نتائج البحث عن (المأمون) 50 نتيجة

الشّكل المأموني:[في الانكليزية] Isosceles triangle [ في الفرنسية] Triangle isocele هو أنّ الزاويتين اللتين على قاعدة المثلّث المتساوي الساقين متساويتان، وكذا الزاويتان الحادثتان تحت القاعدة إن أخرج الساقان.وجميع هذه الأشكال مذكورة في أشكال التأسيس وغيره. والظاهر أنّ الشّكل على هذا عبارة عن مسئلة مدلّلة من المسائل الهندسية، ويؤيّده ما وقع في شرح أشكال التأسيس من أنّ المذكور في المتن إمّا أن يكون مقصودا بالذات وهو الأشكال أو يكون المقصود متوقّفا عليه وهو المقدّمة المذكورة في المتن، نسب إلى المأمون وهو أحد الخلفاء العباسية لأنه زاد ذلك الشّكل على أكمام بعض الملبوسات لما كان يعجبه.
المَأمُونِيّةُ:
منسوبة إلى المأمون أمير المؤمنين عبد الله ابن هارون الرشيد، وقد ذكرت سبب استحداث هذه المحلة في التاج والقصر الحسني: وهي محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلّى وباب الأزج عامرة آهلة. ومأمونيّة زرند: بين الرّي وساوه، قال السلفي: أنشدني القاضي أبو العميثل عبد الكريم ابن أحمد بن علي الجرجاني بمأمونية زرند بين الريّ وساوه.

إنسان العيون، في سيرة الأمين المأمون

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

إنسان العيون، في سيرة الأمين المأمون
للشيخ: علي الحلبي.
وهو في مجلدين ضخمين.
أوله: (حمدا لمن نضر وجوه أهل الحديث... الخ).
ذكر فيه: أن (عيون الأثر) لابن سيد الناس، أحسن ما ألف فيه، لكنه أطال بذكر الإسناد.
و (سيرة الشمس الشامي) أتى فيها بما هو في أسماع ذوي الأفهام كالمعادات، فرأى التلخيص لهاتين السيرتين، مع الضميمة إليهما، بإشارة الشيخ، أبي المواهب: محمد البكري.
ثم إنه ذكر شيئا من أبيات القصيدة الهمزية للبوصيري، وتائية السبكي، مع ديوانه، المسمى: (ببشرى اللبيب، بذكر الحبيب).
تاريخ المأموني
هو: أبو محمد: هارون بن عباس.
المتوفى: سنة 572.
ذكره ابن خلكان: في ترجمة: عماد الدولة بن بويه.

تقريب المأمون، في ترتيب النزول

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تقريب المأمون، في ترتيب النزول
للإمام، برهان الدين: إبراهيم بن عمر الجعبري.
المتوفى: سنة 732، اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
وهو: قصيدة ألفية.
ذكره السيوطي في: (الإتقان).
1609- المأمون 1:
الخَلِيْفَةُ أَبُو العَبَّاسِ عَبْدُ اللهِ بنُ هَارُوْنَ الرشيد بن محمد المهدي بن أَبِي جَعْفَرٍ المَنْصُوْرِ العَبَّاسِيُّ.
وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَمائَةٍ.
وَقَرَأَ العِلْمَ وَالأَدَبَ وَالأَخْبَارَ، وَالعَقْلِيَّاتِ وَعُلُوْمَ الأَوَائِلِ، وَأَمَرَ بِتَعْرِيْبِ كُتُبِهِم وَبَالَغَ وَعَمِلَ الرَّصَدَ فَوْقَ جَبَلِ دِمَشْقَ، وَدَعَا إِلَى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَبَالَغَ نَسْأَلُ اللهَ السَّلاَمَةَ.
وَسَمِعَ مِنْ: هُشَيْمٍ، وَعُبَيْدِ بنِ العَوَّامِ وَيُوْسُفَ بنِ عَطِيَّةَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَطَائِفَةٍ.
رَوَى عَنْهُ: وَلَدُهُ الفَضْلُ، وَيَحْيَى بنُ أَكْثَمَ، وَجَعْفَرُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ طَاهِرٍ الأَمِيْرُ، وَدِعْبِلٌ الشَّاعِرُ وَأَحْمَدُ بنُ الحَارِثِ الشِّيْعِيُّ.
وَكَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي العَبَّاسِ حَزْماً، وَعَزْماً وَرَأْياً وَعَقْلاً، وَهَيْبَةً وَحِلْماً وَمَحَاسِنُهُ كَثِيْرَةٌ فِي الجُمْلَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ أَبْيَضَ رَبعَةً حَسَنَ الوَجْهِ تَعلُوهُ صُفْرَةٌ قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ، وَكَانَ طَوِيْلَ اللِّحْيَةِ أَعْيَنَ ضَيِقَ الجبينِ عَلَى خَدِّهِ شَامَةٌ.
أَتَتْهُ وَفَاةُ أَبِيْهِ وَهُوَ بِمَرْوَ سَائِراً لغَزْوِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَبايعَ مَنْ قِبَلَهُ لأَخِيهِ الأَمِيْنِ ثُمَّ جَرَتْ بينهُمَا أُمُورٌ وَخُطُوبٌ، وبلاء وحروب تشيب النواصي. إِلَى أَنْ قُتِلَ الأَمِيْنُ، وَبَايعَ النَّاسُ المَأْمُوْنَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَةٍ.
قَالَ الخُطَبِيُّ: كُنْيَتُهُ أَبُو العَبَّاسِ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ اكتنَى بِأَبِي جَعْفَرٍ، وَاسمُ أُمِّهِ: مرَاجلُ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا بِهِ.
قَالَ: وَدُعِيَ لَهُ بِالخِلاَفَةِ فِي آخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ إِلَى أَنْ قُتِلَ الأَمِيْنُ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَاسْتعملَ عَلَى العِرَاقِ الحَسَنَ بنَ سَهْلٍ ثُمَّ بايعَ بِالعهدِ لِعَلِيِّ بنِ مُوْسَى الرِّضَى وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ، وَنَبَذَ السَّوَادَ وَأَبدَلَهُ بِالخُضْرَةِ فَهَاجَتْ بَنو العَبَّاسِ، وَخلعُوا المَأْمُوْنَ ثُمَّ بايعُوا عَمَّهُ إِبْرَاهِيْمَ بنَ المَهْدِيِّ، وَلَقَّبُوهُ المُبَارَكَ وَعَسْكَرُوا فَحَارَبَهُم الحَسَنُ بنُ سَهْلٍ فَهَزمُوهُ فَتَحَيَّزَ إِلَى وَاسِطٍ ثُمَّ سَارَ جَيْشُ المَأْمُوْنِ عَلَيْهِم حُمَيْدٌ الطُّوْسِيُّ، وَعَلِيُّ بنُ هِشَامٍ فَالتَقَوا إِبْرَاهِيْمَ فَهَزمُوهُ فَاخْتَفَى زَمَاناً وَانقطعَ خبرُهُ إِلَى أَنْ ظُفِرَ بِهِ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِيْنَ فَعَفَا عَنْهُ المَأْمُوْنُ.
وَكَانَ المَأْمُوْنُ عَالِماً فَصِيْحاً مُفَوَّهاً، وكان يقول: معاوية بن أبي سُفْيَانَ بِعَمْرِهِ، وَعَبْدُ المَلِكِ بِحَجَّاجِهِ وَأَنَا بنفسِي وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ أَنَّ المَنْصُوْرَ قَالَهَا.
وَعَنِ المَأْمُوْنِ أَنَّهُ تَلاَ فِي رَمَضَانَ ثَلاَثاً وَثَلاَثِيْنَ خَتْمَةً.
الحُسَيْنُ بنُ فَهْمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ أَكْثَمَ قَالَ لِي المَأْمُوْنُ: أُرِيْدُ أَنْ أُحَدِّثَ. قلت: ومن
__________
1 ترجمته في مروج الذهب للمسعودي "2/ 247"، وتاريخ بغداد "10/ 183"، والنجوم الزاهرة "2/ 225"، وشذرات الذهب "2/ 39".
3578- المأموني:
شَاعِرُ زَمَانِهِ, الأَدِيبُ الأَوحدُ, أَبُو طَالِبٍ, عَبْدُ السَّلاَمِ بنُ الحُسَيْنِ المَأْمُوْنِيُّ, مِنْ ذُرِّيَّةِ المَأْمُوْنِ الخَلِيْفَةِ.
اسْتَوْفَى أَخبارَهُ ابْنُ النَّجَّارِ فَقَالَ: بَديعُ النظم, مدح الملوك والوزراء, وامتدح الصاحب بن عبَّاد فَأَكْرَمَهُ, فَحَسَدَهُ نُدمَاءُ الصَّاحِبِ وَشُعرَاؤُهُ, فَرَمَوْهُ بِالبَاطِلِ, وَقَالُوا: إِنَّهُ دَعِيٌّ، وَقَالُوا فِيْهِ: نَاصِبِيٌّ, وَرَمَوْهُ بِأَنَّهُ هَجَا الصَّاحِبَ, فذَلِكَ يَقُوْلُ لِيُسَافِرَ:
يَا رَبْعُ لَوْ كُنْتُ دَمْعاً فيكَ مُنْسَكِباً ... قَضَيْتُ نَحْبِي وَلَمْ أَقْضِ الَّذِي وَجَبَا
لاَ ينكرون رَبْعُكَ البَالِي بِلى جَسَدِي ... فَقَدْ شَرِبْتُ بِكَأْسِ الحُبِّ مَا شَرِبَا
عَهْدِي بِرَبْعِكَ للَّذَّاتِ مُرْتَبِعاً ... فَقَدْ غَدَا لِغَوَادِي السُّحْبِ مُنْتَحَبَا
ذُوْ بَارِقٍ كَسُيُوْفِ الصَّاحب انْتُضِيَتْ ... وَوَابِلٍ كَعَطَايَاهُ إِذَا وَهَبَا
وَعُصْبَةٍ بَاتَ فِيْهَا القَيْظُ مُتَّقِداً ... إِذ شِدْتَ لِي فَوْقَ أَعْنَاقِ العِدَا رُتَبَا
إِنِّيْ كيُوْسُفَ وَالأَسْبَاطُ هُمْ وَأَبُو الـ ... أَسْبَاطِ أَنْتَ وَدَعْوَاهُمْ دَماً كَذِبَا
قَدْ يَنْبَحُ الكَلْبُ مَا لَمْ يَلْقَ لَيْثَ شَرَى ... حَتَّى إِذَا مَا رَأَى ليثًا مضى هربا
قال الثعلبي: فَفَارَقَ الرَّيَّ, وقَدِمَ نَيْسَابُوْرَ، وَمَدَحَ صَاحِبَ الجَيْشِ فَوَصَلَهُ, وقَدِمَ بُخَارَى فأكُرْمِ َبها, عَاشَرْتُ مِنْهُ فَاضِلاً مِلءَ ثَوْبِهِ, وَكَانَ يَسْمُو بِهِمَّتِهِ إِلَى الخِلاَفَةِ، ويمنِّي نَفْسَهُ فِي قَصْدِ بَغْدَادَ فِي جُيُوْشٍ تُنَظَّمُ إِلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ, فَاقتطعتْهُ المنيَّةُ, وَمَرِضَ بِالاِسْتِسْقَاءِ, وَمَاتَ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وثلاث مائة.

ابن المأموني، حجاج بن القاسم، منصور بن عمر

سير أعلام النبلاء

ابن المأموني، حجاج بن القاسم، منصور بن عمر:
4094- ابْنُ المَأْمُوْنِيِّ 1:
القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ هِشَامٍ الرعيني، السبتي، المالكي، الفَقِيْهُ، عُرِفَ: بِابْنِ المَأْمُوْنِيِّ.
أَخَذَ عَنْ: عَبْدِ الرَّحِيْمِ بن العَجُوْز وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ الشَّيْخ وَأَبِي مُحَمَّدٍ البَاجِي وَحَجَّ وَسَمِعَ: بِمِصْرَ من الحافظ عبد الغني وعبد الوهاب ابن مُنِيْر.
تصدَّر بِالمرِيَّة لِلإِقْرَاءِ وَالفِقْه.
رَوَى عَنْهُ: أبو المطرف الشعبي وأبو بكر بن صَاحِب الأَحباس القَاضِي وَغَانِمٌ المَالقِي وَوَلَده حجَّاج.
تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة.
وَلَدُهُ:
4095- حجاج بن القاسم 2:
الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، أَبُو مُحَمَّدٍ.
سَمِعَ: مِنْ أَبِي ذَرٍّ الهَرَوِيّ، وَأَبِي بَكْرٍ المُطَّوِّعِيّ.
وَحَدَّثَ "بصَحِيْح البُخَارِيّ".
وَكَانَ رَأْسَ العُلَمَاء، بِالمَرِيَّة ثُمَّ تَحَوَّل إِلَى سَبْتَةَ.
رَوَى عَنْهُ: القَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ مَنْصُوْرٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ بنُ طَرِيْف، وَأَبُو القاسم بن العجوز.
تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَع مائَة. ذكرتُهُ تبعًا للأب.
4096- منصور بن عمر 3:
ابن علي، العَلاَّمَةُ أَبُو القَاسِمِ البَغْدَادِيُّ، الكَرْخِيُّ، الشَّافِعِيُّ.
ذكره أَبُو إِسْحَاقَ فِي "طَبَقَات الفُقَهَاء" فَقَالَ: وَمِنْهُم شَيْخُنَا أَبُو القَاسِمِ الكَرْخِيّ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَامِدٍ الإِسفرَايينِيّ، وَلَهُ عَنْهُ تَعليقَةٌ، وَصَنَّفَ فِي المَذْهَب كِتَاب "الغُنْيَة" وَدرَّس بِبَغْدَادَ.
قُلْتُ: وَحَدَّثَ عَنْ، أَبِي طَاهِرٍ المُخَلِّص وَأَبِي القَاسِمِ الصَّيْدَلاَنِيِّ.
رَوَى عَنْهُ الخَطِيْبُ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَهْلِ كَرْخَ جِدَّانَ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سبع وأربعين وأربع مائة.
__________
1 ترجمته في الصلة لابن بشكوال "2/ 470".
2 ترجمته في الصلة لابن بشكوال "1/ 152"، وستأتي ترجمته في الجزء الثاني عشر برقم ترجمة عام "4360".
3 ترجمته في تاريخ بغداد "13/ 87"، والأنساب للسمعاني "10/ 393"، "الكرخي"، وطبقات الفقهاء للشيرازي 129 - 130".
4197- المأمون 1:
ملك طليطلة أبو زكريا؛ يحيى بن صَاحِبِ طُلَيْطُلَةَ الأَمِيْرِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَامِرِ بنِ ذِي النُّوْنِ الهَوَّارِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ.
استولَى أَبُوْهُ عَلَى البَلَد بَعْد العِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة وَنزعُوا طَاعَة المَرْوَانِية وَتَملَّك المَأْمُوْن بَعْد أَبِيْهِ سَنَة خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ فَامتدَّتْ أَيَّامُهُ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً عَاكفاً عَلَى اللَّذَات وَالخلاعَة وَصَادر الرعية وهادن العَدُوّ وَقَدِمَ الأَطرَاف فَطمعت فِيْهِ الفِرَنْجُ بَلْ فِي الأَنْدَلُس؛ وَأَخَذت عِدَّةَ حُصُوْنَ إِلَى أَنْ أَخذُوا مِنْهم طُلَيْطُلَة فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة وَجَعَلوهَا دَار ملكهم فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ وَكَانَ المَأْمُوْنُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنجد بِالفِرَنْج عَلَى تَمَلُّك مَدَائِن الأَنْدَلُس فَكَاتِب طَاغِيتهُم: أَنْ تَعَال فِي مائَة فَارِس وَالمُلتقَى في مكان كذا فسار في مائةين وَأَقْبَلَ الطَّاغِيَةُ فِي سِتَّة آلاَف وَجَعَلهم كَمِيناً لَهُ وَقَالَ: إِذَا رَأَيتمونَا قَدِ اجْتمَعَنَا فَأَحيطُوا بِنَا. فَلَمَّا اجْتَمَع الملكَانَ أَحَاط بِهِم الجَيْش فَنَدِمَ المَأْمُوْن وَحَار فَقَالَ الفِرَنْجِي: يَا يَحْيَى! وَحقِّ الإِنجيل كُنْتُ أَظنك عَاقِلاً وَأَنْت أَحْمَقُ! جِئْت إِلَيَّ وَسَلَّمْتَ مُهْجَتَكَ بِلاَ عَهد وَلاَ عَقد فَلاَ نَجوتَ مِنِّي حَتَّى تُعطيَنِي مَا أَطلب. قَالَ: فَاقتصِد. فَسَمَّى لَهُ حُصُوْناً وَقرَّرَ عَلَيْهِ مَالاً فِي كُلِّ سَنَة وَرجع ذَليلاً مخذولاً، وَذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاهُ.
تُوُفِّيَ سَنَةَ ستين وأربع مائة.
__________
1 ترجمته في تاريخ ابن خلدون "4/ 161"، والأعلام للزركلي "8/ 138".
4198- ابن المأمون 1:
الشَّيْخُ الإِمَامُ، الثِّقَةُ، الجَلِيْلُ، المُعَمَّرُ، أَبُو الغَنَائِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ بنِ الفَضْلِ بنِ المَأْمُوْنِ بنِ الرَّشِيْدِ الهَاشِمِيُّ العَبَّاسِيُّ البَغْدَادِيُّ شَيْخُ المُحَدِّثِيْنَ بِبَغْدَادَ.
قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: كَانَ ثِقَةً صَدُوْقاً نبيلاً، مَهِيْباً، كَثِيْرَ الصَّمْت تَعلُوْهُ سَكِيْنَة وَوَقَار وَكَانَ رَئِيْسَ آل المَأْمُوْن وَزَعِيْمَهُم. طَعن فِي السِّنّ وَرَحَلَ إِلَيْهِ النَّاس وَانتشرتْ رِوَايَتُهُ فِي الآفَاق.
سَمِعَ: أَبَا الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَلِيَّ بنَ عُمَرَ السُّكَّرِيّ وَأَبَا نَصْر المَلاَحِمِي وَجَدَّه أَبَا الفَضْل بن المَأْمُوْن وَعُبَيْد اللهِ بن حَبَابَةَ وَطَائِفَة.
رَوَى لَنَا عَنْهُ: يُوْسُفُ بنُ أَيُّوْبَ الهَمَذَانِيّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي الفَرَضِي، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ القَزَّاز وَغَيْرهُم.
قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ صَدُوْقاً كَتَبْتُ عنه.
قال السمع: اني: سَأَلتُ إِسْمَاعِيْلَ بنَ مُحَمَّدٍ الحَافِظ عَنْ، أَبِي الغنَائِم ابْن المَأْمُوْن فَقَالَ: شَرِيْفٌ مُحتشمّ ثِقَة كَثِيْرُ السَّمَاع.
وَقَالَ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ المَأْمُوْن: وُلد أَخِي أَبُو الغَنَائِمِ سَنَة سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ.
قُلْتُ: وَحَدَّثَ عَنْهُ: الحُمَيْدِيُّ وَأُبَيّ النَّرْسِيّ وَأَحْمَدُ بنُ ظَفَر وَأَبُو الفَتْحِ عَبْدُ اللهِ بنُ البَيْضَاوِيّ وَأَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ الأُرْمَوِيّ وَرَوَى عَنْهُ بَعْدهم بِالإِجَازَة مَسْعُوْدُ بنُ الحَسَنِ الثَّقَفِيّ ثُمَّ ظهر أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بصَحِيْح فَرَجَعَ عَنِ، الرِّوَايَة.
مَاتَ فِي سَابع عشر شَوَّال سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة.
__________
1 ترجمته في تاريخ بغداد "11/ 46"، والمنتظم لابن الجوزي "8/ 280"، والعبر "3/ 259"، وشذرات الذهب لابن العماد "3/ 319".

المأموني، صاحب اليمن

سير أعلام النبلاء

المأموني، صاحب اليمن:
5185- المأموني 1:
العَلاَّمَةُ الأَدِيْبُ الأَخْبَارِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُوْنُ بنُ العَبَّاسِ بنِ مُحَمَّدٍ العَبَّاسِيُّ المَأْمُوْنِيُّ البَغْدَادِيُّ، مُصَنِّفُ "التَّارِيْخ" عَلَى السِّنِيْنَ، وَلَهُ "شرح المَقَامَات"، وَكِتَاب "أخبار الأوائل".
وَحَدَّثَ عَنْ قَاضِي المَارستَانِ.
مَاتَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
5186- صَاحِبُ اليَمَنِ 2:
المَلِكُ المُعَظَّمُ، شَمْسُ الدَّوْلَةِ، تُوْرَانْشَاه بنُ أَيُّوْبَ، أَخُو السُّلْطَانِ صَلاَحِ الدِّيْنِ، هُوَ أَسَنُّ مِنَ السُّلْطَانِ، فَكَانَ يَحترِمُهُ وَيَرَى لَهُ. جهّزه فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ إِلَى بلاَد النُّوْبَة، فَرَجَعَ بغَنَائِم كَثِيْرَة، ثُمَّ بعثَه عَلَى اليَمَنِ، فَظَفِرَ بِعَبْدِ النَّبِيّ المتغلِّب عَلَيْهَا، وَقتله، وَاسْتَوْلَى عَلَى مُعْظَم اليَمَن، وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً جَوَاداً مُمَدَّحاً. ثُمَّ إِنَّهُ ملَّ مِنْ سكنَى اليَمَن، وَلَمْ تُوَافقه، فَاستنَاب عَلَيْهَا، وَقَدِمَ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ، فَعمل نِيَابَة السّلطنَة بِدِمَشْقَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى مِصْرَ فِي عَام أَرْبَعَة وَسَبْعِيْنَ، وَاتفق مَوْته بِالإِسْكَنْدَرِيَّة فِي صَفَرٍ سَنَة سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ، فَنقل فِي تَابوت إِلَى دِمَشْقَ، وَدُفِنَ بِالمَدْرَسَة الشَّامِيّة عِنْد أُخْته شَقِيقَته.
وَمَعْنَى تُوْرَانْشَاه: مَلِك الشَّرْق.
وَكَانَتِ الإِسْكَنْدَرِيَّة لَهُ إِقطَاعاً، وَكَانَ نوَابه بِاليمَنِ يَحملُوْنَ إِلَيْهِ الأَمْوَال مِنْ زَبَيْد وَعدن، وَكَانَ لاَ يَدّخر شَيْئاً، وَفِيْهِ لعب ولذة محظورة وعسف.
مات وعليه مائةا أَلف دِيْنَار.
وَلَهُ إِخْوَة نُجبَاء: صَلاَح الدِّيْنِ السُّلْطَان، وَسيف الدِّيْنِ العَادل، وَشَاهنشَاه وَالِد فَرُّوخشَاه صَاحِب بَعْلَبَكَّ، وَوَالِد الْملك تَقِي الدِّيْنِ عُمَر صَاحِب حَمَاة، وَتَاج المُلُوْك بُوْرِي الَّذِي قُتل عَلَى حلب، وَسيف الإِسْلاَم طُغْتِكِيْن الَّذِي تَملك اليمن أيضًا، وربيعة خاتون، وست الشام.
__________
1 ترجمته في العبر "4/ 217"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 245-246".
2 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "1/ ترجمة 127"، والعبر "4/ 228".
*المأمون هو «عبدالله بن هارون الرشيد»، وُلد فى منتصف (ربيع الأول سنة (170هـ= أغسطس سنة 786م) وأمه «أم ولد» فارسية تُسمَّى «مراجل»، وكان يكنى «أبا العباس»، ويُلقب بالمأمون.
نشأ «المأمون» نشأة إسلامية، وتلقى العلوم العربية، وتدرَّب على فنون القتال والنزال وقيادة الجند، كما أسند والده «الرشيد» إلى وزيره «جعفر البرمكى» مهمة الإشراف على تنشئته، وقد أظهر المأمون نبوغًا خلال دراسته.
ولما تولى «المأمون» الخلافةعزم أن يقدم القدوة الصالحة والسيرة الحسنة فى الناس حتى يقتدى به رجال دولته، وكان يقول: «أول العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى».
كما اتصف «المأمون» بالعفو والحلم حتى اشتهر بذلك وهو القائل: «لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلىّ بالجرائم، وأخاف ألا أؤجر عليه»، يعنى لكونه طبعًا له يستلذ به.
انتهج «المأمون» سياسة واعية تقوم على أسس واضحة منها: 1 - تأليف القلوب بالعفو والعطاء، وقد عد «اليعقوبى» سبع عشرة حادثة يستحق صاحب كل واحدة منها القتل عند أمثال «المنصور»، لكنها قوبلت عند «المأمون» بالعفو.
2 - العناية بالعلم والعلماء: كان للمأمون ولعٌ بالأمور العلمية والفلسفية، فكان يعقد مجالس المناظرة ويبعث فى طلب العلماء والأعلام من «بيزنطة» لحضورها، وكان يتصيَّد الكتب النادرة ويدفع فيها المبالغ الطائلة، ويجعل حصوله عليها شرطًا من شروط الهدنة ووقف القتال مع الروم، كما أقام «بيت الحكمة» وجعل فيها مكتبة ضخمة، وجهازًا كبيرًا للترجمة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية، حشد له نحو سبعين مترجمًا.
ظل «المأمون» خليفة للمسلمين عشرين سنة وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وقد تُوفِّى فى (18من رجب سنة 218هـ= 833م).
*مراجل أم المأمون هى مراجل بنت أستاذ سيس فارسية الأصل.
تزوجها هارون الرشيد ولم ينجب منها غير المأمون.
وكان أبوها قائد حركة خروج على العباسيين، وقيل: إنه ادَّعى النبوة.

المأمون عبد الله بن هارون الرشيد 198 هـ ـ 218هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المأمون عبد الله بن هارون الرشيد 198 هـ ـ 218ه

المأمون : عبد الله ابن العباس بن الرشيد ولد سنة سبعين و مائة في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول و هي الليلة التي مات فيها الهادي و استخلف أبوه و أمه أم ولد اسمه مراجل ماتت في نفاسها به و قرأ العلم في صغره

سمع الحديث من أبيه و هشيم و عباد بن العوام و يوسف بن عطية و أبي معاوية الضرير و إسماعيل بن علية و حجاج الأعور و طبقتهم

و أدبه اليزيدي و جمع الفقهاء من الآفاق و برع في الفقه و العربية و أيام الناس و لما كبر عني بالفلسفة و علوم الأوائل و مهر فيها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن

روى عنه : ولد الفضل و يحيى بن أكثم و جعفر بن أبي عثمان الطيالسي و الأمير عبد الله بن طاهر و أحمد بن الحارث الشيعي و دعبل الخزاعي و آخرون

و كان أفضل رجال بني العباس حزما و عزما و حلما و علما و رأيا و دهاء و هيبة و شجاعة و سؤددا و سماحة و له محاسن و سيرة طويلة لو لا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن و لم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه و كان فصيحا مفوها و كان يقول : معاوية بعمره و عبد الملك بحجاجه و أنا بنفسي

و كان يقال : لبني العباس فاتحة و واسطة و خاتمة فالفاتحة السفاح و الواسطة المأمون و الخاتمة المعتضد و قيل : إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثا و ثلاثين ختمة و كان معروفا بالتشيع و قد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن و العهد بالخلافة إلى علي الرضى كما سنذكره

قال أبو معشر المنجم : كان المأمون أمارا بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء

و عن الرشيد قال : إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور و نسك المهدي و عزة الهادي و لو أشاء أن أنسبه إلى الرابع ـ يعني نفسه ـ لنسبته و قد قدمت محمدا عليه و إني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء و النساء و لو لا أم جعفر و ميل بني هاشم لقدمت عبد الله عليه

استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان و تسعين و هو بخراسان و اكتنى بأبي جعفر

قال الصولي : و كانوا يحبون هذه الكنية لأنها كنية المنصور و كان لها في نفوسهم جلالة و تفاؤل بطول عمر من كني بها كالمنصور و الرشيد

و في سنة إحدى و مائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد و جعل ولي العهد من بعده علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل : إنه هم أن يخلع نفسه و يفوض الأمر إليه و هو الذي لقبه الرضى و ضرب الدراهم باسمه و زوجه ابنته و كتب إلى الآفاق بذلك و أمر بترك السواد و لبس الخضرة فاشتد ذلك على بني العباس جدا و خرجوا عليه و بايعوا إبراهيم بن المهدي و لقب [ المبارك ] فجهز المأمون لقتاله و جرت أمور و حروب و سار المأمون إلى نحو العراق فلم ينشب علي الرضى أن مات في سنة ثلاث فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلي و قد مات فردوا جوابه أغلظ جواب فسار المأمون و بلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده فاختفى في ذي الحجة فكانت أيامه سنتين إلا أياما و بقي في اختفائه مدة ثمان سنين

و وصل المأمون بغداد في صفر سنة أربع فكلمه العباسيون و غيرهم في العود إلى لبس السواد و ترك الخضرة فتوقف ثم أجاب إلى ذلك

و أسند الصولي أن بعض آل بيته قالت : إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب و الأمر فيك أقدر منك على برهم و الأمر فيهم فقال : إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولي لم يول أحدا من بني هاشم شيئا ثم عمر ثم عثمان كذلك ثم ولي علي فولى عبد الله بن عباس البصرة و عبيد الله اليمن و معبدا مكة و قثم البحرين و ما ترك أحدا منهم حتى ولاه شيئا فكانت هذه منة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت

و في سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل و بلغ جهازها ألوفا كثيرة و قام أبوها بخلع القواد و كلفتهم مدة سبعة عشر يوما و كتب رقاعا فيها أسماء ضياع له و نثرها على القواد و العباسيين فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة تسلمها و نثر صينية ملئت جوهرا بين يدي المأمون عندما زفت إليه

و في سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادي : برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير و أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب

و في سنة اثنتي عشر أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي على أبي بكر و عمر فاشمأزت النفوس منه و كاد البلد يفتتن و لم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة

و في سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم ففتح حصن قرة عنوة و حصن ماجدة ثم سار إلى دمشق ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم و افتتح عدة حصون ثم عاد إلى دمشق ثم توجه إلى مصر و دخلها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسين ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق و الروم

و في سنة ثمان عشرة امتحن الناس بالقول بخلق القرآن فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه : و قد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشوة الرعية و سفلة العامة ممن لا نظر له و لا روية و لا استضاءة بنور العلم و برهانه أهل جهالة بالله و عمى عنه و ضلالة عن حقيقة دينه و قصور أن يقدروا الله حق قدره و يعرفوه كنه معرفته و يفرقوا بينه و بين خلقه و ذلك أنهم ساووا بين الله و بين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله و يخترعه و قد قال الله تعالى : {{ إنا جعلناه قرآنا عربيا }} فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال الله تعالى : {{ وجعل الظلمات والنور }} و قال : {{ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق }} فأخبر أنه قصص الأمور أحدثه بعدها و قال : {{ أحكمت آياته ثم فصلت }} و الله محكم كتابه و مفصله فهو خالقه و مبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة و أظهروا أنهم أهل الحق و الجماعة و أن من سواهم أهل الباطل و الكفر فاستطالوا بذلك و غروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب و التخشع لغير الله إلى موافقتهم فتركوا الحق إلى باطلهم و اتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن : قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظا و أوعية الجهالة و أعلام الكذب و لسان إبليس الناطق في أوليائه و الهائل على أعدائه من أهل دين الله و أحق من يتهم في صدقه و تطرح شهادته و لا يوثق به من عمي عن رشده و حظه من الإيمان بالله و بالتوحيد و كان عما سوى ذلك أعمى و أضل سبيلا و لعمر أمير المؤمنين أن أكذب الناس من كذب على الله و وحيه و تخرص الباطل و لم يعرف الله حق معرفته فأجمع من بحضرتك من القضاة فأقرأ عليهم كتابنا و امتحنهم فيما يقولون و اكشفهم عما يعتقدون في خلقه و إحداثه و أعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك و وافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود و مسألتهم عن علمهم في القرآن و ترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق و اكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك

و كتب المأمون إليه أيضا في إشخاص سبعة أنفس و هم : محمد بن سعد كاتب الواقدي و يحيى بن معين و أبو خيثمة و أبو مسلم مستملي يزيد بن هارون و إسماعيل بن داود و إسماعيل بن أبي مسعود و أحمد بن إبراهيم الدورقي فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد و سبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية

و كتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء و مشايخ الحديث و يخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة و امتنع آخرون فكان يحيى بن معين و غيره يقولون : أجبنا خوفا من السيف

ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق و أمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم : أحمد بن حنبل و بشر بن الوليد الكندي و أبو حسان الزيادي و علي بن أبي مقاتل و الفضل بن غانم و عبيد الله القواريري و علي بن الجعد و سجادة و الذيال بن الهيثم و قتيبة بن سعد و سعدوية الواسطي و إسحاق بن أبي إسرائيل وابن الهرس و ابن علية الأكبر و محمد بن نوح العجلي و يحيى بن عبد الرحمن العمري و أبو نصر التمار و أبو معمر القطيعي و محمد بن حاتم بن ميمون و غيرهم و عرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا و وروا و لم يجيبوا و لم ينكروا فقال لبشر بن الوليد : ما تقول ؟ قال : قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال : و الآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال : أقول : كلام الله قال : لم أسألك عن هذا أمخلوق هو ؟ قال : ما أحسن غير ما قلت لك و قد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ثم قال لعلي بن أبي مقاتل : ما تقول ؟ قال : القرآن كلام الله و إن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا و أطعنا و أجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ثم قال لأحمد بن حنبل : ما تقول ؟ قال : كلام الله قال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله لا أزيد على هذا ثم امتحن الباقين و كتب بجواباتهم و قال ابن البكاء الأكبر : أقول : القرآن مجعول و محدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم : و المجعول مخلوق ؟ قال : فالقرآن مخلوق ؟ قال : لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون

فورد عليه كتاب المأمون : بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة و ملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى و الرواية و يقول في الكتاب : فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين و بينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص و القول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره و إن أصر على شركة و دفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره و إلحاده فاضرب عنقه و ابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب و إلا فاضرب عنقه و أما علي بن أبي مقاتل فقل له : ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل و تحرم ؟ و أما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله و أما أحمد بن يزيد أبو العوام و قوله [ إنه لا يحسن الجواب في القرآن ] فأعمله أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك و أما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته و استدل على جهله و أفنه بها و أما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر و ما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولاية القضاء و أما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعي فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه و إنما قيل له [ الزيادي ] لأمر من الأمور قال : و أما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة مدجره و أما ابن نوح ـ و المعروف بأبي معمر ـ و ابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد و إن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم و ما نزل به كتاب الله في أمثالهم لا ستحل ذلك فكيف بهم و قد جمعوا مع الإرباء شركا و صاروا للنصارى شبها ؟ و أما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس و المستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام و أما سعدويه الواسطي فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث و الحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة ! و أما المعروف بسجادة و إنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى و حكه لإصلاح سجادته و بالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى و غيره ما أذهله عن التوحيد و أما القواريري ففيما تكشف من أحواله و قبوله الرشا و المصانعات ما أبان عن مذهبه و سوء طريقته و سخافة عقله و دينه و أما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف و أما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه و إنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم و قد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها و تلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فأنصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك و أظهره و من لم يرجع عن شركه ـ ممن سميت بعد بشر و ابن المهدي ـ فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف قال : فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل و سجادة و محمد بن نوح و القواريري فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد ـ و هم في القيود ـ فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريري و وجه بأحمد بن حنبل و محمد بن نوح إلى الروم

ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين فغضب و أمر بإحضارهم إليه فحملوا إليه فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه و لطف الله بهم و فرج عنهم و أما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه و هو يظن أنه لا يدركه فأتاه و هو مجهود و قد نفذت الكتب إلى البلدان فيها : من عبد الله المأمون و أخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل : إن ذلك وقع بأمر المأمون و قيل : بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه

و مات المأمون يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة بالبذندون من أقصى الروم و نقل إلى طرسوس فدفن بها

قال المسعودي : كان نزل على عين البذندون فأعجبه برد مائها و صفاؤه و طيب حسن الموضع و كثرة الخضرة فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة فأعجبته فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدة بردها فجعل لمن يخرجها سيفا فنزل فراش فاصطادها وطلع فاضطربت و فرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون و نحره و ابتل ثوبه ثم نزل الفراش ثانية فأخذها فقال المأمون : تقلى الساعة ثم أخذته رعدة فغطي باللحف ـ و هو يرتعد و يصيح ـ فأوقدت حوله نار فأتى بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله ثم أفاق المأمون من غمرته فسأل عن تفسير المكان بالعربي ؟ قيل : مد رجليك فتطير به ثم سأل عن اسم البقعة فقيل : الرقة و كان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة فكان يتجنب نزول الرقة فرقا من الموت فلما سمع هذا من الروم عرف و أيس و قال : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه و لما وردت وفاته بغداد قال أبو سعيد المخزومي :

( هل رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون أو عن ملكه المأسوس )

( خلفوه بعرصتي طرسوس ... مثل ما خلفوا أباه بطوس )

قال الثعالبي : لا يعرف أب و ابن من الخلفاء أبعد قبرا من الرشيد و المأمون

قال : و كذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد و لم ير الناس مثلهم : فقبر عبد الله بالطائف و عبيد الله بالمدينة و الفضل بالشام و قثم بسمرقند و معبد بإفريقية

فصل في نبذ من أخبار المأمون

تاريخ الخلفاء للسيوطي

فصل في نبذ من أخبار المأمون

قال نفطويه : حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال : كنا بين يدي المأمون فعطس فلم نشمته فقال : لم لا تشمتونني ؟ قلنا : أجللناك يا أمير المؤمنين قال : لست من الملوك التي تتجال عن الدعاء

و أخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال : كنت أؤدب المأمون فأتيته يوما ـ و هو داخل ـ فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني فأبطأ ثم و جهت إليه آخر فأبطأ فقلت : إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة فقيل : أجل و مع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه و لقوا منه أذى شديدا فقومه بالأدب فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر قال : فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل : هذا جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منه منديلا فدخل فقمت عن المجلس و خفت أن يشكوني إليه فأقبل عليه بوجهه و حدثه حتى أضحكه ثم خرج فجئت فقلت : لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر فقال لي : يا أبا محمد ما كنت أطلع الرشيد على هذه فكيف بجعفر ؟ إني أحتاج إلى أدب

و أخرج عن عبد الله بن محمد التيمي قال : أراد الرشيد سفرا فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك و أعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع فمضى الأسبوع و لم يخرج فاجتمعوا إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك و لم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون :

( يا خير من دبت المطي به ... و من تقدى بسرجه فرس )

( هل غاية في المسير نعرفها ... أم أمرنا في المسير ملتبس ؟ )

( ما علم هذا إلا إلى ملك ... من نوره في الظلام نقتبس )

( إن سرت سار الرشاد متبعا ... و إن تقف فالرشاد محتبس )

فقرأها الرشيد فسر بها و وقع فيها : يا بني ما أنت و الشعر إنما الشعر ارفع حالات الدنى و أقل حالات السرى [ تقدى : أي استمر ]

و أخرج الأصمعي قال : كان نقش خاتم المأمون [ عبد الله بن عبد الله ]

و أخرج عن محمد بن عبد الله قال : لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان و المأمون قلت : و قد رددت هذا الحصر فيما تقدم

و أخرج عن ابن عيينة قال : جمع المأمون العلماء و جلس للناس فجاءت امرأة فقالت : يا أمير المؤمنين مات أخي و خلف ستمائة دينار أعطوني دينارا و قالوا : هذا نصيبك قال : فحسب المأمون ثم كسر الفريضة ثم قال لها : هذا نصيبك فقال له العلماء : كيف علمت يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هذا الرجل خلف ابنتين ؟ قالت نعم قال : فلهن الثلثان أربعمائة و خلف والدة فلها السدس مائة و خلف زوجة فلها الثمن خمسة و سبعون و بالله ألك اثنا عشر أخا ؟ قالت : نعم قال : أصابهم ديناران ديناران و أصابك دينار

و أخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال : تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلثمائة لون قال : فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال : هذا نافع لكذا ضار لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا و من كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا و من غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا و من قصد قلة الغذاء فليقتصر على هذا فقال له يحيى بن أكثم : يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في علمه أو ذكر السخاء كنت حاتم طيء في صفته أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته أو الكرم فأنت كعب بن مامة في فعاله أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسر بهذا الكلام و قال : إن الإنسان إنما فضل بعقله و لو لا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم و لا دم أطيب من دم

و أخرج عن يحيى بن أكثم قال : ما رأيت أكمل من المأمون بت عنده ليلة فانتبه فقال : يا يحيى انظر أيش عند رجلي ؟ فنظرت فلم أر شيئا فقال : شمعة فتبادر الفراشون فقال : انظروا فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها فقلت : قد انضاف إلي كمال أمير المؤمنين علم الغيب فقال : معاذا الله ! و لكن هتف بي هاتف الساعة و أنا نائم فقال :

( يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى )

( ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى )

فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب و إما بعيد فتأملت ما قرب فكان ما رأيت

و أخرج عن عمارة بن عقيل قال : قال لي ابن أبي حفصة الشاعر : أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر ؟ فقلت : من ذا يكون أفرس منه ؟ و الله إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه قال : إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له و هو هذا :

( أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين و الناس في الدنيا مشاغيل )

فقلت له : ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها ؟ و هو المطوق لها ! ألا قلت كما قال عمك في الوليد :

( فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه ... و لا عرض الدنيا عن الدين شاغله )

قال ابن عساكر : أخبرنا أبو العز بن كادش حدثنا محمد بن الحسين حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي حدثنا الزبير بن بكار حدثني النضر بن شميل قال : دخلت على المأمون بمرو و علي أطمار فقال لي : يا نضر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق قال : لا و لكنك تتقشف فتجارينا الحديث فقال المأمون : [ حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها كان فيه سداد من عوز ]

قلت : صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم [ حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها و جمالها كان فيه سداد [ بالكسر ] من عوز ]

وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا و قال : السداد لحن يا نضر ؟ قلت : نعم ههنا و إنما لحن هشيم و كان لحانا فقال : ما الفرق بينهما ؟ قلت : السداد بالفتح القصد في السبيل و السداد بالكسر البلغة و كل ما سددت به شيئا فهو سداد قال : أفتعرف العرب ذلك ؟

قلت : نعم هذا العرجي من ولد عثمان يقول :

( أضاعوني و أي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة و سداد ثغر )

فأطرق المأمون مليا ثم قال : قبح الله من لا أدب له ! ثم قال : أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب قلت : قول ابن بيض في الحكم بن مروان :

( تقول لي و العيون هاجعة ... : أقم علينا يوما فلم أقم )

( أي الوجوه انتجعت ؟ قلت لها ... : لأي وجه إلا إلى الحكم ؟ )

( متى يقل حاجبا سرداقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم )

( قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... هيهات أدخل فأعطني سلمي )

أسلمت : أسلفت مقتبلا : آخذا قبيلا : أي كفيلا

قال أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت : قول ابن أبي عروبة المديني :

( إني و إن كان ابن عمي عاتبا ... لمزاحم من خلفه و ورائه )

( و مفيد نصري و إن كان أمرأ ... متزحزحا في أرضه و سمائه )

( و أكون والي سره و أصونه ... حتى يحن إلي وقت أدائه )

و إذا الحوادث أجحفت بسوامه قرنت صحيحتنا إلى جربائه (

)
و إذا دعا باسمي ليركب مركبا صعبا قعدت له على سيسائه (

)
و إذا أتى من وجهه بطريقة لم أطلع فيما وراء خبائه (

)
و إذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل : يا ليت أن علي حسن ردائه (

قال : أنشدني أقنع بيت العرب فأنشدته قول ابن عبدل :

)
إني امرؤ لم أزل و ذاك من الله أديبا أعلم الأدبا (

)
أقيم بالدار ما اطمأن بي ال دار و إن كنت نازحا طربا (

)
لا أحتوي الصديق و لا أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا (

)
أطلب ما يطلب الكريم من ال رزق بنفسي و أجمل الطلبا (

)
إني رأيت الفتى الكريم إذا رغبته في صنيعة رغبا (

و العبد لا يطلب العلاء و لا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا )


( مثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن شيئا إلا إذا ضربا )

( و لم أجد عروة العلائق إلا ال ... دين لما اختبرت و الحسبا )

( قد يرزق الخافض المقيم و ما ... شد بعيس رحلا و لا قتبا )

( و يحرم الرزق المطية و الرحـ ... ل و من لا يزال مغتربا )

قال : أحسنت يا نضر و أخذ القرطاس فكتب شيئا لا أدري ما هو ثم قال : كيف تقول أفعل من التراب ؟ قلت : أترب قال : و من الطين ؟ قلت : طن قال : فالكتاب ماذا ؟ قلت : مترب مطين قال : هذه أحسن من الأول فكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل فمضيت معه فلما قرأ الكتاب قال : يا نضر لحنت أمير المؤمنين قلت : كلا ! و لكن هيشم لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لي من عنده بثلاثين ألفا فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفا

و أخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال : قال : بعث إلي المأمون فصرت إليه و هو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم فرأيتهما موليين فجلست فلما أقبلا قمت فسملت عليه بالخلافة فسمعته يقول ليحيى : يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد علي السلام فقال : أخبرني عن قول هند بنت عتبة :

( نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق مشي قطا الهمارق )

من طارق هذا ؟ فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت : يا أمير المؤمنين ما أعرفه في نسبها فقال : إنما أرادت النجم و انتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى : {{ والسماء والطارق }} فقلت : فأيده يا أمير المؤمنين فقال : أنا بؤبؤ هذا الأمر و ابن بؤبؤه ثم رمى إلي بعنبرة كان يقلبها في بعتها بخمسة آلاف درهم

و أخرج عن أبي عبادة قال : كان المأمون أحد ملوك الأرض و كان يجب له هذا الاسم على الحقيقة

و أخرج عن ابن أبي دؤاد دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون : ما حملك على خلافنا ؟ قال : آية في كتاب الله قال : و ما هي ؟ قال : قوله تعالى : {{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }} قال : نعم قال : و ما دليلك ؟ قال : إجماع الأمة قال : فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل بإجماعهم في التأويل قال : صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين

و أخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال : قال المأمون : من علامة الشريف أن يظلم من فوقه و يظلمه من هو دونه

