بن أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله ابن المعتصم ابن الرشيد، أبو العباس، الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين ابن الأمير أبي أحمد ابن المقتدر بالله، الهاشمي، العباسي، البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

52 - أحمد بن إسحاق بن جعفر بن أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على الله ابن المعتصم ابن الرشيد، أبو العبّاس، الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين ابن الأمير أبي أحمد ابن المقتدر بالله، الهاشميّ، العباسيّ، البغداديّ. [المتوفى: 422 هـ]
بويع بالخلافة عند القبض على الطّائع لله في حادي عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
ومولده في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأمه تمني مولاة عبد الواحد ابن المقتدر، كانت ديّنة خيّرة معمّرة تُوُفِّيت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
وكان أبيض كثّ اللَّحية طويلها، يَخْضِبُ شَيْبَه، وكان من أهل السِّتر والصِّيانة، وإدامة التّهجُّد. تفقّه على العلّامة أبي بِشْر أحمد بن محمد الهَرَويّ الشّافعيّ، وعدَّه ابن الصّلاح في الفُقَهاء الشّافعيّة.
قال الخطيب: كان من الدَّيانة وإدامة التهجُّد، وكثرة الصَّدقات على صفةٍ اشتهرت عنه، وصنَّف كتابًا في الأُصُول ذكر فيه فضل الصّحابة وإكفار المعتزلة والقائلين بخلْق القرآن. وكان ذلك الكتاب يُقرأ كلّ جُمُعةٍ في حلْقة أصحاب الحديث بجامع المهديّ، ويحضره النّاسُ مدّة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر.
تُوُفّي ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجّة، ودُفِن بدار الخلافة فصلّى عليه ولده الخليفة بعده القائم بأمر الله ظاهرًا، والخلْقُ وراءه، وكبَّر عليه أرْبَعًا، فلم يزل مدفونًا في الدّار حتّى نُقِل تابوته في المركب ليلا إلى الرصافة، فدفن بها بعد عشرة أشهر، وعاش سبْعًا وثمانين سنة إلّا شهرًا وثمانية أيّام، رحمه الله.

235 - علي بن منصور بن نزار بن معد بن إسماعيل بن محمد بن عبيد الله العبيدي. صاحب مصر الملقب بالظاهر لإعزاز دين الله، أبو هاشم أمير المؤمنين ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعز،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

235 - عليّ بن منصور بن نزار بن مَعَدّ بن إسماعيل بن محمد بن عُبَيْد الله العُبَيْديّ. صاحب مصر المُلقَّب بالظّاهر لإعزاز دين الله، أبو هاشم أمير المؤمنين ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعزّ، [المتوفى: 427 هـ]
الّذين يدّعون أنهم فاطميّون ليربطوا عليهم بذلك الرّافضة.
بايعوا الظّاهر بمصر لمّا قُتِل أبوه في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وهي والشّام وإفريقيّة في حُكْم أبيه، فلمّا قام هذا الظّاهر طمع مَن طمع في أطراف بلاده، فقصد صالح بن مرداس الكِلابيّ حلب وبها مرتضى الدّولة بن لؤلؤ الحمدانيّ نيابة عن الظّاهر المذكور، فحاصرها صالح وأخذها، وتغلّب حسّان بن مفرّج البَدَويّ صاحبُ الرَّمْلة على أكثر الشّام، وتضعضعت دولة الظّاهر.
واستوزر الوزير نجيب الدّولة عليّ بن أحمد الْجَرْجرائيّ، كما استوزره فيما بعد ابنه المستنصر إلى أن مات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وكان من بيت حشْمة ووزارة، وكان أقْطعَ اليَدَين من المِرْفَقين، قطعهما الحاكم لكونه خان في سنة أربع وأربعمائة، وكان يكتب عنه العلّامة الْقَاضِي أبو عبد الله القُضاعيّ، وهي " الحمد لله شكرا لنعمته ".

230 - محمد ذخيرة الدين ولي عهد أمير المؤمنين، أبو العباس ابن أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

230 - محمد ذخيرة الدِّين ولي عهد أمير المؤمنين، أبو العبَّاس ابن أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر باللَّه أَحْمَد. [المتوفى: 447 هـ]
قال ابن خَيْرُون: ولِدَ سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وخُطِب له بولاية العهد سنة أربعين، ولُقِّب ذخيرة الدّين، فأدركه أجله في ثامن عشر ذي القعدة، وكان قد ختم القُرآن وحفظ الفقه والعربية والفرائض.
وقال ابن النّجار: خلّفَ جارية حاملا، فولدت ابنا فهو أمير المؤمنين أبو القاسم عبد اللَّه بن محمد المقتدي بأمر اللَّه.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت