نتائج البحث عن (المعتصم بالله) 14 نتيجة

*المعتصم بالله هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة 180هـ= أكتوبر سنة 796م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه «المأمون».
اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم» يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية.
إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع «المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا) التى بُدء البناء فيها سنة (221هـ= 836م)، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى عدوان خارجى.
ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه.
تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة 227هـ= ديسمبر سنة 841م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات.
*جعفر بن المعتصم بالله هو جعفر بن المعتصم بالله، تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (232هـ= 847م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية.
ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا.
وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة نجح فى التخلص منه سنة (235هـ= 849م)، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و «بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى الخامس من شوال سنة (247هـ= 861م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة.
وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى آثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل» اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر «المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و «عمر بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و «المتوكل» محا البدع وأظهر السنة.

المعتصم بالله يتولى الخلافة العباسية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المعتصم بالله يتولى الخلافة العباسية.
218 رجب - 833 م
هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة بعد موت المأمون، ولما بويع له شغب الجند، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل إليه المعتصم، فأحضره، فبايعه، ثم خرج إلى الجند، فقال ما هذا الحب البارد؟ قد بايعت عمي، فسكتوا وأمر المعتصم بخراب ما كان المأمون أمر ببنائه من طوانة وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بها وأحرق الباقي، وأعاد الناس الذين بها إلى البلاد التي لهم، وانصرف إلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها مستهل شهر رمضان.

411 - محمد المعتصم بالله، أمير المؤمنين، أبو إسحاق بن هارون الرشيد ابن المهدي، الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

411 - محمد المعتصم بالله، أمير المؤمنين، أبو إسحاق بن هارون الرشيد ابن المهديّ، الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 221 - 230 ه]
وُلِدَ سنة ثمانين ومائة، وأُمَّه أمُّ ولد اسمُها ماردة.
رَوَى عَنْ: أبيه، وَعَنْ: أخيه المأمون.
رَوَى عَنْهُ: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل، وآخرون.
وبويع بعد المأمون بعَهْدٍ منه إليه في رابع عشر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين.
وكان أبيض، أصْهب اللحية طويلها، رَبْع القامة، مُشْرب الَّلون، ذا شجاعة وقوّة وهمّة عالية. وكانت خلافته ثمانية أعوام وثمانية أشهر، وكان عُرْيًا من العِلْم؛ فروى الصُّوليّ عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشميّ قال: كان مع المعتصم غلام في الكُتّاب يتعلّم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد، مات غلامك. قال: نعم يا سيّدي، واستراح من -[693]- الكُتّاب. فقال: وإن الكتّاب لَيَبْلغ منك هذا؟! دعوه؛ لا تعلّموه. قال: فكان يكتب ويقرأ قراءةً ضعيفة.
قال خليفة: حجّ بالنّاس أبو إسحاق ابن الرشيد سنة مائتين.
وقال الصولي: حدثنا عون بن محمد قال: رأيت المعتصم أوّل رَكْبةٍ رَكِبها ببغداد وهو خليفة حين قدِم من الشّام، وذلك أوّل يومٍ من رمضان سنة ثمان عشرة، وأحمد بن أبي دُؤَاد يُسايره، وهو مُقْبل عليه.
وقال أبو الفضل الرِّياشيّ: كتب ملك الروم - لعنه الله - إلى المعتصم يتهدّده، فأمرَ بجوابه، فلمّا قُرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أمّا بعد، فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عُقْبَى الدار.
وقال أبو بكر الخطيب وغيره: غزا المعتصم بلاد الروم سنة ثلاثٍ وعشرين، فأنكى في العدّو نكايةً عظيمة، ونصَب على عَمّورِية المجانيق، وفتحها، وقتل ثلاثين ألفًا، وسبى مثلهم، وكان في سَبْيه ستّون بِطْريقًا، ثمّ أحرق عَمُّورِية.
قال خليفة: وفي هذه السنة أُتِيَ ببابَك الخُّرْميّ أسيرًا، فأمر بقطع أربعته وصلبه.
قلت: كان من أَهْيب الخلفاء وأعظمهم، لولا ما شان سُؤْددَه بامتحان العلماء بخلْق القرآن، نسأل الله السّلامة.
قال نفطويه: للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمّن، فإنه كان ثامن الخلفاء من بني العبّاس، ومَلَك ثمان سنين وثمانية أشهر، وفتح ثمانية فتوح؛ بلاد بابَك على يد الأفشين، وفتح عَمُّورِية بنفسه، والزُّطّ بعجيف، وبحر البصرة، وقلعة الأجراف، وأعراب ديار ربيعة، والشّاري، وفتح مصر. وقتل ثمانية أعداء؛ بابَك، وباطيش، ومازَيار، ورئيس الزّنادقة، والأفشين، -[694]- وعُجَيْفًا، وقارون، وقائد الرافضة. وإنّما فتح مصر قبل خلافته.
وزاد غير نَفْطَوَيْه إنّه خَلّف من الذَّهب ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدّراهم مثلها. وقيل: ثمانية عشر ألف ألف، ومن الخيل ثمانين ألف فَرَس، وثمانية آلاف مملوك، وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور، وقيل: بل بلغ عدد غلمانه التُّرْك ثمانية عشر ألفًا.
وعن أحمد بن أبي دُؤاد قال: استخرجت من المعتصم في حَفر نهر الشّاش ألفي ألف، غير أنّه كان إذا غضب لا يُبالي من قتلَ.
وقال إسحاق المَوْصِليّ: دخلت عليه وعنده قَيْنَةٌ تغني، فقال: كيف تراها؟ قلت: تقهر الغناء برفق، وتجليه برِفْق، وتخرج من الشيء إلى أحسن منه، وفي صوتها شجى وشذور أحسن من در على النحور. فقال: صفتك لها أحسن منها ومن غنائها، خذها لك. فامتنعت لعلمي محبته لها، فوصلني بمقدار قيمتها.
وبَلَغَنا أنّ المعتصم لمّا تجهّز لغزو عَمُّورِيَة حكم المنّجمون أنّ ذلك طالَع نَحْس، وأنّه يُكْسَر، فكان من ظَفْرِه ونَصْرِه ما لم يَخْفَ، وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي قصيدته البديعة:
السَّيفُ أصدق إنباءً من الكُتُبِ ... في حَدّهِ الحَدُّ بين الْجِدّ والَّلعبِ
منها:
والعلم في شهب الأرماح لامعةً ... بين الخَمِيسَيْن لا في السَّبْعةِ الشُّهُبِ
أين الرواية أمّ أين النّجومُ وما ... صاغوه من زُخْرُفٍ فيها ومن كذِبِ
تخرُّصًا وأحاديثًا مُلَفْقَةً ... ليست بنَبْع إذا عُدَّت ولا غَرَبِ
وعن أحمد بن أبي دُؤَاد قال: كان المعتصم يُخرج ساعده إليّ ويقول: يا أبا عبد الله، عُضّ ساعدي بأكثر قوّتك. فأقول: ما تَطِيب نفسي. فيقول: إنه لا يضرني. فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسِنّة، فضلًا عن الأسنان.
وانصرف يومًا من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منتظما -[695]- بالخِيَم، فيها الْجُنْد، فإذا امرأة تبكي وتقول: ابني ابني. وإذا بعض الْجُنْد قد أخذ ولدها، فدعاه المعتصم، وأمره بردّ ابنها عليها، فأبى، فاستدناه، فدنا منه، فقبض عليه بيده، فسمعتُ صوت عظامه، ثمّ أطلقه فسقط، وأمر بإخراج الصّبيّ إلى أمّه.
وقال أحمد بن أبي طاهر: ذكر أحمد بن أبي دُؤَاد المعتصم يومًا، فأسهب في ذِكْرِه، وأطنب في وصْفه، وذكر من سعة أخلاقه ورضيّ أفعاله، وقال: كثيرًا ما كنتُ أُزامله في سفره.
قال أبو بكر الخطيب: ولكَثْرة عسكر المعتصم وضِيق بغداد عنه بنى سُرّ من رأى، وانتقل إليها فسكنها بعسكره، وسُمّيت العسكر، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وعن عليّ بن يحيى المنجّم قال: استتمّ عِدّة غلمان المعتصم الأتراك بضعة عشر ألفًا، وعُلِّق له خمسون ألف مِخْلاة، وذَلَّل العدَوّ بالنّواحي.
فيقال: إنه قال في مرض موته: {{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً}}.
وقال المسعودي: وَزَرَ له ابن الزّيّات إلى آخر أيّامه، وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عليّ بن الْجَعْد قال: لمّا احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة، حَتّى صمت.
قال: وحدَّثني شيخ من قُريش أنّه جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلّق. قال: وكان أصهب اللحية جدا، طويلها.
قلت: وللمعتصم شعرٌ لا بأس به، وكلمات فصيحة.
قال نَفْطَوَيْه: فممّا يُرْوَى من كلامه: إذا شُغلت الألباب بالأداب، والعقول بالتعليم، تنبّهَت النفوس على محمود أمرها، وأبرز التّحريك حقائقها. -[696]-
قال نَفْطَوَيْه: وحُدِّثت أنّه كان من أشدّ النّاس بطْشًا، وأنّه جعل زَنْد رجلٍ بين إصبعيه فكسره.
وقال عبد الله بن حمدون النّديم، عن أبيه، سمع المعتصم يقول: عاقل عاقل مرّتين أحمق.
وقال إسحاق بن إبراهيم الأمير: واللهِ ما رأيت كالمعتصم رجلًا؛ لقد رأيته يملي كتابا، ويقرأ كتابا، ويعقد بيده، وإنّه لَيُنْشِدُ شعر أبي خِراش الهُذَليّ:
حَمِدتُ إلهِي بعد عُرْوَة إذ نجا ... خِراشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بعضِ
بلى إنّها تَعْفُو الكلوم، وإنما ... نوكل بالأدنى، وإنْ جلّ ما يمضي
ولم أدرِ من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سل عن ماجد محض
مات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلةً بقِيَت من ربيع الأوّل سنة سبْعٍ وعشرين، وله سبْعٍ وأربعون سنة وسبعة أشهر.
قلت: فهذا يدلُ على أنّ مولده قبل سنة ثمانين بأشهُر، ودُفِنَ بسُرّ مَنْ رأي، وصلّى ابنه الواثق عليه.
ومِن أحسن ما سُمِع مِن المعتصم قوله إنْ صحّ عنه: اللهمّ إنّك تعلم أنّي أخافك من قِبَلي ولا أخافك من قِبَلك، وأرجوك من قِبَلك ولا أرجوك من قِبَلي.

466 - هارون الواثق بالله أبو جعفر، وقيل: أبو القاسم. أمير المؤمنين، ولد المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

466 - هارون الواثق بالله أَبُو جَعْفَر، وقيل: أَبُو القاسم. أمير المؤمنين، ولد المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بْن الرشيد هارون بْن المهديّ محمد بْن المنصور الهاشمي العباسيّ. [الوفاة: 231 - 240 ه]
وأُمُّه روميّة اسمها قراطيس، أدركت دولته.
ولي الأمر بعهدٍ من أَبِيهِ. ونقل إِسْمَاعِيل الخطبيّ أنّه وُلِدَ لَعشْرٍ بقين من شَعْبَان سنة ست وتسعين ومائة.
وقال يَحْيَى بْن أكثم: ما أحسَنَ أحدٌ إلى آل أَبِي طالب ما أحسن إليهم الواثق؛ ما مات وفيهم فقير.
وقال حمدون بْن إِسْمَاعِيل: كَانَ الواثق مليح الشِّعْر، وكان يُحبُّ خادمًا أُهْدِيّ لَهُ من مصر، فأغضبه الواثق يومًا، ثُمَّ إنه سمعه يَقُولُ لبعض الخَدَم: واللهِ إنّه لَيَرُوم أن أكلّمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق:
يا ذا الَّذِي بعذابي ظلّ مفتخرًا ... ما أنت إلّا مليكٌ جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجازينا عَلَى قَدَرٍ ... وإنْ أُفِقْ منه يومًا ما فسوف ترى
قَالَ الخطيب: كَانَ أَحْمَد بْن أَبِي دُؤاد قد استولى عَلَى الواثق وحمله -[951]- عَلَى التشدُّد فِي المحنة. ودعا النّاس إلى القول بِخلْق القرآن. ويُقال: إنّ الواثق رجع عن ذلك القول قبل موته.
وقال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إِبْرَاهِيم بْن أسباط بْن السَّكَن قَالَ: حُمِلَ رجلٌ فيمَن حُمِلَ، مُكَبَّلٌ بالحديد من بلاده، فأُدْخِلَ. فقال ابن أَبِي دُؤاد: تقولُ أَوْ أقول؟ قَالَ: هذا أوّل جوركم. أخرجتم النّاس من بلادهم، ودعوتموهم إلى شيء. لا، بل أقول. قَالَ: قُلْ. والواثق جالس. فقال: أخبرني عَنْ هذا الرأي الَّذِي دَعْوتُم النّاس إِلَيْهِ، أَعَلِمَهُ رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فلم يدعُ النَّاس إِلَيْهِ، أم شيء لم يَعْلَمْه؟ قَالَ: عَلِمَه. قَالَ: فكانَ يسعه أن لا يدعو النّاس إِلَيْهِ، وأنتم لا يسعكم. قَالَ: فبُهِتُوا. قَالَ: فاستضحك الواثق، وقام قابضًا عَلَى فمه، ودخل بيتًا ومدَّ رِجْليه وهو يَقُولُ: وَسِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أن يسكت عنه ولا يسعنا. فأمر أن يُعْطَى ثلاث مائة دينار، وأن يُردّ إلى بلده.
وعن طاهر بْن خَلَف: سمعتُ المهتدي بالله ابن الواثق يَقُولُ: كَانَ أَبِي إذا أراد أن يقتل رجلًا أَحْضَرَنا. فأُتِيَ بشيخ مخضوب مقيَّد، وقال أَبِي: ائذنوا لابن أَبِي دُؤاد وأصحابه. وأُدْخِلَ الشيخ فقال: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لا سلَم اللَّه عليك. قَالَ: بئس ما أدَّبك مؤدِّبُك. قَالَ اللَّه تعالى: " {{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ ردوها}} ".
قلت: هذه حكاية مُنْكرَة، ورُواتُها مَجاهيل، لكن نسوقها.
قَالَ: فقال ابن أَبِي دُؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلِّم. فقال لَهُ: كلِّمْهُ. فقال: يا شيخ ما تقولُ فِي القرآن؟ قَالَ: لِمَ تنصفني، ولي السؤال. قَالَ: سَلْ يا شيخ قَالَ: ما تقولُ فِي القرآن؟ قَالَ: مخلوق. قَالَ: هذا شيء عَلِمَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بَكْر وعمر والخلفاء، أم شيء لَم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله، شيء لَم يعلموهُ أَعَلِمْتَه أنت؟ قَالَ: فَخَجِل وقال: أقِلْنِي. قَالَ: والمسألةُ بِحالِها؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: شيء علمه رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: علمه. قال: علمه ولم يدع إليه الناس؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفلا وسِعَك ما وسِعَه ووسع الخلفاء بعده. فقام أبي فدخل الخلْوة، واستلقى وهو يَقُولُ: شيء لَم يعلمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا أَبُو بَكْرٍ، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ، عَلِمْته أنت؟ سبحان اللَّه؛ عَلِمُوه ولَم يدْعوا النّاس إِلَيْهِ، أفلا وسِعَك ما وسِعَهم؟ ثُمَّ أمر برفع قيود الشيخ، وأمر -[952]- له بأربع مائة دينار، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولَم يمتحن بعدها أحدًا.
وروى نحوًا من هذه الواقعة أَحْمَد بْن السِّنْديّ الحداد، عَنْ أَحْمَد بْن الممتنع، عَنْ صالِح بْن عليّ الهاشمي المنصوري، عن المهتدي بالله، قَالَ صالِح: حضرته وقد جلسَ للمتظلّمين، فنظرتُ إلى القَصَص تُقرأ عَلَيْهِ من أولّها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع عليها، ويختمها، فيسُرّني ذَلِكَ. وجعلت أنظر إِلَيْهِ، ففطِنَ، ونظر إليّ، فغضضت عَنْهُ، حتى كَانَ ذَلِكَ منه ومنّي مرارًا. فقال لي: يا صَالِح فِي نفسك شيء تحب أن تقوله؟ قلت: نعم. فلما انقضى المجلسُ أُدْخِلْتُ مجلسه فقالَ: تَقُولُ ما دار في نفسك أو أقوله؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين ما ترى. قَالَ: أقولُ: إنَّه قد استحسنتَ ما رأيتَ منّا فقلت: أيَّ خليفة خليفتنا، إن لَم يكن يَقُولُ القرآن مخلوق. فوردَ عَلَى قلبي أمرٌ عظيم، ثُمَّ قلت: يا نفس هَلْ تموتين قبل أجَلِك؟ فقلتُ: نعم. فأطرق ثُمَّ قَالَ: اسمع منّي، فَوَاللَّهِ لتسمعنّ الحقّ. فسُرّي عنّي وقلت: ومَن أولى بالحقّ منك وأنت خليفة ربّ العالمين، وابن عمّ سيد المرسلين؟ قَالَ: ما زلت أقول القرآن مخلوق صَدْرًا من خلافة الواثق، حتى أقدم شيخا من أذنة مقيدًا، وهو جميل حسَن الشَّيْبَة. فرأيتُ الواثق قد استحيا منه ورَقّ لَهُ. فما زال يُدْنيه حتَّى قرُبَ منه وجلسَ، فقال: ناظِر ابنَ أَبِي دُؤاد. فقال: يا أمير المؤمنين إنّه يَضْعُف عَنِ المناظرة. فغضبَ وقال: أبو عبد الله يضعف عَنْ مناظرتِكَ أنتَ؟ قَالَ: هَوِّن عليك، وائذن لي فِي مناظرته. فقال: ما دعوناك إلا لِهذا. فقال: احفظ عليّ وعليه، ثُمَّ قَالَ: يا أَحْمَد أخبرني عَنْ مقالتك هذه، هي مقالة واجبة فِي عقد الدّين، فلا يكون الدِّين كاملًا حتى يُقال فِيهِ بِما قلت؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأخبرني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثه اللَّه، هَلْ سَتَر شيئًا مِمّا أُمِرَ بِهِ؟ قَالَ: لا. قَالَ: فدَعا إلى مقالتِك هذه؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة. فقال: أخبرني عَنِ اللَّه تعالى حين قَالَ: {{الْيَوْمَ أكملت لكم دينكم}}. أكان الله هو الصادق في إكمال الدين، أو أنتَ الصّادق فِي نُقْصَانه، حتّى يُقال بِمقالتِكَ هذه؟ فسكت. فقال الشيخ: اثنتان. قَالَ الواثق: نعم. فقال: أخبرني عَنْ مقالتك هذه، أعَلِمَها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أم جَهِلَها؟ قَالَ: عَلِمَها. قَالَ: فدعا النّاسَ إليْهَا؟ فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاثة. قَالَ: نعم. قال: فاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ عَلِمها أن يُمسك عنها، ولَم يُطالب بها -[953]- أمته؟ قَالَ: نعم. قَالَ: واتسع لأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نعم. فأعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين قد قدَّمْتُ القول أنّ أَحْمَد يصبو ويضعُف عَنِ المناظرة. يا أمير المؤمنين إنْ لَمْ يتَّسع لك من الإمساك عَنْ هذه المقالة ما زعم هذا أَنَّهُ اتسع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ولأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فلا وسَّع اللَّه عليك. قَالَ الواثق: نعم كذا هُوَ. اقطعوا قيد الشيخ. فلمّا قطعوهُ ضرب الشيخ بيده في القيد فأخذه، فقال الواثق: لم أخذته؟ قال: لأنِّي نويتُ أن أتقدَّم إلى مَن أوصي له، إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كَفَني، حتى أخاصم بِهِ هذا الظّالِم عِنْدَ اللَّه يوم القيامة وأقول: يا رب لِمَ قيدني وروَّع أهلي؟ ثُمَّ بكى فبكى الواثق وبكينا. ثُمَّ سأله الواثق أن يجعله فِي حِلّ، وأمر لَهُ بصلة فقال: لا حاجة لي بِها.
قَالَ المهتدي بالله: فرجعت عَنْ هذه المقالة، وأظنّ أنّ الواثق رجعَ عنها من يومئذ.
وقال إِبْرَاهِيم نِفْطَوَيْه: حدَّثَنِي حامد بْن العبّاس، عَنْ رَجُل عَنِ المهتدي بالله، أنّ الواثق مات وقد تاب عَنِ القول بِخلْق القرآن.
وكان الواثق وافر الأدب. بَلَغَنَا أنّ جارية غنته بشعر العَرْجيّ:
أَظَلُومُ إنّ مُصَابَكُم رجُلًا ... ردَّ السّلامَ تَحيَّةً ظُلْمُ
فَمِن الحاضرين من صَوَّب نصْبَ رجُلًا، ومنهم من قَالَ: صوابها: رجل. فقالت: هكذا لقنني المازني. فطلب المازنيّ، فلمّا مثُل بين يدي الواثق، قَالَ: مِمّن الرجل؟ قَالَ: من بني مازن. قَالَ: أي الموازن، أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟ قلتُ: مازن ربيعة. فكلّمني حينئذ بلغة قومي، فقال: با اسمك. لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهتُ أن أواجهه بِمَكرٍ، فقلتُ: بَكْر يا أمير المؤمنين. ففطِنَ لَها وأعجبته. فقال: ما تقول في هذا البيت. قلت: الوجه النصب. لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيدي يعارضني، قلت: هو بمنزلة إن ضربكم رجلا ظُلْمٌ. فالرجل مفعول مُصَابكم، والدليل عَلَيْهِ أن الكلام مُعلق، إلى أن تَقُولُ ظُلْمٌ فيتمّ. فأعجب الواثق، وأمر لي بألف دينار.
قَالَ ابن أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ الواثق أبيض، تعلوهُ صُفْرة، حسنَ اللحية، فِي عينيه نكتة. -[954]-
وقال زُرقان بْن أَبِي دُؤاد: لَمَّا احتضر الواثق جعل يردِّد هذين البيتين:
الموتُ فِيهِ جميعُ الخلْقِ مُشْتَركٌ ... لا سُوقَةٌ منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يُغْنِي عَنِ الأملاك ما مَلَكوا
ثُمَّ أمر بالبُسُط فطُويت، وألصق خدّه بالأرض، وجعل يَقُولُ: يا من لا يزول ملكه، ارْحَم من قد زَال مُلْكُه.
روى أَحْمَد بْن محمد الواثقي أمير البصرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كنتُ أحد من مرّض الواثق فِي عِلته، إذ لحقته غشيةٌ، فما شككنا أَنَّهُ مات. فقال بعضنا لبعض: تقدموا. فما جَسَر أحدٌ، فتقدَّمت أَنَا، فلمّا صرتُ عِنْدَ رأسه، وأردتُ أن أضعَ يدي عَلَى أنفه، لِحقَتْه إفَاقَةٌ، ففتح عينيه، فكدتُ أموتُ فزِعًا، من أن يراني قد مشيت إلى غير رُتْبتي، فرجعتُ إلى خَلْف، فتعلقت قبيعة سيفي بالعَتَبة، فعثرت عَلَى سيفي فاندقّ، وكاد أن يدخل فِي لحمي. فسلمتُ وخرجتُ، فاستدعيت سيفًا، وجئتُ فوقفتُ ساعة، فتلف الواثق تَلَفًا لم يُشك فِيهِ. فشددت لحيته وغمَّضْتُه وسجَّيْتُه، وجاء الفراشون، فأخذوا ما تحته يردوه إلى الخزائن؛ لأنه مثبت عليهم، وتُرِكَ وحده فِي البيت. فقال لي أَحْمَد بْن أَبِي دُؤاد القاضي: إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، وأحب أن تحفظه حتى أن يُدْفن، فأنتَ من أخصّهم بِهِ فِي حياتي. فرددت باب المجلس، وجلستُ عِنْدَ الباب، فحَسَسْتُ بعد ساعة بحركة فِي البيت أفزعتني، فدخلت، فإذا بِجرذون قد جاء فاستل عينه فأكلها، فقلت: لا إله إلا اللَّه، هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندقّ سيفي هيبة لَهَا. قَالَ: وجاءوا فغسلوه، وأخبرت ابن أَبِي دُؤاد الخبر. قَالَ: والجرذون دابَة أكبر من اليربوع.
كانت خلافة الواثق خمس سنين، وثلاثة أشهر ونصف. ومات بسُرَّ منْ رَأَى، يوم الأربعاء، لست بقين من ذي الحجة، من سنة اثنتين وثلاثين، وبويع بعده المتوكل.