و أخرج عن سعيد بن مسلم قال : قال المأمون : لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب عنهم الخوف و يخلص السرور إلى قلوبهم

و أخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية فقال له : و الله لأقتلنك فقال : يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو قال : و كيف و قد حلفت لأقتلنك ؟ فقال : لأن تلقى الله حانثا خيرا من أن تلقاه قاتلا فخلى سبيله

و أخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال : بت عند المأمون ليلة فنام القيم الذي كان يصلح السراج فقام المأمون و أصلحه و سمعته يقول : ربما أكون في المتوضأ فيشتمني الخدام و يفترون علي و لا يدرون أني أسمع فأعفو عنهم

و أخرج الصولي عن عبد الله بن البواب قال : كان المأمون يحلم حتى يغيظنا و جلس مرة يستاك على دجله من وراء ستر ـ و نحن قيام بين يديه ـ فمر ملاح و هو يقول أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني ـ و قد قتل أخاه ـ قال : فو الله ما زاد على أن تبسم و قال لنا : ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل ؟

و أخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال : ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فأخذه سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه

و كان يقول : أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى

و أخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال : قال لي المأمون : يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإن الفلك أدور و الدهر أجور من أن يترك لأحد حالا أو يبقي لأحد نعمة

و أخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال : قال المأمون : غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة لأن غلبة القدرة تزول بزوالها و غلبة الحجة لا يزيلها شيء

و أخرج عن العتبي قال : سمعت المأمون يقول : من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل الفعل

و أخرج عن أبي العالية قال : سمعت المأمون يقول : ما أقبح اللجاجة بالسلطان و أقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهيم و أقبح منه سخافة الفقهاء بالدين و أقبح منه البخل بالأغنياء و المزاح بالشيوخ و الكسل بالشباب و الجبن يالمقاتل

و أخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال : قال المأمون : أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده و يتواضع لمن لا يكرمه و يقبل مدح من لا يعرفه و أخرج عن مخارق قال : أنشدت المأمون قول أبي العتاهية :

( و إني لمحتاج إلى ظل صاحب ... يروق و يصفو إن كدرت عليه )

فقال لي : أعد فأعدت سبع مرات فقال لي : يا مخارق خذ مني الخلافة و اعطني هذا الصاحب

و أخرج عن هدبة بن خالد قال : حضرت غداء المأمون فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلي المأمون فقال : أما شعبت ؟ قال : بلى و لكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني [ عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر ] فأمر لي بألف دينار

و أخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال : لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل أهدي الناس إلى الحسن فأهدى له رجل فقير مزودين في أحدهما ملح و في الآخر أشنان و كتب إليه : جعلت فداك ! خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة و كرهت أن تطوى صحيفة أهل البر و لا ذكر لي فيها فوجهت إليك بالمبتدإ ليمينه و بركته و بالمختوم به لطيبه و نظافته فأخذ الحسن المزودين و دخل بهما على المأمون فاستحسن ذلك و أمر بهما ففرغا و ملئا دنانير

أخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال : سمعت المأمون يقول : أنا و الله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه و لو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب

و أخرج الخطيب عن منصور البرمكي قال : كان للرشيد جارية و كان المأمون يهواها فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها و المأمون خلفه إذا أشار إليها بقبلة فزجرته بحاجبها و أبطأت غن الصب فنظر إليها هارون فقال : ما هذا ؟ فتلكأت عليه فقال إن لم تخبريني لأقتلنك فقلت : أشار إلي عبد الله بقبلة فالتفت إليه و إذا هو قد نزل به من الحياء و الرعب ما رحمه الله منه فاعتنقه و قال : أتحبها ؟ قال : نعم قال : قم فادخل بها في تلك القبة فقام فلما خرج قال له : قل في هذا شعرا فقال :

( ظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه )

( قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه )

( ورد أحسن رد ... بالكسر من حاجبيه )

( فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه )

و أخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال : سمعت بعض النخاسين يقول : عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية فساومته في ثمنها بألفي دينار فقال المأمون : إن هي أجازت بيتا أقول ببيت من عندها اشتريها بما تقول و زدتك فأنشد المأمون :

( ماذا تقولين فيمن شفه أرق ... من جهد حبك قد صار حيرانا ؟ )

فأجازته :

( إذا وجدنا محبا قد أضر به ... داء الصبابة أوليناه إحسانا )

و أخرج الصولي عن الحسن الخليع قال : لما غضب علي المأمون و منعني رزقا لي علمت قصيدة أمتدحه به و دفعتها إلى من أوصلها إليه و أولها :

( أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى تنجر الوعد المؤكد بالعهد )

( أعيذك من خلف الملوك و قد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد )

( أيبخل فرد الحسن عني بنائل ... قليل و قد أفردته بهوى فرد )

إلى أن قال :

( رأى عبد الله خير عباه ... فملكه و الله أعلم بالعبد )

( ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مفرقة بين الضلالة و الرشد )

فقال المأمون : قد أحسن إلا أنه القائل :

( أعيناي جودا و أبكيا لي محمدا ... و لا تذخرا دمعا عليه و أسعدا )

( فلا تمت الأشياء بعد محمد ... و لا زال الملك فيه مبددا )

( و لا فرح المأمون بالملك بعده ... و لا زال في الدينا طريدا مشردا )

فهذا بذاك و لا شيء عندنا فقال له الحاجب : فأين عادة أمير المؤمنين في العفو ؟ فقال : أما هذا فنعم فأمر له بجائزة ورد رزقه عليه

و أخرج عن علية عن حماد بن إسحاق قال : لما قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر

و أخرج عن محمد بن العباس قال : المأمون يحب لعب الشطرنج شديدا و يقول : هذا يشحذ الذهن و اقترح فيها و كان يقول : لا أسمعن أحدا يقول : تعال حتى نلعب و لكن يقول : نتداول أو نتناقل و لم يكن حاذقا بها

و كان يقول : أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك و أضيق عن تدبير شبرين في شبرين

و أخرج عن ابن أبي سعيد قال : هجا دعبل المأمون فقال :

( إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك و شرفتك بمقعد )

( شادوا بذكرك بعد طول خموله ... و استنفذوك من الحضيض الأوهد )

فلما سمعها المأمون لم يزد على أن قال : ما أقل حياء دعبل ! متى كنت خاملا و قد نشأت في حجر الخلفاء ؟ و لم يعاقبه

و أخرج من طرق عدة أن المأمون كان يشرب النبيذ

و أخرج عن الجاحظ قال : كان أصحاب المأمون يزعمون أن لون وجهه وجسده لون واحد سوى سياقية فإنهما صفراوان كأنهما طليتا بالزعفران

و أخرج عن إسحاق الموصلي قال : قال المأمون : ألذ الغناء ما طرب له السامع خطأ كان أو صوابا

و أخرج عن علي بن الحسين قال : كان محمد بن حامد واقفا على رأس المأمون و هو يشرب فاندفعت عريب فغنت الشعر النابغة الجعدي :

( كحاشية البرد اليماني المسهم )

فأنكر المأمون أن لا يكون ابتدأت بشيء فأمسك القوم فقال : نفيت من الرشيد لئن لم أصدق عن هذا لأقرن بالضرب الوجيع عليه ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة و لئن صدقت لأبلغن الصادق أمله فقال محمد بن حامد : أنا يا سيدي أو مأت إليها بقبلة فقال : الآن جاء الحق صدقت أتحب أن أزواجك بها ؟ قال : نعم فقال المأمون : الحمد لله العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و آله الطيبين لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي و مهرتها عنه أربعمائة درهم على بركة الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم خذ بيدها فقامت معه فصار المعتصم إلى الدهليز فقال له : الدلالة قال : لك ذاك قال : دلالتي أن تغنيني الليلة فلم تزل تغنيه إلى السحر و ابن حامد على الباب ثم خرجت فأخذت بيده و مضت عليه

و أخرج عن ابن أبي دؤاد قال : أهدي ملك الروم إلى المأمون هدية فيها مائتا رطل مسك و مائتا جلد سمور فقال : أضعفوها له ليعلم عز الإسلام

و أخرج عن إبراهيم بن الحسن قال : قال المدائني للمأمون : إن معاوية قال : بنو هاشم أسود و أحداء و نحن أكثر سيدا فقال المأمون : إنه قد أقر و ادعى فهو في ادعائه خصم و في إقراره مخصوم

و أخرج عن أبي أمامة قال : حدثني بعض أصحابنا أن أحمد بن أبي خالد قرأ القصص يوما على المأمون فقال : فلان الثريدي ـ و هو اليزيدي ـ فضحك المأمون و قال : يا غلام هات طعاما لأبي العباس فإنه أصبح جائعا فاستحيى و قال : ما أنا بجائع و لكن صاحب القصة أحمق نقط الياء بنقط الثاء فقال : على ذلك فجاءه بطعام فأكل حتى انتهى ثم عاد فمر في قصة [ فلان الحمصي ] فقال : الخبيصي فضحك المأمون و قال : يا غلام جامة فيها خبيص فقال : إن صاحب القصة كان أحمق فتح اليم فصارت كأنها سنتان فضحك و قال : لولا حمقها لبقيت جائعا

و أخرج عن أبي عباد قال : ما أظن الله خلق نفسا هي أنبل من نفس المأمون و لا أكرم

و كان قد عرف شره أحمد بن أبي علي خالد فكان إذا وجهه في حاجة غداة قبل أن يرسله

و رفع إليه في القصة : إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن خالد نزلا فإنه يعين الظالم بأكله فأجرى عليه المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته

و كان مع هذا يشره إلى طعام الناس فقال دعبل الشاعر :

( شكرنا الخليفة إجراءه ... على ابن أبي خالد نزله )

( فكف أذاه عن المسلمين ... و صير في بيته شغله )

و أخرج عن ابن أبي دؤاد قال : سمعت المأمون يقول لرجل : إنما هو غدر أو يمن قد وهبتهما لك و لا تزال تسيء و تذنب و أغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك

و أخرج عن الجاحظ قال : قال ثمامة بن أشرس : ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى البرمكي و المأمون

و أخرج السفلي في الطيوريات عن حفص المدائني قال : أتى المأمون بأسود قد ادعى النبوة و قال : أنا موسى بن عمران فقال له المأمون : إن موسى بن عمران أخرج يده من جيبه بيضاء أخرج يدك بيضاء حتى أومن بك فقال الأسود : إنما جعل ذلك لموسى لما قال له فرعون : أنا ربكم الأعلى فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء و إلا لم تبيض

و أخرج أيضا أن المأمون قال : ما انفتق علي فتق إلا وجدت سببه جور العمال

و أخرج ابن عساكر عن يحيى بن أكثم قال : كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها و نعله في يده فوقف على طرف البساط و قال : السلام عليكم فرد عليه المأمون فقال أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة و القهر ؟ قال : لا بهذا و لا بهذا بل يتولى أمر المسلمين من عقد لي و لأخي فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق و المغرب على الرضا بي رأيت متى خليت الأمر اضرب حبل الإسلام و مرج أمرهم و تنازعوا و بطل الجهاد و الحج و انقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجتمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر فقال : السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و ذهب

و أخرج عن محمد بن المنذر الكندي قال : حج الرشيد فدخل الكوفة فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس و عيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين و المأمون فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث فقال المأمون : يا عم أتأذن لي أن أعيدها من حفظي ؟ قال : افعل فأعادها فعجب من حفظه

و قال بعضهم : استخرج المأمون كتب الفلاسفة و اليونان من جزيرة قبرس هكذا ذكره الذهبي مختصرا

و قال الفاكهي : أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض المأمون و استمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر إلا أن محمود بن سبكتكين كساها في خلال هذه المدة دبياجا أصفر

و من كلام المأمون : لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال

و قال : أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر و إذا أدبر أن يقبل

و قال : أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس

و قال : الناس ثلاثة مثل الغذاء لابد منه على كل حال و منهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض و منهم كالداء مكروه على حال

و قال : ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة قدمه أهله فشكا عاملهم فقلت : كذبت بل هو رجل عادل فقال : صدق أمير المؤمنين و كذبت أنا قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد [ خذه ] و استعمله على بلد آخر يشملهم من عدله و إنصافه مثل الذي شملنا فقلت : قم في غير حفظ الله و عزلته عنكم

و من شعر المأمون :

( لساني كتوم لأسراركم ... و دمعي نموم لسري مذيع )

( فلولا دموعي كتمت الهوى ... و لولا الهوى لم يكن لي دموع )

و له في الشطرنج :

( أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين إلفين معروفين بالكرم )

( تذاكر الحرب فاحتلا لها حيلا ... من غير أن يأثما فيها بسفك دم )

( هذا يغير على هذا و ذاك على ... هذا بغير و عين الحزم لم تنم )

( فانظر إلى فطن جالت بمعرفة ... في عسكرين بلا طبل و لا علم )

و أخرج الصولي عن محمد بن عمرو قال : دخل أصرم بن حميد على المأمون ـ و عنده المعتصم ـ فقال : يا أصرم صفني و أخي و لا تفضل واحدا منا على صاحبه فأنشد بعد قليل :

( رأيت سفينة تجري ببحر ... إلى بحرين دونها البحور )

( إلى ملكين ضوؤهما جميعا ... سواء حار دونها البصير )

( كلا الملكين يشبه ذاك هذا ... و ذا هذا و ذاك و ذا أمير )

( فإن يك ذاك ذا و ذاك هذا ... فلي في ذا و ذاك معا سرور )

( رواق المجد ممدود على ذا ... و هذا وجهه بدر منير )

ذكر أحاديث من رواية المأمون

تاريخ الخلفاء للسيوطي

ذكر أحاديث من رواية المأمون

قال البيهقي : سمعت الإمام أبا عبد الله الحاكم قال : سمعت أبا أحمد الصيرفي سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول : صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فرأيت المأمون خلف الدرابزين و هو يقول : لا يا غوغاء لا يا غوغاء غدا سنة أبي القاسم صلى الله عليه و سلم فلما كان يوم الأضحى حضرت إلى الصلاة فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا و سبحان الله بكرة و أصيلا [ حدثنا هشيم بن بشير حدثنا ابن شبرمة عن الشعبي عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن دينار قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه و من ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة ] الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا و سبحان الله بكرة و أصيلا اللهم أصلحني و استصلحني و أصلح على يدي

قال الحاكم : هذا حديث لم نكتبه إلا عن أبي أحمد و هو عندنا ثقة المأمون و لم يزل في القلب منه شيء حتى ذاكرت به أبا الحسن الدارقطني فقال : هذه الرواية عندنا صحيحة عن جعفر فقلت : هل من متابع به لشيخنا أبي أحمد ؟ فقال : نعم ثم قال : حدثني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروزباذي حدثنا محمد بن عبد الملك التاريخي ـ قال الدارقطني : و ما فيهم إلا ثقة مأمون ـ حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال : سمعت المأمون فذكر الخطبة و الحديث و قال الصولي : حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال : خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة و وافق يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فأنكر التكبير ثم وثب حتى نأخذ بخشب المقصورة و قال : يا غوغاء ما هذا التكبير في غير أيامه ؟ حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس أن الرسول الله صلى الله عليه و سلم ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة و التكبير في غد ظهرا عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى

و قال الصولي [ حدثنا أبو القاسم البغوي حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال كنا عند المأمون فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الخلق عيال الله فأحب عباد الله إلى الله عز و جل أنفعهم لعياله ] فصاح المأمون : و قال : اسكت أنا أعلم بالحديث منك حدثنيه يوسف بن عطية الصفار [ عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : الخلق عيال الله فأحب عباد الله أنفعهم لعياله ] أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر و أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده و غير من طرق عن يوسف بن عطية

و قال الصولي : حدثنا المسيح بن حاتم العكلي حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال سمعت المأمون يخطب فذكر في خطبته الحياء فوصفه و مدحه ثم قال : [ حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن أبي بكرة و عمران بن حصين قالا : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الحياء من الإيمان و الإيمان في الجنة و البذاء من الجفاء و الجفاء في النار ] أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون

و قال الحاكم : [ حدثنا الحسين بن تميم حدثنا الحسين بن فهم حدثنا يحيى بن أكثم القاضي قال : قال لي المأمون يوما : يا يحيى إني أريد أن أحدث فقلت : و من أولى بهذا من أمير المؤمنين ؟ فقال : ضعوا لي منبرا فصعد و حدث فأول حديث حدثنا به : عن هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ] ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثا ثم نزل فقال لي : يا يحيى كيف رأيت مجلسنا ؟ قلت أجل مجلس يا أمير المؤمنين تفقه الخاصة و العامة فقال : لا و حياتك ما رأيت لكم حلاوة و إنما المجلس لأصحاب الخلقان و المحابر

و قال الخطيب : حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : لما فتح المأمون مصر قال له قائل : الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك و أدان لك العراقين و الشامات و مصر و أنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت له : ويحك ! إلا أنه بقيت لي خلة و هو أن أجلس في مجلس و يستملي يحيى فيقول لي : من ذكرت رضي الله عنك ؟ فأقول : [ حدثنا الحمادان حماد بن سلمة و حماد بن زيد قالا : حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من عال ابنتين أو ثلاثا أو أختين أو ثلاثا حتى يمتن أو يموت عنهن كان معي كهاتين في الجنة ] و أشار بالمسبحة و الوسطى

قال الخطيب : في هذا الخبر غلط فاحش و يشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين و ذلك أن مولد المأمون سنة سبعين ومات حماد بن سلمة في سنة سبع و ستين قبل مولده بثلاث سنين و أما حماد بن زيد فمات في تسع و سبعين

و قال الحاكم حدثنا بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال : وقف المأمون يوما للأذان و نحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال : يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به فقال له المأمون : إيش تحفظ في باب كذا ؟ فلم يذكر فيه شيئا فما زال المأمون يقول : حدثنا هشيم و حدثنا حجاج و حدثنا فلان حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئا فذكره المأمون ثم نظر إلى أصحابه فقال : يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول : أنا من أصحاب الحديث أعطوه ثلاث دراهم

و قال ابن عساكر : حدثنا محمد بن إبراهيم الغزي حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرني عبيد الله بن محمد الزاهد العكبري حدثنا عبد الله بن محمد بن مسيح حدثنا محمد بن المغلس حدثنا محمد بن السري القنطري حدثنا علي بن عبد الله قال : قال يحيى بن أكثم : بت ليلة عند المأمون فانتبهت في جوف الليل و أنا عطشان فتقلبت فقال : يا يحيى ما شأنك ؟ قلت : عطشان فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء فقلت : يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام ؟ قال : لا [ حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سيد القوم خادمهم ] و قال الخطيب : [ حدثنا الحسن بن الحسن بن عثمان الواعظ حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطي حدثني أحمد بن الحسن الكسائي حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني حدثني يحيى بن أكثم فذكر نحوه إلا أنه قال : حدثني الرشيد حدثني المهدي حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس حدثني جرير بن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : سيد القوم خادمهم ]

و قال ابن عساكر : [ حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد حدثنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل حدثنا أبو حذيفة البخاري قال : سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم : قال : مولى القوم منهم ] قال محمد بن قدامة : فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه فأمر له بعشرة آلاف درهم و في أيام المأمون أحصيت أولاد العباس فبلغوا ثلاثة و ثلاثين ألفا ما بين ذكر و أنثى و ذلك في سنة مائتين

و في أيامه مات من الأعلام : سفيان بن عيينة و الإمام الشافعي و عبد الرحمن بن مهدي و يحيى بن سعيد القطان و يونس بن بكير ـ راوي المغازي ـ و أبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة رحمه الله و معروف الكرخي الزاهد و إسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ و إسحاق بن الفرات ـ قاضي مصر ـ من أجلة أصحاب مالك و أبو عمرو الشيباني اللغوي و أشهب صاحب مالك و الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة و حماد بن أسامة الحافظ و روح بن عبادة و زيد بن الحباب أبو داود الطيالسي و الغازي بن قيس من أصحاب مالك و أبو سليمان الداراني الزاهد المشهور و علي الرضى بن موسى الكاظم و الفراء إمام العربية و قتيبة بن مهران صاحب الإمالة و قطرب النحوي و الواقدي و أبو عبيدة معمر بن المثنى و النضر بن شميل و السيدة نفيسة و هشام أحد النحاة الكوفيين و اليزيدي و يزيد بن هارون و يعقوب بن إسحاق الحضرمي قارىء البصرة وعبد الرزاق و أبو العتاهية الشاعر و أسد السنة و أبو عاصم النبيل و الفريابي و عبد الملك بن الماجشون و عبد الله بن الحكم و أبو زيد الأنصاري صاحب العربية و الأصمعي و خلائق آخرون

هارون الرشيد يكتب كتابا يوصي فيه لابنه الأمين بالبيعة ومن بعده لابنه المأمون ويعلق الكتاب في جوف الكعبة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

هارون الرشيد يكتب كتابا يوصي فيه لابنه الأمين بالبيعة ومن بعده لابنه المأمون ويعلق الكتاب في جوف الكعبة.
175 - 791 م
أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين، وعمره إذ ذاك خمس سنين وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي ولو شئت أن أقول الرابعة مني لقلت، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لأعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك، ثم لما حج علق هذا الكتاب في جوف الكعبة كنوع من التثبيت لهذا العهد فلا يستجرئ أحد على نقضه.

أخذ هارون الرشيد لولده (المأمون) ولاية العهد من بعد أخيه (الأمين).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

أخذ هارون الرشيد لولده (المأمون) ولاية العهد من بعد أخيه (الأمين).
182 - 798 م
أخذ الرشيد للمرة الثانية حيث كانت الأولى عام 175هـ لولده عبد الله المأمون ولاية العهد من بعد أخيه محمد الأمين بن زبيدة، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي وبعثه إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له، وولاه خراسان وما يتصل بها، وسماه المأمون.

هارون الرشيد يعقد لابنه القاسم بولاية العهد بعد أخيه المأمون ويلقبه بالمؤتمن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

هارون الرشيد يعقد لابنه القاسم بولاية العهد بعد أخيه المأمون ويلقبه بالمؤتمن.
183 - 799 م
حج الرشيد ومعه ابناه: الأمين محمد والمأمون عبد الله وفرق بالحرمين الأموال. وفيها بايع الرشيد بولاية العهد لولده قاسم بعد الأخوين الأمين والمأمون، ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي.

اختلاف الأمين والمأمون ابنا هارون الرشيد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اختلاف الأمين والمأمون ابنا هارون الرشيد.
193 جمادى الآخرة - 809 م
كان الرشيد في أثناء مسيره إلى خراسان وكان المأمون في مرو بخراسان وكان الأمين في بغداد فأخذ الرشيد البيعة من جنده الذين معه أن يطيعوا للمأمون ويبقوا معه ولكن الفضل بن الربيع عاد بالجند إلى بغداد ثم أوحى للأمين أن يعقد البيعة لابنه موسى ثم للمأمون فلما علم بذلك المأمون قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز وأمن رافع بن الليث وأكرمه كما أكرم هرثمة بن أعين الذي كان مكلفا بقتال رافع فقويت فكرة خلع المأمون من ولاية العهد وتولية ابنه مكانه، وأمر الخليفة الأمين بالدعاء لابنه موسى على المنابر بعد ذكر المأمون والقاسم، فتنكر كل واحد من الأمين والمأمون لصاحبه وظهر الفساد بينهما وهذا أول الشر والفتنة بين الأخوين. ثم أرسل الأمين في أثناء السنة إلى المأمون يسأله أن يقدم ولد الأمين موسى المذكور على نفسه ويذكر له أنه سماه الناطق بالحق؛ فقويت الوحشة بينهما أكثر.

الأمين يتولى خلافة الدولة العباسية ويعلن خلع أخويه المأمون والمؤتمن من ولاية العهد ويبايع لابنه موسى (الناطق بالحق).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الأمين يتولى خلافة الدولة العباسية ويعلن خلع أخويه المأمون والمؤتمن من ولاية العهد ويبايع لابنه موسى (الناطق بالحق).
193 جمادى الآخرة - 809 م
كان الرشيد قد عقد الخلافة لابنه الأمين ثم للمأمون لمكانة زبيدة والدة الأمين وإلا فالمأمون أكبر منه، فبويع الأمين بالخلافة في عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التي توفي فيها؛ وكان المأمون حينئذ بمرو، فكتب حمويه مولى المهدي، صاحب البريد إلى نائبه ببغداد، وهو سلام بن مسلم، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه وهنأه بالخلافة، فانتقل من قصره بالخلد إلى قصر الخلافة وبايعه الناس.

موقعة الري وهزيمة جيش الأمين أمام جيش المأمون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

موقعة الري وهزيمة جيش الأمين أمام جيش المأمون.
195 - 810 م
عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان بالإمرة على الجبل وهمذان وأصبهان وقم وأمره بحرب المأمون وجهزه بجيش كبير، فلما وصل الجيش إلى الري تلقاه طاهر بن الحسين قائد المأمون فاقتتل الطرفان فقتل علي بن عيسى بن ماهان وانهزم جيشه ولما وصل الخبر إلى الأمين جهز جيشا آخر بإمرة عبدالرحمن بن جبلة الأنباري ولكنه هزم هو أيضا فهرب بجيشه إلى همذان وطلب الأمان من طاهر بن الحسين فأمنهم ولكنهم غدروا به وبجيشه وقتلوا منهم الكثير فنهض إليهم طاهر وقاتلهم فقتل عبدالرحمن بن جبلة وفر من نجا من القتل، ثم عاد الأمين فوجه أحمد بن يزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة في أربعين ألفا إلى حلوان لقتال طاهر بن الحسين وكان هذا في العام التالي فلما وصلوا إلى قريب من حلوان خندق طاهر على جيشه خندقا وجعل يعمل الحيلة في إيقاع الفتنة بين الأميرين، فاختلفا فرجعا ولم يقاتلاه، ودخل طاهر إلى حلوان وجاءه كتاب المأمون بتسليم ما تحت يده إلى هرثمة بن أعين، وأن يتوجه هو إلى الأهواز ففعل ذلك.

تولي المأمون للخلافة العباسية رسميا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تولي المأمون للخلافة العباسية رسميا.
198 صفر - 813 م
بعد أن تم قتل الأمين في حبسه والاستيلاء على بغداد أخذت البيعة بالكامل للمأمون الذي بقي في مرو، وولى الحسن بن سهل البصرة والكوفة والحجاز واليمن والأهواز وولى غيره المناطق الأخرى.

فتنة العباسيين ضد الخليفة العباسي المأمون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فتنة العباسيين ضد الخليفة العباسي المأمون.
201 رمضان - 817 م
كان سبب ذلك أن المأمون جعل علي بن موسى الرضي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، ولقبه الرضي من آل محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمر جنده بطرح السواد ولبس الثياب الخضر، وكتب بذلك إلى الآفاق، وكتب الحسن بن سهل إلى عيسى بن محمد بن أبي خالد بعد عوده إلى بغداد يعلمه أن المأمون قد جعل علي بن موسى ولي عهده من بعده. وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً أفضل ولا أروع ولا أعلم منه، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وأمر عيسى بن محمد أن يأمر من عنده من أصحابه، والجند، والقواد، وبني هاشم بالبيعة له، ولبس الخضرة، ويأخذ أهل بغداد جميعاً بذلك، فثار العباسيون وقالوا إنما يريد أن يأخذ الخلافة من ولد العباس، وإنما هذا من الفضل بن سهل، فمكثوا كذلك أياما وتكلم بعضهم وقالوا: نولي بعضنا ونخلع المأمون، فكان أشدهم فيه منصور وإبراهيم ابنا المهدي.

مسير المأمون للعراق وقتل ذي الرياستين الفضل بن سهل.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مسير المأمون للعراق وقتل ذي الرياستين الفضل بن سهل.
202 - 817 م
أقبل المأمون من خراسان قاصدا العراق، وذلك أن علي بن موسى الرضى أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وبأن الهاشميين قد أنهوا إلى الناس بأن المأمون مسحور ومسجون، وأنهم قد نقموا عليك ببيعتك لعلي بن موسى، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي. فاستدعى المأمون جماعة من أمرائه وأقربائه فسألهم عن ذلك فصدقوا عليا فيما قال، بعد أخذهم الأمان منه، وقالوا له: إن الفضل بن سهل حسن لك قتل هرثمة، وقد كان ناصحا لك. فعاجله بقتله، وإن طاهر بن الحسين مهد لك الأمور حتى قاد إليك الخلافة بزمامها فطردته إلى الرقة فقعد لا عمل له ولا تستنهضه في أمر، وإن الأرض تفتقت بالشرور والفتن من أقطارها. فلما تحقق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطن الفضل بن سهل بما تمالأ عليه أولئك الناصحون، فضرب قوما ونتف لحى بعضهم. وسار المأمون فلما كان بسرخس عدا قوم على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام فقتلوه بالسيوف، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شوال وله ستون سنة، فبعث المأمون في آثارهم فجيء بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزيه فيه، وولاه الوزارة مكانه، وارتحل المأمون من سرخس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيم بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون.

وفاة علي بن موسى الرضي (ولي عهد المأمون).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة علي بن موسى الرضي (ولي عهد المأمون).
203 صفر - 818 م
توفي علي بن موسى الرضي؛ والذي كان المأمون قد جعله ولياً للعهد, وكان سبب موته أنه أكل عنباً فأكثر منه، فمات فجأة، وكان موته بمدينة طوس، فصلى المأمون عليه، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد, وقيل إن المأمون سمه في عنب، وكان علي يحب العنب. فلما توفي كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه موت علي، وما دخل عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد، وبني العباس والموالي يعلمهم موته، وأنهم إنما نقموا ببيعته، وقد مات، ويسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا إليه أغلظ جواب.

قدوم المأمون إلى بغداد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قدوم المأمون إلى بغداد.
204 محرم - 819 م
لما خلع إبراهيم بن المهدي واختفى وانقطعت الفتن قدم المأمون بغداد، وكان قد أقام بجرجان شهرا وجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة؛ وأقام بالنهروان ثمانية أيام، فخرج إليه أهل بيته والقواد، ووجوه الناس، وسلموا عليه. وكان قد كتب إلى طاهر، وهو بالرقة، ليوافيه بالنهروان، فأتاه بها ودخل بغداد منتصف صفر، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فلما قدم بغداد نزل الرصافة، ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة، وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم. وكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، وكانوا يخرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان، فمكثوا بذلك ثمانية أيام، فتكلم بنوالعباس وقواد أهل خراسان، وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك، وجلس للناس، وأحضر سواداً فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهر وخلع على قواده السواد، فعاد الناس إليه، وذلك لسبع بقين من صفر.

خلع أهل قم للخليفة العباسي المأمون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خلع أهل قم للخليفة العباسي المأمون.
210 - 825 م
خلع أهل قم المأمون، ومنعوا الخراج؛ وكان سببه أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام وأسقط عنهم شيئاً من خراجهم، فطمع أهل قم أن يصنع بهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، وعجيف بن عنبسة، فحارباهم فظفرا بهم، وقتل يحيى بن عمران، وهدم سور المدينة، وجباها على سبعة آلاف ألف ردهم، وكانوا يتظلمون من ألفي ألف.

ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ظفر المأمون بعمه إبراهيم بن المهدي.
210 ربيع الثاني - 825 م
كان إبراهيم المهدي قد خرج على المأمون وبايعه أهل بغداد إلا أن الأمر لم يدم في يده طويلا حتى انفض عنه الناس وتركوه فاختفى مدة ست سنين وشهور ثم ظفر به المأمون, فاستعطفه إبراهيم فعفى عنه وتركه.

المأمون ينادي ببراءة الذمة ممن لا يعتقد بأفضلية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المأمون ينادي ببراءة الذمة ممن لا يعتقد بأفضلية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
211 ربيع الأول - 826 م
في هذه السنة أظهر المأمون أول بدعه الشنيعة فأمر مناديا ينادي: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بن أبي سفيان بخير أو فضله على أحد من الصحابة؛ وينادي: إن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل كان المأمون يبالغ في التشيع لكنه لم يتكلم في الشيخين بسوء، بل كان يترضى عنهما ويعتقد إمامتهما والله أعلم.

المأمون يوجه محمد الطوسي لمحاربة بابك الخرمي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المأمون يوجه محمد الطوسي لمحاربة بابك الخُرَّمي.
212 - 827 م
بدأت فتنة بابك الخرمي صاحب البذ عام مائتان وواحد، وهم أصحاب جاويدان بن سهل،، وادعى بابك أن روح جاويدان دخلت فيه، فأخذ في العيث والفساد، فكان يخشى من أمره لأنه في أطراف الروم ويمكن أن يتحالف معهم ضد المسلمين، وكان قبل ذلك حصلت عدة محاولات لإخماد فتنته لكنها لم تنجح فوجه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك الخرمي لمحاربته، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها ويحارب زريق ابن علي وكان المأمون ولى علي بن صدقة المعروف بزريق، على أرمينية، وأذربيجان، وأمره بمحاربة بابك، وأقام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي، فأسره بابك، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان، فسار محمد إلى الموصل، ومعه جيشه، وجمع ما فيها من الرجال من اليمن وربيعة، وسار لحرب زريق، ومعه محمد بن السيد بن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إلى زريق، فسار نحوهم، فالتقوا في الزاب، فراسله محمد بن حميد يدعوه إلى الطاعة، فامتنع، فناجزه محمد، واقتتلوا واشتد قتال الأزدي فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل يطلب الأمان، فأمنه محمد، فنزل إليه، فسيره إلى المأمون. ثم سار إلى أذربيجان، واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان فأخذهم، منهم يعلى بن مرة ونظراؤه، وسيرهم إلى المأمون وسار نحو بابك الخرمي لمحاربته.

المأمون يعتنق مذهب المعتزلة ويعلنه مذهبا رسميا للدولة (مسألة خلق القرآن).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المأمون يعتنق مذهب المعتزلة ويعلنه مذهبا رسميا للدولة (مسألة خلق القرآن).
212 - 827 م
ثم أظهر المأمون بدعته الثانية الشنيعة ولم يأت هذا الإظهار دون سوابق، بل إن المأمون عرف عنه تقريبه لأئمة المعتزلة وتودده إليهم وإكرامه لهم فتأثر بهم وبمذهبهم حتى قال بقولهم ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ألبوا عليه علماء السنة الذين يخالفونهم في الرأي وكان من أشد الأمور التي ظهر الخلاف فيها هي مسألة خلق القرآن فأهل السنة والجماعة يقولون: إنه كلام الله غير مخلوق بل هو صفة من صفاته عز وجل وصفاته غير مخلوقة، وأما هؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الجهمية وغيرهم فيقولون بل إن كلامه مخلوق فأظهر هذه البدعة المأمون وامتحن العلماء عليها بعد ذلك وعذب فيها من عذب وقتل فيها من قتل والله المستعان.

ثورة رجلين وخلعهما المأمون واستحواذهما على الديار المصرية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ثورة رجلين وخلعهما المأمون واستحواذهما على الديار المصرية.
214 - 829 م
كان على مصر عمير بن الوليد الباذغيسي التميمي أمير مصر؛ ولي مصر باستخلاف أبي إسحاق محمد المعتصم له لأن الخليفة المأمون كان ولى مصر لأخيه المعتصم بعد عزل عبد الله بن طاهر، وولى المعتصم عميراً هذا على الصلاة لسبع عشرة خلت من صفر سنة أربع عشرة ومائتين، وسكن العسكر وجعل على شرطته ابنه محمداً؛ وعندما تم أمره خرج عليه القيسية واليمانية الذين كانوا خرجوا قبل تاريخه وعليهم عبد السلام وابن الجليس، فتهيأ عمير هذا وجمع العساكر والجند وخرج لقتالهم وخرج معه أيضاً فيمن خرج الأمير عيسى بن يزيد الجلودي المعزول به عن إمرة مصر، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع عشرة ومائتين؛ واستخلف عمير ابنه محمداً على صلاة مصر، وسافر بجيوشه حتى التقى مع أهل الحوف القيسية واليمانية؛ فكانت بينهم وقعة هائلة وقتال ومعارك وثبت كل من الفريقين حتى قتل عمير هذا في المعركة لست عشرة خلت من شهر ربيع الأول، فسار المعتصم إلى مصر، وقاتلهما فقتلهما وافتتح مصر، فاستقامت أمورها واستعمل عليها عماله.

الخليفة المأمون ينشئ بيت الحكمة ببغداد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الخليفة المأمون ينشئ بيت الحكمة ببغداد.
215 - 830 م
أنشئت هذه المكتبة في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) على يد هارون الرشيد وذلك بعد أن ضاقت مكتبة القصر بما فيها من كتب , وعجزت عن احتواء القراء المترددين عليها , مما جعله يفكر في إخراجها من القصر , وإفرادها بمبنى خاص بها , يصلح لاستيعاب أكبر عدد من الكتب , ويكون مفتوحا أمام كل الدارسين وطلاب العلم. فاختار لها مكانا مناسبا , وأقام عليه مبنى مكونا من عدة قاعات , قاعة للاطلاع , وقاعة للمدارسة , وقاعة لنسخ الكتب الجديدة وتجليدها , وقاعة للترويح عن النفس وللاستراحة , ومسجدا للصلاة , ومكانا يبيت فيه الغرباء , تتوفر فيه مقومات الحياة من طعام وشراب وغيره , ومخزنا للكتب , نظمت فيه بحيث صار لكل فن من الفنون العلمية مكان خاص به , وتوضع فيه مرتبة في دواليب، ثم زودها بما تحتاج إليه من أثاث ومرافق , وأحبار وأوراق للدارسين , وعين لها المشرفين على إدارتها , والعمال القائمين على خدمة ورعاية زائريها. وواصل ابنه المأمون بعده الاهتمام بتلك المكتبة فأحضر مئات النساخ والشراح والمترجمين من شتى اللغات؛ لتعريب ونقل الكتب من لغتها الأصلية, حتى غدت من أعظم المكتبات في العالم , ووضع بها مرصدا؛ ليكون تعليم الفلك فيها تعليما عمليا، يجرب فيها الطلاب ما يدرسونه من نظريات علمية , وبنى بها مستشفى لعلاج المرضى وتعليم الطب , إذ كان يؤمن بأن العلم النظري وحده لا جدوى منه. وكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما عنده من العلوم القديمة المخزونة المورثة عن اليونان , واجتمع لدى المأمون بذلك ثروة هائلة من الكتب القديمة , فشكل لها هيئة من المترجمين المهرة والشراح والوراقين, للإشراف على ترميمها ونقلها إلى العربية , وعين مسئولا لكل لغة يشرف على من يترجمون تراثها , وأجرى عليهم الرواتب العظيمة , حيث جعل لبعضهم خمسمائة دينار في الشهر, أي ما يساوي 2كيلو جرام ذهبا تقريبا , بالإضافة إلى الأعطيات الأخرى , إذ أعطى على بعض الكتب المترجمة وزنها ذهبا. وبعضهم كان يقوم بترجمة الأصل إلى لغته هو , ثم يقوم مترجم آخر بنقله إلى العربية وغيرها , ولم يقتصر دور المترجمين على الترجمة فقط وإنما قاموا بالتعليق على هذه الكتب، وتفسير ما فيها من نظريات , ونقلها إلى حيز التطبيق , وإكمال ما فيها من نقص , وتصويب ما فيها من خطأ , حيث كان عملهم يشبه ما يسمى بالتحقيق الآن , وما إن انتهى عصر المأمون حتى كانت معظم الكتب اليونانية والهندية والفارسية وغيرها من الكتب القديمة في علوم الرياضة والفلك والطب والكيمياء والهندسة موجودة بصورتها العربية الجديدة بمكتبة بيت الحكمة.

خروج المأمون بنفسه للقتال والجهاد ضد البيزنطيين واحتلاله (لؤلؤة) قرب طرسوس ثم يعود ويستقر في الشام.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

خروج المأمون بنفسه للقتال والجهاد ضد البيزنطيين واحتلاله (لؤلؤة) قرب طرسوس ثم يعود ويستقر في الشام.
215 محرم - 830 م
سار المأمون هذه المرة بنفسه لغزو الروم ربما لأنه شعر أن الناس قد ركنت للرفاهية وضعفت عندهم روح الجهاد كما أن الفرقة بدأت تعصف بينهم بريحها المنتنة مما شجع كثيرا من المتمردين على الخروج، فسار من بغداد على طريق الموصل، حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة، وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إن أهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمون، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفا وجعفراً الخياط إلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع، ثم قفل راجعا إلى دمشق.

ابتداع المأمون التكبير عقب الصلوات الخمس (ثلاث تكبيرات).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ابتداع المأمون التكبير عقب الصلوات الخمس (ثلاث تكبيرات).
216 رمضان - 831 م
كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم أن يأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا الجمعة، وبعد الصلوات الخمس إذا قضوا الصلاة أن يصيحوا قياماً ويكبروا ثلاث تكبيرات، ففعل ذلك في شهر رمضان فقال الناس: هذه بدعة ثالثة.

المأمون يأمر نوابه في بغداد ومصر بامتحان العلماء والفقهاء في مسألة خلق القرآن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

المأمون يأمر نوابه في بغداد ومصر بامتحان العلماء والفقهاء في مسألة خلق القرآن.
218 - 833 م
لم يكتف المأمون باعتناق هذا المذهب في مسألة خلق القرآن بل كتب إلى عماله في الأمصار بامتحان العلماء في هذه المسألة من أجاب وإلا كان العقاب، وربما بطانته من العلماء كانوا وراء هذا الامتحان، فكتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن وأن يرسل إليه جماعة منهم، وكتب إليه يستحثه في كتاب مطول وكتب غيره مضمونها الاحتجاج على أن القرآن محدث وكل محدث مخلوق، وهذا احتجاج لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين فضلا عن المحدثين، فإن القائلين بأن الله تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية لا يقولون بأن فعله تعالى القائم بذاته المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقا، بل يقولون هو محدث وليس بمخلوق، بل هو كلام الله القائم بذاته المقدسة، وما كان قائما بذاته لا يكون مخلوقا، وقد قال الله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) [الأنبياء: 2] وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) [الأعراف: 11] فالأمر بالسجود صدر منه بعد خلق آدم، فالكلام القائم بالذات ليس مخلوقا، وهذا له موضع آخر، والمقصود أن كتاب المأمون لما ورد بغداد قرئ على الناس، وقد عين المأمون جماعة من المحدثين ليحضرهم إليه، وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي، ويزيد بن هارون ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي، فبعث بهم إلى المأمون إلى الرقة فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق ذلك وأحضر خلقا من مشايخ الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدثين له على ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك موافقة لهم، ووقعت بين الناس فتنة عظيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم كتب المأمون إلى إسحاق أيضا بكتاب ثان يستدل به على القول بخلق القرآن بشبه من الدلائل أيضا لا تحقيق تحتها ولا حاصل لها، بل هي من المتشابه وأورد من القرآن آيات هي حجة عليه، وأمر نائبه أن يقرأ ذلك على الناس وأن يدعوهم إليه وإلى القول بخلق القرآن، فأحضر أبو إسحاق جماعة من الأئمة وهم أحمد بن حنبل، وقتيبة، وغيرهم كثير، ثم امتحنهم رجلا رجلا فأكثرهم امتنع من القول بخلق القرآن، فكان إذا امتنع الرجل منهم امتحنه بالرقعة التي وافق عليها بشر بن الوليد الكندي، من أنه يقال لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فيقول: نعم كما قال بشر.

اعتقال الإمام (أحمد بن حنبل) و (محمد بن نوح) في بغداد وسوقهما إلى طرسوس ليقابلا المأمون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اعتقال الإمام (أحمد بن حنبل) و (محمد بن نوح) في بغداد وسوقهما إلى طرسوس ليقابلا المأمون.
218 - 833 م
بعد أن أحضر إسحاق بن إبراهيم العلماء والمحدثين لامتحانهم كان من بينهم الإمام أحمد ومحمد بن نوح وغيرهم كثير ولما انتهت النوبة إلى امتحان أحمد بن حنبل، قال له: أتقول إن القرآن مخلوق؟ فقال: القرآن كلام الله لا أزيد على هذا، فقال له: ما تقول في هذه الرقعة؟ فقال أقول (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: 11] فقال رجل من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأذن بصير بعين. فقال له إسحاق: ما أردت بقولك سميع بصير؟ فقال: أردت منها ما أراده الله منها وهو كما وصف نفسه ولا أزيد على ذلك. فكتب جوابات القوم رجلا رجلا وبعث بها إلى المأمون، فلما وصلت جوابات القوم إلى المأمون بعث إلى نائبه يمدحه على ذلك ويرد على كل فرد ما قال في كتاب أرسله. وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضا فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم فابعثه إلى عسكر أمير المؤمنين مقيدا محتفظا به حتى يصل إلى أمير المؤمنين فيرى فيه رأيه، ومن رأيه أن يضرب عنق من لم يقل بقوله. فعند ذلك عقد النائب ببغداد مجلسا آخر وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهدي، وكان صاحبا لبشر بن الوليد الكندي، وقد نص المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور، فلما امتحنهم إسحاق أجابوا كلهم مكرهين متأولين قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) [النحل: 106] الآية. إلا أربعة وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حماد سجادة، وعبيد الله بن عمر القواريري. فقيدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى المأمون، ثم استدعى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم فأجاب سجادة إلى القول بذلك فأطلق. ثم امتحنهم في اليوم الثالث فأجاب القواريري إلى ذلك فأطلق قيده. وأخر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجند لأنهما أصرا على الامتناع من القول بذلك، فأكد قيودهما وجمعهما في الحديد وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطرسوس، وكتب كتابا بإرسالهما إليه. فسارا مقيدين في محارة على جمل متعادلين رضي الله عنهما. وجعل الإمام أحمد يدعو الله عز وجل أن لا يجمع بينهما وبين المأمون، وأن لا يرياه ولا يراهما، فلما كانوا ببعض الطريق بلغهم موت المأمون فردوا إلى الرقة، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد، فاستجاب الله سبحانه دعاء عبده ووليه الإمام أحمد بن حنبل، فلم يريا المأمون ولا رآهما، بل ردوا إلى بغداد.

قيام المأمون بتوجيه ابنه العباس إلى أرض الروم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام المأمون بتوجيه ابنه العباس إلى أرض الروم.
218 جمادى الأولى - 833 م
وجه المأمون ابنه العباس إلى أرض الروم وأمره بنزول الطوانة وبنائها وكان قد وجه الفعلة والفروض فابتدأ البناء وبناها ميلا في ميل وجعل سورها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أربعة أبواب وبنى على كل باب حصنا وكان توجيهه ابنه العباس في ذلك، في أول يوم من جمادى.

وفاة الخليفة العباسي المأمون.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الخليفة العباسي المأمون.
218 رجب - 833 م
مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة فلما مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد؛ وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء، والقضاة، والقواد، ثم بقي مريضا إلى أن توفي في شهر رجب قرب طرسوس ثم حمله ابنه العباس، وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم، وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً.

اغتيال الوزير العبيدي (الفاطمي) المأمون البطائحي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

اغتيال الوزير العبيدي (الفاطمي) المأمون البطائحي.
519 - 1125 م
قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون في ليلة السبت لأربع خلون من شهر رمضان، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلاً من أهله وخواصه، واعتقله. فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرصع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه. ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلي ذهب وثلاثمائة صندوق فيها كسوة بدنه، ومائتا سلة ما بين بلور محكم وصيني لا يقدر على مثلها، ومائة برنية (فخار كبير) مملوءة كافور قنصوري؛ ومائة وعاء مملوء عوداً؛ ومن ملابس النساء ما لا يحد. حمل جميع ذلك إلى القصر، وصلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ويقال: إن سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى، أخي الآمر، يعزيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه في الخلافة؛ فلما تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجل، أبا الحسن علي بن أبي أسامة، كاتب الدست، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه، وكان المأمون يؤذيه كثيرا. فبلغ الخليفة الحال، وبلغه أيضا أن بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن وأمره أن يضرب السكة ويكتب عليها: الإمام المختار محمد بن نزار. ويقال: إنه سم مبضعاً ودفعه لفصاد الخليفة، فأعلم الفصاد الخليفة بالمبضع. وكان مولده في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقيل في سنة تسع. وكان من ذوي الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول، كريما، واسع الصدر، سفاكا للدماء، شديد التحرز، كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند والعامة؛ فكثر الواشون والسعاة بالناس في أيامه ويقال: إن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وأنه مات ولم يخلف شيئا، فتزوجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يعلم البناء بمصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق بمصر، وأنه دخل مع الحمالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفاً رشيقاً حسن الحركة حلو الكلام، فأعجب به، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان، فلم يزل يتقدم عنده حتى كبرت منزلته، وعلت درجته. وهذا ليس بصحيح فإنه من أجناد المشارقة، وقد تقدم أن أباه مات في زمن الأفضل بعد ما ترقت أحوال ولده، وأنه كان ممن يعد من أماثل أهل الدولة. ورثي بعدة قصائد. وتقدم أن المأمون كان ممن يخدم المستنصر وأنه الذي لقبه بالمأمون. على أن المشارقة زادوا في التشنيع وذكروا أنه كان يرش الماء بين القصرين، وكل ذلك غير صحيح. وكان المأمون شديد المهابة في النفوس وعنده فطنة تامة وتحرز وبحث عن أخبار الناس وأحوالهم، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكان القاهرة ومصر بحديث في ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون، ولا سيما أخبار الولاة وعمالهم. ومشت في أيامه أحوال البلاد وعمرت، وساس الرعايا والأجناد وأحسن سياسته، إلا أنه اتهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدهم له وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يداً عند الخليفة الآمر، ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنه كان أكبر الناس منزلةً عند الأفضل ومتحكما في جميع أموره. وكان مع ذلك محببا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرب به من الإحسان إليهم، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسيرة الحسنة

قيام فتنة ببغداد بين أهل المأمونية وبني أهل باب الأزج.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قيام فتنة ببغداد بين أهل المأمونية وبني أهل باب الأزج.
614 محرم - 1217 م
وقعت ببغداد فتنة بين أهل المأمونية وبني أهل باب الأزج بسبب قتل سبع؛ وزاد الشر بينهم، واقتتلوا، فجرح بينهم كثير، فحضر نائب الباب وكفهم عن ذلك، فلم يقبلوا ذلك، وأسمعوه ما يكره، فأرسل من الديوان أمير من مماليك الخليفة، فرد أهل كل محلة إلى محلتهم، وسكنت الفتنة.

212 - عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن عبد الله المنصور، أبو العباس الهاشمي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

212 - عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد ابن محمد المهدي ابن عبد الله المنصور، أبو العبّاس الهاشميّ. [الوفاة: 211 - 220 ه]
وُلِد سنة سبعين ومائة عندما استُخْلِف أبوه الرشيد، وقرأ العلم في صِغره،
وَسَمِعَ مِنْ: هُشَيم، وعَبّاد بن العوّام، ويوسف بن عطّية، وأبي معاوية الضّرير، وطبقتهم.
وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس. ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها، فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن.
رَوَى عَنْهُ: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطَّيالسيّ، والأمير عبد الله بن طاهر، وأحمد بن الحارث الشّيعيّ، ودِعْبِل الخُزَاعيّ، وآخرون.
وكان من رجال بنى العبّاس حزْمًا وَعَزْمًا، وَحِلْمًا وَعِلْمًا، ورأيًا ودَهاءً، وهَيبةً وشجاعةً، وسُؤْدُدًا وسَمَاحة، وله محاسن وسيرة طويلة. -[352]-
قال ابن أبي الدُّنيا: كان أبيض، رَبْعة، حَسَن الوجه، تعلوه صُفْرة، وقد وَخَطَه الشَّيْب. أَعْيَن، طويل اللحية رقيقها. ضيّق الجبين، على خدّه خال.
وقال الجاحظ: كان أبيض فيه صُفْرة. وكان ساقاه دون جسده صفراوين، كأنهما طليتان بالزَّعْفران.
وقال ابن أبى الدُّنيا: قدِم الرشيد طُوسَ سنة ثلاثٍ وتسعين، فوجّه ابنَه المأمون إلى سَمَرْقَنْد. فأتته وفاة أبيه وهو بمَرْو.
وقال غيره: لما خلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد غضب المأمون ودعا إلى نفسه بخُراسان، فبايعوه في أول سنة ثمانٍ وتسعين ومائة.
وقال الخطْبيّ: كان يُكنَّى أبا العبّاس، فلمّا استُخْلف اكتنى بأبي جعفر. وأمّه أم ولد اسمها مراجل، ماتت أيّام نِفاسها به.
وقال أيضًا: دُعي للمأمون بالخلافة والأمين حيّ في آخر سنة خمسٍ وتسعين، إلى أن قُتل الأمين، فاجتمع النّاس عليه، وتفرّقت عُمّاله في البلاد، وأقيم الموسم سنة ستٍّ وسنة سبعٍ باسمه، وهو مقيمٌ بخُراسان. واجتمع الناس عليه ببغداد في أول سنة ثمانٍ. وأتاه الخبر بمَرْو، فولّي العراق الحَسَن بن سهل، فقدمها سنة تسعٍ، ثم بايع المأمون بالعهد لعليّ بن موسى الرضا الحُسَينيّ رحمه الله، ونوّهَ بذِكرِهِ، وغيَّر زيّ آبائه من لبْس السَّواد، وأبدله بالخُضْرة. فغضب بنو العباس بالعراق لهذين الأمرين وخلعوه، وبايعوا إبراهيم عمَّه ولقَّبوه " المبارك ".
فحاربه الحَسَن بن سهل، فهزمه إبراهيم وألحقه بواسط. وأقام إبراهيم بالمدائن. ثم سار جيش الحَسَن وعليهم حميد الطّوسيّ، وعليّ بن هشام، فهزموا إبراهيم، فاختفى وانقطع خبره إلى أن ظهر في وسط خلافة المأمون، فعفا عنه.
وكان المأمون فصيحًا مُفَوَّهًا. وكان يقول: معاوية بِعَمْرِه، وعبد الملك بِحَجَّاجِهِ، وأنا بنفسي. وقد رُوِيَت هذه عن المنصور.
وقيل: كان نقش خاتمه: المأمون عبد الله بن عبيد الله.
وروي عنه أنّه ختم في بعض الرمضانات ثلاثًا وثلاثين ختْمة.
وقال الحسين بن فَهْم الحافظ: حدثنا يحيى بن أكثم قال: قال لي المأمون: أريد أن أُحدِّث، فقلت: وَمَن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: -[353]- ضعوا لي منبرا. ثم صعد، فأول حديث: حُدِّثْنَا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رفع الحديث وقال: " امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إِلَى النَّارِ ".
ثم حَدَّث بنحوٍ من ثلاثين حديثًا ثم نَزَل فقال لي: كيف رأيت يا يحيى مجلسنا، قلت: أجلّ مجلس، تفقّه الخاصّة والعامّة، فقال: ما رأيتُ لكم حلاوة. إنّما المجلس لأصحاب الخُلْقان والمَحَابر.
وقال السّرّاج: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال: تقدّم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون فقال: يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به، فقال: ما تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئًا، قال: فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم، وحدثنا يحيى، وحدثنا حَجّاج، حتّى ذكر الباب، ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر فيه شيئًا، فقال المأمون: حدثنا فلان، وحدثنا فلان، إلى أن قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيامٍ ثم يقول أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم.
ومع هذا فكان المأمون مسرفًا في الكَرَم، جوادًا مُمَدَّحًا، جاء عنه أنه فرق في ساعة ستَّةً وعشرين ألف ألف درهم.
وكان يشرب النّبيذ. وقيل:، بل كان يشرب الخمر، فيُحرَّر ذلك.
وجاء إنّه أجاز أَعْرابيًا مرّةً لكونه مدحه بثلاثين ألف دينار.
وأما ذكاؤه فمُتَوَقِّد. روى مسروق بن عبد الرحمن الكِنْديّ: حدّثني محمد بن المنذر الكِنْديّ جار عبد الله بن إدريس قال: حجّ الرشيد، فدخل الكوفة وطلب المُحدِّثين. فلم يتخلّف إلّا عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين والمأمون. فحدَّثهما ابن إدريس بمائة حديث، فقال المأمون: يا عمّ، أتأذن أن أُعيدها من حفظي؟ قال: افعل، فأعادها، فَعَجِب من حفظه، ومضيا إلى عيسى فحدّثهما، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم، -[354]- فأبى أن يقبلها وقال: ولا شُربة ماء على حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى محمد بن عَون، عن ابن عيينة أن المأمون جلس فجاءته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين مات أخي وخلّف ستّمائة دينار، فأعطوني دينارًا، وقالوا: هذا نصيبك، فحسب المأمون وقال: هذا نصيبك. هذا خلّف أربع بنات، قالت: نعم، قال: لهن أربعمائة دينار. وخلّف والدةً فلها مائة دينار. وخلّف زوجةً فلها خمسة وسبعون دينارًا. بالله ألكِ اثنا عشر أخًا؟ قالت: نعم، قال: لكلّ واحدٍ ديناران وَلَكِ دينار.
وقال ابن الأعرابيّ: قال لي المأمون: أخبرني عن قول هند بنت عُتْبة:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
من طارق هذا؟ قال: فنظرت في نسبها فلم أجده، فقلت: ما أعرف، قال: إنّما أرادت النَّجْم، انتسبتْ إليه لحسنها. ثم دحى إليّ بعنبرةٍ بعْتُها بخمسة آلاف دِرْهم.
وقال بعضهم عن المأمون: مَن أراد كتابًا سرًّا فلْيكتبُ بلبنٍ حليب حُلِبَ لوقته، ويرسله إلى من يريد فيَعْمد إلى قِرْطاس فيحرقه وَيَذُرُّ رماده على الكتابة، فيقرأ له.
وقال الصُّوليّ: كان المأمون قد اقترح في الشطرنج أشياء. وكان يحبّ اللَّعِب بها.
وعن بعضهم قال: استخرج المأمون كُتُب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس، وقدِم الشامَ غير مَرّة.
وقال أبو مَعْشَر المنجِّم: كان أَمّارًا بالعدْل، محمود السيرة، ميمون النَّقيبة، فقيه النفس، يُعَدّ مع كبار العُلماء.
وعن الرشيد قال: إنّي لأعرف في عبد الله حزْم المنصُور، ونُسُك المهديّ، وعزّة الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع، يعني نفسه، لنسبته. وقد قدّمتُ محمدًا عليه، وإنّي لأعلم أنّه مُنقاد إلى هواه، مبذِّر لِمَا حَوَتْه يده، -[355]- يشارك في رأيه الإماء والنساء. ولولا أمّ جعفر ومَيْل بني هاشم إليه لقدَّمتُ عبدَ الله عليه.
وعن المأمون قال: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليَّ بالجرائم، وأخاف أن لَا أؤجَرَ فيه. يعني لكوْنه طَبعًا له.
وعن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يحلُمُ حتّى يُغيظَنا.
وقيل: إن ملاحا مر فقال: أتظنون أن هذا يَنْبُل في عيني وقد قتل أخاه الأمين؟ فسمعها المأمون فتبسَّم، وقال: ما الحيلة حتّى أنْبُل في عين هذا السّيّد الجليل؟.
وعن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفِقْه يوم الثلاثاء، فجاء رجل عليه ثياب قد شمّرها ونَعْلُهُ في يده. فوقف على طَرَف البساط وقال: السلام عليكم. فردّ عليه المأمون، فقال: أتأذن لي في الدُّنُوّ؟ قال: ادْنُ وتكلَّم، قال: أخبِرْني عن هذا المجلس الذي أنت فيه. جلَسته باجتماع الأمّة أَمْ بالمُغَالبة والقَهْر؟ قال: لَا بهذا ولا بهذا. بل كان يتولّى أمر المسلمين مَن عقد لي ولأخي. فلمّا صار الأمر لي علمت أنّي محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في الشرق والغرب على الرضى بي. فرأيت أنّي متى خلّيتُ الأمرَ اضطّرب حبْل الإسلام ومرج عهدهم، وتنازعوا، وبطل الجهاد والحج، وانقطعت السُّبُل. فقمت حِياطةً للمسلمين إلى أن يُجْمِعوا على رجلٍ يرضون به، فأُسلِّم إليه الأمر. فمتى اتّفقوا على رجلٍ خرجت له من الأمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وذهبَ، فوجّه المأمون مَن يكشف خبره. فرجع وقال: يا أمير المؤمنين مضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلًا في مثل هيئته، فقالوا له: أَلَقِيتَ الرجل؟ قال: نعم. وأخبرهم بما جرى، قالوا: ما نرى بما قال بأسا. وافترقوا. فقال المأمون: كفينا مؤونة هؤلاء بأيسر الخَطْب.
وقيل: أهدى ملك الروم إلى المأمون تُحَفًا سِنِية منها مائة رطل مِسْك، ومائة حلّة سَمُّور. فقال المأمون: أَضْعِفُوها له ليعلم عزّ الإسلام وذُلّ الكُفْر.
وقيل: دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال: ما حملك على الخلاف؟ قال قوله تعالى: {{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الكافرون}}. قال: ألك علمٌ بأنها مُنَزّلة؟ قال: نعم. قال: ما -[356]- دليلك؟ قال: إجماع الأمّة. قال: فكما رضيتَ بإجماعهم في التنزيل، فارْضَ بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين.
وقال محمد بن زكريا الغلابي: حدثنا مَهْديّ بن سابق قال: دخل المأمون يومًا ديوان الخَراج، فمرّ بغلام جميل على أُذنه قلم. فأعجبه حُسنُه فقال: مَن أنت؟ قال: الناشئ في دولتك، وخِرِّيج أدبك، والمتقلِّب في نِعمتك يا أمير المؤمنين، الْحَسَنُ بنُ رجاء، فقال: يا غلام بالإحسان في البديهة تفاضَلَت العقول، ثم أمر برفع مرتبه عن الدّيوان، وأمر له بمائة ألف درهم.
وعن إسحاق المَوْصِلّي قال: كان المأمون قد سخط على الخليع الشّاعر لكونه هجاه عندما قُتِل الأمين. فبينا أنا ذات يوم عند المأمون إذ دخل الحاجب برُقْعة، فاستأذن في إنشادها. فأُذِن له، فقال:
أَجِرْني فإنّي قد ظَمِئْتُ إلى الوعدِ ... متى تُنْجزِ الوعدَ المؤكَّد بالعهدِ
أُعيذُكَ مِن خُلْف الملوك فقد ترى ... تقطُّعَ أنفاسي عليك من الوجدِ
أَيَبْخَلُ فردُ الْحُسْنِ عنّي بنائلٍ ... قليلٍ وقد أفردته بهوي فردِ
إلى أن قال:
رأى اللَّهُ عبدَ اللَّهِ خيرَ عبادِهِ ... فمَّلكَهُ واللَّهُ أعلمُ بالعبد
ألا إنّما المأمونُ للنّاسِ عِصْمةً ... مميِّزةً بينَ الضلالة والرُّشدِ
فقال له: أحسنت، قال: يا أمير المؤمنين أحسن قائلها، قال: ومن هو؟ قال: عُبَيْدُك الحُسَين بن الضّحّاك، فقال: لَا حيّاه اللَّهُ ولا بيّاه. أليس هو القائل:
فلا تمّت الأشياء بعد محمدٍ ... ولا زال شَمْلُ المُلْك فيها مبدَّدا
ولا فرح المأمون بالمُلْك بعدَهُ ... ولا زال في الدّنيا طريدًا مُشرَّدًا
هذه بتلك، ولا شيء له عندنا، قال الحاجب: فأين عادةُ عَفْوِ أمير المؤمنين، قال: أمّا هذه فنعم. ائذنوا له، فدخل، فقال له: هَل عرفت يوم قُتِل أخي هاشمية هتكت؟ قال: لا، قال: فما معنى قولك:
وممّا شجى قلبي وكَفْكَفَ عَبْرتي ... مَحارِمُ من آلِ الرسول استُحلَّتِ
ومهتوكةٌ بالجلْد عنها سُجُوفها ... كعابٌ كقرن الشمس حين تبدت -[357]-
فلا بات لَيْلُ الشّامتين بغبطةٍ ... ولا بَلَغَتْ آمالُهم ما تَمَنَّتِ
فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة سُلِبتُها بعد أن غمرتني. فإن عاقبتَ فبحقّك، وإن عفوتَ فبفضلك. فدمعت عينا المأمون وأمر له بجائزة.
حكى الصُّوليّ أنّ المأمون كان يحبّ اللّعِب بالشَّطَرَنْج، واقترح فيه أشياء، وكان يَنْهَى أن يقال: تعال نلعب، ويقول:، بل نَتَنَاقَل، ولم يكن بها حاذقًا، فكان يقول: أنا أدبِّر أمر الدُّنيا واتْسع لها، وأضيق عن تدبير شِبْرَيْن. وله فيها:
أرضٌ مربعةٌ حمراء من أدمٍ ... كما بين إلْفَيْن معروفين بالكَرَمِ
تَذَاكرا الحربَ فاحتالا لها حِيَلًا ... مِن غير أن يأثَمَا فيها بسفْكِ دمِ
هذا يُغير على هذا وذاك على ... هذا يُغير وعينُ الحَزْم لم تَنَمِ
فانظُر إلى فطنٍ جالتْ بمعرفةٍ ... في عسكَرَيْن بلا طبلٍ ولا عَلَمِ
وقيل: إنّ المأمون نظر إلى عمّه إبراهيم بن المهديّ وكان يُلَقَّب بالتِّنّين، فقال: ما أظنّك عشقت قطّ. ثم أنشد:
وجه الذي يعشق معروفُ ... لأنّه أصفرٌ منحوف
ليس كمن يأتيك ذا جثةٍ ... كأنّه للذّبْح معلوف
وعن المأمون قال: أعياني جواب ثلاثة. صرت إلى أم ذي الرياستين أُعزّيها فيه، فقلت: لَا تأسَيْ عليه فإنّي عِوَضه لكِ، قالت: يا أمير المؤمنين وكيف لَا أحزن على ولدٍ أكسبني مثلك، وأُتيتُ بِمُتنبئ فقلت: مَن أنت؟ قال: أنا موسى بن عِمران، قلت: ويْحك، موسى كانت له آيات فأتني بها حتى أؤمن بك، قال: إنما أتيت بهذه المعجزات فرعون، إذ قال أنا ربّكم الأعلى. فإن قلت كذلك أتيتك بالآيات.
قال: وأتى أهلُ الكوفة يشكون عاملهم فقال خطيبهم: هو شر عاملٍ. أما في أول سنةٍ فإنّا بِعْنا الأثاث والعقار، وفي الثانية بعنا الضّياع، وفي الثالثة نزحنا عن بلدنا وأتيناك نستغيث بك. فقلت: كذبت، بل هو رجل قد حمدتُ مذهبَهُ، ورضيتُ دينه، واخترته معرفةً مني بكم وتقديم سخطكم على العمّال. قال: صدقتَ يا أمير المؤمنين وكذبتُ أنا. فقد خصصْتنا به هذه المدّة دون باقي البلاد، فاستعمله على بلدٍ آخر ليشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي -[358]- شملنا. فقلت: قُم في غيرِ حِفْظ الله، قد عزلته عنكم.
وممّا يُنسب إلى المأمون من الشعر:
لساني كتومٌ لأسراركُمْ ... ودمعي نمومٌ لسرّي مُذِيعُ
فلولا دموعي كتمت الهوى
ولولا الهوى لم تكن لي دموعُ
وكان قدوم المأمون من خراسان إلى بغداد في سنة أربعٍ ومائتين. دخلها في رابع صفر بأبهةٍ عظيمة، وتجمل زائد.
قال إبراهيم بن محمد بن عَرَفة النَّحْويّ في تاريخه: حكى أبو سليمان داود بن عليّ، عن يحيى بن أكثم قال: كنت عند المأمون وعنده جماعةٌ من قوّاد خُراسان، وقد دعا إلى خلْق القرآن حينئذٍ، فقال لأولئك القوّاد: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: كان شيخونا يقولون: ما كان فيه من ذِكْر الحمير والجِمال والبقر فهو مخلوق، وما كان من سوى ذلك فهو غير مخلوق. فأما إذا قال أمير المؤمنين هو مخلوق، فنحن نقول كلّه مخلوق، فقلت للمأمون: أتفرح بموافقة هؤلاء؟ قال ابن عَرَفة: أمر المأمون مناديًا فنادى في الناس ببراءة الذّمّة ممّن ترحَّم على معاوية أو ذكره بخير.
وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشرة. فكثر المنكر لذلك، وكاد البلد يفتتن ولم يلتئم له من ذلك ما أراد، فكفَّ عنه. يعني كفّ عنه إلى بعد هذا الوقت.
ومِن كلام المأمون: النّاس ثلاثة، فمنهم مثل الغذاء لَا بُدّ منه على حالٍ من الأحوال، ومنهم كالدّواء يُحْتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالدّاء مكروه على كلّ حالٍ.
وعن المأمون قال: لَا نزهة ألذّ من النظر في عقول الرجال.
وقال: غَلَبَةُ الحُجّة أحبّ إليّ من غَلَبَة القُدرة. لأنّ غَلَبَة الحُجّة لَا تزول، وغَلَبَةُ القُدرة تزول بزوالها.
وكان المأمون يقول: الملك يغتفر كلَّ شيء إلّا القَدْح في المُلْك، وإفشاء السّرّ، والتعرّض للحُرَم.
وقال: أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يُدبر، وإذا أدبر أن يُقبل. -[359]-
وقيل للمأمون: أيُّ المَجالس أحسن؟ قال: ما نُظِر فيه إلى النّاس. فلا منظر أحسن من النّاس.
وكان المأمون معروفًا بالتشيُّع، فروى أبو داود المَصَاحِفيّ قال: سمعت النَّضْر بن شُمَيْلٍ يقول: دخلت على المأمون فقال: إنّي قلت اليوم:
أصبح ديني الذي أدِينُ به ... ولست منه الغَداةِ مُعْتذرا
حبّ عليّ بعد النّبيِّ ولا ... أشتم صِدِّيقَه ولا عُمَرا
وابنُ عفانٍ في الْجِنان مع الأبرار ... ذاك القتيل مُصْطَبرا
وعائشُ الأمّ لستُ أشْتمها ... مَن يَفْتَريها فنحن منه بُرا
وَقَدْ نَادَى الْمَأْمُونُ بِإِبَاحَةِ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بِهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ حَتَّى أَبْطَلَهَا، وَرَوَى لَهُ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنَيِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن متعة النساء يوم خَيْبَرَ. فَلَمَّا صَحَّحَ لَهُ الْحَدِيثَ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ.
وأمّا مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها وصمّم عليها في سنة ثمان عشرة. وامتحن العلماء، فعُوجِل ولم يُمْهَل. توجّه غازيًا إلى أرض الروم فلمّا وصل إلى البَذَنْدون مرض واشتد به الأمر فأوصى بالخلافة إلى أخيه المعتصم.
وكان قد افتتح في غزوته أربعة عشر حصنًا، وردّ فنزل على عين البَذَنْدون، فأقام هناك واعتلّ.
قال المسعودي: أعجبه برد ماء العين وصفاؤها، وطِيب الموضع وكثرة الخُضْرة، وقد طُرح له درهم في العين، فقرأ ما عليه لفرط صفائها. ولم يقدر أحد أن يسبح فيها لشدّة بردها. فرأى سمكة نحو الذّراع كأنّها الفضّة. فجعل لمن يخرجها سيفا، فنزل فراشٌ فاصطادها وطلع، فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحْره وابتلّ ثوبه. ثم نزل الفرّاش ثانيةً وأخذها. فقال المأمون: تُقْلَى السّاعة. ثم أخذته رِعْدة فغُطّي باللُّحُف وهو يرتعد ويصيح. فأُوقدت حوله نارٌ. ثم أتي بالسمكة فما ذاقها لشُغله بحاله. فسأل المعتصمُ بُخْتَيْشُوعَ وابنَ ماسَوَيْه عن مرضه، فجسّاه، فوجدا نبضه خارجًا عن الاعتدال، -[360]- مُنْذِرًا بالفَنَاء، ورأيا عَرَقًا سائلًا منه كلُعاب اللاعية فأنكراه ولم يجداه في كُتُب الطّبّ، ثم أفاق المأمون من غَمْرته، فسأل عن تفسير اسم المكان بالعربي، فقيل: " مدّ رجليك ". فتطيّر به. وسأل عن اسم البقعة، فقيل الرقة. وكان فيما علم مِن مولده أنّه يموت بالرَّقّة. فكان يتجنّب النزول بالرقة. فلما سمع ذلك من الروم عَرَف وأيسَ، وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، وأجلس المعتصم عنده من يُلقّنه الشهادة لما ثَقُل. فرفع الرجل بها صوتَه، فقال له ابنُ ماسوَيْه: لَا تصيح، فواللهِ ما يفرّق الآن بين ربّه وبين ماني. ففتح عينيه وبهما من عِظَم التَّوَرُّم والاحمرار أمرٌ شديد، وأقبل يحاول بيديه البطْشَ بابن ماسويه، ورام مُخَاطبَتَه فعجز، فرمَق بطرفه نحو السّماء وقد امتلأت عيناه دموعًا، وقال في الحال: يا مَن لَا يموت ارحم مَن يموت. ثم قضى ومات في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة. فنقله ابنه العبّاس وأخوه المعتصم لما تُوُفّي إلى طَرَسُوس، فدُفِن هناك في دار خاقان خادم أبيه.

201 - العباس ابن المأمون ابن الرشيد الهاشمي الأمير.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

201 - العباس ابن المأمون ابن الرشيد الهاشميّ الأمير. [الوفاة: 221 - 230 ه]
أحد مَن ذُكِرَ للخلافة عند وفاة أبيه. وقد تلكّأ عند مبايعة المعتصم، وهم بالخروج عليه في سنة ثلاثٍ وعشرين، فقبض عليه المعتصم، ومات في سنة أربعٍ وعشرين ومائتين شابًّا.

401 - محمد بن أحمد بن يحيى بن شيرين، المحدث أبو أحمد الشيريني الجرجاني، الملقب بالمأمون.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

401 - محمد بن أَحْمَد بن يَحْيَى بن شيرين، المحدّث أَبُو أَحْمَد الشيريني الْجُرْجَانِيّ، الملقب بالمأمون. [الوفاة: 281 - 290 ه]
رَوَى عَنْ: عَليّ بن الْجَعْد، وَيَحْيَى بن بكير، وطبقتهما.
وَعَنْهُ: محمد بن يزداد البكراوي، وَمحمد بن أَحْمَد بن إسْمَاعِيل الصرامي، وَأَبُو إِسْحَاق اليزيدي؛ الْجُرْجَانِيّون، وَمحمد بن الْقَاسِم العتكي.

71 - محمد بن موسى بن يعقوب بن عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، أبو بكر العباسي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

71 - محمد بْن مُوسَى بْن يعقوب بْن عَبْد اللَّه المأمون بْن هارون الرشيد، أَبُو بَكْر الْعَبَّاسي. [المتوفى: 342 هـ]
تُوُفّي بمصر فِي ذي الحجة. وكان فقيهًا شافعيًا. قد ولي مكّة فِي شبيبته وعُمّر دهرًا. وكان ذا عقلٍ ورأي وتودُّد. وعمي بأخرة.
قال ابن يونس: توفي في ذي الحجة بمصر، ومولده كان بمكة في سنة ثمان وستين ومائتين. روى " الموطأ " عَنْ: عَلِيّ بْن عَبْد العزيز، عَنِ القَعْنَبيّ. وحدَّث أيضًا عَنِ النَّسائيّ. وكان ثقة مأمونًا.

472 - عبد السلام بن حسن، أبو طالب المأموني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

472 - عبد السلام بن حسن، أبو طالب المأموني. [الوفاة: 371 - 380 هـ]
من فُحُول الشعراء، له مدائح في الصّاحب بن عَبّاد وغيره.
فمن شعره:
يا رَبْعُ لو كنتُ دمعًا فيك مُنْسَكبا ... قضيتُ نَحْبي ولم أقض الذي وَجَبَا
وعُصْبَةً بات فيها الغَيْظُ مُتَّقِدًا ... إذْ شُدْتُ لي فَوْقَ أعناقِ العدا رتبا
فكنت يوسف والأسباط هم وأبو الـ ... أسباط أنت ودعواهم دَمًا كَذِبَا

96 - عبد السلام بن الحسين، أبو غالب المأموني.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

96 - عَبْد السلام بْن الْحُسَيْن، أَبُو غالب المأموني. [المتوفى: 383 هـ]
شاعر محسن مفلق، بديع القول، بغدادي، شريف جليل. مدح الصّاحب بْن عَبَّاد، ورؤساء نيسابور وبُخَارَى، وكان يسمو بهمّته إلى الخلافة.
أخذ عَنْهُ الثَّعَالِبي وفخّمه وأرّخه.

202 - محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، أبو بكر الهاشمي العباسي البغدادي.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

202 - مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن الفضل بْن المأمون، أَبُو بَكْر الهاشمي العباسي البغدادي. [المتوفى: 396 هـ]
سَمِعَ: أَبَا بَكْر بْن زياد النَّيْسَابُوري، وأبا بكر ابن الْأنباري، والمَحَامِلي، وجماعة.
وهو جدّ أَبِي الغنائم عَبْد الصَّمد بْن عَلِيّ.
رَوَى عَنْهُ: -[770]- أَبُو بَكْر البَرْقَاني، وهبة اللَّه اللالكائي، وعَبْد الباقي بْن مُحَمَّد بْن غالب العطّار، وجماعة.
وعاش ستًا وثمانين سنة،
ووثّقه الخطيب.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت