سير أعلام النبلاء
|
5200- المستضيء بأمر الله:
الخليفة أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المُقْتَدِي الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ. بُوْيِع بِالخِلاَفَةِ وَقت مَوْت أَبِيْهِ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَة سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَقَامَ بِأَمر البَيْعَة عَضُد الدِّيْنِ أَبُو الفَرَجِ ابْنُ رَئِيْس الرُّؤَسَاءِ، فَاسْتَوْزَره يَوْمَئِذٍ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. وَأُمُّه أَرْمَنِيَّةٌ، اسْمهَا: غَضَّةُ. وَكَانَ ذَا حلم وَأَنَاة وَرَأْفَةٍ وَبرّ وَصَدَقَات. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي "المُنْتَظَمِ": بُوْيِعَ، فَنُوْدِيَ بِرفع المكوسِ، وَرد المظَالِم، وَأَظهر مِنَ العَدْل وَالكرم مَا لَمْ نَره مِنْ أَعمَارنَا، وَفرّق مَالاً عَظِيْماً عَلَى الهَاشِمِيِّيْنَ. قَالَ ابْنُ النَّجَّار: بُوْيِعَ وَلَهُ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ سنةً -فأظنه وهم- قال: وَكَانَ حليماً، رحيماً، شفِيقاً، ليّناً، كَرِيْماً، نَقَلْتُ مَنْ خطِّ أَبِي طَالِبٍ بن عَبْدِ السَّمِيْعِ، قَالَ: كَانَ المُسْتَضِيْء مِنَ الأَئِمَّةِ الموفّقين، كَثِيْر السّخَاء، حَسَن السِّيْرَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ: اتَّصل بِي أَنَّهُ وَهب فِي يَوْمٍ لِحظَايَا وَجِهَاتٍ أَزْيَدَ مِنْ خَمْسِيْنَ أَلْفَ دِيْنَارٍ. عَبْدُ العَزِيْزِ بن دلف، حدثنا مسعود بن النَّادِرِ، قَالَ: كُنْتُ أُنَادِم أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَضِيْء، وكان صاحب المخزم ابْنُ العَطَّارِ قَدْ صَنَعَ شَمْعَدَاناً ثمنَ أَلف دِيْنَار، فَحضر وَفِيْهِ الشّمعَة، فَلَمَّا قُمْت، قَامَ الخَادِم بِهَا بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَطلق لِي التَّوْرَ. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَفرّق أَمْوَالاً فِي الْعلوِيين وَالعُلَمَاء وَالصُّوْفِيَّة. كَانَ دَائِم الْبَذْل لِلمَال، لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ وَقْعٌ. وَلَمَّا اسْتُخْلف، خلع عَلَى أَربَاب الدَّوْلَة، فَحكَى خَيَّاطُ الْمخزن لِي أَنَّهُ فَصَّل أَلْفاً وَثَلاَثِ مائَةٍ قبَاء إِبرِيسمٍ، وَوَلَّى قَضَاء القُضَاة رَوْحَ بنَ الحَدِيْثِيِّ، وَأَمر سَبْعَةَ عَشَرَ مَمْلُوْكاً. قَالَ: وَاحتجب عَنْ أَكْثَر النَّاس فَلَمْ يَرْكَبْ إلَّا مَعَ الْخَدَم، وَلَمْ يَدخلْ عليه غَيْر الأَمِيْر قُطْب الدِّيْنِ قَايْمَاز. وَفِي خِلاَفَتِهِ زَالت دَوْلَة العُبَيْدِيَّة بِمِصْرَ، وَخُطِبَ لَهُ بِهَا، وجاء الخبز فَغلقت الأَسواق لِلمسرَّة، وَعملت القبَاب، وَصنّفتُ كِتَاباً سَمَّيتُه "النَّصْر عَلَى مِصْرَ"، وَعرضته عَلَى الإِمَامِ المستضيء. |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
المستضيء بأمر الله الحسن بن المستنجد بالله 566 هـ ـ 575 ه
المستضيء بأمر الله : الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله ولد سنة ست و ثلاثين و خمسمائة و أمه أم ولد أرمنية اسمها غضة بويع له بالخلافة يوم موت أبيه قال ابن الجوزي : فنادى برفع المكوس ورد المظالم و أظهر من العدل و الكرم ما لم نره في أعمارنا و فرق ملا عظيما على الهاشميين و العلويين و العلماء و المدارس و الربط و كان دائم البذل للمال ليس له عنده وقع ذا حلم و أناة و رأفة و لما استخلف خلع على أرباب الدولة و غيرهم فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفا و ثلثمائة قباء إبر سيم و خطب له على المنابر بغداد و نثرت الدنانير كما جرت العادة و ولي روح بن الحديثي القضاء و أمر سبعة عشر مملوكا و للحيص بيص فيه : ( يا إمام الهدى علوت على الجو ... د بمال و فضة و نضال ) ( فوهبت الأعمار و الأمن و البلـ ... دان في ساعة مضت من نهار ) ( فماذا يثني عليك و قد جا ... وزت فضل البحور و الأمطار ) ( إنما أنت معجز مستقل ... خارق للعقول و الأفكار ) ( جمعت نفسك الشريفة بالبأ ... س و بالجود بين ماء و نار ) قال ابن الجوزي : و احتجب المستضيء عن أكثر الناس فلم يركب إلا مع الخدم و لا يدخل عليه غيرهم و في خلافته انقضت دولة بني عبيد و خطب له بمصر و ضربت السكة باسمه و جاء البشير بذلك فعلقت الأسواق ببغداد و عملت القباب و صنفت كتابا سميته [ النصر على مصر ] هذا كلام ابن الجوزي و قال الذهبي : في أيامه ضعف الرفض ببغداد و وهى و أمن الناس و رزق سعادة عظيمة في خلافته و خطب له باليمن و برقة و توزر و مصر إلى أسوان و دانت الملوك بطاعته و ذلك سنة سبع و ستين و قال العماد الكاتب : استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة و سمع و هو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس و عفت البدعة و صفت الشرعة و أقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة و أعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء و تسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر و النفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه و سير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين ابن أبي عصرون إلى بغداد و أمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام فأنشأت بشارة أولها : الحمد لله معلي الحق و معلنه و موهي الباطل و موهنه و منها : و لم يبق بتلك البلاد منبر إلا و قد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين و تمهدت جوامع الجمع و تهدمت صوامع البدع ـ إلى أن قال : و طالما مرت عليها الحقب الخوالي و بقيت مائتين و ثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين مملوءة بحزب الشياطين فملكنا الله تلك البلاد و مكن لنا في الأرض و أقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد و الرفض و تقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك و يورد الأدعياء و دعاة الإلحاد بها المهالك و للعماد قصيدة في ذلك منها : ( قد خطبنا للمستضيء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر ) ( و خذلنا لنصره العضد العا ... ضد و القاصر الذي بالقصر ) ( و تركنا الدعي يدعوا ثبورا ... و هو تحت حجر و حصر ) و أرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع و التشريفات لنور الدين و صلاح الدين و أعلاما و بنودا للخطباء بمصر و سير للعماد الكاتب خلعة و مائة دينار فعمل قصيدة أخرى منها : ( أدالت بمصر لداعي الهدا ... ة و انتقمت من دعي اليهود ) و قال ابن لأثير : السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه و ضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بذلك فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين فلم يضع إلى قوله و أرسل إليه يلزمه بذلك و اتفق أن العاضد مرض فاستشار صلاح الدين أمراءه فمنهم من وافق و منهم من خاف و كان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم فلما ما هم فيه من الإحجام قال : أنا أبتدئ بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب و دعا للمستضئ فلم ينكر ذلك أحد فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد ففعل ذلك و لم ينتطح فيها عنزان ـ و العاضد شديد المرض ـ فتوفي في يوم عاشوراء و في سنة تسع و ستين أرسل نور الدين الخليفة بتقادم و تحف منها حمار مخطط و ثوب عتابي و خرج الخلق للفرجة عليه و كان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوي و هو بليد ناقص الفضيلة فقال رجل : إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي فنحن عندنا عتابي حمار و فيها وقع برد بالسواد كالنارنج هدم الدور و قتل جماعة و كثيرا من المواشي و زادت دجلة زيادة عظيمة بحيث عرفت بغداد و صليت خارج الجمعة خارج السور و زادت الفرات أيضا و أهلكت قرى و مزارع و ابتهل الخلق إلى الله تعالى و من العجائب أن هذا الماء على هذه الصفة و دجيل قد هلكت مزارعه بالعطش و فيها مات السلطان نور الدين ـ و كان صاحب دمشق ـ و ابنه الملك الصالح إسماعيل ـ و هو صبي ـ فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال و هودنوا و فيها أراد جماعة من شيعة العبيديين و محبيهم إقامة الدعوة و ردها إلى آل العاضد و وافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين فاطلع صلاح الدين على ذلك فصلبهم بين القصرين و في سنة اثنتين و سبعين أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر و القاهرة و جعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش قال ابن الأثير : دورة تسعة و عشرون ألف ذراع و ثلثمائة ذراع بالهاشمي و فيها أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم ـ و هي التي صارت دار السلطنة ـ و لم تتم إلا في أيام السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين و هو أول من سكنها و فيها بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعي و في سنة أربع و سبعين هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل و ظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء و استغاث الناس استغاثة شديدة و بقي الأمر على ذلك إلى السحر و في سنة خمس و سبعين مات الخليفة المستضيء في سلخ شوال و عهد إلى ابنه أحمد و ممن مات أيام المستضيء من الأعلام : ابن الخشاب النحوي و ملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي و الحافظ أبو العلاء الهمذاني و ناصح الدين بن الدهان النحوي و الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من حفدة الشافعي و الحيض بيص الشاعر و الحافظ أبو بكر بن خير و آخرون |
تاريخ الخلفاء للسيوطي
|
الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله 575 هـ ـ 622 ه
الناصر لدين الله : أحمد أبو العباس بن المستضيء بأمر الله ولد الاثنين عاشر رجب سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة و أمه أم ولد تركية اسمها زمرد و بويع له عند موت أبيه في مستهل ذي القعدة سنة خمس و سبعين و أجاز له جماعة : منهم أبو الحسين عبد الحق اليوسفي و أبو الحسن علي بن عساكر البطايحي و شهدة و أجاز هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته و يتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الإسناد و قال الذهبي : و لم يل الخلافة أحد أطول مدة منه فإنه أقام فيها سبعة و أربعين سنة و لم تزل مدة حياته في عز و جلالة و قمع الأعداء و استظهار على الملوك و لم يجد ضيما و لا خرج عليه خارجي إلا قمعه و لا مخالف إلا دفعه و كل من أضمر له سوءا رماه الله بالخذلان و كان ـ مع سعادة جده ـ شديد الاهتمام بمصالح الملك لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم و صغارهم و أصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة و الباطنة و كانت له حيل لطيفة و مكائد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد يوقع الصداقة بين ملوك متعادين و هم لا يشعرون و يوقع العداوة بين ملوك متفقين و هم لا يفطنون و لما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل فصار يبالغ في التكتم و الورقة تأتيه بذلك فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر فصبحته الورقة بذلك و فيها [ كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة ] فتحير و خرج من بغداد و هو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل و ما وراء الجدار و أتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية و كتاب مختوم فقيل له ارجع فقد عرفنا ما جئت به فرجع و هو يظن أنهم يعلمون الغيب قال الذهبي : قيل : إن الناصر كان مخدوما من الجن و لما ظهر خوارزم شاه بخراسان و ما وراء النهر و تجبر و طغى و استعبد الملوك الكبار و أباد أمما كثيرة و قطع خطبة بني العباس من بلاده و قصد بغداد فوصل إلى همذان فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوما فغطاهم في غير أوانه فقال له بعض خواصه : إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت الخلافة و بلغه أن أمم الترك قد تألبوا عليه و طمعوا في البلاد لبعده عنها فكان ذلك سبب رجوعه و كفي الناصر شره بلا قتال و كان الناصر إذا أطعم أشبع و إذا ضرب أوجع و له مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر و وصل إليه رجل معه ببغاء تقرأ {{ قل هو الله أحد }} تحفه للخليفة من الهند فأصبحت ميتة و أصبح حيران فجاءه فراش يطلب منه الببغاء فبكى و قال : الليلة ماتت فقال : قد عرفنا هاتها ميتة و قال : كم كان ظنك أن يعطيك الخليفة ؟ قال : خمسمائة دينار قال : هذه خمسمائة دينار خذها فقد أرسلها إليك الخليفة فإنه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند و كان صدر جهان قد صار إلى بغداد و معه جماعة من الفقهاء و واحد منهم لما خرج من داه من سمرقند على فرس جميلة فقال له أهله : لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد فقال : الخليفة لا يقدر أن يأخذها مني فأمر بعض القوادين أنه حين يدخل بغداد يضربه و يأخذها منه و يهرب في الزحمة ففعل فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث فلما رجعوا من الحج خلع على صدر جهان و أصحابه و خلع على ذلك الفقيه و قدمت له فرسه و عليها سرج من ذهب و طوق و قيل له : لم يأخذ فرسك الخليفة إنما أخذها أتوني فخر مغشيا عليه و أسجل بكرامتهم و قال الموفق عبد اللطيف : كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة و خيفة فكان يرهبه أهل الهند و مصر كما يرهبه أهل بغداد فأحيا بهيبته الخلافة و كانت قد ماتت بموت المعتصم ثم مات بموته و كان الملوك و الأكابر بمصر و الشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة و إجلالا و ورد بغداد تاجر و معه قناع دمياط المذهب فسألوه عنه فأنكر فأعطي علامات فيه : من عدده و ألوانه و أصنافه فازداد إنكاره فقيل له : من العلامات أنك نقمت على مملوكك التركي فلان فأخذته إلى سيف بحر دمياط في خلوة و قتلته و دفنته هناك و لم يشعر بذلك أحد قال ابن النجار : دانت السلاطين للناصر و دخل في طاعته من كان المخالفين و ذلت له العتاة و الطغاة و انقهرت بسيفه الجبابرة و اندحض أعداؤه و كثر أنصاره و فتح البلاد العديدة و ملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن الخلفاء و الملوك و خطب له ببلاد الأندلس و بلاد الصين و كان أشد بني العباس تنصدع لهيبته الجبال و كان حسن الخلق لطيف الخلق كامل الظرف فصيح اللسان بليغ البيان له التوقيعات المسددة و الكلمات المؤيدة و كانت أيامه غرة في وجه الدهر و درة في تاج الفخر و قال ابن واصل : كان الناصر شهما شجاعا ذا فكرة صائبه و عقل رصين و مكر و دهاء و له أصحاب أخبار في العراق و سائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة و غسل يده قبل أضيافه فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك فكتب في جواب ذلك [ سوء أدب من صاحب الدار و فصول من كاتب المطالعة ] قال : و كان مع ذلك رديء السيرة في الرعية مائلا إلى الظلم و العسف ففارق أهل البلاد بلادهم و أخذ أموالهم و أملاكم و كان يفعل أفعالا متضادة و كان يتشيع و يميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه حتى ان ابن الجوزي سئل بحضرته : من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فقال : أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته و لم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر و قال ابن الأثير : كان الناصر سيء السيرة خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم و أخذ أموالهم و أملاكهم و كان يفعل الشيء و ضده و كان يرمي بالبندق و يغوي الحمام و قال الموفق عبد اللطيف : و في وسط ولايته اشتعل برواية الحديث و استناب نوابا في الإجازة عنه و التسميع و أجرى عليهم جرايات و كتب للملوك و العلماء إجازات و جمع كتابا سبعين حديثا و وصل إلى حلب و سمعه الناس قال الذهبي : أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه : منهم ابن سكينة و ابن الأخضر و ابن النجار و ابن الدمغاني و آخرون قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي و غيره : قل بصر الناصر في آخر عمره و قيل ذهب كله و لم يشعر بذلك أحد من الرعية حتى الوزير و أهل الدار و كان له جارية قد علمها الخط بنفسه فكانت تكتب مثل خطه فتكتب على التواقيع و قال شمس الدين الجزري : كان الماء الذي يشربه الناصر تأتي به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ و يغلى سبع غلوات كل يوم غلوة ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام ثم يشرب منه و مع هذا ما مات حتى سقي المرقد مرات و شق ذكره و أخرج منه الحصى و مات منه يوم الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين و عشرين و ستمائة : و من لطائفه أن خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب فوقع فيها : بمن يمن يمن بمن ثمن ثمن و لما تولى الخليفة بعث إلى السلطان صلاح الدين بالخلع و التقليد و كتب إليه السلطان كتابا يقول فيه : و الخادم ـ و لله الحمد ـ يعدد سوابق في الإسلام و الدولة العباسية لا يعمرها أولية أبي مسلم لأنه والى ثم وارى و لا آخرية طغرلبك لأنه نصر ثم حجر و الخادم من كان ينازع رداءها و أساغ الغصة التي أذخر الله للأساغة في سيفه ماءها فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر و أعز بتأييد إبراهيمي فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الطاهر و من الحوادث في أيامه : منشوره في سنة سبع و سبعين و خمسمائة أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميه بالملك الناصر مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه و في سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به فالتجأ إليه خلق و حصل بذلك مفاسد و في سنة إحدى و ثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر و أربع أصابع و له أذن واحدة و فيها وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب و في سنة اثنتين و ثمانين اجتمع الكواكب الستة في الميزان فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم و توثيقها و سد منافسها على الريح و نقلوا إليها الماء و الزاد و انتقلوا إليها و انتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد و هي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة فلم يأت فيها شيء و لا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم يتحرك فيها ريح تطفئها و عملت الشعراء في ذلك فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم : ( قل لأبي الفضل قول متعرف ... مضى جمادى و جاءنا رجب ) ( و ما جرت زعزع كما حكموا ... و لا بدا كوكب له ذنب ) ( كلا و لا أظلمت ذكاء و لا ... بدت إذن في قرونها الشهب ) ( يقضي عليها من ليس يعلم ما ... يقضي عليه هذا هو العجب ) ( قد بان كذب المنجمين و في ... أي مقال قالوا فما كذبوا ؟ ) و في سنة ثلاث و ثمانين اتفق أن أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع و أول السنة الشمسية و أول سني الفرس و الشمس القمر في أول البروج و كان ذلك من الاتفاقات العجيبة و فيها كانت الفتوحات الكثيرة أخذ السلطان صلاح الدبين كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج و أعظم ذلك بيت المقدس و كان بقاؤه في يد الفرنج إحدى و تسعين سنة و أزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار و هدم ما أحدثوه من الكنائس و بنى موضع كنيسة منها مدرسة للشافعية فجزاه الله عن الإسلام خيرا و لم يهدم القمامة اقتداء بعمر رضي الله عنه حيث لم يهدمها لما فتح بيت المقدس و قال في ذلك محمد بن أسعد النسابة : ( أترى مناما ما يعيني أبصر ... القدس يفتح و النصارى تكسر ) ( و قمامة قمت من الرجس الذي ... بزواله و زالها يتطهر ) ( و مليكهم في القيد مصفود و لم ... ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر ) ( قد جاء نصر الله و الفتح الذي ... وعد الرسول فسبحوا و استغفروا ) ( يا يوسف الصديق أنت لفتحها ... فا روقها عمر الإمام الأطهر ) و من الغرائب أن ابن برجان ذكر في تفسيره {{ الم * غلبت الروم }} أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة و ثم يغلبون و يفتح و يصير دار إسلام إلى آخر الأبد و أخذ من حساب الآية فكان ذلك قال أبو شامة : و هذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق و قد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة ست و ثلاثين و خمسمائة و في سنة تسع و ثمانين مات السلطان صلاح الدين رحمه الله فوصل إلى بغداد الرسول و في صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين و فرسه و دينار واحد و ستة و ثلاثون درهما لم يخلف من المال سواها و استقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز و دمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي و حلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي و في سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه و هو آخر ملوك السلجوقية قال الذهبي : و كان عددهم نيفا و عشرين ملكا و أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد و مدة دولتهم مائة و ستون سنة و في سنة خمسمائة و اثنتين و تسعين هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا و وقع على الناس رمل أحمر و وقع من الركن اليماني قطعة و فيها عسكر خوارزم شاه فعدا جيحون في خمسين ألفا و بعث إلى الخليفة يطلب السلطنة و إعادة دار السلطنة إلى ما كانت و أن يجيء إلى بغداد و يكون الخليفة تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية فهدم الخليفة دار السلطنة و رد رسوله بلا جواب ثم كفي شره كما تقدم و في سنة ثلاث و تسعين انقض كوكب عظيم سمع لا نقضاضه صوت هائل و اهتزت الدور و الأماكن فاستغاث الناس و أعلنوا بالدعاء و ظنوا ذلك من أمارات القيامة و في سنة خمس و تسعين مات الملك العزيز بمصر و أقيم ابنه المنصور بدله فوثب الملك العادل سيف الدين أيو بكر بن أيوب و تملكها ثم أقام بها ابنه الملك الكامل و في سنة ست و تسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها و لم يكمل ثلاثة عشر ذراعا و كان الغلاء المفرط بحيث كسرها بحيث أكلوا الجيف و الآدمين و فشا أكل بني آدم و اشتهر و رئي من ذلك العجب العجاب و تعدوا إلى حفر القبور و أكل الموتى و تمزق أهل مصر كل ممزق و كثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو في السياق و هلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار و يجد البيوت مفتحة و أهلها موتى و قد حكى الذهبي في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها قال : و صارت الطرق مزرعة بالموتى و صارت لحومها للطير و السباع و بيعت الأحرار و الأولاد بالدارهم اليسيرة و استمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان و تسعين و في سنة سبع و تسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر و الشام و الجزيرة فأخربت أماكن كثيرة و قلاعا و خسفت قرية من أعمال بصرى و في سنة تسع و تسعين في سلخ المحرم ماجت النجوم و تطايرت تطاير الجراد و دام ذلك إلى الفجر و انزعج الخلق و ضجوا إلى الله تعالى و لم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه و سلم و في سنة ستمائة هجم الفرنج إلى النيل من رشيد و دخلوا بلد فوة فنهبوها و استباحوها و رجعوا و في سنة إحدى و ستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية و أخرجوا الروم منها و كانت بأيدي الروم من قبل الإسلام و استمرت بيد الفرنج إلى سنة ستين و ستمائة فاستطلقها منهم الروم و فيها ـ أي في سنة إحدى و ستمائة ـ ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين و يدين و اربعة أرجل و لم يعش و في سنة ست و ستمائة كان ابتداء أمر التتار و سيأتي شرح حالهم و في سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة قال أبو شامة : و هذا البرج كان قفل الديار المصرية و هو برج عل في وسط النيل و دمياط بحذائه من شرقيه و الجزيرة بحذائه من غربيه و في ناحيته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط و الأخرى على النيل إلى الجزيرة تمنعان عبور المراكب من البحر المالح و في سنة عشرة أخذت الفرنج دمياط بعد حروب و محاصرات و ضعف الملك الكامل عن مقاومتهم فبدعوا فيها و جعلوا الجامع كنيسة فابتنى الملك الكامل مدينة عند مفرق البحرين سموها المنصورة و بنى عليها سورا و نزلها بجيشه و في هذه السنة كاتبه قاضي ركن الظاخر و كان الملك المعظم صاحب دمشق في نفسه منه فأرسل له بقجة فيها قباء و كلوته و أمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه فلم يمكنه الامتناع ثم قام و دخل داره و لزم بيته و مات بعد أشهر قهرا و رمى قطعا من كبده و تأسف الناس لذلك و اتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف بن عنين حين تزهد خمرا و بردا و قال : سبح بهذا فكتب إليه يقول : ( يا أيها الملك المعظم سنة ... أحدثتها تبقى على الآباد ) ( تجري الملوك على طريقك بعدها ... خلع القضاة و تحفة الزهاد ) و في سنة إحدى و عشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين و جعل شيخها أبا الخطاب بن دحية و كانت الكعبة تكسى الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجا أخضر ثم كساها ديباجا أسود فاستمر إلى الآن و ممن مات في أيام الناصر من الأعلام : الحافظ أبو طاهر السلفي و أبو الحسن بن القصار اللغوي و الكمال أبو البركات بن الأنباري و الشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد و ابن بشكوال و يونس والد يونس الشافعي و أبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي و أبو الفضل والد الرافعي و ابن ملكون النحوي و عبد الحق الإشبيلي صاحب [ الأحكام ] و أبو زيد السهيلي صاحب [ الروض الأنف ] و الحافظ أبو موسى المديني و ابن بري اللغوي و الحافظ أبو بكر الحازمي و الشرف ابن أبي عصرون و ابو القاسم البخاري والعتابي صاحب [ الجامع الكبير ] ـ من كبار الحنيفة و النجم الحبوشاني المشهور بالصلاح و أبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة و فخر الدين أبو شجاع محمد ابن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي أول من وضع الفرائض على شكل المنبر و الرهان المرغيناني صاحب [ الهداية ] ـ من الحنفية و قاضيخان صاحب الفتاوي منهم و عبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد و أبو الوليد بن رشد صاحب العلوم الفلسفية و أبو بكر بن زهر الطبيب و الجمال بن فضلان من الشافعية و القاضي الفاضل صاحب الإنشاء و الترسل و الشهاب الطوسي و أبو الفرج بن الجوزي و العماد الكاتب و ابن عظيمة المقري و الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب [ العمدة ] و البركي الطاوسي صاحب الخلاف و تميم الحلي و أبو ذر الخشني النحوي و الإمام فخر الدين الرازي و أبو السعادات ابن الأثير صاحب [ جامع الأصول ] و [ نهاية الغريب ] و العماد بن يونس صاحب شرح الوجيز و الشرف صاحب [ التنبيه ] و الحافظ أبو الحسن بن المفضل و أبو محمد بن حوط الله و أخوه أبو سليمان و الحافظ عبد القادر الرهاوي و الزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا و الوجيه ابن الدهان النحوي و تقي الدين ابن المقترح و أبو اليمن الكندي النحوي و المعين الحاجري صاحب [ الكفاية ] ـ من الشافعية و الركن العميدي صاحب الطريقة في الخلاف و أبو البقاء العكبري صاحب [ الإعراب ] و ابن أبي أصيعبة الطبيب و عبد الرحيم بن السمعاني و نجم الدين الكبرى و ابن أبي الصيف اليمني و موفق الدين بن قدامة الحنبلي و فخر الدين بن عساكر و خلائق آخرون |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الخليفة العباسي المستنجد وخلافة ابنه المستضيء بأمر الله.
566 ربيع الثاني - 1171 م تاسع ربيع الآخر، توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهراً وستة أيام، وصلي عليه يوم الأحد قبل الظهر، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة رحمه الله، وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قايماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمير ببغداد، فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا، ووضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع لضعفه، ثم إنه دخل وأغلق الباب عليه فمات، وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين وصلبهما، فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار، وأعطاه خط الخليفة، فقال له: تعود وتقول إنني أوصلت الخط إلى الوزير؛ ففعل ذلك، وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش، وعرض الخط عليهم، فاتفقوا على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن وقايماز الحميدي، فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه، وأغلقا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات، ثم بعد وفاة المستنجد، أحضر هو وقطب الدين ابنه أبا محمد الحسن، وبايعاه بالخلافة، ولقباه المستضيء بأمر الله، وشرطا عليه شروطاً أن يكون عضد الدين وزيراً، وابنه كمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، ولم يتولى الخلافة من اسمه الحسن إلا الحسن بن علي بن أبي طالب والمستضيء بأمر الله، فبايعه أهل بيته البيعة الخاصة يوم توفي أبوه، وبايعه الناس في الغد في التاج بيعة عامة، ويذكر أن الخليفة المستنجد بالله كان من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية، عادلاً فيهم، كثير الرفق بهم، وأطلق كثيراً من المكوس، ولم يترك بالعراق منها شيئاً، وكان شديداً على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
151 - الْحَسَن المستضِيء بأمر اللَّه، أمير المؤمنين أبو محمد ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر أحمد ابن المقتدي الهاشمي العباسي. [المتوفى: 575 هـ]
بويع بالخلافة بعد موت أبيه فِي ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. وكان القائم بأخذ البيعة لَهُ الوزير عَضُد الدين أَبُو الفَرَج مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه ابْن رئيس الرؤساء واستوزره يومئذٍ. وُلِد المستضيء في سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وكان ذا حُلُم وأناة، وفيه رَأفة. وكان كثير الصدَقة والمعروف. وأمه أرمنية تُدْعى غضة، وكان لَهُ من الولد أَحْمَد، وهو الْإِمَام الناصر، وهاشم أَبُو منصور. قال ابْن الْجَوْزي فِي " المنتظم ": بايعة الناس ونودي برفع المكوس، ورد مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره فِي أعمارنا. وفَرق مالًا عظيمًا على الهاشميين، والعلويين، والعُلماء، والمدارس، والرُبط. وكان دائم البَذْل للمال ليس لَهُ عنده وقْع. ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم، فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفًا وثلاثمائة قباء أبريسم. وخُطب لَهُ على -[552]- منابر بغداد، ونُثرت لَهُ الدنانير كما جَرَت العادة. ووُلّى رَوح ابن الحديثي قضاء القضاة، ثم أمر سبعة عشر مملوكًا. وللحَيْص بَيص فِيهِ: يا إمامُ الهُدَى علوتَ عن الجو ... د بمالٍ وفضّةٍ ونضارٍ فوهبتُ الأعمارَ والأمن والبل ... دان فِي ساعةٍ مَضَتْ من نَهَارِ فبماذا نُثْني عليك وقد جا ... وزت فضلَ البُحُورِ والأمطارِ إنما أنت مُعجِزٌ مستقلٌّ ... خارقٌ للعقول والأفكار جمعَت نفسُك الشريفة بالبأ ... س وبالجود بين ماءٍ ونارِ قال ابْن الجوزي: واحتجبِ المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عَلَيْهِ غير قَيماز. وفي خلافته انقضت دولة بني عُبَيد المصريين، وخُطب لَهُ بمصر، وضُربت السكة باسمه، وجاء البشير بذلك إلى بغداد، فغُلقت الأسواق ببغداد وعُملت القباب. وصنّفتُ كتابًا سميته " النصر على مِصْر " وعرضته على الْإِمَام المستضيء. تُوُفي فِي شوال. قلت: رُزق سعادة عظيمة فِي خلافته، وخُطِب له باليمن، وبرقة، وتَوزر، ومصر إلى أسوان. ودانت الملوك بطاعته. وكان يطلب ابْن الجوزي، ويأمر بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يُسمَع، ويميل إلى الحنابلة. وفي أيامه ضعُف الرفْض ببغداد ووهى، وأمِن الناس. وقال ابن النجار: بويع المستضيء وله إحدى وعشرون سنة، وهذا وهم، قال: وكان حليمًا، رحيمًا، شفيقًا، لينًا، كريمًا. نقلت من خط أبي طالب بن عَبْد السميع أنه كان من الأئمة الموفقين كثير السخاء، حَسَن السيرة، إلى أن قَالَ: اتصل بي أنه وهب فِي يومٍ لجهاتٍ وحظايا زيادة على خمسين ألف دينار. وقال عبد العزيز بن دلف: حدثنا مسعود بن النادر قَالَ: كنت أنادم المستضيء، وكان صاحب المخزن ابن العطّار قد عمل تور شمعة من ألف -[553]- دينار. قال: فحضر وفيه الشمعة، فلما قمت قام الخادم بها بين يدي، فأطلق لي التور. مات في سلخ شوّال. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
95 - عَليّ، الملك المعظَّم أَبُو الحَسَن، وليّ العهد، ابن الإِمَام النّاصر لدين اللَّه أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر اللَّه الحَسَن. [المتوفى: 612 هـ]
كَانَ أَبُوه يُحبه، حَتَّى إِنَّهُ خلع أخاه أَبَا نصر مُحَمَّدًا، وجعل هَذَا وليَّ العهد، وَكَانَ شابًّا فلم يُمتَّع، ومات في ذي القِعْدَة. ومن غريب الاتفاق ما ذكر أبو المظفر ابن الجَوزي، قَالَ: دخل يوم الْجُمُعة رأس منكلي مملوك السُّلْطَان أُزبك الَّذِي كَانَ قد عصى عَلَى أُستاذه وَعَلَى الخليفة وقطع الطّريق وقتل ونهب، ثُمَّ جُهّزت إِلَيْهِ العساكر فظفروا بِهِ بقُرب همذان، فانكسر وقُتلت أصحابه، ونُهبت أثقاله وهرب ليلًا، ثُمَّ قُتل وحُمل رأسه إلى أُزبك، فبعث بِهِ إلى الخليفة، فأُدخل بَغْدَاد، وزُيّنت بغداد، -[347]- فَلَمَّا مرُّوا بِهِ عَلَى باب درب حَبيب، وافق تِلْكَ الساعة وفاة عَليّ هَذَا، فوقع الصُّراخ والنُّوح، وانقلب الفرح مأتمًا، وأمرَ الخليفة بالنِّياحة عَلَيْهِ في نواحي بَغْدَاد، وفرشوا البواري والرماد، ولطم النسوان، غُلّقت الْأسواق والحمامات. وخلّف ولدين صغيرين الحُسَيْن وَيَحْيَى. قُلْتُ: وجَزِع النّاصر لموته وَسَمِعَ النَّاس بكاءه وصُراخه عَلَيْهِ، وعُمل لَهُ مأتم ببَغْدَاد لم يُسمع بِمِثْلِهِ من الْأعمار، وأقامت لَهُ الملوك الْأعْزية في بُلدانهم، ورثَتْه الشعراء. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
67 - أحمدُ أمير المؤمنين الإمام النّاصر لدين الله، أبو العبّاس ابن الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحَسَن ابن الإمام المستنجد بالله أبي المُظَفَّر يوسُف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن المقتديّ بأمر الله أبي القاسم الهاشميّ العبّاسيُّ البَغْداديُّ. [المتوفى: 622 هـ]
وُلِدَ يوم الاثنين عاشر رجب سَنةَ ثلاثٍ وخمسين وخمسمائة. وبويع أوّل ذي القعدة سَنةَ خمسٍ وسبعين. وكان أبيضَ اللون، تُركيّ الوجه، مليحَ العَيْنَيْنِ، أنورَ الجبهة، أقنى الأنف، خفيفَ العارِضين، أشقرَ اللحية، مليحَ المحاسن. نَقْشُ خاتمه " رجائي مِن الله عفوُه ". أجاز لَهُ أبو الحُسَيْن عبد الحقّ اليُوسُفيّ، وأبو الحَسَن عليُّ بن عساكر البَطائحيّ، وشُهْدَة، وجماعة. وأجاز هُوَ لجماعةٍ من الكبار، فكانوا يُحدِّثون عنه في حياته، ويتنافسُون في ذلك، وما غَرَضهُم العلو ولا الإِسْنَاد، بل غرضُهم التّفاخُرُ، وإقامة الشعار والوَهْم. ولم تكن الخلافةُ لأحد أطولَ مُدَّة منه، إلّا ما ذُكِرَ عن الخوارج العُبيديّين، فإنَّه بقي في الأمر بديار مصر المُسْتَنْصِرُ نحوًا من ستّين سَنةَ. وكذا بقي الأميرُ عبدُ الرحمن صاحبُ الأندلس خمسين سنةً. وكان المستضيء أبوه قد تخوّف منه، فاعتقله، ومال إلى أخيه أبي منصور. وكان ابن العطّار، وأكثر الدّولة مع أبي منصور، وحظيّة المستضيء بنفشا، والمجد ابن الصّاحبِ، ونفرٌ يسير مع أبي العبّاس. فلمّا بويع أبو العبّاس، قَبَضَ على ابن العطّار وسَلَّمه إلى المماليك. وكان قد أساء إليهم، فأُخْرِجَ بَعْدَ أيَّام ميتًا، وسُحِبَ في شوارع بغدادَ. وتمكَّن المجدُ ابن الصّاحب فوق الحدّ وطغا، وآلت به الحالُ إلى أنّ قُتِلَ. قال الموفّق عبد اللّطيف: وكان النّاصِرُ لدين الله، شابًّا مرِحًا، عنده مَيْعَة الشباب. يَشُقُّ الدُّروبَ والأسواق أكثرَ الّليل والنّاسُ يتهَيَّبون لقاءَه. وظهر -[687]- التَشيّعُ بسبب ابن الصّاحب، ثمّ انطفى بهلاكه. وظهر التَّسنُّنُ المُفْرِطُ ثمّ زال. وَظَهَرتِ الفُتُوةُ والبُنْدق والحَمَام الهادي، وتفنَّن النّاسُ في ذلك. ودخل فيه الأجِلّاءُ ثمّ الملوك، فألبسوا الملك العادِلَ وأولادَه سراويلَ الفُتُوَّة، وكذا ألبسوا شهاب الدِّين الغوريّ ملك غَزْنة والهند، وصاحب كميش، وأتابَك سَعْد صاحب شيراز، والملكَ الظّاهر صاحب حلب، وتخوَّفوا من السُّلطان طُغْريل. وجرت بينهم حروبٌ. وفي الآخر استدعوا تِكش لحربه، وهُوَ خُوارِزم شاه، فخرج في جحفلٍ لجبٍ، والتقى معه على الرَّيّ، واحتزَّ رأسَه، وسيَّره إلى بغداد. ثمّ تقدَّم تِكش نحو بغداد يلتمسُ رسومَ السلطنة، فتحرَّكت عليه أُمَّةُ الخَطَا، فَرَجَعَ إلى خُوارزم، وما لَبِثَ أن مات. وكان النّاصرُ لدين الله قد خطب لولده الأكبر أبي نصر بولاية العهد، ثُمّ ضيَّق عليه لما استشعر منه، وعيَّن أخاه، ثمّ ألزم أبا نصر بأن أشهدَ على نفسه أنَّه لا يَصْلُح، وأنّه قد نزل عن الأمر. وأكبر الأسباب في نفور النّاصر من ولده هو الوزير نصير الدّين ابن مهديّ العلويّ، فإنَّه خَيَّلَ إلى الخليفة فساد نيَّة ولده بوجوهٍ كثيرة. وهذا الوزيرُ أفسد على الخليفة قلوبَ الرعية والْجُند، وبَغَّضَهُ إليهم وإلى ملوكِ الأطراف، وكاد يُخلي بغداد عن أهلها، بالإرهاب تارةً وبالقتل أخرى، ولا يَقْدِرُ أحد أنّ يكشِفَ للخليفة حالَ الوزير، حَتّى تمكّن الفسادُ وظهر، فقبض عليه برِفق. وفي أثناء ذلك، ظهر بخُراسان وما وراءَ النهر خُوارزم شاه محمد بن تكش وتجبّر وطوى البلاد، واستبعد الملوكَ الكِبَارَ وفَتَكَ بكثيرٍ منهم، وأباد أممًا كثيرةً من التُّرْك، فأباد أُمَّة الخَطا، وأُمَّة التُّرْك، وأساء إلى باقي الأمم الّذين لم يصل إليهم سَيْفُه. ورَهِبَه النّاسُ كُلُّهم. وقَطَعَ خطبة بني العبَّاس من بلاده، وصرَّح بالوقيعة فيهم. وقَصَدَ بغداد فوصل إلى هَمَذَانَ وبوادِرُه إلى حُلوان فوقع عليهم ثلج عظيمٌ عشرين يومًا، فغطّاهم في غير إبَّانِهِ، فأشعره بعضُ خواصِّه أنّ ذلك غضبٌ مِن الله، حيث نقصِدُ بيتَ النُّبُوّة. والخليفة مع ذلك قد جَمَعَ الجموعَ، وأنفق النفقاتِ، واستعدَّ بكُلِّ ما تصل المُكنةُ إليه، لكنّ الله وقَى شرَّه وردَّه على عقبه. وسَمِعَ أنَّ أمم التُّرْك قد تألَّبوا عليه وطَمِعُوا في البلاد لِبُعده عنها، فقصدهم، فقصدُوه، ثمّ كايدوه، وكاثروه إلى أن مزَّقوه في كلّ وِجْهة، وبَلْبَلوا لُبَّه، وشتَّتوا شملَهُ، وملكوا عليه أقطارَ الأرض، حَتّى ضاقت عليه بما رَحُبَتْ، وصار أين توجَّه، وَجَدَ سيوفَهم متحكّمة فيه، فتقاذفت به البلادُ حتّى -[688]- لم يجد موضعًا يحويه، ولا صديقًا يُؤويه، فشرَّق وغرَّب، وأنجد وأسهل، وأصحرَ وأجبل، والرُّعْبُ قد ملك لُبّه، فعند ذلك قضى نحبه. قال: وكان الشيخ شهاب الدِّين لَمّا جاء في الرسالة خاطبه بِكُلِّ قولٍ ولاطفهُ، ولا يزدادُ إلّا طغيانًا وعُتوًّا، ولم يزل الإمامُ النّاصر مُدَّة حياته في عزٍّ وجلالةٍ، وقمْع للأعداء، واستظهارٍ على الملوك، لم يجد ضَيْمًا، ولا خرج عليه خارجيّ إلّا قمعه، ولا مخالفٌ إلّا دَمَغه، وكلّ مَنْ أَضْمر لَهُ سوءًا رماه الله بالخِذلان. وأبادَه. وكان مع سعادة جَدِّه شديدُ الاهتمام بمصالح المُلك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارِهم وصغارِهم. وأصحابُ أخباره في أقطار البلاد يُوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة حَتّى يُشاهد جميعَ البلادِ دفعة واحدة. وكانت لَهُ حيلٌ لطيفة، ومكايدُ غامضة، وخدعٌ لا يَفْطَنُ لها أحد. يُوقِعُ الصداقةَ بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويُوقع العداوة بين ملوكٍ متّفقين وهم لا يَفْطَنُونَ. قال: ولو أخذنا في نوادِر حكاياته، لاحتاجت إلى صحفٍ كثيرة. ولَمّا دخل رسول صاحب مازندران بغدادَ، كانت تأتيه ورقةٌ كُلّ صباح بما عَمِلَ في الّليل، فصار يُبالغ في التّكتُّم، والورقة تأتيه، فاختلى ليلةً بامرأةٍ دخلت من باب السِّرِّ، فصبّحته الورقة بذلك، وفيها: كَانَ عليكم دواجٌ فيه صُورة الأفْيلة. فتحيَّر، وخرج من بغداد وهُوَ لا يشكّ أنّ الخليفة يَعْلَمُ الغيب؛ لأنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل، وما وراء الجدار. وقيل: إنَّ النّاصر كَانَ مخدومًا من الجنّ. وأتى رسولُ خُوارزم شاه برسالةٍ مَخْفيّة وكتابٍ مختوم، فقيل: ارجع، فقد عرفنا ما جئتَ به، فرجع وهُوَ يظنّ أنّهم يعلمون الغيب. ووصل رسول آخر فقال: الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة، فحُبِسَ، -[689]- ونُسِيَ ثمانية أشهر، ثمّ أُخْرج وأُعطي عشرة آلاف دينار، فذهب إلى خُوارزم شاه، وصار صاحبَ خبرٍ لهم، وسيَّر جاسوسًا يُطْلِعُه على أخبار عسكر خُوارزم شاه لَمّا وجَّه إلى بغداد، وكان لا يقدِرُ أحدٌ أنّ يَدْخُلَ بينهم إلّا قتلوه، فابتدأ الجاسوسُ وشوَّه خِلقته وأظهر الجنونَ، وأنّه قد ضاع لَهُ حمار فأنِسُوا به، وضَحِكُوا منه، وتردّد بينهم أربعين يومًا، ثمّ عاد إلى بغداد، فقال: هم مائة وتسعون ألفًا إلّا أنّ يزيدوا ألفًا أو يَنْقُصُوا ألفًا. وكان النّاصرُ إذا أَطعم أشبع، وإذا ضَرَبَ أوجع، ولَهُ مَوَاطِنُ يُعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصلَ رجلٌ معه بَبّغاء تَقرأ " {{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحدٌ}} " تُحفةً للخليفة من الهند، فأصبحت ميتةً، وأصبح حيرانَ، فجاءه فرّاش يطلب منه الببغاء، فبكى، وقال: اللّيلة ماتت، فقال: قد عرفنا هاتِها ميتة، وقال: كم كَانَ في ظَنِّكَ أنّ يعطيك الخليفة؟ قال: خمسمائة دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار خُذها، فقد أرسلها إليك أميرُ المؤمنين، فإنَّه علم بحالك مذ خرجت من الهند! وكان صدر جهان قد صار إلى بغداد ومعه جمعٌ من الفقهاء، وواحد منهم لَمّا خرج من داره من سمرقند على فرسٍ جميلة، فقال لَهُ أهلُه: لو تركتَها عندنا لئلا تُؤْخَذَ منك في بغداد؟ فقال: الخَليفةُ لا يقدر أنّ يأخذها منّي، فأمر بعض الوقّادين أنَّه حين يَدْخُلُ بغداد يَضْرِبُه، ويأخُذُ الفرس ويَهْرُبُ في الزَّحمة، ففعل، فجاء الفقِيهُ يستغيثُ فلا يُغاث، فلمّا رجعوا من الحجِّ خُلِعَ على صَدْرِ جهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، وبعدَ الفراغ منهم، خُلِعَ عليه، وأُخرج إلى الباب وقُدِّمَتْ لَهُ فرسُه وعليها سرجٌ من ذهب وطوق، وقيل لَهُ: لم يأخذ فَرَسَك الخليفةُ، إنّما أخذها أتونيٌّ، فخرَّ مَغْشِيًّا عليه، وأسجل بكراماتهم. قلت: يجوز أنّ يكون الخليفة أو لبعضِ خواصُه رَئِيٌّ من الجنّ، فيخبره بأضعاف هذا، والخطبُ في هذا سهل، فقد رأينا أنموذجَ هذا في زماننا بل وأكثر منه. قال الموفقُ عبدُ اللّطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، -[690]- واستنابَ نُوابًا في ذلك، وأجرى عليهم جراياتٍ، وكتبَ للملوك والعلماءِ إجازات. وجمع كتابًا سبعينَ حديثًا ووصل على يدِ شهاب الدِّين إلى حَلَب، وسمعه الملكُ الظَّاهر وجماهيرُ الدَّولة، وشرحتُهُ شرحًا حسنًا، وسيَّرتُه صُحبة شهاب الدِّين. وسبب انعكافه على الحديث أنّ الشريفَ العبّاسيّ قاضي القضاة نُسِبَ إليه تزوير، فأحضر القاضي وثلاثة شهود، فعزّز القاضي بأنّ حرّكت عمامته فقط، وعزّز الثلاثة بأنْ أُرْكِبوا جِمالًا وَطِيفَ بهم المدينة يُضربون بالدِّرَّةِ، فمات واحد تلك اللّيلة، وآخر لبس لُبْسَ الفُسَّاق ودخل بيوتهم، والثالث لَزِمَ بيتَه واختفى وهُوَ البَنْدنيجيّ المُحدِّث رفيقنا. فَبَعْدَ مدّةٍ احتاج، وأراد بيع كُتُبه، ففتّش الْجُزازَ، فوجد فيه إجازة للخليفة من مشايخ بغداد، فرفعها، فَخُلِعَ عليه، وأُعطِيَ مائة دينار، وجُعِلَ وكيلًا عن أمير المؤمنين في الإِجازة والتّسميع. قلت: أجاز النّاصرُ لجماعةٍ من الأعيان فحدّثوا عنه منهم: أبو أحمد بن سكينة، وأبو محمد ابن الأخضر، وقاضي القضاة أبو القاسم ابن الدَّامغانيّ، وولده الظّاهر بأمرِ الله، والملك العادلُ، وبنوه المعظَّم والكامِلُ والأشرفُ. قال ابن النّجّار: شرّفني بالإِجازة، فرويتُ عنه بالحَرَمَين، وبيتِ المقدس، ودمشقَ، وحلبَ، وبغدادَ، وأصبَهَان، ونَيْسَابُور، ومَرْوَ، وهَمَذَانَ. ثمّ روى عنه حديثًا بالإجازة التي أذِن لَهُ بخطِّه. وقال الموفّق عبد اللّطيف: وأقام سنين يُراسِلُ جلالَ الدِّين حسن صاحب أَلَموت يُراوِدُه أن يُعيد شعارَ الْإِسْلَام منَ الصّلاة والصيام وغير ذلك ممّا رفعوه في زمان سِنَان، ويقول: إنكم إذا فعلتم ذلك كنّا يدًا واحدة، ولم يتغيَّرْ عليكم مِن أحوالكم شيءٌ، ومَنْ يروم هذا مِن هؤلاء، فقد رام منال العَيُّوق، واتّفق أنّ رسول خُوارزم شاه بن تِكش ورد في أمرٍ من الأُمور، فزُوِّر على لسانه كُتُبٌ في حقِّ الملاحِدَةِ تشتمل على الوعيدِ، وعَزْمِ الإيقاع بهم، وأنه سيخرب -[691]- قِلاعَهم، ويطلبُ من الخليفة المعونةَ في ذلك، وأُحْضِرَ رجل منهم كَانَ قاطنًا ببغدادَ، ووُقِّفَ على الكتب، وأُخْرِجَ بها وبكُتب أخرى على وجه النصيحةِ نصفَ اللّيلِ على البريد، فلمّا وصل أَلَمُوتَ، أرهبهم، فما وجدوا مخلصًا إلّا التَّظَاهُرَ بالإسلام، وإقامة شِعاره. وسيَّروا إلى بغداد رسولًا ومعه مائتا شابّ منهم، ودنانيرَ كبارًا في مخانق، وعليها " لا إله إلّا الله مُحَمَّد رَسُول اللَّه "، وطافُوا بها في بغداد، وجميعُ من حولها يُعلِنُ بالشهادتين. وكان النّاصرُ لدين الله قد ملأ القلوبَ هيبةً وخيفة. فكان يَرْهَبُه أهلُ الهند ومصر كما يَرْهَبُهُ أهل بغداد، فأحيى هيبةَ الخِلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثمّ ماتت بموته. ولقد كُنْتُ بمصر والشّام في خلواتِ الملوكِ والأكابرِ، فإذا جرى ذِكْرُهُ، خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالاً. وورد بغدادَ تاجرٌ معه متاع دِمياط المُذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأُعطي علاماتٍ فيه مِن عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكارُه، فقيل لَهُ: مِن العلامات أنَّك نَقَمْتَ على مملوكك التّركيّ فلان، فأخذْتَه إلى سَيفِ بَحْرِ دمياط خلوةً، وقتلتَه ودفنتَه هناك، ولم يشعر بذلك أحد. قال ابن النّجّار في ترجمة النّاصر: دانت لَهُ السلاطينُ، ودخل تحتَ طاعته مَنْ كَانَ من المخالفين، وذَلَّتْ لَهُ العُتاة والطُّغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة والبُغاة، واندحضَ أضدادُه وأعداؤه، وكَثُرَ أنصارُه وأولياؤُه، وفَتَحَ البلادَ العديده، وملك مِن الممالك ما لم يملِكُه مَنْ تقدَّمه مِن الخلفاء والملوك أحد، وخُطِبَ لَهُ ببلادِ الأندلس وبلاد الصّين، وكان أسدَ بني العبّاس، تتصدَّع لهيبته الجبال، وتذِلُ لسطوته الأقيال. وكان حَسَنَ الخَلْقِ، لَطِيفُ الخُلُق، كامل الظَّرْفِ، فصيحَ اللّسان، بليغَ البيان، لَهُ التّوقيعاتُ المسدَّدة، والكلماتُ المؤيَّدة، كانت أيّامُه غُرَّةً في وجه الدّهر، ودُرَّةً في تاج الفخر. وقد حدَّثني الحاجب أبو طالب عليُّ بن مُحَمَّد بن جعفر قال: برز توقيعٌ من النّاصر لدين -[692]- الله إلى جلال الدّين ابن يونس صدر المخزن: " لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يُقَدِمُوا على أمرٍ لم ينظروا في عاقبته، فإنّ النظرَ قبل الإقدام خيرٌ من الندم بعد الفوات، ولا يؤخذ البراء بقول الأعداء، فلكلِّ ناصح كاشح، ولا يُطالب بالأموال من لم يَخُنْ في الأعمال، فإنّ المصادرة مكافأةً للظالمين، وليكُن العفافُ والتُقى رقيبان عليك ". قال الحاجبُ أبو طالب: وبرز توقيعٌ آخر منه إلى ابن يونس: " قد تكرر تَقَدُّمنا إليك مِمّا افترضه الله علينا، ويلزمنا القيامُ به؛ كيف يُهْمَلُ حال النّاس حَتّى تمَّ عليهم ما قد بُيّن في باطنها، فتنصف الرجل، وتقابل العامل إن لم يُفلج بحجّة شرعية ". وقال القاضي ابن واصل: كَانَ النّاصرُ شَهمًا، شُجاعًا، ذا فكرةٍ صائبةٍ وعقلٍ رصينٍ، ومكرٍ ودهاءٍ، وكانت هيبتُه عظيمة جِدًّا، ولَهُ أصحابُ أخبار في العِراق وسائر الأطراف، يُطالعونه بجزئيات الأمورِ، حَتّى ذُكِرَ أنّ رجلًا ببغداد عمل دعوةً، وغسّل يَده قبل أضيافه، فطالع صاحبُ الخبر النّاصر بذلك. فكتب في جواب ذلك: " سوءُ أدبٍ من صاحب الدّار، وفضولٍ من كاتب المطالعة ". قال: وكان مع ذلك رديءَ السِّيرة في الرعية، مائلًا إلى الظُّلم والعَسْفِ، فخِربَتْ في أيامه العِراق، وتفرَّق أهلُها في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم، وكان يفعل أفعالًا متضادّة، إلى أن قال: وكان يتشيَّعُ، ويميل إلى مذهب الإِمامية بخلاف آبائه، إلى أن قال: وبلغني أنّ شخصًا كَانَ يرى صحّة خلافةِ يزيد، فأحضره الخليفةُ لِيعاقبه، فقيل لَهُ: أتقولُ بصحّة خلافة يزيد؟ فقال: أنا أقولُ: إن الإمام لا ينعزِلُ بارتكاب الفِسْقِ، فأعرض النّاصرُ عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف المحاققة. قال: وسئل ابن الجوزيّ، والخليفة يسمع: مَن أفضلُ الناس بعد -[693]- رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: أفضلُهم بعده من كانت ابنتُه تحته، وهذا جوابٌ محتمل لأبي بكر وعليّ - رَضِيَ اللَّهُ عنهما -. وكتب إلى النّاصر خادمٌ لَهُ اسمه يُمن ورقه فيها يعتب، فوقع فيها: " بِمَن يَمُنُّ يُمْن، ثمنُ يمنٍ ثُمْن ". وقال أبو المُظَفَّر الجوزيّ: قلّ بَصَرُ الخليفة في الآخر، وقيل: ذهب جملةً. وكان خادمُه رشيقٌ قد استولى على الخلافة، وأقام مدّة يوقّع عنه. وكان بالخليفة أمراض مختلفة، منها عسر البول، والحصى، ووجد منه شدّةً وشَقَّ ذَكره مرارًا، وما زال يعتريه حَتّى قتله. وغسّله خالي محيي الدِّين يوسُف. وقال الموفّق: أما مرضُ موته، فسهوٌ نسيان، بقي به ستّةَ أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكُنْه حاله، حَتّى خَفِيَ على الوزير وأهلِ الدار. وكان لَهُ جاريةٌ قد علّمها الخطِّ بنفسه، فكانت تكتُبُ مثل خطِّه، فتكتب على التّواقيع بمشورة قَهْرَمَانَةِ الدار. وفي أثناء ذلك نزل جلال الدِّين محمد خُوارزم شاه على ضواحي بغداد هاربًا مُنَفَّضًا مِن المال والرجال والدّوابُ، فَأَفْسَدَ بقدر ما كانت تَصِلُ يدُه إليه. وكانوا يُدارونه ولا يُمضون فيه أمرًا لِغيبة رأي الخليفة عنهم، إلى أنّ راح إلى أَذْرَبَيْجَان، ونهب في ذهابه دَقُوقًا واستباحها. وكانت خلافتُه سبعًا وأربعين سَنةَ. تُوُفّي في سَلْخ رمضان، وبُويَع لِولده أبي نصر ولُقِّبَ بالظَّاهر بأمر الله؛ فكانت خلافتُه تسعة أشهر. وذكر العَدْلُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْرٍ الْجَزَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ: سَمِعْتُ الْوَزِيرَ مُؤَيَّدَ الدِّينِ ابن العلقميّ لمّا كان -[694]- على الأستاذداريّة، يَقُولُ: إِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَشْرَبُهُ الإِمَامُ النَّاصِرُ كانت تجيء به الدّواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبعة غَلْوَاتٍ، كُلَّ يَوْمٍ غَلْوَةٌ، ثُمَّ يُحْبَسُ فِي الأَوْعِيَةِ سَبْعَةَ أيََّامٍ، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ، وَبَعْدَ هذا مَا مَاتَ حَتّى سُقِيَ الْمُرَقِّدَ ثَلاثَ مِرَارٍ وَشُقَّ ذَكَرُهُ وَأُخْرِجَ مِنْهُ الْحُصَى. وقال ابن الساعي: فأصبح النّاسُ يوم الاحد - يعني يوم الثلاثين من رمضان - وقد أغلقت أبوابُ دارِ الخلافة، وتولّى غسله محيي الدّين ابن الجوزيّ، وصَلَّى عليه ولدُه الظّاهر بأمر الله بعد أن بُويع، بايعه أولًا أقاربه، ثمّ نائب الوزارة مؤيّد الدِّين محمد القُمي وولدُه فخر الدِّين أحمد، والأستاذ دار عَضُدِ الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك، وقاضي القضاة محيي الدّين ابن فَضْلان الشّافعيّ، والنقيبُ قِوام الدِّين أبو عليّ الموسويّ. ودُفِنَ بصحن الدَّار، ثمّ نُقِلَ بعد شهرين إلى التُّرَبِ، ومشى الخلقُ بَيْنَ يدي جنازته. وأما بيعةُ الظّاهر، فهي في سَنَةِ اثنتين في الحوادث. وقال ابن الأَثير: بقي النّاصرُ ثلاثَ سنين عاطلًا عن الحركة بالكُلِّية وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دُوسنطاريا عشرين يومًا، ومات ولم يُطلِقْ في طول مرضه شيئًا ممّا كَانَ أحدثه من الرسوم. وكان سيئَ السِّيرة خَرِبَ في أيَّامه العراقُ، وتفرَّق أهلُه في البلاد، وأخذ أموالَهم وأملاكَهم. قال: وكان يفعلُ الشيءَ وضِدَّه، جعل همَّه في رمي البُنْدِق والطُّيور المناسيب، وسراويلات الفُتُوّة. ونقل الظّهير الكازرونيّ في " تاريخه " وأجازه لي أنّ النّاصر في وسط خلافته هَمَّ بترك الخِلافة، والانقطاع إلى التَّعبّد. وكتب عنه ابن الضّحّاك -[695]- توقيعًا فقُرِئَ على الأعيان، وبني رباطًا للفقراء، وأتَّخذ إلى جانب الرِّباط دارًا لنفسه كَانَ يتردَّدُ إليها، ويحادث الصوفية وعمل لَهُ ثيابًا كثيرةً بزِيّ الصُّوفية. قلت: ثمّ تركَ ذلك، ومَلَّ، الله تعالى يُسامِحُه ويَرْحَمُهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
200 - مُحَمَّد، أمير المؤمنين الظّاهر بأمرِ الله أبو نصر ابن أمير المؤمنين النّاصر لدين الله أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحَسَن بن يوسُف الهاشمي العباسيّ البغداديّ. [المتوفى: 623 هـ]
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وبايع لَهُ أبوه بولاية العهد في سَنَةِ خمسٍ وثمانين، وخُطب لَهُ على المنابر، ونُثر عند ذِكره الدّنانير وعليها اسمه. ولم يَزَلِ الأمرُ على ذلك حَتّى قطع ذلك أبوه في سَنَةِ إحدى وستّمائة وخلعه وأكرهه، وزوى الأمر عنه إلى ولده الآخر. فلمّا مات ذلك الولد، اضطرّ أبوه إلى إعادته، فبايع لَهُ وخطب لَهُ في شَوَّال سَنَة ثمانٍ عشرة. واستخلف عند موت والده، فكانت خلافته تسعة أشهر ونصفًا. وقد روى عن والده بالإجازة قبل أن يستخلف. قال ابن النّجّار: تَقَدَّمَ أبوهُ بجلوسِهِ بالتّاج الشريف في كلّ جُمُعة، ويقعد في خدمته أستاذ الدّار، ليُقْرأ عليه " مُسْند أحمد بن حنبل " بإجازته من والده. ثمّ قال: أَخْبَرَنَا أبو صالح الجيليّ، قال: أَخْبَرَنَا الظّاهرُ بأمر الله أبو نصر بقراءتي، قال: أنبأنا أبي، قال: أنبأنا عبد المغيث بن زهير وغيره، قالوا: أَخْبَرَنَا ابن الحُصَيْن، فذكر حديثًا بهذا السَّنَد النَّازل - كما ترى -. قال ابن الأثير في " كامله ": ولَمّا ولي الظّاهر أظهر من العَدْل والإِحسان ما أعاد به سَنَة العمرين؛ فإنَّه لو قيل: ما وَلِيَ الْخِلافَةَ بَعْدَ عُمَر بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مثلَهُ لكان القائل صادقًا، فإنَّه أعادَ من الأموال المَغْصُوبة، والأملاك الموخوذَة في أيام أبيه وقبلها شيئاً كثيرًا، وأطلقَ المكوس في البلاد جميعها، وأمرَ بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وبإسقاطِ جميع ما جدَّدَهُ أبوه، وكان ذلك كثيرًا لا يحصى؛ فمن ذلك: بعقوبا، كان يحصل منها قديماً عشرة آلاف دينار، فلمّا استخلف النّاصرُ كَانَ يُؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار، -[748]- فاستغاث أهلُها، وذكروا أنّ أملاكهم أُخِذَتْ، فأعادها الظّاهرُ إلى الخراج الأَوَّل، ولَمّا أعاد الخراج الأصليّ على البلاد حضرَ خلقٌ، وذكروا أنّ أملاكهم قد يَبِسَتْ أكثر أَشجارها وخَرِبَتْ؛ فأمر أن لا يُؤخذ إلّا من كلّ شجرةٍ سالمةٍ، وهذا عظيمٌ جِدًّا. ومن عدله أنّ سَنْجَة المخزن كانت راجحةً نصفَ قِيراط في المِثقال يقبضون بها، ويُعطون بِسَنْجَة البلد، فخرج خطّه إلى الوزير وأوّله: " {{ويلٌ للمطفّفين}} " الآيات، وفيه: قد بَلَغَنَا كذا وكذا فتعاد سَنْجَة الخِزانة إلى ما يتعامل به النّاس. فكتبوا إليه؛ إنّ هذا فيه تفاوت كثير، وقد حسبناه في العام الماضي، فكان خمسةً وثلاثين ألف دينار. فأعاد الجواب يُنكر على القائل ويقول: يبطل ولو أنّه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار. ومِن عدله: أنّ صاحب الدِّيوان قَدِمَ من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلمٍ، فردَّها على أربابها، وأخرجَ المُحبسين، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمَّن أَعْسَر. وقيل لَهُ: في هذا الّذي تخرجه من الأموال لا تسمحُ نفسٌ ببعضها، فقال: أنا فتحت الدُّكان بعد العصر، فاتركوني أفعل الخير، فكم بقيت أعيش؟ قال: وتصدَّقَ ليلةَ النَّحْر بشيءٍ كثير. قلت: ولم يأت عليه عيدٌ سواه، فإنّ عيدَ الفِطْر كَانَ يومَ مبايعته. قال: تصدّق وفرَّق في العلماء والصلحاء مائة ألف دينار. وكان نِعْمَ الخليفة، جمع الخشوعَ مع الخضوع لربّه والعَدْلَ والإِحسان إلى رعيَّته، ولم يَزَلْ كلّ يوم يزدادُ من الخير والإِحسان. وكان قبل موته قد أخرج توقيعًا بخطِّه إلى الوزير ليقرأه على الأكابر، فقال رسولُه: أمير المؤمنين يقول: ليس غرضُنا أنّ يقال: برزَ مرسومٌ أو نفذ مِثال، ثمّ لا يبين لَهُ أثرٌ، بل أنتُم إلى إمام فعّالٍ أحوجُ منكم إلى إمام قَوَّال، فقرأَهُ الوزيرُ، فإذا في أوله: أعلموا أنَّه ليسَ إمهالُنا إهمالاً، ولا إغضاءنا إغفالًا، ولكن لِنَبْلُوَكُم أيُّكم أحسنُ -[749]- أعمالًا، وقد عفونا لكم عمّا سَلَف من أخرابِ البلاد، وتشريدِ الرعايا، وتقبيح السُّمْعَة، وإظهارِ الباطل الجليِّ في صورة الحقّ الخَفِيّ حيلةً ومَكِيدةٍ، وتسميةِ الاستئصال والاجتياح استيفاءً واستدراكًا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليث باسلٍ وأنياب أسدٍ مَهيب، تتّفقون بألفاظٍ مختلفة على معنى واحدٍ وأنتم أُمناؤه وثقاتُه، فتُميلون رأيَه إلى هواكم، فَيُطيعكم وأنتم لَهُ عاصون. والآن فقد بَدَّل اللهُ بخوفكم أمنًا، وَبِفقركم غِنًى، وبباطلكم حقًّا، ورزقكم سُلطانًا يُقِيلُ العَثْرَةَ، ولا يُؤاخذ إلّا مَنْ أَصَرَّ، ولا ينتقِمُ إلّا ممّن استمرَّ، يأمُرُكم بالعَدْلِ وهُوَ يُريده منكم، وينهاكُم عن الْجَوْرِ ويكرهُه لكم، يخافُ الله ويخوِّفكم مَكْرَهُ، ويرجو الله ويرغَّبكم في طاعتِه. فإن سلكتُم مسالك نواب خلفاءِ الله في أرضه وأمنائِهِ على خَلْقه، وإلّا هلكتُم، والسلام. قال: ولَمّا تُوُفّي وُجِد في بيتٍ من داره ألوفُ رقاعٍ كلها مختومة لم [يفتحها] فقيل لَهُ: لِم لا تفتحها؟ قال: لا حاجةَ لنا فيها، كلّها سعايات. وقال أبو شامة في " تاريخه ": وكان أميرُ المؤمنين أبو نصر، جميلَ الصورة، أبيضَ مُشْربًا حُمرة، حُلْوَ الشَّمائِل، شديد القوى، بويع وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. فقيل له: ألا تتفسّح؟ قال: قد لقس الزرع، فقيل: يبارك الله في عمرك، قال: من فتح دكانا بعد العصر أيشٍ يكسب؟ ثمّ إنَّه أحسن إلى النّاس، وفرَّق الأَموال، وأبطلَ المكوس، وأزالَ المظالم. وقال أبو المظفّر الجوزيّ: حُكي لي عنه: أنَّه دخل إلى الخزائن، فقال لَهُ خادم: في أيامك تمتلئُ، فقال: ما فُعِلَتِ الخزائنُ لتُملأ، بل لِتُفرغ، وتُنْفَق في سبيل الله تعالى، فإنَّ الجمعَ شُغْلُ التّجّار! وقال ابن واصل: أظهرَ العَدْل، وأزال المَكْسَ، وظَهَرَ للناس، وكان أبوه لا يظهر إلاّ نادراً. -[750]- قلت: تُوُفّي في ثالث عشر رجب، وبُويعَ بعدَه ولدُه المستنصر بالله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
692 - منصورٌ المستنصرُ بالله، أميرُ المؤمنين، أَبُو جعفرٍ ابنُ الظاهر بأمر اللَّه أمير المؤمنين محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن ابن المستنجد يوسف ابن المقتفي الهاشميّ العباسيُّ البغداديّ. [المتوفى: 640 هـ]
وُلِد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة. وأمُّه جاريةٌ تركيةٌ. بُوِيعَ بعدَ موت أَبِيهِ فِي رجب سنة ثلاثٍ وعشرين. قَالَ ابنُ النجار: فنشر العدلَ فِي الرعايا، وبَذَلَ الإنصافَ فِي القضايا، وقَرَّبَ أهلَ العلمِ والدّين، وبنَى المساجدَ والرُّبط والمدارسَ والمارستانات، وأقامَ منارَ الدينِ، وقَمَعَ المتمرِّدة، ونَشَرَ السُّنَنَ، وكَفَّ الفِتَنَ، وحَمَلَ الناسَ عَلَى أقومِ سَنَنِ، وقامَ بأمر الجهاد أحسنَ قيام، وجَمَعَ الجيوش لنُصْرةِ الإِسلْام، وحَفِظَ الثُّغورَ، وافتتحَ الحُصون. إلى أن قَالَ: وكان أبيضَ، أشقرَ الشَّعْرِ، ضَخْمًا، قصيرًا، وَخَطَّهُ الشيبُ، فخَضَبَ بالحِنَّاء، ثمّ تَرَكَ الخِضَابَ. وقال المُوَفَّق عبدُ اللطيف: بُويعَ أَبُو جعْفَر، وسارَ السِّيرةَ الجميلةَ، وعَمَّرَ طرق المعروف الداثرة، وأقام شعار الدينِ ومنارَ الإسلامِ، وعَمَّرَ بسخَائِه وبَذْلِه. واجتمعَتِ القلوبُ عَلَى حُبِّه والألسنةٌ عَلَى مدحِه. ولم يَجِدْ أحدٌ من المتعنتة فِيهِ مَعَابًا، قد أطبقوا عَلَيْهِ. وكان جدُّه الناصرُ يُقِّربُه ويُحِبُّه ويُسميه القاضي لعقله وهديه وإنكارِه ما يجدُ من المُنكَرِ. والناسُ معه اليوم فِي بُلَهْنِيَةٍ هنيةٍ، وعيشةٍ -[331]- مرضيةٍ. وسيرَّ إِلَيْهِ خُوارزم شاه يَلْتَمِسُ منه سَرَاوِيلَ الفُتُوة، فسيَّره إِلَيْهِ مَعَ أموال جمَّةٍ وتُحَفٍ. وفيما سيَّر إِلَيْهِ فرسُ النَّوبة، فسُرَّ بذلك وابتهجَ، وقبَّلَ الأرض مراتٍ شكرًا لله عَلَى هذه المنزلَة التي رُزِقَها وحُرِمَها أَبُوهُ، ثمّ إنه أذْعَنَ بالعبوديَّةِ والطاعةِ. وقال ابنُ واصل: بَنَى المستنصرُ عَلَى دِجْلةَ من الجانب الشرقيّ ممّا يلي دارَ الخلافةِ مدرسةً ما بُنِيَ عَلَى وجه الأرضِ أحسنُ منها ولا أكثُر وقفًا، وهي بأربعة مُدرّسين عَلَى المذاهبِ الأربعة. وعمل فيها بيمارستاناً كبيرًا، ورتَّبَ فيها مَطْبَخًا للفُقهاءِ، ومزملة للماءِ الباردِ. ورَتَّبَ لبيوتِ الفقهاءِ الحُصُرَ، والبُسُطَ، والفَحْمَ، والأطعمةَ، والوَرَقَ، والحِبْرَ، والزَّيتَ، وغيرَ ذَلِكَ. وللفقيه - بعد ذَلِكَ - فِي الشهر ديناران، ورَتَّبَ لهم حَمَّامًا، ورَتَّبَ لهمِ بالحمَّام قَومَةً. وهذا ما سُبق إِلَيْهِ. وللمدرسةِ شبابيك عَلَى دِجْلة. وللخليفةِ منظرةٌ مطلةٌ عَلَى المدرسةِ يَحضُر فيها الخليفةٌ، ويَسَمعُ الدّرسَ. إلى أن قالَ: واستخدمَ عساكرَ عظيمةً لم يَستخدِمْ مثلَها أَبُوهُ ولا جدُّه، وكانت تزيدُ عَلَى مائة ألفٍ وعشرين ألفَ فارسٍ، وأكثرَ منَ ذَلِكَ، كذا قَالَ ابنُ واصل. وكان ذا هِمَّةٍ عاليةٍ، وشجاعةٍ وإقدامٍ عظيمٍ. قصدت التتار البلاد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة. وكان له أخٌ يُقَالُ لَهُ: الخَفَاجي، فِيهِ شهامةٌ زائدةٌ، كانَ يَقُولُ: إنْ وُلِّيتُ لأعْبُرَنَّ بالعساكر نهرَ جَيْحون، وآخذُ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم. فلمّا ماتَ المستنصرُ لم يَرَ الدُّويدارُ ولا الشَّرابيّ تقليدَ الخَفاجيّ خَوفًا منه، وأقاما أَبَا أَحْمَد للِينةِ وضَعْفِ رأيه؛ ليكونَ لهما الأمرُ ليُنفذَ اللَّه أمرَه فِي عُبَادة. وقد رَثَاه الناصرُ داودُ بقصيدةٍ فائقةٍ مَطْلَعُها: أيا رَنَّةَ الناعي عَبَثْتِ بَمسْمَعِي ... وأجَّجْتِ نارَ الحُزنِ ما بَيْنَ أضْلُعِي وأخْرَسْتِ منِّي مِقْوَلًا ذا براعةٍ يَصُوغُ أفَانِين القَريضِ المُوشَّع ... نَعَيْت إليَّ البَأْسَ والْجُودَ والحِجَى فَأوْقَفْتِ آمالي وأجْرَيْتِ أدْمُعي -[332]- وقال الحافظُ عبدُ العظيمِ: مولدُه فِي صفر سنة ثمانٍ وثمانين، وتُوُفّي فِي العشرين من جُمَادَى الأولى. قَالَ: وكانَ راغبًا فِي فِعلِ الخير، مجتهداً فِي تكثير أعمالِ البِرِّ. وله فِي ذَلِكَ آثارُ جميلةٌ كثيرة، وأنشأ المدرسة المعروفة بِهِ، ورَتَّبَ فيها من الأمور الدّالَّةِ عَلَى تفقُّدِه لأحوالِ أهل العلم وكثرةِ فكرتِه فيما يقضي براحتهِم وإزاحةِ عِللهم ما هُوَ معروفٌ لمن شاهده وسَمِعَ بِهِ. وأنبأني ابنُ البُزُوريّ أَنَّهُ تُوُفّي يومَ الجمعة عاشر جُمَادَى الآخرة، وكذا قَالَ ابنُ النّجّار فِي " تاريخه "، وغيرهُ. وهو الصحيحُ. وقولُ المنذريّ وَهْم. قَالَ ابنُ البُزُوريّ: تُوُفّي بُكْرةً عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر وسبعة أيّام. وكُتِمَ يومئذٍ موتهُ فخَطَبوا لَهُ يومئذٍ، فحضرَ شرفُ الدّين إقبال الشَّرابيّ ومعه جمعٌ من الخَدَم إلى التاج الشريف، وحَضَروا بين يدي ولدِه أَبِي أَحْمَد عَبْد اللَّه، فَسَلَّم عَلَيْهِ إقبال بإمرَة المؤمنين، واستدعاهُ إلى سُدَّةِ الخلافةِ. ثمّ عَرَفَ الوزيرُ، وأستاذُ الدّار ذَلِكَ، واسْتكْتماه إلى اللّيل. ثمّ استدُعيّ الوزيرُ، فجاء من باب السِّرِّ الّذِي بدارِ الأمير علاء الدّين الدُّويدار المقابل لداره، واستدعي - وهو عاجزٌ - فِي محفةٍ، وأحضر أيضًا مؤيَّدُ الدين محمد ابن العَلْقَميّ أستاذُ دار. فمَثَلا بينَ يَدي السُّدّة، فقَبَّلا الأرضَ وهنَّآه بالخلافَة، وعَزَّياه بالمستنصرِ وبايَعاه. وأحْضِرَ جماعةٌ من الأسرةِ الشريفَة من أعمامِه وأولادِ الخُلفاء، ثمّ خَرَجَ الوزيرُ وسَلَّم إلى الزعماء والولاة محال بغداد، وأمر أن لا يركبَ أحدٌ من الأمراءِ من داره. وفي بُكرةِ السَّبْتِ رَأَى الناسُ أبوابَ الخلافةِ مُغْلَقةً، وجلسَ عبدُ اللطيف بن عَبْد الوَهَّاب الواعظُ وأخبرَ بوفاةِ الخليفة وجلوس ولدِه المُستعصم بالله، ومولده سنة تسعٍ وستمائة. ثم لما ارتفع النهار استدعي الأعيان للبَيْعَةِ وجلسَ الوزيرُ لعَجزِه، ودونَه بمرقاة أستاذ الدار، وكانَ يأخُذُ البيعةَ عَلَى الناسِ، وصورتُها: " أبايعُ سيِّدَنا ومولانا أمير المؤمنينَ عَلَى كتاب اللَّه وسنةِ رسوله واجتهادِ رأيه الشريف وأن لا خليفة -[333]- للمسلمين سواه ". فبايَعَ النَّاسُ عَلَى درجاتِهم. ثمّ أسْبلت السَّتارةُ. وبايعَ من الغدِ الأمراءُ الصغارُ والمماليكُ الميامينُ. ثمّ بايعَ فِي اليوم الثالث مَنْ تَبقَّى من الأمراءِ والتّجّارُ وبياضُ الناس. ثمّ جلسَ المَلأ للعزاءِ بالمستنصرِ، وتكلّمَ المحتسبُ جمالُ الدّين أَبُو الفَرَج عبدُ الرَّحْمَن ابن محيي الدين يوسف ابن الإمام أبي الفرج ابن الْجَوْزيّ. وتكلَّم الشُّعراءُ، فأوَّلُ مَنْ أوردْ مقدمهم صفيُّ الدُّين عَبْد اللَّه بن جميل حاجبُ المخزن بقصيدته التي يَقُولُ فيها: عَزَّ العَزَاءُ وأعوزَ الإلمامُ واسْتَرجَعَتْ ما أعطتِ الأيَّامُ ... فَدَعِ العُيونَ تَسُحُّ بَعْد فِراقِهم عِوَضَ الدُّموعِ دمًا فَلَيسَ تُلامُ بانُوا فلا قَلْبي يَقِرُّ قَرَارُه ... أسَفًا ولا جَفْني القرِيحُ يَنَامُ فَعَلى الذين فقدتُهُم وعَدِمْتُهُم مِنِّي تحيةُ موجعٍ وسَلامُ ثمّ أنشد الشعراء وعزوا بالمستنصر، وهنؤوا بالمُستعصِمِ. ثمّ بَرَزَت مطالعةٌ عَلَى يد إقبالٍ الشرابيّ فِي كيسٍ، وبَسْمَل الخَدَمُ بينَ يديها، فقرأها الوزيرُ، ثمّ قَرَأها أستاذُ الدّارِ عَلَى الناسِ قائمًا، خُلاصتُها التأسِّي والتَّسَلِّي والوعدُ بالعَدْلِ والإحسانِ. قلتُ: بلغَ ارتفاعُ وقوفِ المستنصريةِ فِي بعضِ الأعوام نيفًا وسبعين ألفَ مِثْقال، وتليها فِي الكِبَر وكثرةِ الرَّيْع المنصوريةُ بالقاهرة، وبها ضريحُ السُّلطان فِي قبةٍ عظيمة، وبها دارُ حديث، وبها بيمارستان عديم النظير، إلا أن يكون الذي بدمشق. فمن جُملة القُري الموقوفة عَلَى المدرسة المستنصرية ما مساحتُه مائة ألف جَريب، وخمسون ألفَ جَريب سوى الخاناتِ والرِّباع، وغير ذَلِكَ. ويقرُبُ من وقِفها وقوفُ جامع دمشق وهي أكثرُ منه وُقوفًا. لكن اليومَ ما يدخُلُ المستنصريَّة عُشرُ ذَلِكَ، بل أقَلُّ بكثير. |