119 - جعفر المتوكل على الله. أمير المؤمنين أبو الفضل ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

119 - جعفر المتوكّل على الله. أمير المؤمنين أبو الفضل ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد القرشي العبّاسيّ البَغْداديُّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]
وُلِدَ سنة خمسٍ ومائتين، وبُويع فِي ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين بعد الواثق. وقيل: بل وُلِدَ سنة سبْعٍ ومائتين.
حكي عن أبيه، ويحيى بْن أكثم.
وَعَنْهُ: علي بن الجهم الشاعر، وغيره.
وكان أسمر، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب. وأمه أمّ ولد اسمها: شُجاع.
قال خليفة: استخلف المتوكّل، فأظهر السنة، وتكلم بها فِي مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة، وَبَسَطَها ونصر أهلها، يعني محنة خلْق القرآن.
وقد قدِم دمشق فِي صفر سنة أربعٍ وأربعين وعزم على المُقام بها وأعجبته، ونقل دواوين المُلْك إليها. وأمر بالبناء بها. وأمر للأتراك بما أرضاهم من الأموال، وبنى قصرا كبيرًا بدَارَيّا من جهة المِزَّة.
قال عليّ بْن الْجَهْم: كانت للمتوكّل جُمّة إلى شحمة أُذُنَيه كأبيه وعمّه.
وقال ابن أبي الدّنيا: أمّ المتوكّل أم ولد اسمُها شجاع.
وقال الفَسَويّ: بُويع له لستٍّ بقين من ذي الحجة، وخرج من دمشق المتوكّل بعد إقامة شهرين وأيّام، ورجع إلى سامرّاء دار ملكه على طريق الفُرات، وعرّج من الأنبار. وقيل: إنّ إسرائيل بْن زكريّا الطبيب نعتَ له دمشق، وأنها توافق مزاجَه وتُذْهِبُ عَنْهُ العِلَل التي تَعْرِض له فِي الصَّيْف بالعراق.
وقال خليفة: حجّ المتوكّل بالنّاس قبل الخلافة -[1098]- فِي سنة سبْعٍ وعشرين.
وكان إبراهيم بْن محمد التيَّمِيُّ قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز فِي ردّ مظالم بني أُميّة، والمتوكّل فِي مَحْو البِدَع وإظهار السنة.
وقال يزيد بْن محمد المهلَّبيّ: قال لي المتوكّل: يا مُهَلَّبيّ، إنّ الخلفاء كانت تتصعَّب على النّاس ليطيعوهم، وأنا ألين لهم ليحبّوني ويُطيعوني.
وحكى الأعسم أنّ عليّ بْن الْجَهْم دخل على المتوكّل وبيده دِرَّتان يقلِّبهما، فأنشده قصيدةً له يقول فيها:
وإذا مررت ببئر عر ... وة فاسْقني من مائها
قال: فَدَحَا إليَّ بالدرّة، فقلَّبتها، فقال: تستنقص بها! وهي والله خيرٌ من مائة ألف. قلت: لا والله، ولكنّي فكّرت فِي أبياتٍ أعملها آخذ بها الأخرى. فقال: قل. فأنشأت أقول:
بِسُرّ مَن رَأَى إمامٌ عدْلٌ ... تغرف من بحره البحارُ
يُرْجَى ويُخْشَى لكلّ خَطْب ... كأنّه جنّةٌ ونارُ
المُلْكُ فِيهِ وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... عليه كِلتاهما تغارُ
لم تأتِ منه اليمينُ شيئا ... إلا أتت مثلها اليسار
قال: فدحاها إلي وقال: خُذْها، لَا بارَكَ اللَّه لك فِيها.
قَالَ الخطيب أبو بَكْر: ورُويت هذه الأبيات للبُحْتَريّ فِي المتوكّل.
وعن مروان بْن أبي الْجَنُوب أنّه مدح المتوكّل، فأمر له بمائة ألفٍ وعشرين ألفًا، وبخمسين ثوبًا.
وقال علي بْن الْجَهْم: كان المتوكّل مشغوفًا بقبيحةٍ لا يصبر عَنْها، فوقفت له يومًا، وقد كَتَبَتْ على خدّها بالغالية جَعْفَر. فتأمّلها ثُمَّ أنشأ يقول:
وكاتبةٍ فِي الخد بالمِسْك جعفرًا ... بنفسي مَحَطُّ المِسْكِ من حيثُ أثَّرا -[1099]-
لَئِنْ أَوْدَعَتْ سطرًا من المِسْك خدَّها ... لقد أَوْدَعَتْ قلبي من الحبّ أَسْطُرا
قد ورد عن المتوكل شيء من النصب.
ويقال: إنّه سلَّم عليه بالخلافة ثمانيةٌ كلّ واحد منهم أبوه خليفة: منصور ابن المهدي، والعباس ابن الهادي، وأبو أحمد ابن الرشيد، وعبد الله ابن الأمين، وموسى ابن المأمون، وأحمد ابن المعتصم، ومحمد ابن الواثق، وابنه المنتصر ابن المتوكّل، وكان جوادًا ممدحًا؛ ويقال: ما أعطى خليفةٌ شاعرًا ما أعطى المتوكل.
وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب:
فأمْسِك نَدَى كفّيك عنّي ولا تزِد ... فقد خِفْت أن أطغى وأن أتجبّرا
فقال: لا أُمْسِك حَتَّى يُغرقك جُودي.
وقد بايع بولاية العهد ولَده المنتصر، ثُمَّ إنّه أراد أن يعزله ويولّي المعتزّ أخاه لمحبّته لأمّه قبيحة، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى. وكان يُحضِره مجالس العامّة، ويحطّ منزلته ويتهدّده، ويشتمه ويتوعَّده.
واتّفق أن التُّرْك انحرفوا عن المتوكّل لكونه صادَر وصِيفًا وبُغا، وجرت أمور، فاتّفق الأتراك مع المنتصر على قتل أَبِيهِ. فدخل عليه خمسةٌ فِي جوف اللّيل وهو فِي مجلس لَهْوه فِي خامس شوّال، فقتلوه سنة سبَعٍ وأربعين.
وورد أنّ بعضهم رآه فِي النّومِ، فقال له: ما فعل اللَّه بك؟ قَالَ: غفر لي بقليل من السنة أَحْيَيَتُها.
وقد كان المتوكّل منهمكًا فِي اللَّذّات والشُّرْب، فلعلّه رُحِمَ بالسنة، ولم يصح عنه النصب.
قال المسعودي: حدثنا ابن عرفة النحوي، قال: حدثنا المبرّد قال: قال المتوكّل لأبي الْحَسَن علي بْن محمد بْن علي بْن مُوسَى بْن جَعْفَر الصّادق: ما يقول ولدُ أبيك فِي الْعَبَّاس؟ قال: ما تقولُ يا أمير المؤمنين في رجل فرض الله طاعة نبيه على خلُقه، وافترض طاعته على نبيّه.
وكان قد سُعي بأبي الْحَسَن إلى المتوكًل، وإنّ فِي منزله سلاحًا وكتبًا من أهل قُمّ، ومِن نيّته التَّوَثُّب. فكبس بيته ليلا، فوُجِد فِي بيتٍ عليه مدرّعة صوف، متوجّه إلى ربّه يقوم بآيات، فَأُخِذ كهيئته إلى المتوكل وهو يشرب، فأعظمه وأجلسه إلى جانبه -[1100]- وناوله الكأس فقال: ما خامر لحمي ودمي قطّ، فاعفِني منه، فأعفاه وقال: أنشِدْني شِعْرًا. فأنشده:
باتوا على قُلَل الأجبالَ تحرسهم ... غُلْبُ الرجال ولم تنفعهم القلل
الأبيات، فبكى والله المتوكّل طويلا، وأمَر برفع الشّراب، وقال: يا أبا الحسن لقد لينت منا قلوبًا قاسية. أعليك دَيْنٌ؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فأمَر له بها وردّه مكرَّمًا.
قتلة المتوكل.
حكى المسعوديّ أنّ بُغا الصّغير دعا بباغِر التُّركيّ، وكان باغر أهوج مِقْدامًا، فكلَّمه واختبره فِي أشياء، فوجده مُسارِعًا إليها، فقال: يا باغر هذا المنتصر قد صحّ عندي أنّه عامِلٌ على قتْلي، وأريد أن تقتله، فكيف قلبك؟ ففكّر طويلا ثُمَّ قال: هذا لا شيء، كيف نقتله وأبوه، يعني المتوكّل باقٍ، إذا يقتلكم أَبُوهُ. قال: فما الرأي عندك؟ قال: نبدأ بالأب. قال: ويْحك، وتفعل؟ قال: نعم، وهو الصّواب. قال: انظر ما تقول. وردّد عليه، فوجده ثابتًا، ثُمَّ قال له: فادخل أنت على أثري فإن قتلتُه وإلا فاقتُلْني وضَعْ سيفَك عليَّ وقُلْ: أراد أن يقتل مولاه. فتمّ التّدبير لبُغا فِي قتل المتوكّل.
حدَّث البُحْتُريّ قال: اجتمعنا فِي مجلس المتوكّل، فَذُكِر له سيف هِنْديّ، فبعث إلى اليمن فاشْتُرَى له بعشرة آلاف وأُتي به فأعجبه، ثُمَّ قال للفتح: ابغِني غلامًا أدفع إليه هذا السّيف لا يفارقْني به. فأقبل باغر التُّرْكيّ، فقال الفتح بْن خاقان: هذا موصوف بالشّجاعة والبسالة فدفع المتوكّل إليه السِّيف وزاد فِي أرزاقه، فوالله ما انتضى ذلك السّيف إلى ليلة ضربه به باغر. فلقد رَأَيْت من المتوكّل فِي اللّيلة التي قُتِل فيها عَجَبًا. تذاكَرْنا الكِبْر، فأخذ يذمُّه ويتبرّأ منه. ثُمَّ سجد وعفَّر وجهه بالتّراب، ونثر من التّراب على رأسه ولِحْيَته وقال: إنّما أَنَا عَبْدٌ. فتطيّرت له من التّراب. ثُمَّ جلس للشُّرْب، وعمل فِيهِ النّبيذ، وَغَنَّى صوتًا أعجبّه فبكى، فتطيّرت من بكائه. فإنّا فِي ذلك إذ بَعَثَتْ إليه قبيحة بخلُعة استَعْمَلَتْها له دُرَاعة حمراء خَزّ، ومُطْرَف خز، فلبسها، ثم تحرك فيه، فانشق فلفه، وقال: اذهبوا به ليكون كَفَني. فقلت: إنّا لله، انقضت والله المدّة، وسكر المتوكّل سكرًا شديدًا، ومضى من اللّيل ثلاثُ -[1101]- ساعات، إذ أقبل باغر ومعه عشرة متلثمين تبرق أسيافهم فهجموا علينا، وقصدوا المتوكّل. وصعِد باغر وآخر إلى السّرير، فصاح الفتح: ويلكم مولاكم. وتهارب الغلْمان والْجُلَساء والنُّدَماء على وجوههم، وبقي الفتح وحده، فما رَأَيْت أقوى نَفْسًا منه بقي يمانعهم، فسمعتُ صيحة المتوكّل وقد ضربه باغَر بالسّيف المذكور على عاتقه، فَقَدَّه إلى خاصِرته، وبعج الفتح آخرٌ بالسّيف، فأخرجه من ظهره، وهو صابر لا يزول، ثُمَّ طرح نفسه على المتوكّل، فماتا فلفا في بساط، وبقيا في تلك الليلة وعامّة النهار، ثُمَّ دُفِنا معًا.
وكان بُغا الصغير قد استوحش من المتوكّل لكلامٍ لَحِقَه منه. وكان المنتصر يتألف الأتراك لا سيّما مَن يبعده أَبُوهُ.
قال المسعوديّ: ونُقِل فِي قِتْلته غير ما ذكرنا. قال: وأنفق المتوكّل - فيما قيل - على الهارونيّ والْجَوْسَق والْجَعْفَريّ أكثر من مائتي ألف ألف دِرهم. ويقال: إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئ الجميع؛ ومات وفي بيت المال أربعة آلاف ألف دينار، وسبعة آلاف دِرهم. ولا يُعلمُ أحدٌ متقدّم فِي جِدٍّ أو هَزْل إلا وقد حظي بدولته، ووصل إليه نصيب وافرٌ مِن المال.
ذكر محمد بْن أبي عَوْن قال: حضرت مجلس المتوكّل وعنده محمد بْن عبد الله بْن طاهر، فغمز المتوكّل مملوكًا مليحًا أن يسقى الْحُسَيْن بْن الضّحّاك الخليع كأسًا ويحييه بتُفّاحة عنبر. ففعل، فأنشأ الخليع يقول:
وكالدرة البيضاء حيا بعنبر ... من الورد يسعى في قراطق كالوردِ
له عَبَثاتٌ عند كلّ تحيّة ... بعينيه تستدعي الخَليَّ إلى الوجْدِ
تمّنيتُ أن أُسْقَى بكفّيه شُرْبةً ... تُذَكّرُني ما قد نسِيتُ من العهد
سقى اللَّه دَهْرًا لم أبِتْ فِيهِ ساعةً ... من الدَّهْرِ إلا من حبيبٍ على وعدِ
فقال المتوكل: أحسنت والله؛ يعطى لكل بيت ألف دينار.
ولما قتل رثته الشعراء، فمن ذلك قول يزيد المهلبي:
جاءت مَنيته والعينُ هاجعة ... هلا أَتَتْهُ المَنَايا والقنا قِصَدُ
خليفة لم يَنَلْ ما ناله أحدٌ ... ولم يُصَغْ مثله روحٌ ولا جَسَدٌ -[1102]-
قال علي بْن الجهم: أهدى ابن طاهر إلى المتوكل وصائف عدة فيها محبوبة، وكانت شاعرة عالمة بصنوف من العلم عوادة، فحلت من المتوكل محلا يفوق الوصف. فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير، فدخلت عليه يوما للمنادمة، فأمر بهتك الستر، وأمر القيان، فأقبلن يرفلن فِي الحلى والحلل. وأقبلت محبوبة فِي ثياب بيض، فجلست منكسرة، فقال: غن، فاعتلت. فأقسم عليها. وأمر بالعود فوضع فِي حجرها، فغنت ارتجالا على العود:
أيّ عَيْشٍ يلذّ لي ... لا أرى فِيهِ جعفرا
ملِك قد رَأَيُتُه ... فِي نجيعٍ معُفرا
كل مَن كان ذا خَبَا ... لٍ وسُقْمٍ فقد بَرَا
غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترا
لاشترته بما حوت ... ـه يداها لتُقْبرا
فغضب وأمر بها فسحبت، فكان آخر العهد بها.
وبويع المنتصر بالله ابن المتوكل صبيحتئذ بالقصر الجعفري، وسنه ثلاث وعشرون سنة.

403 - محمد المنتصر بالله، أمير المؤمنين أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد بن هارون الهاشمي العباسي

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

403 - محمد المنتصر بالله، أمير المؤمنين أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد بن هارون الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 241 - 250 ه]-[1217]-
وأمه أم ولد روميّة اسمها حَبَشِيّة، وكان أَعْيَن، أقنى، أسمر، مليح الوجه، مَضَبَّرا، رَبْعَةً، جسيما، كبير البْطن، مليحا، مَهِيبا.
ولمّا قُتل أَبُوهُ دخل عليه قاضي القُضاة جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الهاشميّ، فقيل له: بايع. فقال: وأين أمير المؤمنين المتوكًل على اللَّه؟ فقال: قتله الفتح بْن خاقان. قال: وما فُعِل بالفتح؟ قال: قتله بُغا. قال: فأنت وليّ الدّم وصاحب الثّأر. فبايعه، وبايعه الوزير والكبار. ثُمَّ صالح المنتصر بالله إخوته من ميراثهم على أربعة عشر ألف ألف درهم. ثُمَّ نفى عمّه عليّا من سامّراء إلى بغداد، ووكّل به.
وكان المنتصر وافر العقل، راغبا فِي الخير، قليل الظُّلْم، محسنا إلى العلويّين، وَصُولا لهم. وقيل: إنّه كان يقول: يا بُغا أَيْنَ أَبِي؟ مَن قَتَلَ أبي؟ ويسبّ الأتراك ويقول: هؤلاء قَتَلَة الخلفاء. فقال بُغا الصغير للذين قتلوا المتوكًل: ما لكم عند هذا رزق. فعملوا عليه وهمّوا به، فعجزوا عَنْهُ لأنّه كان مَهِيبًا شجاعا فطنا محترزا، فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طَيْفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه. فأشار بفَصْده، ثُمَّ فَصَده بريشةٍ مسمومة فمات. فيقال: إنّ ابن طَيْفُور نسي ومرض، فأمر غلامه يفصده بتلك الرّيشة، فمات أيضًا.
وقال بعض النّاس: بل حصل للمنتصر مرض فِي أُنْثَيَيْه، فمات فِي ثلاث ليالٍ، وقيل: مات بالخوانيق. وقيل: بل سُمّ فِي كُمِّثْراة بإبرة.
وجاء عَنْهُ أنّه قال في مرضه: ذهبت يا أماه مني الدّنيا والآخرة، عاجلتُ أَبِي فعُوجلت. وكان يُتَّهم بقتل أَبِيهِ.
وزر له أحمد بْن الخصيب أحد الظِّلَمَة.
وقال المسعوديّ: أزال المنتصر عن آل أبي طَالِب ما كانوا فِيه من الخوف والمحنة بمنْعهم من زيارة قبر الْحَسَين.
كان أبوه المتوكًل قد أمر بهدْم القبر، وأن يعاقب مَن وُجد هناك. فلمّا ولي المنتصر أمر بالكفّ عن آل أبي طَالِب وردّ فَدَك على آل الْحُسَيْن، فقال البُحْتُريّ:
وإنّ عليّا لأَوْلَى بكم ... وأزْكى يدًا عندكم من عمر -[1218]-
وكل له فضله والحجو ... ل يوم التّراهن دُون الغُرَرْ
وقال يزيد المهلَّبيّ:
ولقد بَرَرْتَ الطّالبيّةَ بعدما ... ذُمّوا زمانًا بعدها وزمانًا
ورَدَدْتَ أُلْفَة هاشم فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا
ثم إن المنتصر خلع أخويه: المعتزّ، وإبراهيم من ولاية العهد الَّذِي عقد لهم المتوكًل بعده.
ومن كلام المنتصر لما عفا عن الشّاري الخارجيّ المُكَنَّى بأبي العَمَرَّد: لَذَّة العفْو أعذب من لَذّة التَشفّي، وأقبح فعالِ المقتدر الانتقام.
قال المسعوديّ: وقد كان المنتصر أظهر الإنصاف فِي الرّعيّة، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبته.
وقال عليّ بْن يحيى المنجّم: ما رَأَيْت مثل المنتصر ولا أكرم أفعالا بغير تبجُّح منه. لقد رآني مغمومًا فسألني فَوَرَّيْت، فاستحلفني، فذكرت إضاقة لحِقتني فِي شراء ضيعة، فوصلني بعشرين ألفًا.
قلت: وحاصل الأمر أنّه لم يُمَتَّع بالخلافة، وهلك بعد أشهر معدودة. فإنّه ولي بعد عيد الفِطْر، ومات في خامس ربيع الآخر، وعاش ستّا وعشرين سنة، سامحه الله تعالى.
ذكر عليّ بْن يحيى المنجّم أنّ المنتصر جلس مجلسًا للهو، فرأى فِي بعض البُسُط دائرةً فيها فارس، عليه تاج، وحوله كتابة فارسيّة، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظر فيها فقطب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها. فألح عليه، فقال: مكتوب: أنا شيروية بْن كسرى بْن هرمز، قتلت أَبِي، فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر. فتغير وجه المنتصر وقام.
وقال جَعْفَر بْن عبد الواحد: قال لي المنتصر: يا جَعْفَر، لقد عوجلت، فما أسمع بأذني ولا أبصر بعيني. قاله في مرضه.

41 - أحمد المستعين بالله، أبو العباس ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد هارون ابن المهدي،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

41 - أحمد المستعين بالله، أبو العباس ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد هارون ابن المهديّ، [الوفاة: 251 - 260 ه]
أخو المتوكلّ عَلَى اللَّه.
وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبُويع فِي ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عند موت المنتصر ابن المتوكل، واستقام الأمر إلى أول سنة إحدى وخمسين، فتنكّر لَهُ الأتراك، فخاف وانحدر من سامرّاء إلى بغداد، فنزل عَلَى الأمير محمد بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر بالجانب الغربيّ، فاجتمع الأتراك بسامرّاء، ثمّ وجّهوا يعتذرون ويخضعون لَهُ ويسألونه الرجوع، فامتنع، فقصدوا الحبْس، وأخرجوا المعتزّ بالله، فبايعوه وخلعوا المستعين، وبنوا أمرهم على شبهة، وهي أن المتوكل بايع لَابنه المعتزّ بعد المنتصر، وأخرجوا من الحبس المؤيد -[33]- بالله إبراهيم ابن المتوكّل وليّ العهد أيضًا بعد المعتزّ، ثمّ جهّز المعتزّ أخاه أَبَا أَحْمَد لمحاربة المستعين فِي جيشٍ كثيف، فاستعدّ المستعين وابن طاهر للحصار ولبناءِ سور بغداد وتحصينها، ونَازَلها أَبُو أَحْمَد، وتجرَّد أهل بغداد للقتال، ونُصِبَتِ المجانيق، ووقع الجدّ، واستفحل الشَّرّ، ودام القتال أشْهُرًا، وكثُر القتْل، وغَلَت الأسعار ببغداد، وعظُم البلَاء، وجَهِدَهُمُ الغلَاء، وصاحوا: الجوع، وجرت بين الطائفتين عدّة وقعات حتّى قُتِل فِي بعض الأيام من جند المعتز ألفان، وفي بعض الأيام ثلاث مائة وأكثر، إلى أنْ ضَعُف أهل بغداد، وذلُّوا مِنَ الجوع والْجَهْد، وقوي أمر أولئك، فكاتب ابن طاهر المعتزّ سرًّا، فانحلّ أمر المستعين، وإنّما كَانَ قوام أمْره بابن طاهر.
وعلم أهل بغداد بالمكاتبة، فصاحوا بابن طاهر وكاشفوه، فانتقل المستعين من عنده إلى الرّصافة، ثمّ سَعَوْا فِي الصُّلْح عَلَى خلع المستعين، وقام فِي ذَلِكَ إِسْمَاعِيل القاضي وغيره بشروط مؤكّدة، فخلع المستعين نفسَه فِي أوّل سنة اثنتين وخمسين، وأشهدَ عَلَيْهِ القُضَاة وغيرهم، وأُحْدِر بعد خلْعه إلى واسط تحت الحَوْطة، فأقام بها تسعة أشهر محبوسًا، ثمّ رُدَّ إلى سامرّاء، فقُتِل - رحمه اللَّه - بقادسية سامرّاء فِي ثالث شوّال مِنَ السنة.
وقيل: قُتِل ليومين بقيا من رمضان، وله إحدى وثلَاثون سنة وأيّام، بعث إِلَيْهِ المعتز سعيد بْن صالح الحاجب، فلمّا رآه المستعين تيقَّن التلف، وبكى، وقال: ذهَبَت والله نفسي، فلمّا قَرُب منه سعَيِد أخذ يقنعه بسَوْطه، ثمّ اتَّكأه فقعد عَلَى صدره وقطع رأسه.
ومن حلْيته: كَانَ مربوع القامة، أحمر الوجه، خفيف العارضين، بمقدم رأسه طُول، وكان حَسَن الوجه والجسم، بوجهه أثر جُدَرِيّ، وكان يلْثَغ بالّسين نحو الثّاء، وأمّه أمّ وُلِد.
وكان مسرفًا مبّذرًا للخزائن، يفرّق الجواهر والثّياب والنَّفائس.
قَالَ الصُّوليّ: بعث المعتزّ بالله أَحْمَد بْن طولون إلى واسط وأمره أنْ يقتل المستعين، فقال: والله لَا أقتل أولَاد الخلفاء، فندبّ لَهُ سعَيِد الحاجب فقتله، كما ذكرنا، وما متع المعتز، بل خُلِعَ وقُتِلَ كما سيأتي.
وكان المستعين استوزر أَبَا مُوسَى أوتامُش بإشارة شجاع بْن القاسم الكاتب، ثمّ قتلهما، واستوزر أَحْمَد بْن صالح بن شيرزاد، فلما قتل وصيف وبغا باغر التُّرْكيّ الَّذِي فتك بالمتوكّل تعصَّبت الموالي، ولا أمرَ كَانَ للمستعين مَعَ وصَيف وبُغَا. -[34]-
وكان إخبارّيًا فاضلَا أديبًا.

421 - محمد المعتز بالله، أمير المؤمنين أبو عبد الله. وقيل: اسمه الزبير ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد بالله هارون الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

421 - محمد المعتزّ بالله، أمير المؤمنين أبو عبد الله. وقيل: اسمه الزبير ابن المتوكّلُ عَلَى الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرّشيد بالله هارون الهاشميّ العباسيّ. [الوفاة: 251 - 260 ه]
وُلِد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ولم يَلِ الخلَافة قبله أحد أصغر منه. وكان أبيض جميلَا مُشْربًا بالحُمْرة، حَسَن الجسم، بديع الحُسْن.
قَالَ عَلِيّ بْن حَرْب الطّائيّ، وهو أحد شيوخ المعتزّ باللَّه فِي الحديث: دخلت على المعتز فما رأيت خليقة أحسن منه.
وأُمُّه أم وُلِد رومية. بويع عند عزل المستعين سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ابن تسع عشرة سنة، فِي أول السنة.
فلمّا كَانَ فِي رجب خلع أخاه المؤيدّ بالله من ولَاية العهد، وكتب بذلك إلى الآفاق. فلم يلبث المؤيد إلَا أيّامًا حتى مات. وخشي المعتزّ باللَّه أنْ يتحدث عَنْهُ أنّه قتله أو احتال عَلَيْهِ، فأحضر القُضاة حتى شاهدوه وليس بِهِ أثر. فالله أعلم.
وأمّا نفْطَوَيْه فقال: كَانَت خلَافته أربعٍ سنين وستة أشهر وأربعة عشر يومًا، منها بعد خلْع المستعين ثلَاث سنين وستة أشهر وثلَاثة وعشرين يومًا. ومات عَنْ أربعٍ وعشرين سنة.
وقال غيره: مات عَنْ ثلَاثٍ وعشرين سنة.
وكان المعتزّ باللَّه مستَضْعَفًا مَعَ الأتراك، فاتفق أنّ جماعة مِن كبارهم أتوْه وقالوا: يا أمير المؤمنين أَعْطِنا أرزاقنا لنقتل صالح بْن وصيف. وكان المعتزّ يخافه، فطلب من أمّه مالَا لينفقه فيهم، فأبتْ عَلَيْهِ وشحَّت نفسها، ولم يكن بقي فِي بيت الأموال شيء، فاجتمع الأتراك حينئذ واتفقوا عَلَى خلعه، -[170]- ووافقهم صالح بن وصيف وباكباك ومحمد بن بغا، فلبسوا السلاح وجاؤوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتز أنْ أخرج إلينا، فبعث يَقُولُ: قد شربت دواء وأنا ضعيف. فهجم عَلَيْهِ جماعة فجرّوا برِجْله وضربوه بالدبابيس، وأقاموه فِي الشمس فِي يوم صائف، فبقي المسكين يرفع قدمًا ويضع أخرى، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك. ثمّ أحضروا القاضي ابن أَبِي الشّوارب والشُّهود، وخلعوه. ثمّ أحضروا من بغداد إلى دار الخلَافة، وهي يومئذ سامراء، محمد ابن الواثق، وكان المعتزّ قد أبعده إلى بغداد. فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه، ولقبوه المهتدي باللَّه، رحمه اللَّه، فلقد كان من خيار الخلائف، ولكنّه لم يتمكّن أيضًا مِن الأمر. ثمّ إنّ الملأ أخذوا المعتزّ باللَّه بعد خمس ليالٍ من خلْعه، فأدخلوه الحمّام، فلمّا تغسل عطش وطلب الماء، فمنعوه حتى هلك وهو يطلب ماء. ثمّ أُخرج وهو ميت عطشًا، فسقوه ماءً بثلج، فشربه وسقط ميتًا. وذلك فِي شَعْبان سنة خمس وخمسين ومائتين

513 - محمد المهتدي بالله، الخليفة الصالح أمير المؤمنين أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله ابن الواثق بالله هارون ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

513 - محمد المهتدي بالله، الخليفة الصّالح أمير المؤمنين أَبُو إِسْحَاق، وقيل: أبو عبد الله ابن الواثق بالله هارون ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد ابن الرشيد الهاشميّ العبّاسيّ. [الوفاة: 251 - 260 ه]
وُلِد فِي خلَافة جدِّه سنة بضع عشرة ومائتين، وبُويع بالخلَافة لِلَيْلَةٍ بقيت مِن رجب سنة خمسٍ وخمسين، وله بضعٌ وثلَاثون سنة. وما قبِلَ بيعة أحدٍ حتّى أُتِيَ بالمعتز بالله، فلمّا رآه قام لَهُ وسلَّم عَلَى المعتزّ بالخلَافة، وجلس بين يديه. فجيء بالشُّهُود، فشهدوا عَلِيّ المعتزّ أنّه عاجز عَنِ الخلَافة، فاعترفَ بذلك ومدَّ يدَه فبايع المهتدي بالله، وهو ابن عمّه، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس وقال: لَا يجتمع سيفان فِي غَمْد. وتمثَّل بقول أَبِي ذُؤيب:
تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالدا ... وهل يُجمع السَّيفان وَيْحكِ فِي غَمْد؟.
وكان المهتدي بالله أسمر رقيقًا، مليح الوجْه، ورِعًا، متعبّدًا، عادلَا، قويًّا فِي أمر الله، بطلا شجاعًا، لكنّه لم يجد ناصرًا ولا مُعينًا عَلَى الخير.
قَالَ أَبُو بَكْر الخطيب: قَالَ أَبُو مُوسَى العبّاسيّ: لم يزل صائمًا منذ ولي إلى إن قُتِل.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس هاشم بْن القاسم: كنتُ بحضرة المهتدي عشيّةً فِي رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست. فتقدَّم فصلّى بنا، ودعا -[200]- بالطعام. فأحضر طبق خلاف وعليه رغف مِنَ الخُبْز النّقيّ، وفيه آنية فيها ملح وخل وزيت. فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانًا أنه سيؤتى بطعام. فنظر إلي وقال: ألم تك صائمًا؟ قلت: بلي. قَالَ: أَفَلَسْت عازمًا عَلَى الصَّوم؟ قلت: بلى، كيف لَا وهو رمضان. قَالَ: فكُلْ واستْوفِ، فليس هاهنا مِنَ الطعام غير ما ترى.
فعجِبْتُ ثمّ قلت: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟ قد أسبغ اللَّه نعمته عليك. فقال: إنّ الأمر لَعَلَى ما وصفت، ولكني فكّرتُ فِي أنّه كَانَ فِي بني أُمّية عُمَر بْن عَبْد العزيز، وكان مِنَ التَّقلُّل والتَّقَشُّف عَلَى ما بلغك، فغرتُ عَلَى بني هاشم، فأخذت نفسي بما رَأَيْت.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو النضر المروزي: قال: قَالَ لي جعْفَر بْن عَبْد الواحد: ذاكرتُ " المهتدي " بشيء، فقلت لَهُ: كَانَ أَحْمَد بْن حنبل يَقُولُ بِهِ، ولكنّه كَانَ يُخَالَف. كأني أشرتُ إلى من مضى من آبائه. فقال: رحم اللَّه أَحْمَد بْن حنبل، والله لو جازَ لي أن أتبرأ من أَبِي لتبرّأت منه. ثمّ قَالَ لي: تكلَّم بالحقّ وقُلْ بِهِ، فإنّ الرجل لَيَتَكلَّم بالحقّ فيَنْبل فِي عيني.
وقال ابن عرفة النَّحْويّ: حدَّثني بعض الهاشميين أَنَّهُ وجد للمهتدي سفَطٌ فِيهِ جُبّة صُوف وكِساء كَانَ يلبسه باللّيل ويصلّي فِيهِ. وكان قد اطَّرَح الملَاهي، وحرَّم الغناء. وحَسَمَ أصحاب السُّلْطان عَنِ الظُّلْم. وكان شديد الإشراف عَلَى أمر الدّواوين يجلس بنفسه، ويجلس الكُتّاب بين يديه فيعملون الحساب. وكان لَا يخل بالجلوس الخميس والاثنين. وقد ضرب جماعة مِنَ الرؤساء. ونفى جعْفَر بْن محمود إلى بغداد، وكرِه مكانه لأنّه نُسِبَ عنده إلى الرّفْض.
وأقبل مُوسَى بْن بُغَا مِنَ الرِّيّ يريد سامرّاء، فكرِه المهتدي مكانَه، وبعثَ إِلَيْهِ بعبد الصَّمد بْن مُوسَى الهاشميّ يأمره بالرجوع، فلم يفعل.
وحبس المهتدي الْحَسَن بْن محمد بْن أَبِي الشوارب، وولّى عَبْد الرَّحْمَن بْن نائل البصْريّ قضاء القُضاة، وانتهب منزل الكَرْخيّ.
وحجّ بالنّاس فِي خلَافته عَلَى بْن الْحَسَين بْن إِسْمَاعِيل الهاشميّ.
قلت: ذكرنا فِي الحوادث خروج الأتراك عَلَى المهتدي بالله، وكيف حاربهم بنفسه وجُرح. ثمّ أسروه وخلعوه، ثمّ قتلوه إلى رحمة اللَّه فِي رجب -[201]- سنة ست وخمسين، وكانت خلَافته سنة إلَا خمسة عشر يومًا، وقام بعده المعتمد عَلَى اللَّه.

9 - أحمد المعتمد على الله، أبو العباس أمير المؤمنين ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

9 - أَحْمَد المعتمد على الله، أبو الْعَبَّاس أمير المؤمنين ابنُ المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم بالله محمد ابن الرشيد الهاشمي العباسي. [الوفاة: 271 - 280 ه]
وُلِدَ سنة تسع وعشرين ومائتين بسر من رأي، وأمه رومية اسمها فتيان.
قال ابن أبي الدُّنيا: كان أسمر رقيق اللون، أعين، خفيفًا، لطيف اللحية، جميلًا. وُلِدَ فِي أول سنة تسعٍ، ومات ليلة الإثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين فجاءة ببغداد. وحمل فدفن بسامراء. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، والصواب: وثلاثة أيام.
قلت: استخلف بعد المهتدي بالله، وقد سار بنفسه لحرب يعقوب بْن اللَّيْث الصّفّار. فالتقاه بقرب دير العاقول، فنصر عليه، وهزم جيش الصّفّار أقبح هزيمة سنة اثنتين وستين. -[479]-
وقِيلَ: كان المعتمد مربوعًا نحيفًا. فَلَمَّا استخلف سمن وأسرع إليه الشيب.
مات بالقصر الحسني مع الندماء والمطربين، أكل فِي ذلك اليوم رؤوس الجداء، ومات في اليوم الثاني فجاءة. فَقِيلَ: إنّه سم فِي الرؤوس. ومات معه من أكل منها. وقيل: بل نام فغُمّ فِي بساط. وقِيلَ: سموه فِي كأس. فدخل عليه إِسْمَاعِيل القاضي وجماعة شهود، فلم يروا به أثرًا.
وكان منهمكا على اللذات. فاستولى أخوه الموفَّق على الأمور وقوي عليه، وانقهر معه المعتمد. ثُمَّ مات المعتمد وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه، من جهة المعتضد أيضًا ابنِ الموفَّق.
وكانت عريب جارية المعتمد قد وصلها أموال جزيلة من المعتمد، ولها فِيهِ مدائح.
وكان يتعانى المسكر ويعربد على الندماء.
واستخلف بعده المعتضد ابن الموفَّق.

296 - يزيد، مولى المعتصم بالله محمد بن معن بن صمادح، أبو خالد،

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

296 - يزيد، مولى المعتصم باللَّه مُحَمَّد بْن مَعْن بْن صُمَادح، أبو خَالِد، [المتوفى: 497 هـ]
من أهل المَرِية.
روى الكثير عَنْ أَبِي العبّاس العُذْريّ.
قَالَ ابن بَشْكُوَال: روى عَنْهُ غير واحدٍ من شيوخنا، وكان معتنيا بالأثر وسماعه، ثقة في روايته، وكان مقرئًا فاضلًا، تُوُفّي في المحرَّم.
قلت: روى عنه أبو العباس ابن العريف الزّاهد، وأبو العبّاس أحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن بن عاصم الثَّقْفيّ.
*المعتصم بالله هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة 180هـ= أكتوبر سنة 796م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة عقب وفاة أخيه «المأمون».
اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم» يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية.
إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع «المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا) التى بُدء البناء فيها سنة (221هـ= 836م)، ويتميز موقعها بميزات سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى عدوان خارجى.
ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛ حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه.
تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة 227هـ= ديسمبر سنة 841م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات.
*جعفر بن المعتصم بالله هو جعفر بن المعتصم بالله، تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (232هـ= 847م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان الخلافة العباسية.
ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق، وكان غلامًا.
وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة نجح فى التخلص منه سنة (235هـ= 849م)، كما عزم على التخلص من قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و «بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى الخامس من شوال سنة (247هـ= 861م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة.
وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى آثارها المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل» اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون» و «المعتصم» و «الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر «المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و «عمر بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و «المتوكل» محا البدع وأظهر السنة.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت